صلاة الضحى

صلاة الضحى

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

مِنَ النَّوَافِلِ العَظِيمَةِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ صَلَاةُ الضُّحَى، وَقَد وَرَدَ فِي القُرءَانِ وَالسُّنَّةِ فِي فَضلِهَا وَالتَّرغِيبِ بِهَا نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ، وَوَصَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصحَابَهُ وَأُمَّتَهُ بِأَن يَلتَزِمُوا بِهَا وَلَا يُضَيِّعُوهَا، وَحَظِيَت بِاهتِمَامِ العُلَمَاءِ فِي كُتُبِهِم، مِن مُبَيِّنٍ لِفَضلِهَا وَشَارِحٍ لِأَحكَامِهَا وَخَصَائِصِهَا، وَغَيرِ ذَلِكَ، وَفِي هَذَا المَقَالِ نَتَنَاوَلُ بَعضًا مِن أَحكَامِ هَذِهِ الصَّلَاةِ العَظِيمَةِ وَبَعضَ فَضَائِلِهَا وَخَصَائِصِهَا.

حكم صلاة الضحى

صَلَاةُ الضُّحَى سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَاظَبَ النَّبِيُ ﷺ عَلَيهَا.

عدد ركعات صلاة الضحى

أَقَلُّهَا رَكعَتَانِ: قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَوصَانِي خَلِيلِي  بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِن كُلِّ شَهرٍ، وَرَكعَتَي الضُّحَى، وَأَن أُوتِرَ قَبلَ أَن أَنَامَ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

وَأَدنَى الكَمَالِ: أَربَعٌ، وَأَكمَلُ مِنهُ: سِتٌّ، قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنها: «كَانَ رَسُولُ الله  يُصَلِّي الضُّحَى أَربَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَاختُلِفَ فِي أَكثَرِهَا: قَالَ النَّوَوِيُّ فِي المِنهَاجِ: «وَأكثَرُهَا اثنتَا عَشَرَةَ رَكعَةً، لِخَبرِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِن صَلَّيتَ الضُّحَى رَكعَتَينِ لَم تُكتَب مِنَ الغَافِلِينَ، أَو أَربَعًا كُتِبتَ مِنَ المُحسِنِينَ، أَو سِتًّا كُتِبتَ مِنَ القَانِتِينَ، أَو ثَمَانِيًا كُتِبتَ مِنَ الفَائِزِينَ، أَو عَشرًا لَم يُكتَب عَلَيكَ ذَلِكَ اليَومَ ذَنبٌ، أَو ثَنتَي عَشَرَةَ بَنَى اللهُ لَكَ بَيتًا فِي الجَنَّةِ»، وَقَالَ فِي الرَّوضَةِ: «أَفضَلُهَا ثَمَانٍ وَأَكثَرُهَا ثِنتَا عَشَرَةَ»، وَنَقَلَ فِي المَجمُوعِ عَنِ الأَكثَرِينَ أَنَّ أَكثَرَهَا ثَمَانٍ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّحقِيقِ. 

من زاد على ركعتين هل يفصل بالتسليمة أم يصلى بتسليمة واحدة؟

يُسَنُّ لِمَن زَادَ عَلَى رَكعَتَينِ أَن يُسَلِّمَ مِن كُلِّ رَكعَتَينِ، وَيَنوِي رَكعَتَينِ مِنَ الضُّحَى، قَالَت أُمُّ هَانِئٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «صَلَّى النَّبِيُّ  سُبحَةَ (صَلَاةَ) الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمَ مِن كُلِّ رَكعَتَينِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسنَادٍ عَلى شَرطِ البُخَارِيِّ، وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنهَا قَرِيبٌ مِنهُ.

وَيَجُوزُ أَن يُصَلِّيَهَا بِتَسلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ.

وقت صلاة الضحى

وَقتُ صَلَاةِ الضُّحَى مِنَ ارتِفَاعِ الشَّمسِ كَرُمحٍ كَمَا فِي التَّحقِيقِ وَالمَجمُوعِ، أَي بَعدَ نَحوِ عِشرِينَ دَقِيقَةً مِنَ الشُّرُوقِ، وَقَالَ فِي الرَّوضَةِ نَقلًا عَن الأَصحَابِ إِنَّ وَقتَهَا يَبدَأُ مِن أَوَّلِ طُلُوعِ الشَّمسِ، وَيُستَحَبُّ تَأخِيرُهَا إلَى ارتِفَاعِهَا، وَلَكِن رُدَّ -كَمَا قَالَهُ الأَذرَعِيُّ- بِأَنَّهُ غَرِيبٌ أَو سَبقُ قَلَمٍ.

وَالاختِيَارُ: فِعلُهَا عِندَ مُضِيِّ رُبعِ النَّهَارِ، أَي تَأخِيرُهَا إِلَى قَرِيبٍ مِن وَقتِ الظُّهرِ قَبلَهُ، لِخَبرِ مُسلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَصَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرمَضُ الفِصَالُ»، أَي حِينَ تَبرُكُ أَولَادُ الإِبِلِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ فِي خِفَافِهَا، وَلِئَلَّا يَخلُوَ كُلُّ رُبعٍ مِنَ النَّهَارِ عَن عِبَادَةٍ.

الذكر المسنون بعد صلاة الضحى

عَن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الضُّحَى ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغفِر لِي وَتُب عَلَيَّ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»، حَتَّى قَالَهَا مِائَةَ مَرَّةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ.

خاتمة في فضل صلاة الضحى

قَد رَغَّبَ اللهُ تَعَالَى بِصَلَاةِ الضُّحَى وَحَثَّ عَلَيهَا عِبَادَهُ فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ حَيثُ قَالَ تَعَالى: ﴿يُسَبِّحنَ بِالعَشِيِّ وَالإِشرَاقِ﴾، [سُورَةُ ص:18]، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: صَلَاةُ الإِشرَاقِ صَلَاةُ الضُّحَى.

وَقَد رَغَّبَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يُصبِحُ عَلى كُلِّ سُلامَى [وَهِيَ المَفَاصِلُ فِي الجِسمِ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مَفصَلًا] مِن أَحدِكُم صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمرٌ بِالمَعرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عَنِ المُنكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجزِئُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ رَكعَتَانِ يَركَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى»، فَفِي الحَدِيثِ بَيَانُ عَظِيمِ فَضلِ صَلَاةِ الضُّحَى، فَيَنبَغِي المُدَاوَمَةُ عَلَيهَا.

وَكَانَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ: خَدَمتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابنُ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا عَلَّمَنِي قَالَ: «يَا أَنَسُ، لَا يَفُوتَنَّكَ رَكعَتَا ‌الضُّحَى، فَإِنَّهَا صَلَاةُ الأَوَّابِينَ»، رَوَاهُ ابنُ حَجَرٍ فِي المَطَالِبِ العَالِيَةِ.

وَرُوِيَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ خِصَالٍ، لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: «أَن لَا أَنَامَ إِلَّا عَلَى وِترٍ، وَأَن أَصُومَ مِن كُلِّ شَهرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَن لَا أَدَعَ صَلَاةَ ‌الضُّحَى»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَرَوَى أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ بَابُ الضُّحَى، فَإِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَينَ الَّذِينَ كَانُوا يُدِيمُونَ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى؟ هَذَا بَابُكُم فَادخُلُوهُ»، رَوَاهُ أَبُو الفَتحِ المَقدِسِيُّ فِي أَمَالِيِّهِ.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن حَافَظَ عَلَى سُبحَةِ الضُّحَى غُفِرَت لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِن كَانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ» رَوَاهُ أَحمَدُ والتِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجه.

وَعَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن صَلَّى صَلَاةَ الفَجرِ» أَو قَالَ: «الغَدَاةَ فَقَعَدَ فِي مَقعَدِهِ وَلَم يَلغُ بِشَيءٍ مِن أَمرِ الدُّنيَا يَذكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يُصَلِّيَ الضُّحَى أَربَعَ رَكَعَاتٍ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَومِ وَلَدَتهُ أُمُّهُ»، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابنُ السُّنِّيِّ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

اقرأ آيضًا:

صلاة الضحى

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  • القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  • السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  • صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  • صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  • سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
  • سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
  • سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
  • مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ.
  • الأَدَبِ المُفرَدِ للبُخَارِيِّ.
  • السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
  • رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  • المَجمُوعِ شَرحِ المُهَذَّبِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  • كِتَابِ التَّحقِيقِ لِلنَّوَوِيِّ.
  • نِهَايَةِ المُحتَاجِ إِلى شَرحِ المِنهَاجِ لِشَمسِ الدِّينِ الرَّملِيِّ.
  • الغُرَرِ البَهِيَّةِ فِي شَرحِ البَهجَةِ الوَردِيَّةِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيّ.
  • كِتَابِ عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلِ لِابنِ السُّنِّيِّ.
  • أَمَالِيِّ أَبِي الفَتحِ المَقدِسِيِّ.
  • المَطَالِبِ العَالِيَةِ لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
أمثلة على آيات متشابهة من القرءان وتأويلها

أمثلة على آيات متشابهة من القرءان وتأويلها

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share