بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
الحديث
عَن مَيمُونَةَ بنتِ سَعدٍ أَنَّهَا قَالَت: قُلتُ: يَا رسُولَ اللهِ هَل يَأكُلُ أحَدُنَا وهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: “لَا يَأكُلُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ“، قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَل يَرقُدُ الجُنُبُ؟ قَالَ: “مَا أُحِبُّ أَن يَرقُدَ وَهُوَ جُنُبٌ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَيُحسِنَ وُضُوءَهُ، وَإِنِّي أَخشَى أَن يُتَوَفَّى فَلَا يَحضُرَهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ” رَواهُ الطَّبَرَانِيّ فِي المُعجَمِ الكَبِيرِ.
معنى الحديث
معنى “يَرقُدُ“: أي ينام.
سُئِلَ رسولُ الله ﷺ في هذا الحديث عن حكم النوم والأكل حال الجنابة، فأشار ﷺ إلى الوضوء قبل النوم والأكل حال الجنابة، وبين الحكمة من ذلك وهو أن الشخص قد يصاب بشيء أثناء نومه وقد يموت فلا تقترب منه الملائكة ومنهم سيدنا جبريل عليه السلام لأن الملائكة تبتعد عن الوسخ والريح الكريه بخلاف الشياطين فإنها تقترب من ذلك.
حكم الوضوء قبل الأكل والنوم حال الجنابة
هناك أقوال كثيرة في حكم الوضوء في هذه الحالة، لكن ذهب جمهور العلماء إلى أن الوضوء هنا مستحب.
والمراد بالوضوء هنا وضوء الصلاة كما ورد في رواية عن أَبي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْقُدُ وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَتْ: (نَعَمْ، وَيَتَوَضَّأُ وَضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ)، رواها أحمد في مسنده وغيرُه.
الخلاصة
- أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِنَّمَا يَتَضَيَّقُ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ
- اسْتِحْبَابُ التَّنْظِيفِ عِنْدَ النَّوْمِ.
- نوم الجُنب على ثلاث مراتب:
- الأولى: أن يغتسل ثم ينام، وهو الأفضل والأكمل.
- الثانية: أن يتوضأ ثم ينام.
- الثالثة: أن ينام دون أن يمسّ ماء.
ويُعلل بعض العلماء حثّ الجُنب على الوضوء قبل النوم أن الوضوء يُخفف الجنابة.
فوائد من الحديث
تفنيد اعتقاد عدم نزول جبريل على الأرض بعد وفاة النبي ﷺ
اشتَهَرَ علَى ألسنةِ الناسِ أنَّ جبريلَ لَا ينزلُ إلَى الأرضِ بعدَ موتِ النبيِّ ﷺ. قالَ الإمامُ السيوطيُّ رحمَهُ اللهُ: وهذَا شيءٌ لَا أصلَ لهُ، ومِنَ الدليلِ عِلِى بطلانِهِ ما أخرَجَهُ الطبرانيُّ فِي المعجمِ الكبيرِ عنْ ميمونةَ بنتِ سعدٍ قالَتْ: يَا رسولَ اللهِ هلْ يَرْقُدُ الجُنُبُ؟ قالَ لَهَا: “مَا أُحِبُّ أَنْ يَرْقُدَ وَهُوَ جُنُبٌ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَوَفَّى فَلَا يَحْضُرُهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ“، فهذَا الحديثُ يدلُّ علَى أنَّ جبريلَ ينزلُ إلَى الأرضِ.
ثمَّ قالَ: ثمَّ رأيتُ في قولِه تعالَى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ عن الضحاكِ أنَّ الروحَ هنَا جبريلُ، وأنَّه ينزلُ هُوَ والملائكةُ في ليلةِ القدرِ، ويُسَلِّمُوْنَ على المسلمينَ، وذلكَ في كلِّ سنةٍ فعُلمَ مِنْ هذهِ الأخبارِ أنَّ جبريلَ نزلَ إلَى الأرضِ بعدَ موتِ نبيِّنَا ﷺ، ومَا اشْتَهَرَ بينَ الناسِ مِنْ أنَّهُ حَرَّمَ علَى نفسِهِ نزولَ الأرضِ بعدَ موتِ نبيِّنَا ﷺ فهوَ باطلٌ. واللهُ أعلمُ بالصوابِ.اهـ
جواز خروج الجنب من البيت قبل الغسل
اشتهر على ألسنة بعض الناس أن الجنب لا يجوز أن يخرج من بيته قبل أن يغتسل، بل زاد بعضهم أن الملائكة تلعنه بكل خطوة يخطوها خارج البيت وهذا لا أصل له، فقد روى الحافظ أبو الحسن الرزاز المعروف بـبحشل في تاريخ واسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج حنظلة بن الراهب وحمزة بن عبد المطلب يوم معركة أحد وهما جنبان (بسبب الجماع ولم يكونا اغتسلا حين خرجا للجهاد)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “فَرَأَيتُ المَلَائِكَةَ تَغَسِّلُهُمَا” أي بعد استشهادهما تكريماً لهما وإظهاراً لشرفهما.
المؤمن وإن كان على جنابة فإنه لا ينجس
وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنه قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَخَذَ بِيَدي فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهْوَ قَاعِدٌ فَقَالَ “أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ” فَقُلْتُ لَهُ (أي قال له أنه ذهب للاغتسال)، فَقَالَ “سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ“.
المرأة وإن كانت في حال الحيض أو النفاس أو الاستحاضة لا تكون نجسة
المرأة وإن كانت في حال الحيض أو النفاس أو الاستحاضة لا تكون نجسة، ففي صحيح مسلم أن النبيّ ﷺ قَالَ لأم المؤمنين سيدتنا الطاهرة المطهرة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما: “يَا عَائِشَةُ نَاوِلِينِي الثَّوْبَ“، فَقَالَتْ إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ ﷺ: “إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ“، قالت فَنَاوَلَتْهُ (أي الثوب).
بارك الله فيكم و رزقكم الجنه