صحيح البخاري(38) | كتاب الوضوء (9)| وفضل النوم على وضوء 

صحيح الإمام البخاري

المقدمة

الْحَمدُ للهِ الَّذِي لَم يَتَّخِذ وَلَدًا، وَلَم يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلكِ، وَخلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلكُ، وَلَهُ الْحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَنَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ البَشِيرُ النَّذِيرُ، الدَّاعِي إِلَيْهِ بِإِذْنِهِ، السِّرَاجُ الْمُنِيرُ، أَرْسلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدَّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ الْمُشْركُونَ. وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَعظَمَ عَلَينَا الْمِنَّةَ بِالْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَوَفَّقَنَا بِفَضلِهِ لِلِاتِّبَاعِ، وَعَصَمَنَا بِرَحمَتِهِ مِنَ الِابتِدَاعِ. 

وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَلَحظَةٍ عَلَى دَوَامِ الْأَبَدِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحتَ الْعَدَدِ، وَلَا يَنْقَطِعُ عَنهُ المَدَدُ، وَعَلَى إِخوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسلِينَ وَالْمَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، وَعَلَى أَزوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَأَصْحَابِهِ وَعِترَتِهِ، وَعََلَى مُتَّبِعِي سُنَّتِهِ، وَأَهلِ إِجَابَةِ دَعوَتِهِ بِمَنِّهِ وَفَضلِهِ وَسَعَةِ رَحمَتِهِ. أَمَّا بَعدُ: 

نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ كِتَابِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا بَدَأنَا بِكِتَابَ الوُضُوءِ بِفَضْلِ اللهِ، وَنُكْمِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ وَصَلْنَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ….

72- بَابٌ: إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْمُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ.

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهُوَ يُصَلِّي وَضَعَهُ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. 

وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ: إِذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ تَيَمَّمَ صَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ الْمَاءَ فِي وَقْتِهِ لَا يُعِيدُ.

الشَّرْحُ

بَابٌ: إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْمُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ (اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي هَذَا الحُكْمِ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَأُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِهِ نَجَاسَةٌ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ عَنِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ أَنَّهَا لَا تَبطُلُ). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهُوَ يُصَلِّي وَضَعَهُ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ (كَانَ يُزِيلُ ثَوْبَهُ حَالًا ثُمَّ يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ، وَمَذهَبُ الشَّافِعِيِّ مَعلُومٌ أَنَّ مَنْ لاقَاهُ نَجَسٌ أَوْ مَحْمُولَهُ بَطَلَتْ صَلاتُهُ إِلَّا أَنْ يُلْقِيَهُ حَالًا أَوْ يَكُونَ مَعْفُوًّا عَنْهُ كَدَمِ جُرْحِهِ) 

(مَنْ طَرَأَ لَهُ فِي الصَّلاةِ نَجَسٌ لاقَاهُ أَوْ لَاقَى ثَوْبَهُ أَوْ شَيْئًا يَحْمِلُهُ بَطَلَتْ صَلاتُهُ، إِلَّا أَنْ يُلْقِيَهُ حَالًا، كَأَنْ وَقَعَ عَلَى رِدَائِهِ فَأَلْقَى الرِّدَاءَ فَوْرًا أَوْ نَفَضَهُ وَكَانَ يَابِسًا بِغَيْرِ نَحْوِ كُمِّهِ فَإِنَّهُ لا يَضُرُّهُ، أَمَّا لَوْ أَزَالَهُ بِكُمِّهِ يَكُونُ كَأَنَّهُ أَزَالَهُ بِيَدِهِ فَتَفْسُدُ بِذَلِكَ صَلاتُهُ. أَمَّا النَّجِسُ الرَّطْبُ الَّذِي أَصَابَ الْبَدَنَ أَوِ الثَّوْبَ الَّذِي لا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِلْقَائِهِ فَوْرًا فَيَضُرُّهُ، وَكَذَلِكَ الْيَابِسُ إِنْ لَمْ يُلْقِهِ حَالًا أَفْسَدَ صَلاتَهُ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ مُلاقَاةِ النَّجِسِ أَيْ أَنْ يُصِيبَهُ نَجِسٌ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ دَمُ جُرْحِهِ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ أَيْ يُسَامَحُ فِيهِ وَلَوْ سَالَ وَلَوَّثَ الثَّوْبَ).

وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ: إِذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ تَيَمَّمَ صَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ الْمَاءَ فِي وَقْتِهِ لَا يُعِيدُ. (“وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ: إِذَا صَلَّى”: أَيِ المَرْءُ، “وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ”: أَيْ: لَمْ يَعْلَمْهُ. “أَوْ جَنَابَةٌ” أَيْ: أَثَرُهَا وَهُوَ المَنِيُّ. “أَوْ لِغَيرِ القِبْلَةِ”: بِاجْتِهَادٍ أَخْطَأَ فِيهِ، وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي القَدِيمِ، وَأَمَّا فِي الجَدِيدِ: فَتَجِبُ الإِعَادَةُ. “أَوْ تَيَمَّمَ”: أَيْ: عِنْدَ عَدَمِ المَاءِ. “وَصَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ”: أَيْ: وَقْتِ تَيَمُّمِهِ. “لَا يُعِيدُ”: صَلَاتَهُ).

240 – حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ (ح) قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثُمَّ سَمَّى: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. وَعَدَّ السَّابِعَ، فَلَمْ يَحْفَظْهُ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَرْعَى فِي الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ».

الشَّرْحُ

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ (ح) قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ (السَّلَا مِنَ النَّاقَةِ مِثْلُ المَشِيمَةِ مِنَ الإِنْسَانِ، فَهُمْ مِنْ كُفْرِهِمْ قَالُوا مَنْ يَأْتِي بِسَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ)، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ (كُلُّهُمْ كَانَ فَرِحًا بِهَذَا، فَكُلُّهُمْ أَشْقِيَاءُ لَكِنْ أَشْقَاهُمْ هُنَا هُوَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِمْ وَبَادَرَهُمْ)، فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ (وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْجَوَابُ الْمَرْضِيُّ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْلَمْ مَا وُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَاسْتَمَرَّ فِي سُجُودِهِ اسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ)، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ (أَيْ لَيسَ لِي قُوَّةٌ فِي مَكَّةَ حَتَّى أَمْنَعَهُ فَلَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ لَمَنَعْتُهُ). قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ (أَيْ يَتَمَايَلُونَ مِنَ الضَّحِكِ)، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ (أَلْقَتْهُ وَصَارَتْ تَشْتُمُهُمْ وَلَا يَرُدُّونَ عَلَيهَا، وَهَذَا مِنْ شَجَاعَتِهَا)، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ (أَيْ يَدعُو عَلَى هَؤُلَاءِ الكُفَّارِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى هَذَا الأَمْرِ القَبِيحِ مِنْ إِيذَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَيْ أَهْلِكْ قُرَيْشًا، وَالْمُرَادُ الْكُفَّارُ مِنْهُمْ أَوْ مَنْ سَمَّى مِنْهُمْ، فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ). ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ (خَافُوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيهِمْ وَعِندَ البَيتِ)، قَالَ: وَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثُمَّ سَمَّى: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. وَعَدَّ (أي عَدَّ رَسُولُ اللهِ أَو ابنُ مَسعُودٍ) السَّابِعَ (وَهُوَ عُمَارَةُ بنُ الوَلِيدِ)، فَلَمْ يَحْفَظْهُ (هُوَ أَبُو إِسحَاقَ الرَّاوِي عَن عَمرِو بنِ مَيمُونٍ، وَقَد تَذَكَّرَ مَرَّةً أُخرَى فَرَوَى البُخَارِيُّ عَنهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مُصَرَّحًا بِهِ)، قَالَ (أي عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ): فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَرْعَى فِي الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ» (وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِلْقَائِهِمْ فِيهِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِرِيحِهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبِئْرَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ مَعِينٌ، وَالقَلِيبُ هُوَ الْبِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ).

73- بَابُ الْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ فِي الثَّوْبِ

قَالَ عُرْوَةُ عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ.

الشَّرْحُ

بَابُ الْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ فِي الثَّوْبِ (فِي هَذَا البَابِ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ البُزَاقَ وَالمُخَاطَ وَمَا أَشْبَهَهُ إِذَا وَقَعَ فِي المَاءِ لَا يُنَجِّسُ المَاءَ وَلَا يُصَيِّرُهُ مَمْنُوعًا مِنِ اسْتِعْمَالِهِ). 

قَالَ عُرْوَةُ عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ (أَيْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ وَمَا كَانَ عَلَيهِ الصَّحَابَةُ مِنَ التَّسَابُقِ إِلَى ذَلِكَ، وَهَذَا الحَدِيثُ سَيَأتِي بِطُولِهِ). 

241 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «بَزَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَوْبِهِ». 

طَوَّلَهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

الشَّرْحُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «بَزَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَوْبِهِ». 

طَوَّلَهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ (أَيْ ذَكَرَ فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ مَا لَيْسَتْ فِي مَتْنِ الإِسنَادِ الأَوَّلِ، وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَحَدُ شُيُوخِ البُخَارِيِّ، وَسَتَأتِي هَذِهِ الرِّوَايَةُ بِتَمَامِهَا) قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

74- بَابٌ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وَلَا الْمُسْكِرِ

وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ. 

وَقَالَ عَطَاءٌ: التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ.

242 – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ».

الشَّرْحُ

بَابٌ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ (المَاءُ إِذَا نُقِعَ بِهِ نَحوُ التَّمْرِ يُقَالُ لَهُ النَّبِيذُ، حَيثُ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ كَانَ مَاؤُهُمْ لَيسَ حُلْوًا، فَيَضَعُونَ بِهِ النَّبِيذَ فَيَصِيرُ حُلْوًا، فَإِذَا تُرِكَ بِضْعَةَ أَيَّامٍ يَنْقَلِبُ مُسْكِرًا، فَسَوَاءٌ انْقَلَبَ مُسْكِرًا أَمْ لَمْ يَنْقَلِبْ لَا يَصْلُحُ لِلطَّهَارَةِ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا فَهُوَ مُتَغَيِّرٌ، وَإِنْ صَارَ مُسْكِرًا فَهُوَ نَجِسٌ) وَلَا الْمُسْكِرِ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ (يَعْنِي إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَاءٌ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ أَوِ اللَّبَنِ). حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» (أَيْ كُلُّ شَرَابٍ شَأنُهُ الإِسْكَارُ فَهُوَ نَجِسٌ، وَالنَّجِسُ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَشْرَبَهُ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ).

75- بَابُ غَسْلِ الْمَرْأَةِ أَبَاهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي فَإِنَّهَا مَرِيضَةٌ.

243 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَسَأَلَهُ النَّاسُ، وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ: «بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ، فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ».

الشَّرْحُ

بَابُ غَسْلِ الْمَرْأَةِ أَبَاهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ (وَهَذَا البَابُ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ وَنَحْوِهَا يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ أَثَرِ أَبِي الْعَالِيَةَ لِحَدِيثِ سَهْلٍ). 

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي فَإِنَّهَا مَرِيضَةٌ (أَبُو العَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ كَانَتْ رِجْلُهُ مَرِيضَةً وَفِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رِجْلَهُ كَانَتْ عَلَيهَا عِصَابَةٌ فَقَالَ لَهُمُ امْسَحُوا عَلَيهَا وَكَانَ يَتَوَضَّأُ). 

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَسَأَلَهُ النَّاسُ، وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ (يَعنِي أَنَا قَرِيبٌ مِنْهُ مُتَثَبِّتٌ مِمَّا يَقُولُ لَيسَ بَينِي وَبَينَهُ أَحَدٌ): «بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي (لِأَنَّهُ مِنْ آخِرِ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَدِينَةِ)، كَانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ، فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ» (هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخْتَصَرَةٌ وَسَتَأتِي مُطَوَّلَةً، أَنَّهُمْ كَانُوا أَوَّلًا يَصُبُّونَ المَاءَ عَلَى جُرْحِهِ وَلَا يَخِفُّ الدَّمُ، بَلْ يَزْدَادُ فَأَخَذَتِ السَّيِّدَةُ فَاطِمَةُ هَذَا الحَصِيرَ فَوَضَعَتْهُ عَلَى الجُرْحِ فَانْقَطَعَ الدَّمُ).

76- بَابُ السِّوَاكِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِتُّ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ.

244 – حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ: أُعْ أُعْ. وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ».

الشَّرْحُ

بَابُ السِّوَاكِ. 

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِتُّ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ (أَيِ اسْتَاكَ، كَان ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيلِ اسْتَاكَ). 

حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ: أُعْ أُعْ (عِنْدَ الِاسْتِيَاكِ هَذَا الصَّوتُ يَصْدُرُ، فَهَذَا حِكَايَةُ الصَّوتِ). وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ» (الإِنْسَانُ إِذَا دَخَلَ شَىءٌ إِلَى مُؤَخَّرِ حَلْقِهِ كَأَنَّهُ يَتَقَيَّأُ هَذَا الصَّوتُ يُقَالُ لَهُ التَّهَوُّعُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ اسْتِيَاكِهِ يُمِرُّ السِّوَاكَ عَلَى لِسَانِهِ طُولًا، أَمَّا فِي الأَسْنَانِ عَرْضًا).

245 – حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ».

الشَّرْحُ

245 – حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» (أَيْ يَسْتَاكُ، وَيُمِرُّ السِّوَاكَ عَلَى أَسْنَانِهِ، وَالشَّوْصُ بِالْفَتْحِ الْغَسْلُ وَالتَّنْظِيفُ، أَيْ يُدَلِّكُهُ، أَو يَغسِلُهُ، أَو يَحُكُّهُ) (وَكُلُّ هَذَا الفِعْلِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدُلُّ عَلَى كَثرَةِ فَوَائِدِ السِّوَاكِ، وَمِنهَا: يُطَهِّرُ الفَمَ، يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ، يُرْضي الرَّبَّ، يُذَكِّرُ بِالشَّهَادَةِ عِندَ المَوتِ، يُسَهِّلُ خُرُوجَ الرُّوحِ، يَشُدُّ اللِّثَةَ، يُقَوِّي الأَسنَانَ وَيُبَيِّضُهَا، يُسَاعِدُ عَلَى إِخرَاجِ الحُرُوفِ مِنْ مَخَارِجِهَا، يُضَاعِفُ أَجْرَ الصَّلَاةِ، يَجْلِبُ الرِّزْقَ، رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «السِّوَاكُ يَجْلِبُ الرِّزْقَ»، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، قَولُه ﷺ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلفَمِ» مَعنَاهُ: التَّسَوُّكُ بِالمِسْوَاكِ يُنَظِّفُ الفَمَ مِنَ الرَّوَائِحِ الكَرِيهَةِ، وَالمَلَائِكَةُ يُحِبُّونَ أَنْ يَكُونَ فَمُ المُسلِمِ طَيِّبَ الرَّائِحَةِ لَيسَ فِيهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ تُزْعِجُهُمْ، الرَّوَائِحُ الكَرِيهَةُ تُزْعِجُ المَلَائِكَةَ، ثُمَّ لَمَّا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: «مَرْضَاةٌ للرَّبِّ» فَهِمْنَا أَنَّ اللهَ يُحِبُّ السِّوَاكَ. ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِيَاكَ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ يَحصُلُ بِأَغْصَانِ شَجَرِ الأَرَاكِ وَعُرُوقِهِ وَيَحْصُلُ بِغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَشجَارِ الَّتِي رَائِحَتُهَا طَيِّبَةٌ، كُلٌّ سِوَاكٌ، وكُلٌّ يحصُلُ بِهِ هَذَا الثَّوَابُ).

77- بَابُ دَفْعِ السِّوَاكِ إِلَى الْأَكْبَرِ

246 – وَقَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ فَجَاءَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا فَقِيلَ لِي كَبِّرْ فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ مِنْهُمَا». 

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

الشَّرْحُ

بَابُ دَفْعِ السِّوَاكِ إِلَى الْأَكْبَرِ (يَعْنِي إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّاسُ مُرَتَّبِينَ لَيسُوا جَالِسِينَ فِي حَلْقَةٍ وَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ السِّوَاكَ لِأَحَدِ الحَاضِرِينَ يَبْدَأُ بِالأَكْبَرِ، أَمَّا لَوْ كَانُوا مُرَتَّبِينَ يُعْطِي مَنْ عَلَى يَمِينِهِ).

 وَقَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ (أَيْ فِي المَنَامِ) فَجَاءَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا فَقِيلَ لِي كَبِّرْ (أَيِ ابْدَأ بِالأَكْبَرِ فِي السِّنِّ، وَسَيَأتِي أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ) فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ مِنْهُمَا».

 قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (أَيِ الإِمَامُ البُخَارِيُّ): اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

78- بَابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الْوُضُوءِ

247 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ».قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: «لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».

الشَّرْحُ

بَابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الْوُضُوءِ (أَيْ نَامَ عَلَى وُضُوءٍ).

 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ (مَوْضِعُ النَّوْمِ، المَوْضِعُ الَّذِي تَضْطَجِعُ فِيهِ لِتَنَامَ) فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ (اقْرَأْ هَذَا الدُّعَاءَ وَأَنْتَ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ): اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ (أَيِ اسْتَسْلَمْتُ وَانْقَدْتُ وَالْمَعنَى جَعَلْتُ نَفسِيَ مُنقَادَةً لَكَ تَابِعَةً لِحُكْمِكَ إِذْ لَا قُدرَةَ لِي عَلَى تَدبِيرِهَا وَلَا عَلَى جَلبِ مَا يَنفَعُهَا إِلَيهَا وَلَا دَفْعَ مَا يَضُرُّهَا عَنهَا) وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ (أَيْ تَوَكَّلْتُ عَلَيكَ فِي أَمرِي كُلِّهِ، وَقَولُهُ: «وَأَلْجَأْتُ» أَيِ اعْتَمَدْتُ فِي أُمُورِي عَلَيكَ لِتُعِينَنِي عَلَى مَا يَنفَعُنِي، لِأَنَّ مَنِ اسْتَنَدَ إِلَى شَيءٍ تَقَوَّى بِهِ وَاسْتَعَانَ بِهِ وَخَصَّهُ بِالظَّهرِ لِأَنَّ العَادَةَ جَرَتْ أَنَّ الإِنسَانَ يَعتَمِدُ بِظَهرِهِ إِلَى مَا يُستَنَدُ إِلَيهِ)، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً (أَيْ رَغْبَةً فِي رِفْدِكَ وَثَوَابِكِ) وَرَهْبَةً إِلَيْكَ (أَي خَوفًا مِنْ غَضَبِكَ وَمِنْ عِقَابِكَ)، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ (المَعنَى: لَا مَلجَأَ أَي لَا مَهرَبَ مِنكَ إِلى أَحدٍ إِلَّا إِلَيكَ، وَلَا مَنجَا أَي لَا مَخلَصَ مِنكَ مُنتَهِيًا إِلى أَحَدٍ إِلَّا إِلَيكَ)، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ (يَحتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ القُرءَانَ، وَيَحتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ اسْمَ الجِنسِ فَيَشمَلُ كُلَّ كِتَابٍ أُنْزِلَ.اهـ)، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ (أَيْ عَلَى السُّنَّةِ وَالإِسلَامِ)، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ» (قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةِ: «مِنْ آخِرِ»، وَهِيَ تُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُنَّ شَيْئًا مِمَّا شُرِعَ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَ النَّوْمِ). قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (أَيْ أَعَدْتُهُ عَلَيهِ أُسْمِعُهُ إِيَّاهَا)، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: «لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» (أَيْ لَا تَسْتَبْدِلْ فِي هَذَا المَوْضِعِ لَفْظَ رَسُولِكَ بِلَفْظِ نَبِيِّكَ، وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ هَذَا لِأَنَّ أَلْفَاظَ الأَذْكَارِ أَحْيَانًا فِي بَعْضِهَا أَسْرَارٌ لَيْسَ فِي غَيْرِهَا، فَيُلْتَزَمُ فِيهَا الوَارِدُ لِتَحْصِيلِ السِّرِّ الَّذِي وَرَدَ فِيْهَا) (وَيُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ: سَنُّ الوُضُوءِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَالنَّوْمُ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ، وَخَتْمُ عَمَلِهِ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَالدُّعَاءِ) 

(قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي خَتْمِ شَرْحِهِ لِكِتَابِ الوُضُوءِ مِنْ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللهِ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: النُّكْتَةُ فِي خَتْمِ الْبُخَارِيِّ كِتَابَ الْوُضُوءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ آخِرُ وُضُوءٍ أُمِرَ بِهِ الْمُكَلَّفُ فِي الْيَقَظَةِ، وَلِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ: وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِخَتْمِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ).

(وَقَالَ تَلْخِيصًا لِمَا مَرَّ شَرْحُهُ مِنْ كِتَابِ الوُضُوءِ بِنَاءً عَلَى نُسْخَتِهِ وَتَعْدَادِهِ هُوَ رَحِمَهُ اللهُ: خَاتِمَةٌ: اشْتَمَلَ كِتَابُ الْوُضُوءِ وَمَا مَعَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ وَالِاسْتِطَابَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا مِائَةٌ وَسِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْمَذْكُورُ مِنْهَا بِلَفْظِ الْمُتَابَعَةِ وَصِيغَةِ التَّعْلِيقِ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، فَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ مِنْهَا أَحَدٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا مُعَلَّقَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى تِسْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْمُعَلَّقَةُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَحَدِيثُهُ: تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: ابْغِنِي أَحْجَارًا، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْحَجَرَيْنِ وَالرَّوْثَةِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي ادِّخَارِ شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ وَحَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدٍ فِي خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ وَعُمَرَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ فِيهِ، وَحَدِيثُ سُوَيْدِ ابْنِ النُّعْمَانِ فِي الْمَضْمَضَةِ مِنَ السَّوِيقِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ: إِذَا نَعَسَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُتِمَّ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ فِي فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْبُزَاقِ فِي الثَّوْبِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَثَرًا الْمَوْصُولُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مُعَلَّقَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ).

خِتَامُ كِتَابِ الوُضُوءِ وَذِكْرُ شَيءٍ مِنْ فَضَائِلِ يَومِ عَرَفَةَ

الحَمدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَينَا بِخَتمِ كِتَابِ الوُضُوءِ فِي أَفضَلِ أَيَّامِ العَامِ يَومِ عَرَفَةَ، وَنَسأَلُهُ عَزَّ وَجَلَّ القَبُولَ وَالتَّوفِيقَ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرضَاهُ، هَذَا اليَومُ الَّذِي وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ بِعَرَفَاتٍ وَقَدْ كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغرُبَ فَقَالَ يَا بِلَالُ أَنْصِتِ النَّاسَ، فَقَالَ بِلَالُ أَنْصِتُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَصَتَ النَّاسُ فَقَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ أَتَانِي جِبرِيلُ آنِفًا وَأَقْرَأَنِي مِنْ رَبِّيَ السَّلامَ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ الْمَشعَرِ وَضَمِنَ عَنهُمُ التَّبِعَاتِ فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَنَا خَاصَّةً قَالَ هَذَا لَكُمْ وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعدِكُمْ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ فَقَالَ عُمَرُ كَثُرَ وَاللَّهِ خَيرُ اللَّهِ وَطَابَ.

وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ فِي العَامِ مَوَاسِمَ لِمُضَاعَفَةِ الحَسَنَاتِ وَالعِتقِ مِن نَارِ جَهَنَّمَ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَجَعَلَ لِيَومِ عَرَفَةَ مَزِيَّةً عَلَى أَيَّامِ العَامِ كُلِّهِ، نَذكُرُ مِن ذَلِكَ:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ يُقَالُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ بِكُلِّ يَوْمٍ أَلْفُ يَوْمٍ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ عَشْرَةُ آلَافِ يَوْمٍ قَالَ: يَعْنِي فِي الْفَضْلِ. رواهُ البيهقيُّ والأصبهانيُّ، وإسنادُ البيهقيِّ لَا بأسَ بهِ.

  1. اليَومُ هُوَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ قَولُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿اليَومَ أَكَمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلَامَ دِينًا﴾، وَقَد ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، لَو أَنَّ عَلَينَا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ لَاتَّخَذنَا ذَلِكَ اليَومَ عِيدًا.
  2. يَومُ عَرَفَةَ يَومٌ أَقسَمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَاللهُ تَعَالَى يُقسِمُ بِمَا يَشَاءُ مِن خَلقِهِ، وَلَا يُقسِمُ إِلَّا بِمَا فِيهِ نَفعٌ، وَقَد جَاءَ يَومُ عَرَفَةَ فِي القَسَمِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشهُودٍ﴾.فَقَد رَوَى التِّرمِذِيُّ وَغَيرُهُ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَاليَومُ المَشهُودُ يَومُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَومُ الجُمُعَةِ» (هَذَا كُلُّهُ تَعظِيمٌ لِشَأنِ يَومِ عَرَفَةَ). وَكَذَلِكَ ذَهَبَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا إِلَى تَفسِيرِ الوِترِ فِي الآيَةِ: ﴿وَالشَّفعِ وَالوَترِ﴾ بِيَومِ عَرَفَةَ، وَقَد أَقسَمَ اللهُ تَعَالَى بِهِ أَيضًا.
  3. يَومُ عَرَفَةَ أَحَدُ أَيَّامِ الأَشهُرِ الحُرُمِ، وَالأَشهُرُ الحُرُمُ الأَربَعَةُ: ذُو القَعدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَمُحَرَّمٌ، وَرَجَبُ.
  4. يَومُ عَرَفَةَ أَحَدُ أَيَّامِ أَشهُرِ الحَجِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الحَجُّ أَشهُرٌ مَعلُومَاتٌ﴾، وَأَشهُرُ الحَجِّ: شَوَّالُ، وَذُو القَعدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ.
  5. يَومُ عَرَفَةَ أَحَدُ الأَيَّامِ المَعلُومَاتِ الَّتِي أَوصَى اللهُ تَعَالَى بِالإِكثَارِ مِنَ العِبَادَاتِ فِيهِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَذكُرُوا اسمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعلُومَاتٍ﴾، وَالأَيَّامُ المَعلُومَاتُ عَشرُ ذِي الحِجَّةِ، قَالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.
  6. يَومُ عَرَفَةَ يَومُ عِيدٍ لِأَهلِ مَوقِفِ عَرَفَةَ، فَقَد صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ يَومَ عَرَفَةَ وَيَومَ النَّحرِ وَأَيَّامَ التَّشرِيقِ عِيدُنَا أَهلَ الإِسلَامِ» (وَيَومُ الجُمُعَةِ أَيضًا يَومُ عِيدٍ كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ، أَمَّا الأَصلُ فَهُوَ عِيدُ الأَضحَى وَعِيدُ الفِطرِ، لَكِنَّ الوُقُوفَ فِي عَرَفَاتٍ هَذَا أَيضًا يُقَالُ لَهُ عِيدٌ، وَأَيَّامُ التَّشرِيقِ يُقَالُ لَهَا عِيدٌ، وَيَومُ الجُمُعَةِ يُقَالُ لَهُ عِيدٌ).
  7. يَومُ عَرَفَةَ اليَومُ الَّذِي فِيهِ رُكنُ الحَجِّ الأَعظَمُ، وَهُوَ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، فَقَد ثَبَتَ عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الحَجُّ عَرَفَةُ».
  8. يَومُ عَرَفَةَ يَومٌ يَغفِرُ اللهُ فِيهِ الذُّنُوبَ وَيُعتِقُ مِنَ النَّارِ مَن شَاءَ، يَومٌ يُظهِرُ لِلمَلَائِكَةِ شَرَفَ مَا جَاءَ بِهِ أَهلُ المَوقِفِ فِي عَرَفَةَ وَفَضِيلَةَ مَا نَالُوا، فَقَد ثَبَتَ عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِن يَومٍ أَكثَرُ أَن يُعتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبدًا مِنَ النَّارِ مِن يَومِ عَرَفَةَ».
  9. يَومُ عَرَفَةَ يَومٌ صِيَامُهُ سَبَبٌ لِتَكفِيرِ ذُنُوبِ عَامَينِ، وَبِذَلِكَ أَخبَرَ النَّبِيُّ الصَادِقُ المَصدُوقُ قَائِلًا: «صِيَامُ يَومِ عَرَفَةَ، أَحتَسِبُ عَلَى اللهِ أَن يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعدَهُ». هَذَا وَإِنَّ صِيَامَ يَومِ عَرَفَةَ مُستَحَبُّ لِغَيرِ الحَاجِّ، أَمَّا الحَاجُّ فَلَا يُسَنُّ لَهُ صِيَامُ هَذَا اليَومِ.
  10. يَومُ عَرَفَةَ يَومٌ الدُّعَاءُ فِيهِ لَيسَ كَالدُّعَاءِ فِي غَيرِهِ، فَقَد رَوَى التِّرمِذِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «خَيرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَومِ عَرَفَةَ».
  11. وَأَنَّهُ يَومٌ يَندَحِرُ فِيهِ الشَّيطَانُ مُغتَاظًا لِمَا يَرَى مِنَ اشتِغَالِ العِبَادِ بِالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ وَتَكفِيرِ اللهِ لِسَيِّئَاتِ بَعضِ عِبَادِهِ، فَقَد رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا رُئِيَ الشَّيطَانُ يَومًا هُوَ فِيهِ أَصغَرُ وَلَا أَدحَرُ وَلَا أَحقَرُ وَلَا أَغيَظُ مِنهُ مِن يَومِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا مِمَّا يَرَى مِن تَنزِيلِ الرَّحمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ إِلَّا مَا رُئِيَ يَومَ بَدرٍ» (فِي يَومِ بَدرٍ رَأَى الْمَلَائِكَةَ تُقَاتِلُ مَعَ النَّبِيِّ وَالصَّحَابَةِ، قَلبُهُ كَادَ يَتَمَزَّقُ مِنَ الغَيظِ، قَلبُهُ كَادَ يَحتَرِقُ مِنْ شِدَّةِ الغَيظِ، رَآهُمْ فَامْتَلَأَ رُعْبًا وَفَزَعًا وَانْدِحَارًا).

إِنَّ يَوْمَ عرفةَ يَوْمٌ قَدْ عَظَّمَ اللهُ أَمْرَهُ وَرَفَعَ عَلَى الأَيَّامِ قَدْرَهُ. وَمِنْ فَضَائِلِهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُبَاهِي بِالْحَاجِّ فِيهِ مَلائِكَتَهُ وَيَعُمُّ بِالْغُفْرَانِ. فقد قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةُ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ»، والمرادُ دنوُّ رحمتِهِ وإجابتِهِ للداعينَ وليسَ دنوَّ المكانِ والجهةِ فاللهُ منَّزهٌ عنِ المكانِ والجهةِ والتغيرِ 

الشَّرحُ: قالَ الحافظُ النوويُّ رحمَه الله: «قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ المَازِرِيُّ مَعْنَى يَدْنُو فِي هَذَا الحَدِيثِ أَيْ تَدنُو رَحمَتُهُ وَكَرَامَتُهُ لَا دُنُوَّ مَسَافَةٍ وَمُمَاسَّةٍ،

فَالسَّلَفُ الصَّالِحُ كَانُوا يَنْفُونَ عَنِ اللهِ المَكَانَ وَالحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ وَالِانتِقَالَ وَسَائِرَ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، وَكُلُّ هَذَا يُعطِيهِ قَولُ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾. 

وَأَمَّا حَدِيثُ النُّزُولِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَغَيرُهُمَا، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ»، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِإِثبَاتِ النُّزُولِ مِنْ عُلْوٍ إِلَى سُفْلٍ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى.

 قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسلِمٍ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَفِيهِ مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ سَبَقَ إِيضَاحُهُمَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَمُخْتَصَرُهُمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ ظَاهِرَهَا الْمُتَعَارَفُ فِي حَقِّنَا غَيْرُ مُرَادٍ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي تَأْوِيلِهَا مَعَ اعْتِقَادِ تَنْزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ وَعَنِ الِانْتِقَالِ وَالحَرَكَاتِ وَسَائِرِ سِمَاتِ الخَلقِ،

وَالثَّانِي مَذهَبُ أَكثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَجَمَاعَاتٍ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ هُنَا عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهَا تُتَأَوَّلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بها بِحَسَبِ مَوَاطِنِهَا فَعَلَى هَذَا تَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ تَأْوِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا تَأْوِيلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ تَنْزِلُ رَحْمَتُهُ وَأَمْرُهُ وَمَلَائِكَتُهُ كَمَا يُقَالُ فَعَلَ السُّلْطَانُ كَذَا إِذَا فَعَلَهُ أَتْبَاعُهُ بِأَمْرِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ وَمَعْنَاهُ الْإِقْبَالُ عَلَى الدَّاعِينَ بِالإِجَابَةِ وَاللُّطْفِ”. انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ. 

وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى البُخَارِيِّ: 

إِمَّا بِأَنَّ الْمَعْنَى يَنْزِلُ أَمْرُهُ أَوِ الْمَلَكُ بِأَمْرِهِ وَإِمَّا بِأَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ بِمَعْنَى التَّلَطُّفِ بِالدَّاعِينَ وَالْإِجَابَةِ لَهُمْ وَنَحْوِهِ وَقَدْ حَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُنْزِلُ مَلَكًا وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ إِنَّ اللهَ يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ الْحَدِيثَ،

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَلَمَّا ثَبَتَ بِالْقَوَاطِعِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ النُّزُولُ عَلَى مَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ أَخْفَضَ مِنْهُ”. انْتَهَى كَلَامُ ابنِ حَجَرٍ.

إِخوَانِي فِي اللهِ، اجتَهِدُوا فِي يَومِ عَرَفَةَ بِالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالقُرُبَاتِ النَّافِعَةِ، وَأَكثِرُوا فِي هَذَا اليَومِ مِنَ التَّهلِيلِ وَالتَّكبِيرِ وَالذِّكرِ فَإِنَّكُم إِن عِشتُم هَذَا اليَومَ فَلَا تَدرُونَ هَل تَبلُغُونَ مِثلَهُ مِنَ العَامِ القَادِمِ؟ وَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِم: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيرَاتِ﴾، وَفَضلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاسِعٌ يَسَعُ الحُجَّاجَ وَغَيرَهُم، فَلَا يَحرِمَنَّ عَبدٌ نَفسَهُ نَيلَ الفَضلِ فِي هَذَا اليَومِ العَظِيمِ، نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَتَقَبَّلَ طَاعَاتِنَا وَأَن يُوَفِّقَنَا لِلخَيرَاتِ، وَأَن يُنَزِّلَ عَلَينَا الرَّحَمَاتِ الخَاصَّةَ وَأَن يَغفِرَ لَنَا وَيُعتِقَنَا مِنَ النَّارِ.

خَاتِمَةٌ: أُوصِيكُم أَحبَابِي وَنَحنُ فِي هَذَا اليَومِ الْمُبَارَكِ وَفِي هَذِهِ السَّاعَاتِ الْمُبَارَكَةِ بِالثَّبَاتِ عَلَى مَجَالِسِ العِلمِ، كَمَا كَانَ شَيخُنَا يُوصِينَا دَائِمًا، فَإِنَّ الثَّبَاتَ عَلَى مَجَالِسِ العِلمِ فِيهِ الفَوزُ وَالرِّفعَةُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَأَبوَابُ جَمعِيَّتِنَا مَفتُوحَةٌ لِطَلَبَةِ العِلمِ أَينَمَا كَانُوا، فَجِدُّوا وَاجْتَهِدُوا لِطَلَبِ العِلمِ وَجَلبِ غَيرِكُمْ مِنَ النَّاسِ لِمَجَالِسِ العِلمِ، فَإِنَّ الدَّالَّ عَلَى الخَيرِ كَفَاعِلِهِ،

قَالَ شيخنا رحمه الله: «أُوصِيكُمْ بِلُزُومِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ عِلْمِ الدِّينِ. عِلْمُ الدِّينِ هُوَ الَّذِي يُعَلِّمُ حُقُوقَ اللهِ وَحُقُوقَ الْخَلْقِ، عِلْمُ الدِّينِ يُعَلِّمُ هَذَا. فَإِذَا عَمِلَ بِمَا تَعَلَّمَهُ يَكُونُ مِنَ النَّاجِينَ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْقَبْرِ وَفِي الْآخِرَةِ. الَّذِي يَتَـعَلَّمُ عِلْمَ الدِّينِ ثُمَّ يَتَّـبِعُهُ لَيْسَ عَلَيْهِ نَكَدٌ لَا فِي الْقَبْرِ وَلَا فِي الْآخِرَةِ. أَمَّا الَّذِي لَا يَتَـعَلَّمُ هَالِكٌ، يَكُونُ جَاهِلًا بِخَالِقِهِ لَا يَعْتقِدُ أَنَّ اللهَ مَوْجُودٌ لَا يُشْـبِهُ شَيْئًا بَلْ يَعْتَـقِدُ أَنَّ اللهَ جِسْـمٌ يَطْلَعُ وَيَنْـزِلُ يَقُولُونَ بِذَاتِـهِ». 

وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «عِلْمُ الدِّينِ هُوَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ، بِدُونِ عِلْمِ الدِّينِ لَا حَيَاةَ لِلْقُلُوبِ». 

وكذلك إخواني احْذَروا المعاصي في كل وقت وخصوصا في هذه الأيام؛ فإنَّها تَحْرِمُ المغفرةَ في مواسمِ الرَّحمةِ، فالمعاصي سببُ البعدِ والطَّردِ كما أنَّ الطَّاعاتِ أسبابُ القربِ والودِّ، وقد قيل:

طاعَةُ اللهِ خَيْرُ ما لَزِمَ العَبْ … دُ فَكُنْ طائِعًا ولا تَعْصِيَنْهُ

ما هَلاكُ النُّفوسِ إلَّا المعاصي … فَاْجْتَنِبْ ما نَهاكَ لا تَقْرَبَنْهُ

إنَّ شَيْئًا هَلاكُ نَفْسِكَ فيهِ … يَنْبَغي أنْ تَصونَ نَفْسَكَ عَنْهُ

إخوانُكُم فِي هذهِ الأيامِ قدْ عقدُوا الإحرامَ وقصدُوا البيتَ الحرامَ وملؤُا الفضاءَ بالتلبيةِ والتكبيرِ والتهليلِ والتحميدِ والإعظامِ لقدْ سارُوا وقَعَدْنَا وقَرُبُوا وبَعُدْنَا فَإِنْ كانَ لنَا معَهُم نصيبٌ سَعِدْنَا.

الغنيمةَ الغنيمةَ بانتهازِ الفرصةِ فِي هذهِ الأيامِ العظيمةِ فمَا منهَا عوضٌ، المبادرةَ المبادرةَ بالعملِ، والعَجَلَ العجلَ قبلَ هجومِ الأجلِ، قبلَ أنْ يندَمَ الْمُفَرِّطُ علَى مَا فعلَ قبلَ أنْ يَسْأَلَ الرَّجْعَةَ لِيَعْمَلَ صالِحًا فَلا يُجَابُ إلَى مَا سَأَلَ قبلَ أَنْ يَحُولَ الموتُ بينَ الْمُؤَمِّلِ وبلوغِ الأملِ قبلَ أنْ يصيرَ المرءُ مُرْتَهَنًا فِي حفرَتِهِ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عملٍ.

لَيْسَ لِلْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ … فِطْرٌ وَلَا أَضْحَى وَلَا عَشْرُ

نَاءَ عَنِ الأَهْلِ عَلَى قُرْبِهِ … كَذَاكَ مَنْ مَسْكَنُهُ القَبْرُ

يَا مَنْ طَلَعَ فَجْرُ شَيْبِهِ بَعْدَ بلوغِ الأربعينَ يَا مَنْ مَضَى عليهِ بعدَ ذلكَ ليالِي عشرِ سنينَ حتَّى بلغَ الخمسينَ يَا مَنْ هوَ فِي مُعتَرَكِ المنايَا مَا بينَ الستينَ والسبعينَ مَا تنتَظِرُ بعدَ هذَا الخبرِ إلَّا أنْ يأتِيَكَ اليقينُ يَا مَنْ ذنوبُهُ كثيرةٌ أمَا تستَحِي مِنَ الكرامِ الكاتبِينَ؟ يَا مَنْ ظُلْمَةُ قلبِهِ كالليلِ إذَا يسرِي أمَا آنَ لقلبِكَ أنْ يستنيرَ أو يلينَ تَعَرَّضْ لنفحَاتِ طاعةِ مولاكَ فِي هذَهِ العشرِ فإنَّ فيهِ للهِ نفحاتٍ يصيبُ بهَا مَنْ يشاءُ فَمَنْ أصابَتْهُ سَعِدَ بهَا آخرَ الدهرِ.

مَنْ فاتَهُ فِي هذَا العامِ القيامُ بعرفةَ فَلْيَقُمْ للهِ بِحَقِّهِ الذِي عَرَفَهُ، مَنْ عَجَزَ عنِ المبيتِ بمزدلفةَ فلْيَبِتْ عزمَهُ علَى طاعةِ اللهِ وقدْ قَرَّبَهُ وأَزْلَفَهُ، مَنْ لَمْ يمكِنْهُ القيامُ بأرجاءِ الخَيفِ فلْيَقُمْ للهِ بحقِّ الرجاءِ والخوفِ، مَنْ لمْ يقدِرْ علَى نحرِ هديِهِ بمنى فلْيَذْبَحْ هواهُ هنَا وقدْ بلَغَ الْمُنَا.

فإنْ كنتَ تطمَعُ فِي العتقِ فاشترِ نفسَك مِنَ اللهِ: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة:111] مَنْ كَرُمَتْ عليهِ نفسُهُ هانَ عليهِ كلُّ مَا يبذُلُ فِي افتكَاكِهَا مِنَ النارِ.

اشترَى بعضُ السلفِ نفسَهُ مِنَ اللهِ ثلاثَ مراتٍ أو أربعًا يتصدقُ كلَّ مرةٍ بوزنِ نفسِهِ فضةً واشترَى عامرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ نفسَه مِنَ اللهِ بديةٍ ستَّ مراتٍ تصدَّقَ بهَا،

واشترَى حبيبٌ نفسَه مِنَ اللهِ بأربعينَ ألفِ درهمٍ تصدَّقَ بهَا وكانَ أبو هريرةَ يسبحُ كلَّ يومٍ اثنَي عشرَ ألفِ تسبيحةٍ بقدرِ دِيَتِهِ يَفْتَكُّ بذلكَ نفسَهُ.

مَنْ عرفَ مَا يطلبُ هانَ عليهِ كلُّ مَا يبذلُ وفِي هذَا الموسمِ مَنْ مَلَكَ سمعَه وبصرَه ولسانَه غفرَ لهُ. 

كانتْ أحوالُ الصادقينَ فِي الموقفِ بعرفةَ تتنوعُ: 

ووَقَفَ بعضُ الخائفينَ بعرفاتٍ وقالَ: إلَهِي، الناسُ يَتَقَرَّبُونَ إليكَ بالبُدْنِ وأنَا أتَقَرَّبُ إليكَ بنفسِي ثمَّ خرَّ مَيْتًا.

وكانَ أبو عبيدةَ الخواصُّ قدْ غلبَ عليهِ الشوقُ والقلقُ حتَّى إِنَّهُ يضربُ على صدرِه فِي الطريقِ ويقولُ: واشوقَاهُ إلى مَنْ يرانِي ولَا أراهُ وكانَ بعدَ مَا كَبِرَ يأخذُ بلحيَتِهِ ويقولُ: يا ربِّ قدْ كَبِرَتُ فأَعْتِقْنِي ورُؤِيَ بعرفةَ وقدْ وَلَعَ بهِ الولهُ.

ومِنَ العارفينَ مَنْ كانَ بالموقفِ يتعلقُ بأذيالِ الرجاءِ قالَ ابنُ المباركِ: جئتُ إلى سفيانَ الثوريِّ عشيةَ عرفةَ وهوَ جاثٍ علَى ركبتَيهِ وعيناهُ تهمِلانِ فقلتُ لَهُ: مَنْ أسوأُ هذَا الجمعِ حالًا؟ قالَ: الذِي يظُنُّ أنَّ اللهَ لَا يغفرُ له. 

وروِيَ عنِ الفضيلِ أنَّهُ نظَرَ إلَى تسبيحِ الناسِ وبكائِهِمْ عشيةَ عرفةَ فقالَ: أرأيتُمْ لوْ أنَّ هؤلاءِ سارُوا إلَى رجلٍ فسأَلُوا دانَقًا ـ يعني سُدُسَ درهمٍ ـ أكانَ يردُّهُم قالُوا: لَا قالَ: واللهِ لَلْمَغْفِرَةُ عندَ اللهِ أهونُ مِنْ إجابةِ رجلٍ لَهُمْ بدَانَقٍ. 

وهَا هُمْ إخوانُكُم وقفُوا بعرفةَ فِي ذلكَ الموقفِ فهنيئًا لِمَنْ رُزِقَ توبةً بقلوبٍ محترقةٍ ودموعٍ مستبِقَةٍ فكَم فيهِم مِنْ خائفٍ أزعَجَهُ الخوفُ وأقلَقَهُ ومُحِبٍّ أَلْهَبَهُ الشوقُ وأَحْرَقَهُ ورَاجٍ أَحسَنَ الظنَّ بوعدِ اللهِ وصَدَّقَهُ وتائبٍ نَصَحَ للهِ فِي التوبةِ وصَدَّقَهُ وهارِبٍ لجأَ إلَى بابِ طاعةِ اللهِ وَطَرَقَهُ فكَم هنالكَ مِنْ مذنبٍ أنقذَهُ اللهُ وأعتَقَهُ ومِنْ أسيرٍ للأوزارِ فَكَّهُ وأَطْلَقَهُ.

فَمَنْ ذَا الذِي سَتَمُرُّ عليهِ هذهِ الأيامُ وهذهِ اللحظاتُ وهوَ فِي عبادَةٍ وطاعةٍ وذكرٍ وتوبةٍ فَنُهَنِّأَهُ بطاعةِ ربِّهِ، وخَاطِبْ نفسَكَ وأَنِّبْهَا علَى التقصيرِ وذَكِّرْهَا بالتوبةِ.

فللهِ دَرُّ أَقْوَامٍ أَعْيَادُهُمْ قَبُولُ الأَعْمَالِ، وَمُرَادُهُمْ أَشْرَفُ الآمَالِ، وَأَحْوَالُهُمْ تجري على كمالٍ، وحَلَّاهُم التُّقَى ويَالَهُ مِنْ جمالٍ.

يَا مَنْ يُسَرُّ بِعِيدٍ وَقَدْ تَعَدَّى الْحُدُودَ، أَتَرْضَى أَنْ تُحْشَرَ فَتَتَحَسَّرَ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ. لَقَدْ أَسْمَعَتْكَ الْمَوَاعِظُ مِنْ إِرْشَادِهَا نُصْحًا، وَأَخْبَرَكَ الشَّيْبُ أَنَّكَ بِالْمَوْتِ تُقْصَدُ وَتُنْحَى، وَشَرَحَ الزَّمَانُ حَالَ مَنْ شَرَحَ قَبْلَكَ شَرْحًا. أَيْنَ مَنْ فَرِحَ بِعِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ الأَضْحَى؟ أَمَا تَزَوَّدَ الْحَنُوطَ مِنَ الْعِطْرِ وفي القبرِ أضحَى ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾.

قَدْ أَحْرَمَ الْقَوْمُ عَنِ الْحَلالِ فَأَحْرِمُوا أَنْتُمْ عَنِ الْحَرَامِ، مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الطَّيِّبِ فَاحْذَرُوا أَنْتُمْ جِيفَةَ الْهَوَى، يَا حُسْنَهُمْ وَقَدْ نَزَعُوا الْمَخِيطَ وَنَزَعُوا عَنِ التضييعِ والتفريطِ، وملؤُوا بِالتَّضَرُّعِ الْبَسِيط، فَارَقُوا لأَجْلِ مَوْلاهُمْ أَوْلادَهُمْ، وَأَعْرَوْا عَنْ رَقِيقِ الثِّيَابِ لَهُ أَجْسَادَهُمْ، وَتَرَكُوا فِي مَرَاضِيهِ مَحْبُوبَهُمْ وَمُرَادَهُمْ، فَأَصْبَحُوا قَدْ أَعْطَاهُمْ مَوْلاهُمْ وَأَمْسَوْا وَقَدْ أَفَادَهُمْ. اسْتَسْعَاهُمْ إِلَيْهِ فَاجْتَهَدُوا وَجَدُّوا، وَتَزَوَّدُوا التَّقْوَى فِي طَرِيقِهِمْ وَاسْتَعَدُّوا، وَأَتْعَبُوا الأَعْضَاءَ فِي خِدْمَتِهِ وَكَدُّوا، وَطَرَقُوا بِأَنَامِلِ الرَّجَاءِ بَابَ اللجا فَمَا رُدُّوا، وَأَكْرَمَهُمْ بِالْغُفْرَانِ فَيَا نِعْمَ الإكرام، وَرَحِمَ شَعْثَ الرؤُوسِ وَغُبَارَ الأَقْدَامِ، وَأَنْتُمْ إِنْ بَعُدْتُمْ عَنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ فَقَدْ شَارَكْتُمُوهُمْ فِي الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ، فَارْغَبُوا بِالتَّضَرُّعِ إِلَى الْمَلِيكِ الْعَلامِ، فَإِنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْفَضْلِ مَوْصُوفٌ بِالإِنْعَامِ. ذُكِرَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رحمَهُ اللهُ تعالَى قالَ: صَحِبْتُ جعفرَ الصَّادِقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يلبي تَغَيَّرَ وَجْهُهُ وارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ فَقُلْتُ: مَالَكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُلَبِّيَ. قُلْتُ: فَمَا يُوقِفُكَ؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ أَسْمَعَ غَيْرَ الْجَوَابِ!

وَقَالَ سَرِيٌّ: لَقِيتُ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ حَبَشِيَّةً فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَتْ: الْحَجَّ. قُلْتُ: الطَّرِيقُ بَعِيدٌ. فَقَالَتْ: 

بَعِيدٌ عَلَى كَسْلانَ أَوْ ذِي مَلَالَةٍ **** فَأَمَّا عَلَى الْمُشْتَاقِ فَهْوَ قَرِيبُ

 ثُمَّ قَالَتْ: يَا سَرِيُّ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونراهُ قريبًا. فَلَمَّا وَصَلَتِ الْبَيْتَ رَأَيْتُهَا تَطُوفُ كَالْفَتَى النشيطِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: يَا سَرِيُّ أَنَا تِلْكَ الْعَبْدَةُ لَمَّا جِئْتُهُ بِضَعْفِي حَمَلَنِي بِقُوَّتِهِ.

هؤلاءِ قومٌ صَبَرُوا عَلَى مَشَاقِّ الطَّرِيقِ بَيْنَ هُبُوطٍ وَصُعُودٍ وَمَضِيقٍ، وَاحْتَمَلُوا لأَجْلِ عبادةِ ربِّهمْ خُلُقَ الرَّفِيقِ، وَرَضُوا مِنْ فَرِيقِهِمْ بِالْبِعَادِ وَالتَّفْرِيقِ، وَجاءِتْ بِهِمُ الْمَطَايَا مِنْ كُلِّ بَلَدٍ سَحِيقٍ، وَجَانَبُوا مَا يَشِينُ وَصَاحَبُوا مَا يَلِيقُ، وَصَابَرُوا ظَمَأَ الشِّفَاهِ وَقِلَّةَ الرِّيقِ، فَلَيَسْقِيَنَّهُمْ ربُّهم مِنَ السَّلْسَبِيلِ وَالرَّحِيقِ.

إِخْوَانِي: إِنْ لَمْ نَصِلْ إِلَى دِيَارِهِمْ، فَلْنَصِلِ انْكِسَارَنَا بِانْكِسَارِهِمْ، إِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى عَرَفَاتٍ، فَلْنَسْتَدْرِكْ مَا قَدْ فَاتَ، إِنْ لَمْ نَصِلْ إِلَى الْحِجْرِ، فَلْيَلِنْ كُلُّ قَلْبٍ حَجَرٍ، إِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى لَيْلَةِ جَمْعٍ وَمِنى، فَلْنَقُمْ بطاعةِ ربِّنا هَاهُنَا. 

أَيْنَ الْمُنِيبُ الأَوَّابُ أَيْنَ الْمُجِدُّ السَّابِقُ، هَذَا يَوْمٌ يُرْحَمُ فِيهِ الصَّادِقُ، مَنْ لَمْ يَنُبْ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَمَتَى يُنِيبُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَمَتَى يُجِيبُ، وَمَنْ لَمْ يُتَعَرَّفْ بِالتَّوْبَةِ فَهُوَ غَرِيبٌ، وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِالْعَفْوِ فَمَا لَهُ مِنْ نَصِيبٍ، أَسَفًا لِعَبْدٍ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ الْيَوْمَ مَا جَنَى، كُلَّمَا هَمَّ بِخَيْرٍ نَقَضَ الطَّرْدُ مَا بَنَى، حَضَرَ مَوَاسِمَ الأَرْبَاحِ فَمَا حَصَّلَ خَيْرًا وَلا اقْتَنَى، وَدَخَلَ بَسَاتِينَ الْفَلاحِ فَمَا مَدَّ كَفًّا وَلا جَنَى، لَيْتَ شِعْرِي مَنْ مَنَّا خَابَ وَمَنْ مِنَّا نَالَ الْمُنَى. فَيَا إِخْوَانِي: إِنْ فَاتَنَا نُزُولُ مِنى، فَلْنُنْزِلْ دُمُوعَ الْحَسَرَاتِ هَاهُنَا، وَكَيْفَ لا نَبْكِي وَلا نَدْرِي مَاذَا يُرَادُ بِنَا، وَكَيْفَ بِالسُّكُونِ وَمَا نَعْلَمُ مَا عِنْدَهُ لَنَا:

فَلِذَا الْمَوْقِفِ أَعْدَدْنَا الْبُكَا … وَلِذَا الْيَوْمِ الدُّمُوعُ تُقْتَنَى

دعاء يوم عرفة

نَبدَأُ مُخلِصِينَ صَادِقِينَ تَائِبِينَ، وَأَبدَأُ بِالأَلفَاظِ وَالأَدعِيَةِ وَالأَورَادِ الَّتِي وَرَدَ أَنَّ فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرَ عَدَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ أَنَّهَا احتَوَت عَلَى اسمِ اللهِ الأَعظَمِ، فَسَنَقرَأُهَا جَمَاعَةً ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ أَدعُو وَتُؤَمِّنُونَ، وَنَدعُو جَمَاعَةً لَعَلَّهُ يُستَجَابُ لَنَا، وَلَعَلَّهُ يُستَجَابُ لَكُم وَلَا يُستَجَابُ لِي، لَعَلَّهُ يُستَجَابُ لِبَعضِنَا، لَعَلَّهُ نُعتَقُ مِنَ النَّارِ، لَعَلَّهُ يُغفَرُ لَنَا، اللهُ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ، اللهُ يُحِبُّ مِن عَبدِهِ أَن يُلِحَّ فِي الدُّعَاءِ وَأَن يُكثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ وَأَن يُكثِرَ مِن رَجَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَارجُوا رَبَّكُم وَادعُوا اللهَ وَأَكثِرُوا.

أَنَا الآنَ سَأَقرَأُ وَأَنتُم رَدِّدُوا خَلفِي، نَقرَأُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ثُمَّ نَنتَقِلُ إِلَى الدُّعَاءِ:

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.

لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَإِلَهُكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ، الم، اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ، يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَّيُّ القَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ بِأَنِّي أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَم يَلِد وَلَم يُولَد وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الحَمدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ وَحدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ الحَنَّانُ المَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ وَحدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ المَنَّانُ، المَنَّانُ، يَا اللهُ، يَا رَحمَنُ، يَا رَحِيمُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، يَا إِلَهَنَا وَإِلَهَ كُلِّ شَيءٍ جَمِيعًا إِلَهًا وَاحِدًا، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ يَا عَلِيمُ يَا حَلِيمُ، يَا عَفُوُّ يَا غَفُورُ، يَا سَمِيعُ يَا بَصِيرُ، يَا عَلِيُّ يَا كَبِيرُ، يَا رَؤُوفُ يَا رَحِيمُ، يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ، يَا اللهُ يَا رَحمَنُ يَا رَحِيمُ يَا عَلِيمُ يَا عَليُِّ يَا عَظِيمُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ بِرَحمَتِكَ أَستَغِيثُ، يَا مُغِيثُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، سُبحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، يَا حَلِيمُ يَا عَلِيمُ، يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، بِرَحمَتِكَ أَستَغِيثُ فَأَغِثنِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، سُبحَانَكَ إِنِّي كُنُتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.

يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ.

أَعتِق رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ أَعتِق رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ أَعتِق رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ بِكَرَامَةِ وَجهِ مُحَمَّدٍ المُختَارِ أَعتِق رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ، أَعتِقنَا مِنَ النَّارِ اغفِر لَنَا اغفِر لَنَا اغفِر لَنَا ارحَمنَا، ارحَمنَا، ارحَمنَا، تُب عَلَينَا عَافِنَا وَاعفُ عَنَّا سَامِحنَا وَأَصلِحنَا وَاهدِ أَولَادَنَا وَاهدِنَا، أَصلِحنَا وَأَصلِحهُم.

يَا اللهُ احقِن دِمَاءَ المُسلِمِينَ، يَا اللهُ احقِن دِمَاءَ المُسلِمِينَ يَا اللهُ احقِن دِمَاءَ المُسلِمِينَ يَا اللهُ، أَدخِلنَا الجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلِينَ الأَبرَارِ أَدخِلنَا الفِردَوسَ الأَعلَى، شَفِّع نَبِيَّكَ فِينَا، فَرِّج عَنَّا وَعَنِ المُسلِمِينَ، عَجِّل بِالنَّصرِ وَالفَرَجِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، أَهلِك أَعدَائَنَا دَمِّر أَعدَائَنَا، مَزِّق أَعدَائَنَا اجعَل كَيدَهُم فِي أَكبَادِهِم، اجعَل كَيدَهُم فِي نُحُورِهِم.

اللهم اختِم لَنَا بِالهُدَى، اللهم اختِم لَنَا بِالتَّقوَى، اللهم اختِم لَنَا بِالصَّلَاحِ، وَاجمَع لَنَا وَلِأَهلِنَا وَلِأَولَادِنَا وَلِإِخوَانِنَا وَأَخَوَاتِنَا وَلِأَحبَابِنَا بَينَ خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا، اللهم اغفِر لَنَا وَلِلمُؤمِنِينَ وَلِلمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ.

اللهم إِنَّا لَجَأنَا إِلَيكَ بِقُلُوبٍ مُنكَسِرَةٍ فَلَا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، أَعطِنَا مَا طَلَبنَا، حَقِّق لَنَا مَا سَأَلنَا، أَكرِمنَا بِرُؤيَةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَارزُقنَا رُؤيَتَهُ وَزِيَارَتَهُ، وَاجعَل تُربَتَنَا البَقِيعَ، انفَعنَا بِبَرَكَاتِهِ، ثَبِّتنَا عَلَى دِينِهِ وَحُبِّهِ، وَاحشُرنَا تَحتَ لِوَائِهِ، وَشَفِّعهُ فِينَا، اللهم أَمِدَّنَا بِمَدَدِهِ.

يَا مَن أَكرَمتَ وَجهَ مُحَمَّدٍ، يَا مَن أَقسَمتَ بِحَيَاةِ مُحَمَّدٍ، سَأَلنَاكَ بِحُبِّكَ لِمُحَمَّدٍ، بِحَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ، بِعَظِيمِ قَدرِ مُحَمَّدٍ، بِجَاهِ مُحَمَّدٍ، بِسِرِّ مُحَمَّدٍ، بِكَرَامَةِ مُحَمَّدٍ، أَجِرنَا مِنَ النَّارِ، أَجِرنَا مِنَ النَّارِ، أَجِرنَا مِنَ النَّارِ، أَدخِلنَا الجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلِينَ الأَبرَارِ، اللهم إِنَّا سَأَلنَاكَ بِأَسمَائِكَ الحُسنَى فَاختِم لَنَا بِالوِلَايَةِ، وَانصُر دَعوَتَنَا، اللهم قِنَا الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، اللهم انشُر عَلَينَا رَحمَتَكَ، وَتَوَفَّنَا وَأَنتَ رَاضٍ عَنَّا، اللهم يَا غَنِيُّ يَا مُغنِي، يَا مُبدِئُ يَا مُعِيدُ، يَا رَحِيمُ يَا وَدُودُ، أَغنِنَا بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِكَ وَبِطَاعَتِكَ عَن مَعصِيَتِكَ وَبِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ.

يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا فَتَّاحُ يَا رَزَّاقُ، يَا عَلِيمُ يَا كَرِيمُ، أَمِدَّنَا بِمَدَدٍ مِن عِندِكَ يَا اللهُ، أَمِدَّنَا بِمَدَدٍ مِن عِندِكَ يَا اللهُ، أَمِدَّنَا بِمَدَدٍ مِن عِندِكَ يَا اللهُ، أَمِدَّنَا بِمَدَدِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ، أَمِدَّنَا بِمَدَدِ الأَنبِيَاءِ، أَمِدَّنَا بِمَدَدِ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ.

اللهم أَكرِمنَا بِرُؤيَةِ نَبِيِّكَ فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ، أَرِنَا وَجهَهُ الشَّرِيفَ وَأَسمِعنَا صَوتَهُ المُبَارَكَ، اللهم اختِم لَنَا بِالتُّقَى يَا عَزِيزُ يَا كَرِيمُ، يَا عَزِيزُ يَا كَرِيمُ، يَا عَزِيزُ يَا كَرِيمُ، أَعِزَّنَا بِالتَّقوَى، أَعِزَّنَا بِالتَّقوَى، أَعِزَّنَا بِالتَّقوَى.

اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ بِكُلِّ اسمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيتَ بِهِ نَفسَكَ، أَو أَنزَلتَهُ فِي كِتَابِكَ أَو عَلَّمتَهُ أَحَدًا مِن خَلقِكَ أَوِ استَأثَرتَ بِهِ فِي عِلمِ الغَيبِ عِندَكَ أَن تُعَجِّلَ بِالفَرَجِ، اللهم اجعَلنَا مِن صَحَابَةِ نَبِيِّكَ عِيسَى المَسِيحِ، وَاجعَلنَا مِن جُنُودِ المَهدِيِّ، وَارزُقنَا يَا رَبَّنَا الوِلَايَةَ وَالسَّعَادَةَ.

اللهم اختِم لَنَا بِالتُّقَى وَالنَّقَا، اللهم أَدخِلنَا الجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلِينَ، وَاكتُبنَا فِي عِبَادِكَ النَّاجِينَ، اللهم اسقِنَا مِن حَوضِ نَبِيِّكَ الكَرِيمِ، اللهم لَا تَدَع لَنَا ذَنبًا إِلَّا غَفَرتَهُ وَلَا مَرِيضًا إِلَّا شَفَيتَهُ وَلَا دَينًا إِلَّا قَضَيتَهُ وَلَا كَربًا إِلَّا فَرَّجتَهُ، يَا عَظِيمُ يَا عَظِيمُ يَا عَظِيمُ، يَا جَلِيلُ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ إِن عَذَّبتَنَا فَبِعَدلِكَ وَإِن رَحِمتَنَا فَبِفَضلِكَ فَارحَمنَا وَلَا تُعَذِّبنَا، فَارحَمنَا وَلَا تُعَذِّبنَا، فَارحَمنَا وَلَا تُعَذِّبنَا، وَاكشِف عَنَّا مَا نَحنُ فِيهِ، وَاحقِن دِمَاءَ المُسلِمِينَ فِي فِلَسطِينَ، فِي لُبنَانَ، فِي سُورِيَّا وَلِيبيَا، فِي اليَمَنِ وَالعِرَاقِ، فِي مَالِي وَفِي بُورمَا، اللهم وَالطُف بِهِم فِي الصِّينِ وَفِي كَشمِيرَ وَفِي الهِندِ وَبَاكِستَانَ وَبَنغَلَادِشَ، احقِن دِمَائَهُم فِي كُلِّ أَرضٍ وَبَلَدٍ، انصُرهُم نَصرًا مُؤَزَّرًا، احفَظهُم وَقَوِّهِم.

يَا رَبّ، دَمِّر عَدُوَّهُم، يَا رَبِّ عَجِّل بِالفَرَجِ، يَا رَبِّ ارفَع عَنَّا البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالغَلَاءَ وَشَرَّ الأَعدَاءِ، وَأَكرِمنَا بِالخَيرِ وَالبَرَكَةِ، اجعَلنَا مِمَّن أَعتَقتَهُم فِي هَذَا اليَومِ، اجعَلنَا مِمَّن غَفَرتَ لَهُم فِي هَذَا اليَومِ، يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، لَو أَدخَلتَنَا الجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلِينَ مَا نَقَصَ مِن مُلكِكَ شَيءٌ فَأَعطِنَا ذَلِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، أَنتَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَنتَ أَكرَمُ الأَكرَمِينَ.

استَجِب لَنَا مَا طَلَبنَا وَحَقِّق لَنَا مَا دَعَونَا، وَارحَم شَيخَنَا وَمَشَايِخَنَا، وَانصُر جَمعِيَّتَنَا وَأَيِّد دَعوَتَنَا وَأَهلِك أَعدَائَنَا.

اجمَعنَا بِنَبِيِّكَ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى، ارزُقنَا رُفقَةَ النَّبِيِّينَ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى، اجعَلنَا مَعَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ وَالأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى.

اللهم أَعطِ الحَاضِرِينَ سُؤلَهُم مِنَ الخَيرِ وَأَولَادَهُم وَأَهلَهُم وَأَحبَابَهُم مِنَ المُسلِمِينَ وَالمُؤمِنِينَ وَمَن مَعَنَا فِي مَوَاقِعِنَا وَفِي صَفحَتِنَا، اجمَع لَنَا وَلَهُم بَينَ خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، بِحُرمَةِ القُرءَانِ العَظِيمِ وَبِكَرَامَةِ وَجهِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ وَبِسِرِّ هَذَا اليَومِ الكَرِيمِ بِحَقِّ يَومِ عَرَفَةَ، بِحَقِّ كُلِّ الأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ، بِسِرِّ المَلَائِكَةِ وَالصُّلُحَاءِ وَالأَخيَارِ وَالأَطهَارِ استَجِب لَنَا بِبَرَكَتِهِم يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَحَقِّق لَنَا مَا طَلَبنَا يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ بِحُرمَتِهِم، بِحَقِّهِم، 

اللَّهُمَّ فِي هذ اليوم الْمُبَارَك اجْعَلْنا مِنْ جُنْدِكَ فَإنَّ جُنْدَكَ هُمُ الْغالِبُونَ، وَاجْعَلْنا مِنْ حِزْبِكَ فَإنَّ حِزْبَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَاجْعَلْنا مِنْ أوْلِيائِكَ فَإنَّ أولِياءَكَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنا دِينَنَا فَإنَّهُ عِصْمَةُ أمْرِنَا، وَأصْلِحْ لَنا ءاخِرَتَنا فَإِنَّها دارُ مَقَرِّنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيادَةً لنا في كُلِّ خَيْر، وَالْوَفاةَ راحَةً لَنا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يا أرحَمَ الرَّاحِمِينَ يا ذَا الْجَلالِ والْإكرَام، 

يا اللهُ يا اللهُ اللهم إنا نتوسلُ إليكَ ونتوجهُ إليك باسمِك العظيمِ وبأسمائِك الحسنى وبحرمةِ القرآنِ العظيمِ وبسرِّ النبيينَ اللهم إنا نسئلكَ ونتوجه إليك بحبيبكَ محمدٍ بحبيبك محمدٍ بنبيكَ محمدٍ يا محمدٍ يا رسولَ الله إنا نتوجَّه بك إلى ربنا في دعائنا ليستجابَ لنا في موقِفنا هذا في يومِنا هذا في مكانِنا هذا في ساعتِنا هذه بحبِّك لحبيبكَ محمدٍ بحبك لحبيبكَ محمدٍ أعتِقْنَا مِن النارِ أعتِقنا مِن النارِ أعتِقنا مِن النارِ يا عزيزُ يا غفارُ يا ذا الجلالِ والإكرامِ يا ذا الجلالِ والإكرامِ يا ذا الجلالِ والإكرامِ أعتِقنا مِن النارِ أنت ربُّنا ونحنُ عبيدُك فإنْ رحِمْتَنا فَبِفَضْلِكَ وإنْ عذَّبْتنَا فبعدلِك فأعْتِقنا من النارِ بفضلِك يا أكرمَ الأكرمينَ هذه رقابُنا وها نحنُ نقرُّ بالذي قد كان منَّا وأنتَ تفعلُ بنا ما تشاءُ وأنتَ أرحمُ الراحمينَ فبالحبيبِ محمدٍ ارحمْنا لا تعذِّبنا لا تُدخِلنا النارَ لا تُدخِلنا النارَ لا تُدخِلنا النارَ أنتَ القويُّ ونحنُ الضعفاءُ ومَن للضعيفِ سواكَ أنتَ الغنيُّ ونحنُ الفقراءُ فمَن للفقيرِ سواكَ يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ بأسمائك الحسنى اجعلْنا مِن أحبابِك ومِن أحبابِ حبيبِك محمدٍ وعطِّفْ قلبَه علينا انفعْنا ببركاتهِ وأنوارِه وأسرارهِ وفيوضاتِه واجعلْنا تحتَ لوائِه وأورِدنا حوضَه يا ربَّ العالمين وشفِّعْه فينا يا أكرمَ الأكرمينَ اللهم يا الله يا الله يا حيُّ يا قيومُ إنا لجَئنا إليك بقلوبٍ منكسرةٍ فلا تَرُدَّنَا خائبينَ يا رب فلا ترُدَّنا خائبينَ يا رب فلا تردُّنا خائبينَ يا رب اجعَلْنا ممن أعتَقْتَه من النار في هذا اليومِ العظيمِ إنا تذَلَّلنا إليك وأنتَ أرحمُ الراحمينَ انشرْ علينا رحمتَك وتوفَّنا وأنتَ راضٍ عنا، اللهم يا غنيُّ يا مغني يا مبدئُ يا معيدُ يا رحيمُ يا ودودُ أغننا بحلالكَ عن حرامِك وبطاعتِك عن معصيتِك وبفضلِك عمن سواكَ يا الله يا الله يا الله يا الله يا فتاحُ يا رزاقُ يا عليمُ يا كريمُ يا اللهُ المددَ المددَ يا ربِّ اللهم أمدَّنا بمددٍ من عندِك يا الله اللهم أمدَّنا بمددٍ من عندِك يا الله اللهم أمدَّنا بمددٍ من عندِك يا الله اللهم ارحمْ أمةَ محمد اللهم انصرْ أمةَ محمدٍ اللهم عجِّل بالنصرِ والفرجِ يا رب العالمين اللهم اجمعْ كلمةَ المسلمين اللهم ألفْ بين قلوبِ المسلمين اللهم قوِّ شوكةَ المسلمين اللهم أيدهم بنصرٍ من عندِك يا الله ودمِّر عدوَّهم يا الله دمِّر جيوشَ الكفرةِ يا الله انصرِ الإسلامَ والمسلمين يا الله يا الله أمدَّنا بمددِ الأنبياءِ والأولياءِ والملائكةِ والصالحينَ وانفَحْنَا بنفحاتِهم وانفعْنا ببركاتِهم يا الله يا الله يا الله يا الله أكرِمْنا برؤيةِ حبيبِك محمدٍ وبشفاعةِ حبيبكَ محمدٍ وارزقْنا زيارتَه وشفاعتَه واجعلْ تربَتَنا البقيعَ يا ربنا إنا نحبُّ حبيبَك محمدًا أكثرَ مِن أولادِنا وأكثرَ مِن أرواحِنا وأكثرَ مِن عيونِنا فأرِنا وجهَه الليلةَ يا الله وأسمِعْنَا صوتَه الليلةَ يا الله وأفِضْ علينا مِن بركاتِه في مجلسِنا.

اللهم استرْ عوراتِنا وآمِن روعاتِنا وقنَا شرَّ ما نتخوفُ اللهم ارزقْنا رزقًا حسنًا وقلبًا خاشعًا وجسدًا على البلاءِ صابرًا اللهم أنبِتْ أولادَنا نباتًا حسنًا واجعَلْنَا وإياهم خُدَّامًا لدينِك يا الله واجعلْنا وإياهم حراسًا لعقيدةِ حبيبِك محمدٍ وأنجِحْهُم في الدنيا والآخرة اللهم اختمْ لنا بكاملِ الإيمانِ اللهم إنا نسألُكَ العفوَ والعافيةَ وحسنَ الحالِ وحسنَ الختامِ اللهم مَتِّعْنَا بأسماعِنا وأبصارِنا وقوتِنا ما أحييتَنا واجعَلْهُ الوارثَ منَّا واجعلْ ثأرنَا على من ظَلَمَنا وانصرْنا على مَن عادَانا اللهم لا تجعلْ مصيبَتَنَا في دينِنا ولا تجعلِ الدنيا أكبرَ همِّنا ولا مبلغَ علمِنا اللهم لا تسلِّطْ علينا مَن لا يرحمُنا اللهم أدخِلْنا الفردوسَ الأعلى اللهم أدخِلْنَا الفردوسَ الأعلى اللهم أدخِلْنا الفردوسَ الأعلى اللهم نجِّنَا مِن عذابِ القبرِ وعذابِ النارِ اللهم إنَّا ظلَمْنَا أنفسَنا ظلمًا كثيرًا وإنَّهُ لا يغفرُ الذنوبَ إلَّا أنتَ فاغفرْ لنا مغفرةً مِن عندِك وارحمْنا إنَّك أنتَ الغفورُ الرحيمُ اللهم انقُلْنا مِن ذلِّ المعصيةِ إلى عزِّ الطاعةِ اللهم أصلِحْ أحوالَنا باطنًا وظاهرًا وارزقْنا رزقًا حلالًا واسعًا اللهم أحينَا على السنةِ اللهم أحيِنا على السنةِ وأمِتْنَا عليها وابعَثْنَا عليها اللهم أحيِنا حياةً طيبةً وأمِتْنا ميتةً نقيةً اللهم اجعلْ قبورَنا رياضًا مِن رياضِ الجنةِ ولا تجعَلْها حُفَرًا مِن حُفَرِ النارِ اللهم إنا نسألُك كما هدَيْتَنا للإسلامِ أنْ تتوفَّانا عليهِ يا الله.

ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنَا عذابَ النارِ ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بعد إذ هدَيتَنا وهبْ لنا مِن لدُنكَ رحمةً إنكَ أنتَ الوهابُ ربَّنا لا تؤاخِذْنا إنْ نسينَا أو أخطَأْنا ربَّنا ولا تحمِلْ علينا إصرًا كما حمَلْتَه على الذينَ مِن قبلِنا ربَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقةَ لنا به واعفُ عنا واعفُ عنا واعفُ عنا واغفرْ لنا واغفرْ لنا واغفرْ لنا وارحَمْنا وارحَمْنا وارحَمْنا أنت مولانا فانصرْنا على القومِ الكافرينَ.

اللهم أكرِمْنا بحفظِ القرآنِ العظيمِ وارزقْنا تلاوتَه آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ واحفظْنا ببركتِه وبركةِ حبيبِك محمدٍ واجعلنا مِن العاملينَ بأحكامِه ومن الوقَّافينَ عندَ حدودِه واجعلْه حجةً لنا لا علينا واجعلْه نورًا لنا في الدنيا والقبرِ والآخرةِ. اللهم لا تخيِّبْ رجاءَنا يا أرحمَ الراحمينَ.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآَجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمّدٌ ﷺ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّك مُحَمّدٌ ﷺ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ تَقْضِيهِ لِي خَيْرًا.

اللهم إنا سألناكَ العافيةَ في الدنيا والآخرة يا ربَّ العالمينَ أعطِ كلَّ واحدٍ منا سؤلَه يا ربَّ العالمينَ اللهم فرِّجْ عنا كرباتِ الدنيا والآخرةِ اللهم اجمعْ لنا بينَ خيري الدنيا والآخرةِ اللهم اغفرْ لمن سبقَنا مِن إخوانِنا بالإيمانِ اللهم اجمعْنا بهم في الفردوسِ الأعلى اللهم ارحمْ شيخَنا رحمةً واسعةً اللهم ارحمْ مشايخَنا اللهم اجمعْنا بهم في الفردوسِ الأعلَى يا الله يا الله يا الله استجبْ لنا بحقِّ حبيبِك محمدٍ وبسِرِّ الفاتحةِ.

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.