صحيح البخاري(35) | كتاب الوضوء (6)| نواقض الوضوء وآدابه وأحكام قراءة القرآن

الدرس ٦ من ٩ في هذا البابصحيح الإمام البخاري مدة الدرس ٥٩:٤٩

المقدمة

الحَمدُ للهِ الَّذِي أَكرَمَنَا بِالإِسلَامِ، وَأَعَزَّنَا بِالإِيمَانِ، وَأَنعَمَ عَلَينَا بِالقُرآنِ، وَجَعَلَنَا مُوَحِّدِينَ غَيرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا الأَمِينِ، سَيِّدِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، مَن بَعَثَهُ رَبُّهُ بِالحَقِّ المُبِينِ، الَّذِي بَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِ مُوسَى وَعِيسَى وَهَارُونُ وَسَائِرُ المُرسَلِينَ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا مَثِيلَ لَه، وَلَا ضِدَّ وَلَا نِدَّ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُرَّةَ أَعيُنِنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهَ وَحَبِيبُهُ، بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وَعَلَّمَ النَّاسَ مَا يَنفَعُهُم وَحَذَّرَهُم مِمَّا يَضُرُّهُم فِي دِينِهِم وَدُنيَاهُم، فَبَيَّنَ أَنَّ الصِّدقَ مَنجَاةٌ وَالكَذِبَ مَهلَكَةٌ، فَأَمَرَ بالصِّدقِ وعَظَّمَ أَهلَهُ، وَحَذَّرَ مِنَ الكَذِبِ وَذَمَّ أَهلَهُ، فَصَلِّ اللهم عَلَيهِ صَلَاةً تَكُونُ سَبَبًا فِي مَغفِرَةِ الذُّنُوبِ وَسَترِ العُيُوبِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الكُرُوبِ، أَمَّا بَعدُ:

نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ كِتَابِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا بَدَأنَا بِكِتَابَ الوُضُوءِ بِفَضْلِ اللهِ، وَنُكْمِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ وَصَلْنَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ….

34- بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ. 

175 -حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يُحْدِثْ». 

فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ؛ يَعْنِي الضَّرْطَةَ.

الشَّرْحُ

حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ (أَيْ لَا يَزَالُ يُثَابُ) مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يُحْدِثْ». فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ (أَيْ لَا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ وَلَيْسَ فَصِيحًا): مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ؛ يَعْنِي الضَّرْطَةَ (وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ البَوْلَ وَالغَائِطَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يُظَنُّ أَنْ يَحْصُلَ مِنَ الشَّخْصِ الَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى مَا ذُكِرَ).

176 – حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا».

الشَّرْحُ

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِهِ هَذَا فِي بَابِ لَا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِظُهُورِ دَلَالَتِهِ عَلَى ذِكْرِ النَّقْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ).

177 – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: فِيهِ الْوُضُوءُ». 

وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ.

الشَّرْحُ

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً (أَيْ يَكْثُرُ مِنْهُ خُرُوجُ المَذْيِ)، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: فِيهِ الْوُضُوءُ». وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ (أَوْرَدَهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هُنَا لِدِلَالَتِهِ عَلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَذْيِ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ) (الْمَذْيُ لا يُوجِبُ خُرُوجُهُ الْغُسْلَ، وَلَكِنَّهُ يُثْبِتُ الْحَدَثَ الأَصْغَرَ وَهَذَا الْمَذْيُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَهُوَ مَاءٌ لَزِجٌ يَخْرُجُ عِنْدَ ثَوَرَانِ الشَّهْوَةِ)

(هُنَا أُبَيِّنُ أَنَّ الحَيَاءَ مِنهُ مَا هُوَ مَذمُومٌ، فَالحَيَاءُ الْمَذمُومُ هُوَ مَا يَمْنَعُكَ مِنْ تَحْصِيلِ الخَيرِ، وَلَيسَ هُوَ المُرَادَ هُنَا.

مِثلُ هَذَا مَا جَاءَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: «لَا يَستَحِي الكَبِيرُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَمَا لَا يَستَحِي أَنْ يَأْكُلَ الخُبزَ»، إِذَا تَعَلَّمَ هَذَا العلم وهو كبير مَا فِيهِ مَا يَعِيبُهُ أَوْ يُنقِصُ مِنْ قَدْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُا: «نِعمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَياءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِى الدِّينِ»، نِسَاءُ الأَنصَارِ كُنَّ شَدِيدَاتِ الحَيَاءِ، كَانَت تَمشِي تَستُرُ عَيْنًا وَتُبْدِي عَيْنًا، تَكتَفِى بِعَينٍ وَاحِدَةٍ لِتَرَى مِنْ شِدَّةِ حَيائِهِنَّ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَمنَعْهُنَّ حَيَاؤُهُنَّ مِنَ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، حَيَاؤُهُنَّ كَانَ عَلَى وَجْهِهِ، لَيسَ الحَيَاءَ المَذْمُومَ الَّذِي ذَمَّهُ شَرْعُ اللهِ تَعَالَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحٍ وَلَا مُتَكَبِّرٌ»، وَأَرَادَ بِالمُسْتَحِي الْمُتَّصِفَ بِهَذَا الحَيَاءِ المَذْمُومِ).

178 – حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضي الله عنه قُلْتُ: «أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ.

قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ».

الشَّرْحُ

حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضي الله عنه قُلْتُ: «أَرَأَيْتَ (أَيْ أَخْبِرْنِي) إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ (سَيَأتِي الكَلَامُ عَلَى هَذَا وَأَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالوُضُوءِ مِنَ الجِمَاعِ هَذَا كَانَ ثُمَّ نُسِخَ وَصَارَ الوَاجِبُ الغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلِ المُجَامِعُ، لَكِنِ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَوْرَدَهُ هُنَا لِيُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ).

 قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ» (أَيْ أَمَرُوهُ بِالوُضُوءِ).

179 – حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ».

تَابَعَهُ وَهْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ وَيَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ: الْوُضُوءُ.

الشَّرْحُ

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ (هُوَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَزُورَهُ فِي بَيْتِهِ لِيُصَلِّيَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ بَيْتِهِ فَيَتَّخِذَ مَوْضِعَ صَلَاتِهِ مُصَلًّى تَبَرُّكًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ تَلْبِيَةً لِدَعْوَتِهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ فَأَرسَلَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيُخْبِرَهُ بِقُدُومِهِ، وَقَدَّمَ الِاغْتِسَالَ لِيَكُونَ مُتَأَهِّبًا لِلصَّلَاةِ مَعَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ)، فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ (تَأَخَّرَ الصَّحَابِيُّ حَتَّى خَرَجَ وَرَأسُهُ يَقْطُرُ وَكَأَنَّهُ اغْتَسَلَ، وَالمَعْنَى: يَنْزِلُ مِنْهُ الْمَاءُ قَطْرَةً قَطْرَةً مِنْ أَثَرِ الْغُسْلِ)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟ (أَيْ: عَنْ فَرَاغِ حَاجَتِكَ مِنَ الْجِمَاعِ، فَالصَّحَابِيُّ لَمَّا أَبْطَأَ عَنِ الْإِجَابَةِ مُدَّةَ الِاغْتِسَالِ خَالَفَ الْمَعْهُودَ مِنْهُ وَهُوَ سُرْعَةُ الْإِجَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا رَأَى عَلَيْهِ أَثَرَ الْغُسْلِ دَلَّ عَلَى أَنَّ شُغْلَهُ كَانَ بِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نَزَعَ قَبْلَ الْإِنْزَالِ لِيُسْرِعَ الْإِجَابَةَ) فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ» (يَعْنِي إِذَا انْصَرَفْتَ عَنِ الوَطْءِ قَبْلَ الإِنْزَالِ فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ وَهَذَا نُسِخَ، لَكِنِ الغَرَضُ هُنَا بَيَانُ أَنَّ هَذَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، وَيُقَالُ: أَقَحَطَ الرَّجُلُ إِذَا جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ).

 تَابَعَهُ وَهْبٌ (أَيْ أَنَّ وَهْبًا تَابَعَ النَّضْرَ أَيْ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ كَمَا أَنَّ النَّضْرَ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ) قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ وَيَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ: الْوُضُوءُ (يُرِيدُ البُخَارِيُّ أَنَّ مَشَايِخَهُ لَمَّا حَدَّثُوهُ بِهَذَا الحَدِيثِ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ رَوَيَا هَذَا الحَدِيثَ وَلَمْ يَذْكُرَا الوُضُوءَ، بَلْ يَلْزَمُهُ الغُسْلُ فَقَطْ وَهُوَ كَذَلِكَ، أَمَّا غُنْدَرٌ فَرِوَايَتُهُ فِيْهَا الوُضُوءُ).

35- بَابُ: الرَّجُلِ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ

180 – حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، عَدَلَ إِلَى الشِّعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ.

قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: الْمُصَلَّى أَمَامَكَ».

الشَّرْحُ

بَابُ: الرَّجُلِ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ (أَيْ: مَا حُكْمُ أَنْ يُعِينَ صَاحِبَهُ عَلَى الوُضُوءِ بِصَبِّ المَاءِ أَوْ بِغَسْلِ الأَعْضَاءِ).

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، عَدَلَ إِلَى الشِّعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ (أَيْ أَصُبُّ الْمَاءَ) وَيَتَوَضَّأُ (أَيْ: وَهُوَ يَتَوَضَّأُ)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟فَقَالَ: الْمُصَلَّى أَمَامَكَ» (وَاسْتَدَلَّ بِهِ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ فِي الْوُضُوءِ).

(يُستَحَبُّ فِي الوُضُوءِ: تَركُ الِاستِعَانَةِ فِي صَبِّ المَاءِ عَلَيهِ، فَهِيَ خِلَافُ الأَولَى، أَمَّا الِاستِعَانَةُ فِي غَسلِ الأَعضَاءِ فَمَكرُوهَةٌ، وَفِي إِحضَارِ المَاءِ لَا بَأسَ بِالِاستِعَانَةِ أَنْ تَقُولَ لِشَخصٍ اجْلُبْ لِيَ المَاءَ لَا إِشكَالَ، لَا هِيَ مَكرُوهَةٌ وَلَا خِلَافُ الأَولَى، لِثُبُوتِهَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ فِي عِدَّةِ مَرَّاتٍ طَلَبَ مِنْ غَيرِهِ أَنْ يَجلِبَ المَاءَ، إِلَّا لِعُذرٍ فلا بأس بالاستعانة مطلقًا في الاستعانات الثلاثة في الصب والغسل والجلب بل قد تجب ولو بأجرة المثل على تفصيل يذكره الفقهاء. 

وإذا استعان بمن يصب عليه فيقف المعين ندبًا عن يساره أليس هو سيصب الماء، فهو مثل الإبريق فيكون عن يساره لأنه أعون وأمكن وأحسن في الأدب هكذا قال الشافعي، 

والبداءة في غسل الوجه بأعلاه من الجبهة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ من الجبهة ولأنه أشرف لأنه محل السجود وفي اليدين والرجلين بالأصابع بأطراف الأصابع لا بالمرفق والكعب لا يبدأ بمرفقه إلى أصابعه وإن صب عليه غيره يبدأ بالمرفق والكعب.)

الخلاصة: الِاستِعَانَةُ لَهَا صُوَرٌ:

  • فَقَد تَكُونُ بِإِحضَارِ المَاءِ: وَهَذَا لَا بَأسَ بِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ.
  • وَقَد تَكُونُ الِاستِعَانَةُ بِصَبِّ المَاءِ: وَهَذَا خِلَافُ الأَولَى.
  • وَقَد تَكُونُ الِاستِعَانَةُ بِغَسلِ الأَعضَاءِ: وَهَذَا الأَخِيرُ مَكرُوهٌ قَطعًا إِذَا كَانَ بِلَا عُذرٍ، أَمَّا لَو كَانَ أَقطَعَ أَو نَحوَهُ بِحَيثُ لَا يَستَطِيعُ أَن يَغسِلَ أَعضَاءَهُ بِنَفسِهِ فَلَا تَكُونُ الِاستِعَانَةُ بِغَسلِ الأَعضَاءِ مَكرُوهَةً وَلَا خِلَافَ الأَولَى، بَل قَد تَجِبُ الِاستِعَانَةُ بِغَسلِ الأَعضَاءِ بِأُجرَةِ المِثلِ إِذَا كَانَ لَا يَستَطِيعُ الوُضُوءَ إِلَّا بِمَن يُعِينُهُ، عَلَى قَاعِدَةِ: مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَإِذَا وَجَدَهُ بِأُجرَةِ المِثلِ وَكَانَت زَائِدَةً عَلَى كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَن عَلَيهِ مُؤنَتُهُ تَكُونُ استِعَانَتُهُ بِهِ حِينَئِذٍ وَاجِبَةٌ).

181 – حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ».

الشَّرْحُ

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ (هَذَا الإِسْنَادُ فِيهِ شَيءٌ نَادِرٌ، هَؤُلَاءِ الأَرْبَعَةُ عُرْوَةُ بْنُ المُغِيرَةِ وَنَافِعُ بْنُ جُبَيرٍ وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَيَحيَى بْنُ سَعِيدٍ كُلُّهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَرِوَايَتُهُمْ عَنْ بَعْضِهِمْ شَيءٌ نَادِرٌ) أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» (شَرْحُ هَذَا الحَدِيثِ بِتَمَامِهِ يَأْتِي فِي بَابِ المَسْحِ عَلَى الخُفَّينِ إِنْ شَاءَ اللهُ، والْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ).

36- بَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ

وَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ إِزَارٌ فَسَلِّمْ وَإِلَّا فَلَا تُسَلِّمْ.

الشَّرْحُ

بَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ (أَيْ مَا حُكْمُ أَنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ وَهُوَ مُحْدِثٌ حَدَثًا أَصْغَرَ بِأَنِ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ).

وَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ (أَيْ فِي مَوْضِعِ الِاغْتِسَالِ، فَقَدْ كَانَ الحَمَّامُ فِي المَاضِي مَوْضِعًا لِلِاغْتِسَالِ فَقَطْ وَلَيْسَ كَمَا هُوَ الآنَ فَإِنَّ المُغْتَسَلَ وَبَيْتَ الخَلَاءِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ) وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ (أَيْ وَلَوْ كَانَ فِيهَا البَسْمَلَةُ وَهِيَ قَوْلُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،

وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ (هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فَقِيهُ الْكُوفَةِ، “عَنْ إِبْرَاهِيمَ”: أَيِ: النَّخَعِيِّ، “إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ”: أَيْ: عَلَى مَنْ فِي الْحَمَّامِ “إِزَارٌ”: أَيْ: عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ إِزَارٌ): إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ إِزَارٌ فَسَلِّمْ وَإِلَّا فَلَا تُسَلِّمْ (النَّهْيُ عَنِ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ عَلَى هَذِهِ الحَالِ لِكَونِهِم عُرَاةً وَهَذَا يَسْتَدْعِي مِنْهُمُ الرَّدَّ، وَالتَّلَفُّظُ بِالسَّلَامِ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ؛ وَأَنَّ لَفْظَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالْمُتَعَرِّي عَنِ الْإِزَارِ مُشَابِهٌ لِمَنْ هُوَ فِي الْخَلَاءِ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَتَوَجَّهُ ذِكْرُ هَذَا الْأَثَرِ فِي هَذَا البَابِ)

 (قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: وَمَنِ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ حَرُمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالطَّوَافُ وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ وَمَسُّهُ وَيُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ الصَّبِيُّ لِلدِّرَاسَةِ). (فَائِدَةٌ: وَلا يَتَكَلَّمُ فِي قَضَاءِ الحَاجَةِ لِلنَّهيِ عَنهُ فِي حَدِيثِ ابنِ حِبَّانَ، فَإِن تَكَلَّمَ كُرِهَ إِلَّا لِضَرُورَةٍ. 

يَقُولُ شَيخُنَا فِي شَرحِهِ عَلَى مَتنِ أَبِي شُجَاعٍ رَحِمَهُمَا اللهُ: يُطلَبُ مِن قَاضِي الحَاجَةِ أَلَّا يَتَكَلَّمَ عَلَى البَولِ وَالغَائِطِ بِكَلَامٍ عِندَ خُرُوجِ الخَارِجِ -فَيُكرَهُ لَهُ فِي هَذِهِ الحَالِ أَن يَتَكَلَّمَ بِأَيِّ كَلَامٍ، سَوَاءٌ كَانَ ذِكرًا أَو غَيرَهُ- أَو بِذِكرٍ مُطلَقًا مَا دَامَ فِي ذَلِكَ المَكَانِ -أَي لَا يَذكُرُ اللهَ بِلِسَانِهِ فِي ذَلِكَ المَوضِعِ وَلَو لَم يَكُن فِي حَالِ خُرُوجِ الخَارِجِ مِنهُ، أَمَّا قِرَاءَةُ القُرءَانِ جَهرًا فِي الخَلَاءِ فَقَوَّى شَيخُنَا رَحِمَهُ اللهُ تَحرِيمَ ذَلِكَ، وَليُعلَم أَنَّ الذِّكرَ القَلبِيَّ جَائِزٌ فِي كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ أَن يَستَشعِرَ الوَاحِدُ عَظَمَةَ اللهِ فِي قَلبِهِ- فَإِن فَعَلَ -أَي تَكَلَّمَ فِي حَالِ خُرُوجِ الخَارِجِ- كَانَ مَكرُوهًا، إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَإِنذَارِ أَعمًى فَلَا يُكرَهُ.اهـ) (فَمِثَالُ الضَّرُورَةِ هُنَا أَن يَرَى ضَرِيرًا يَقَعُ فِي بِئرٍ، أَو يَرَى حَيَّةً أَو نَحوَهَا تَقصِدُ إِنسَانًا لِتُؤذِيَهُ). 

(فَائِدَةٌ: مِمَّا يَحرُمُ عَلَى المُحدِثِ حَدَثًا أَكبَرَ: قِرَاءَةُ القُرءَانِ بِاللَّفظِ وَلَو حَرفًا، لِحَدِيثِ: «لَا يَقرَأِ الجُنُبُ وَلَا الحَائِضُ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَضَعَّفَهُ فِي شَرحِ المُهَذَّبِ، وَفِي مُسنَدِ أَبِي يَعلَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَرَأَ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا لِمَن لَيسَ بِجُنُبٍ، فَأَمَّا الجُنُبُ فَلَا وَلَا ءَايَةً». وَلَا يَحرُمُ إِمرَارُهُ عَلَى القَلبِ) 

(لَا يَحِلُّ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ قِرَاءَةُ شَيءٍ مِنَ القُرءَانِ بِقَصدِ القُرءَانِ، أَمَّا إِذَا كَانَ لَا بِقَصدِ قُرآن وَكَانَ مِن أَذكَارِ القُرآنِ، كَقَولِهِ فِي الأَكلِ: بِسمِ اللهِ، وَعِندَ فَرَاغِهِ مِنهُ: الحَمدُ للهِ، وَعِندَ رُكُوبِهِ: سُبحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَعِندَ المُصِيبَةِ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ، فَلَا يَحرُمُ، إِذِ القُرآنُ إِنَّمَا يَكُونُ قُرآنًا بِالقَصدِ،

أَمَّا مَا كَانَ مِن غَيرِ أَذكَارِ القُرآنِ فَقَرَأَهَا لَا بِقَصدِ القُرآنِ فِيهِ خِلَافٌ هَل يَجُوزُ أَم لَا. كَيفَ الوَاحِدُ قَد يَقرَأُ سُورَةَ المُلكِ الَّتِي هِيَ لَيسَت مِن أَذكَارِ القُرآنِ لَا بِقَصدِ القُرآنِ؟ أَلَيسَ الوَاحِدُ إِذَا اعتَادَ قِرَاءَةَ شَيءٍ قَبلَ نَومِهِ، لَا يَنَامُ، لَا يَرتَاحُ إِلَّا أَن يَقرَأَهُ، لَا يَقصِدُ تِلَاوَةَ القُرآنِ، هُوَ فَقَط يُرِيدُ أَن يَذكُرَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، مَن مَاتَ لَهُ عَزِيزٌ وَقَالَ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ، هَل يُتَصَوَّرُ أَن لَا يَكُونَ قَصَدَ تِلَاوَةَ القُرآنِ؟ أَكِيد، الحُكمُ هَكَذَا، لَا يَنبَغِي لِلوَاحِدِ أَن يَحجُرَ وَاسِعًا، لَا يَقُل أَحَدُنَا: لِمَاذَا قَرَأتَ المُعَوِّذَاتِ، كَيفَ لَم تَقصِدِ القُرآنَ؟! 

الخُلَاصَةُ فِي المَسأَلَةِ أَنَّ الضَّابِطَ كَمَا ذَكَرنَا، وَلَيسَ بِقَصدِ التَّحصِينِ أَم لَا، بَل بِقَصدِ القُرآنِ أَم لَا، وَاللهُ أَعلَمُ) 

(الخُلَاصَةُ: قِرَاءَةُ القُرآنِ لِلمُحدِثِ حَدَثًا أَكبَرَ، قَالَ بَعضُ العُلُمَاءِ: يَحرُمُ إِذَا كَانَ بِقَصدِ القُرآنِ، وَإِن كَانَ بِقَصدِ الذِّكرِ فَلَا يَحرُمُ، وَلَا فَرقَ بَينَ أَن يَكُونَ مَا يَقرَأُهُ مِن أَذكَارِ القُرءَانِ أَم لَا، وَعَلَيهِ كَانَ شَيخُنَا. وَشَرَطَ بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ أَن يَكُونَ مِن أَذكَارِ القُرءَانِ، فَعِندَهُم إِذَا قَرَأَ مَا هُوَ مِن أَذكَارِ القُرءَانِ بِقَصدِ الذِّكرِ لَا يَحرُمُ. وَالمَذهَبُ القَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَحرُمُ لِلحَائِضِ قِرَاءَةُ شَيءٍ مِنَ القُرءَانِ وَلَو بِقَصدِ القُرءَانِ).

182 – حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: «أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهِيَ خَالَتُهُ، فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ».

الشَّرْحُ

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: «أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهِيَ خَالَتُهُ، فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ (أَيْ: يَمْسَحُ بِيَدِهِ وَجْهَهُ)، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ (أَوَّلُهَا: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾، إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَقَدْ يَسْأَلُ البَعْضُ أَلَيسَ قُلْنَا إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَنَامُ قَلْبُهُ، قُلْنَا إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اضْطَجَعَ مَعَ أَهْلِهِ وَالِاضْطِجَاعُ مَعَ الأَهْلِ مَظِنَّةُ اللَّمْسِ)، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ (الشَّنُّ الْقِرْبَةُ الَّتِي تَبَدَّتْ لِلْبِلَى)، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ (كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا نَائِمًا، فَقَامَ مِنْ نَوْمِهِ وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَاتِ كَمَا قَرَأَهَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيهِ وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ قِرَاءَةُ القُرْءَانَ عَلَى مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَصْغَرَ)، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (أَيْ صَلَّى سُنَّةَ الصُّبْحِ)، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ» (وَهَذَا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِندَمَا يَستَيقِظُ لَيلًا يَقرَأُ خَوَاتِيمَ آلِ عِمرَانَ، وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ﴾، “ويلٌ لِمَنْ قَرَأَها ولم يَتَفَكَّر فيها”. فَإِنَّ النَّظَرَ فِي مَخْلُوقَاتِ اللهِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ الدَّلِيلُ الإِجْمَالِيُّ عَلَى وُجُودِ اللهِ، فَالوَاحِدُ مِنَّا يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ ثُمَّ وُجِدَ وَخُلِقَ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ وَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ أَوجَدَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ العَقْلَ السَّلِيمَ يَحْكُمُ بِأَنَّ وُجُودَ الشَّىءُ بَعْدَ عَدَمِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى مُوجِدٍ لَهُ وَهَذَا الموجِدُ هُوَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فهَذَا العَالَمُ مُتَغَيِّرٌ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، الهَوَاءُ يَهُبُّ تارةً وَيَسْكُنُ تارةً وَيَسْخُنُ وَقْتًا وَيَبْرُدُ فِي وَقْتٍ ءاخرَ وَتُشْرِقُ الشَّمْسُ مِنَ المشْرِقِ وَتَغْرُبُ مِنَ المغْرِبِ وَتَكُونُ الشَّمْسُ فِي وَسَطِ النَّهَارَ بَيْضَاءَ وَفِيْ ءاخرِهِ صَفْرَاءَ فَكُلُّ هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ حَادِثَةٌ مَخْلُوقَةٌ لَهَا مُغَيِّرٌ غَيَّرَهَا وَطَوَّرَهَا، وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ أَجْزَاءٌ مِنْ هَذَا العَالَمِ فَهَذَا العَالَمُ مَخْلُوقٌ حَادِثٌ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ خَلَقَهُ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى فَلَوْ قَالَ مُلْحِدٌ لَا يُؤْمِنُ بِوُجُودِ اللهِ نَحْنُ لَا نَرَى اللهَ فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ بِوُجُودِهِ؟ يُقَالُ لَهُ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّ ءاثارَ فِعْلِهِ كَثِيرَةٌ، فَوُجُودُ هَذَا العَالَمِ وَمَا فِيهِ مِنَ المخْلُوقَاتِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ فَالكِتَابُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كَاتِبٍ وَالبِنَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مَنْ بَنَّاءٍ وَكَذَلِكَ هَذَا العَالَمُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ خَالِقٍ خَلَقَهُ وَأَوْجَدَهُ، وَأَمَّا كَوْنكَ لَا تَرَاهُ فَلَيْسَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ وُجُودِهِ فَكَمْ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي تُؤْمِنُ بِوُجُودِهَا وَأَنْتَ لَا تَرَاهَا وَمِنْ ذَلِكَ عَقْلُكَ وَرُوحُكَ وَأَلَمُكَ وَفَرَحُكَ. 

فَتَأْمَّلْ تُرْبَةً تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَتَأْثِيرُ الشَّمْسِ فِيهَا مُتَسَاوٍ، وَالثِّمَارُ الَّتِي تَجِيءُ مِنْهَا مُخْتَلِفَةٌ فِي الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالطَّبِيعَةِ وَالشَّكْلِ وَالرَّائِحَةِ وَالمنَافِعِ وَالخَاصِّيَّةِ مَعَ العِلْمِ أَنَّ الأَرْضَ وَاحِدَةٌ وَالماءَ وَاحِدٌ فَلَوْ كَانَ حُدُوثُ الأَشْيَاءِ بِفِعْلِ الطَّبِيعَةِ كَمَا يَقُولُ الملْحِدُونَ لَجَاءَتْ مُتَشَابِهَةً فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ الوَاحِدَةَ تَفْعَلُ فِي الجِسْمِ الوَاحِدِ فِعْلًا مُتَمَاثِلًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُدُوثَ الحَوَادِثِ هُوَ بِفِعْلِ قَادِرٍ مُخْتَارٍ عَالِمٍ. 

وَبِمثْلِ هَذَا اسْتَدَلَّ الإِمَامُ الشَّافِعِي فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: “وَرَقَةُ التُّوتِ رِيحُهَا وَطَعْمُهَا وَلَوْنُهَا وَاحَدٌ تَأْكُلُ مِنْهَا الغَزَالَةُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا المسْكُ وَتَأْكُلُ مِنْهَا دُودَةُ القَزِّ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الحَرِيرُ وَيَأْكُلُ مِنْهَا الجَمَلُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ البَعَرُ وَيَأْكُلُ مِنْهَا الماعِزُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ اللَّبَنُ أَيِ الحَلِيبُ”.اهـ 

وَسُئِلَ أعرابيٌ عَنْ وُجُودِ اللهِ فَقَالَ: البعرةُ تَدُلُّ عَلَى البَعِيرِ وءاثارُ الأَقْدَامِ تَدُلُّ عَلَى المَسِيرِ أَفَلَا يَدُلُّ هَذَا العَالَمُ عَلَى وُجُودِ اللَّطِيفَ الخَبِيرِ.اهـ بَلَىْ تَبَاْرَكَ اللهُ الخَلَّاقُ العَظِيْمُ،

ثُمَّ إِنَّ العَقْلَ يُدْرِكُ بِالنَّظَرِ السَّلِيمِ فِي مَخْلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى أَنَّ خَالِقَهَا لَا يُشْبِهُهَا بِوَجْهٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَالِقُ العَالَمِ يَشْبِهُهُ بَأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا العَالِمِ مِنَ الحُدُوثِ وَالحَاجَةِ وَالافْتِقَارِ وَالتَّغَيُّرِ، لِأَنَّ المتَشَابِهَاتِ يَجُوزُ عَلَيْهَا مَا يَجُوزُ عَلَى بَعْضِهَا، وَلاحْتَاجَ إِلَى مُوجِدٍ أَوجَدَهُ وَمُحدِثٍ أَحْدَثَهُ، فَإِنَّ الحَادِثَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ أَوْجَدَهُ وَخَصَّصَهُ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ وَالصُّورَةِ وَالمتَغَيِّرُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ يُغَيِّرُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَالمتَحَيِّزُ فِي المكَانِ وَالجِهَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَافْتِقَارُ الجِسْمِ إِلَى مَنْ حَدَّهِ بِهَذَا المِقْدَارِ مِنْ طُولٍ وَعَرْضٍ وَسَمْكٍ وَاضِحٌ لَا لبْسَ فِيهِ لِصَاحِبِ عَقْلٍ سَلِيمٍ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحْتَاجًا لشىءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ لَكَانَ مَخْلُوقًا حَادِثًا وَلَمْ يَكُنْ إلَهًا أزليًا)

وَأَوَّلُ مَا يَنبَغِي النَّظَرُ فِيهِ مَعرِفَةُ اللهِ تَعَالَى بِالدَّلِيلِ وَمَعلُومٌ أَنَّ مَنْ رَأَى السَّمَاءَ مَرفُوعَةً وَالأَرضَ مَوضُوعَةً وَشَاهَدَ الأَبنِيَةَ الْمُحكَمَةَ خُصُوصًا فِي جَسَدِ نَفسِهِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلصَّنعَةِ مِنْ صَانِعٍ وَلِلمَبْنَى مِنْ بَانٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [سورة الرعد/16]).

37- بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلَّا مِنَ الْغَشْيِ الْمُثْقِلِ

183 – حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ، عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: «أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ: أَيْ نَعَمْ. فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَِ وَالنَّارَِ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، أَوِ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ».

الشَّرْحُ

(سَبَقَ شَرحُ هَذَا الحَدِيثِ) بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلَّا مِنَ الْغَشْيِ الْمُثْقِلِ (يَعْنِي أَنَّ الإِنْسَانَ أَحْيَانًا يُصِيبُهُ تَعَبٌ شَدِيدٌ يَكَادُ يُغْمَى عَلَيهِ، وَلَا يَتَوَضَّأُ إِلَّا إِذَا أُغْمِيَ عَلَيهِ وَأَفَاقَ بَعْدَهَا).

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ، عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: «أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ (أَيْ بِرَأسِهَا): أَيْ نَعَمْ. فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ (أَي كَادَ أَن يُغشَى عَلَيَّ بِسَبَبِ التَّعَبِ مِن طُولِ القِيَامِ، وَالغَشيُ طَرَفٌ مِنَ الإِغمَاءِ وَحَالَةٌ قَرِيبَةٌ مِنهُ، فَكَانَ أَمَامِي قِربَةٌ مِن مَاءٍ فَأَخَذتُ المَاءَ وَصَبَبتُهُ عَلَى رَأسِي)، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً (وَكَوْنُهَا كَانَتْ تَتَوَلَّى صَبَّ الْمَاءِ عَلَيْهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَوَاسَّهَا كَانَتْ مُدْرِكَةً، وَذَلِكَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ)، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا (أَيْ رَأَيتُ رُؤيَةَ عَينٍ حَقِيقَةً كُلَّ شَيءٍ يَصِحُّ عَقلًا وَيَلِيقُ عُرفًا أَن يُرَى مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَمرِ الدِّينِ وَغَيرِهِ) حَتَّى الْجَنَّةَِ وَالنَّارَِ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ (أَيْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ) فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، أَوِ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ» (مَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ بِفِعْلِهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ يَرَى الَّذِي خَلْفَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهَا).

38- بَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، [سُورَةُ المَائِدَةِ:6].

وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: الْمَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا.  وَسُئِلَ مَالِكٌ أَيُجْزِئُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ.

184 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ؛ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ».

الشَّرْحُ

38- بَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ (هَذَا الأَكْمَلُ فِي الوُضُوءِ وَالأَحْسَنُ) لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾، [سُورَةُ المَائِدَةِ:6]. (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: احْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾، جَمِيعَ الرَّأْسِ أَوْ بَعْضَهُ، فَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُ يُجْزِئُ.اهـ)

وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: الْمَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا. 

وَسُئِلَ مَالِكٌ أَيُجْزِئُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ (يَعْنِي لَمْ يَكْتَفِ بِالإِجَابَةِ بَلِ اسْتَدَلَّ بِالحَدِيثِ، وَمَعلُومُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ بَعْضِ الرَّأسِ، وَقَالُوا: الآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ أَنْ يَكُونَ المُرَادُ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأسِ وَمَسْحَ جَمِيعِ الرَّأسِ، وَجَاءَ فِي السُّنَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَأَتَمَّ عَلَى العِمَامَةِ، فَبَيَّنَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الوَاجِبَ فِي المَسْحِ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأسِ، وَالغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ مَسْحُ كُلِّ الرَّأسِ، فَهَذَا الأَحْسَنُ).

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ (هذا عَبْدُ اللهِ بنُ زَيْدِ بنِ عَاصِمِ بنِ كَعْبٍ المَازِنِيُّ، احَدُ بَنِي مَازِنِ بنِ النَّجَّارِ. النَّجَّارِيُّ صَاحِبُ حَدِيْثِ الوُضُوْءِ، مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ. يُعْرَفُ: بِابْنِ أُمِّ عُمَارَةَ، ذَكَرَ ابْنُ مَنْدَةَ فَقَطْ أَنَّهُ بَدْرِيٌّ. وقيل: بَلْ هُوَ أُحُدِيٌّ. وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ بِالسَّيْفِ مَعَ رَمْيَةِ وَحْشِيٍّ لَهُ بِحَرْبَتِهِ. قِيْلَ: إِنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ الحَرَّةِ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّيْنَ)، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى (أَيْ بِمَنْزِلَةِ جَدِّهِ، وَفِي الحَقِيقَةِ هُوَ عَمُّ أَبِيهِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ صِفَةَ الجَدِّ مِنْ بَابِ المَجَازِ): أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ (أَيْ غَسَلَ كَفَّيْهِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ثَلَاثًا)، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ (أَيْ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ الرَّأسِ إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ عَادَ إِلَى مُقَدَّمِ رَأسِهِ)؛ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ».

(فَائِدَةٌ: مَسحُ القَلِيلِ مِنَ الرَّأسِ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ وَلَو بَعضَ شَعَرِهِ، لِلأَمرِ بِالمَسحِ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ، وَهُوَ اسمُ جِنسٍ يَصدُق بِالقَلِيلِ وَالكَثِيرِ، وَرَوَى مُسلِمٌ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى العِمَامَةِ.فَدَلَّ عَلَى الِاكتِفَاءِ بِبَعضِ المَسحِ، وَيُسَنُّ أَن لَا يَقتَصِرَ عَلَى أَقَلَّ مِنَ النَّاصِيَةِ)

(الوَاجِبُ هُوَ مَسحُ بَعضِ الرَّأسِ وَلَو شَعَرَةً أَو بَعضَ شَعَرَةٍ فِي حَدِّ الرَّأسِ، فَإِن لَم يَكُن لَهُ شَعَرٌ مَسَحَ عَلَى بَشَرَتِهِ). 

39- بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ

185 – حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ : «شَهِدْتُ  عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ: فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَكْفَأَ عَلَى يَدِهِ مِنَ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ».

الشَّرْحُ

بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (أَيْ بِمَا يَشْمَلُ الكَعْبَينِ).

حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ: «شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ: فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ (أَيْ إِنَاءٍ يُشْرَبُ فِيْهِ)، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ (أَيْ: تَوَضَّأَ لِأَجْلِهِمْ وَلِيُعَلِّمَهُمْ مِثْلَ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ وُضُوءُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بَابِ التَّشبِيهِ بِهِ) فَأَكْفَأَ عَلَى يَدِهِ مِنَ التَّوْرِ (أَيْ أَمَالَ التَّوْرَ حَتَّى غَسَلَ يَدَيهِ قَبلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ)، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ (أَيْ مِنْ كُلِّ غَرْفَةٍ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ)، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» (ذَكَرَ الإِمَامُ البُخَارِيِّ هَذَا الحَدِيثَ فِي هَذَا البَابِ لِقَولِهِ: “ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ). (فَائِدَةٌ: قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَرجُلَكُم إِلَى الكَعبَينِ﴾ قُرِئَ بِالنَّصبِ عَطفًا عَلَى ﴿أَيدِيَكُم﴾ لَفظًا وَبِالجَرِّ عَطفًا عَلَيهِ مَعنًى بِجَرِّهِ عَلَى الجِوَارِ) (هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ غَسلِ القَدَمَينِ فِي الوُضُوءِ وَعَدَمِ صِحَّةِ المَسحِ، وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَرَ أَركَانَ الوُضُوءِ مُرَتَّبَةً فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ: ﴿فَاغسِلُوا وُجُوهَكُم﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأَيدِيَكُم إِلَى المَرَافِقِ﴾، ثُمَّ قَالَ ﴿وَامسَحُوا بِرُؤُوسِكُم﴾، فَجَاءَ لَفظُ ﴿رُؤُوسِكُم﴾ مَجرُورًا بِحَرفِ الجَرِّ، وَمَا قَبلَهُ مَنصُوبٌ بِالعَامِلِ، ثُمَّ لَمَّا قَالَ ﴿وَأَرجُلَكُم إِلَى الكَعبَينِ﴾ نَصَبَهُ وَلَم يَجُرَّهُ عَلَى هَذِهِ القِرَاءَةِ، فَدَلَّ النَّصبُ عَلَى أَنَّ ﴿وَأَرجُلَكُم﴾ مَعطُوفَةٌ عَلَى ﴿وُجُوهَكُم﴾ لَفظًا وَمَعنًى وَنُصِبَت بِالعَامِلِ النَّاصِبِ لِمَا قَبلَهَا وَهُوَ الفِعلُ (اغسِلُوا)، فَدَلَّ هَذَا عَلَى وُجُوبِ الغَسلِ عَلَى هَذِهِ القِرَاءَةِ.

أَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الجَرِّ ﴿وَأَرجُلِكُم﴾ فَهُوَ جَرٌّ عَلَى الجِوَارِ، وَهُوَ لَفظِيٌّ لَا مَعنَوِيٌّ، فَهِيَ مِن حَيثُ المَعنَى مَنصُوبَةٌ مَعطُوفَةٌ عَلَى الوُجُوهِ، وَمِن حَيثُ اللَّفظُ مَجرُورَةٌ عَلَى مُجَاوَرَةِ ﴿بِرُؤُوسِكُم﴾ مَعَ أَنَّ ﴿وَأَرجُلَكُم﴾مَنصُوبَةٌ، وَهَذَا مَشهُورٌ فِي لُغَةِ العَرَبِ، وَفِيهِ أَشعَارٌ كَثِيرَةٌ مَشهُورَةٌ، وَفِيهِ مِن مَنثُورِ كَلَامِهِم كَثِيرٌ. مِن ذَلِكَ قَولُهُم: (هَذَا جُحرُ ضَبٍّ خَرِبٍ) بِجَرِّ (خَرِبٍ) عَلَى جِوَارِ (ضَبٍّ)، وَهُوَ مَرفُوعٌ صِفَةً لِـ(جُحرٍ)، وَمِنهُ فِي القُرآنِ ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُم عَذَابَ يَومٍ أَلِيمٍ﴾ [هود:٢٦]. فَجَرَّ (أَلِيمٍ) عَلَى جِوَارِ يَومٍ وَهُوَ مَنصُوبٌ صِفَةً لِـ(عَذَابَ).

وَإِنَّمَا أَخَّرَ لَفظَ ﴿وَأَرجُلَكُم﴾ إِلَى مَا بَعدَ ﴿بِرُؤُوسِكُم﴾ لِمُرَاعَاةِ التَّرتِيبِ، فَالآيَةُ جَاءَت مُبَيِّنَةً لِصِفَةِ الوُضُوءِ وَمِن هَذِهِ الصِّفَةِ التَّرتِيبُ، فَأَخَّرَهَا لِذَلِكَ)

(وَيَجُوزُ عَلَى قِرَاءَةِ الجَرِّ أَن تَكُونَ مَعطُوفَةً عَلَى الرُّؤُوسِ وَيُحمَلُ المَسحُعَلَى مَسحِ الخُفِّ، أَو عَلَى الغَسلِ الخَفِيفِ الَّذِي تُسَمِّيهِ العَرَبُ مَسحًا، وَيَكُونُ قَد عَبَّرَ بِهِ فِي الأَرجُلِ طَلَبًا لِلِاقتِصَارِ عَلَى الغَسلِ الخَفِيفِ، لِأَنَّ الأَرجُلَ مَظِنَّةُ الإِسرَافِ لِأَنَّ غَسلَهَا يَكُونُ بِالصَّبِّ عَلَيهِا لَا بِالغَرفِ كَبَاقِي الأَعضَاءِ).

(فَائِدَةٌ: يُخَلِّلُ بَينَ أَصَابِعِهِ أَي أَصَابِعِ رِجلَيهِ بِقَرِينَةِ ذِكرِهِ عَقِبَهُمَا وَلِتَصرِيحِهِ بِهِ فِي البَابِ الآتِي لِحَدِيثِ: «وَخَلِّل بَينَ الأَصَابِعِ» صَحَّحَهُ التِّرمِذِيُّ. وَكَيفِيَّتُهُ أَن يُخَلِّلَ بِخِنصَرِ اليَدِ اليُسرَى مِن أَسفَلِ الأَصَابِعِ مُبتَدِئًا بِخِنصَرِ الرِّجلِ اليُمنَى خَاتِمًا بِخِنصَرِ اليُسرَى أَمَّا تَخلِيلُ أَصَابِعِ اليَدَينِ وَهُوَ بِالتَّشبِيكِ) (هَذِهِ الكَيفِيَّةُ فِي تَخلِيلِ أَصَابِعِ الرِّجلَينِ هِيَ المَشهُورَةُ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ المُختَارَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي استِحبَابِ ذَلِكَ يَدٌ، أَي فَيَكفِي التَّخلِيلُ وَلَو بِاليَدِ اليُمنَى كَمَا اختَارَهُ إِمَامُ الحَرَمَينِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي “المَجمُوعِ“).

40- بَابُ اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ

وَأَمَرَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَهْلَهُ أَنْ يتوضؤوا بِفَضْلِ سِوَاكِهِ

186 – حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ».

الشَّرْحُ

بَابُ اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ (أَيِ المَاءِ البَاقِي مِنْ وُضُوءِ النَّاسِ، أَيْ: فِي التَّطَهُّرِ. وَالمُرَادُ أَنْ يُنَبِّهَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ المَاءَ البَاقِيَ فِي الإِنَاءِ بَعدَ التَّطَهُّرِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ).

وَأَمَرَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَهْلَهُ أَنْ يَتَوَضَّئُوا بِفَضْلِ سِوَاكِهِ (كَانَ جَرِيرٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَبُلُّ سِوَاكَهُ بِمَاءٍ، وَيَأمُرُ زَوْجَتَهُ أَنْ تَسْتَعْمِلَ هَذَا المَاءَ، فَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا لَاقَى طَاهِرًا جَامِدًا يَبقَى طَاهِرًا مُطَهِّرًا).

 حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ (أَيْ فِي وَقْتِ الحَرِّ الشَّدِيدِ)، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ (أَيْ مِنَ المَاءِ الَّذِي يَتَقَاطَرُ مِنْ أَعْضَائِهِ، يَأْخُذُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ وَهُوَ يَرَاهُمْ وَلَا يَنْهَاهُمْ) فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ» (هِيَ عَصًا يَتَوَجَّهُ إِلَيهَا وَتَكُونُ سَاتِرًا فِي الصَّلَاةِ).

187 – وَقَالَ أَبُو مُوسَى: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا.

الشَّرْحُ

وَقَالَ أَبُو مُوسَى: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ (أَيْ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ)، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ (أَيْ إِنَّ المَاءَ الَّذِي تَقَاطَرَ مِنْ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ نَزَلَ فِي هَذَا القَدَحِ)، وَمَجَّ فِيهِ (أَيْ: صَبَّ مَا تَنَاوَلَهُ مِنَ الْمَاءِ فِي الْإِنَاءِ، وَالْغَرَضُ بِذَلِكَ إِيجَادُ الْبَرَكَةِ بِرِيقِهِ الْمُبَارَكِ)، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: اشْرَبَا مِنْهُ (هُمَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَفِعْلُهُ ﷺ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ الشَّرِيفَةِ وَبِمَا لَامَسَهُ ﷺ)، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا.

188 – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: «أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ».

وَقَالَ عُرْوَةُ، عَنِ الْمِسْوَرِ وَغَيْرِهِ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ: وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ.

الشَّرْحُ

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: «أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ» (إِلَى هُنَا تَمَّ مُرَادُ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ، أَنَّ المَاءَ المُسْتَعْمَلَ لَا يَصِيرُ مُتَنَجِّسًا بِالِاسْتِعْمَالِ إِنَّمَا هُوَ طَاهِرٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِيهِ بَرَكَةً).

 وَقَالَ عُرْوَةُ، عَنِ الْمِسْوَرِ وَغَيْرِهِ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ: وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ (حَكَى ذَلِكَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ لَمَّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ لِيُعْلِمَهُمْ شِدَّةَ تَعْظِيمِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَأَطْلَقَ الْقِتَالَ مُبَالَغَةً).

41- بَابٌ:

189 – حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: «ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ».

الشَّرْحُ

بَابٌ (هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ كَالفَصْلِ): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: «ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ (كَانَ بِهِ وَجَعٌ فِي القَدَمَينِ). فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ (أَيْ مِنَ المَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ النَّبِيِّ ﷺ)، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ» (يَعْنِي كَانَ صَغِيرَ الحَجمِ مِثلَ الزِّرِّ، بَعضُهُمْ قَالَ: هُوَ مِثْلُ زِرِّ الحَجَلَةِ أَيْ مِثْلُ بَيْضَةِ الحَجَلَةِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ غَيرَ ذَلِكَ).

42- بَابُ مَنْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ

190 – حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: «أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنَ الْإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ أَوْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَُفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ».

الشَّرْحُ

بَابُ مَنْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ (أَيْ يَغْتَرِفُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَأخُذُ فِي فَمِهِ بَعْضَ هَذِهِ الغَرْفَةِ وَالبَاقِيَ فِي أَنْفِهِ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: «أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنَ الْإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ أَوْ مَضْمَضَ (هَذَا الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي) وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَُفَّةٍ وَاحِدَةٍ (أَيْ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَيْسَتْ تَأْنِيثَ كَفٍّ، وَهُنَا يَظْهَرُ سَبَبُ وَضْعِ هَذَا الحَدِيثِ فِي هَذَا البَابِ)، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ». 

(فائدة: يَتَمَضمَضُ وَيَستَنشِقُ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ ﷺ فَعَلَهُمَا فِي وُضُوئِهِ، رَوَاهُ الشَّيخَانِ. (يَجمَعُ بَينَهُمَا) نَدبًا (فِي أَحَدِ القَولَينِ) وَهُوَ الأَظهَرُ (بِغُرفَةٍ) يَتَمَضمَضُ مِنهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يَستَنشِقُ مِنهَا ثَلَاثًا وَقِيلَ: بِثَلَاثٍ يَتَمَضمَضُ مِن كُلِّ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَستَنشِقُ وَصَحَّحَهُ الشَّيخَانِ عَلَى قَولِ الجَمعِ، وَفِي البُخَارِيِّ أَنَّهُ ﷺ تَمَضمَضَ وَاستَنشَقَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ وَيَفصِلُ بَينَهُمَا فِي القَولِ الآخَرِ بِغُرفَتَينِيَتَمَضمَضُ بِوَاحِدَةٍ ثَلَاثًا ثُمَّ يَستَنشِقُ بِأُخرَى ثَلَاثًا وَقِيلَ بِسِتِّ غُرُفَاتٍ وَفِي الفَصلِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَتَقدِيمُ المَضمَضَةِ عَلَى الِاستِنشَاقِ مُستَحَقٌّ أي مطلوب لَا مُستَحَبٌّ وَيُبَالِغُ فِيهِمَا) نَدبًا بِأَن يَبلُغَ بِالمَاءِ أَقصَى الحَنَكِ وَوَجهَيِ الأَسنَانِ وَاللِّثَاتِ فِي المَضمَضَةِ وَيُصعِدَهُ بِالنَّفَسِ إِلَى أَقصَى الخَيشُومِ فِي الِاستِنشَاقِ وَيَحصُلُ أَصلُ السُّنَّةِ بِوُصُولِ المَاءِ إِلَى فَمِهِ وَأَنفِهِ وَإِن لَم يُدِرهُ وَلَم يَمُجَّهُ إِلَّا أَن يَكُونَ صَائِمًا فَيَرفُقُ رَوَى التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ حَدِيثَ: «وَبَالِغ فِي الِاستِنشَاقِ إِلَّا أَن تَكُونَ صَائِمًا» فَلَو بَالَغَ كُرِهَ)(التَّرتِيبُ أَي أَن يَتَمَضمَضَ ثُمَّ يَستَنشِقَ مُستَحَقٌّ لَا مُستَحَبٌّ، أَي هُوَشَرطٌ فِي الِاعتِدَادِ بِهِمَا وَلَيسَ مُستَحَبًّا، فَلَو قُدِّمَ الِاستِنشَاقُ عَلَى المَضمَضَةِ حُسِبَتِ المَضمَضَةُ دُونَ الِاستِنشَاقِ عِندَ ابنِ حَجَرٍ، لِوُقُوعِ الِاستِنشَاقِ فِي غَيرِ مَحَلِّهِ، فَيُعِيدُ الِاستِنشَاقَ، وَعِندَ الرَّملِيِّ يُحسَبُ مَا فَعَلَ أَوَّلًا، فَيُحسَبُ الِاستِنشَاقُ دُونَ المَضمَضَةِ، فَيُعِيدُ المَضمَضَةَ.

وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَن قَالَ التَّرتِيبُ مُستَحَبٌّ، فَإِن أَخَّرَ وَقَدَّمَ اعتُبِرَ بِمَا فَعَلَهُ كَمَا فِي تَقدِيمِ اليُمنَى عَلَى اليُسرَى) (فَالحَاصِلُ فِي الصُّوَرِ أَنَّهُ إِمَّا أَن يَغرِفَ وَاحِدَةً أَو ثَلَاثًا أَو ثِنتَينِ أَو سِتًّا).

43- بَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً

191 – حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ، سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ: فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ لَهُمْ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ بِهِمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ». 

وَحَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً

الشَّرْحُ

بَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً (أَشَرْنَا إِلَى هَذَا لَمَّا ذَكَرْنَا حَدِيثَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَقُلْنَا إِنَّ الشَّافِعِيَّةَ عِنْدَهُمُ الرَّأسُ يُمْسَحُ ثَلَاثًا، فَالمَنْصُوصُ عَلَيهِ عِندَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الرَّأسَ يُمْسَحُ ثَلَاثًا وَتَمَسَّكَ بِعُمُومِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَفِيهِ شُمُولٌ).

 حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ، سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ: فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ (هُوَ إِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ) فَتَوَضَّأَ لَهُمْ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا (أَيْ أَمَالَ الإِنَاءَ الَّذِي فِيْهِ المَاءُ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا بِهَذَا المَاءِ)، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ بِهِمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ».

 وَحَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً (يَعْنِي بِالإِسْنَادِ المُتَقَدِّمِ نَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ كَلِمَةَ “مَرَّةً” لَمَّا ذَكَرَ مَسْحَ الرَّأسِ).

44- بَابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ

وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ

192 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ،  عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمِيعًا».

الشَّرْحُ

بَابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ (أَيْ لَا بَأسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ وَالمَرْأَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، كُلٌّ مِنْهُمَا يَغْتَرِفَانِ مِنْ هَذَا الإِنَاءِ) وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ (الْمُرَادُ بِهِ الْمَاءُ الْفَاضِلُ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ).

 وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ (أَيْ بِالمَاءِ السَّاخِنِ) (وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذَا الأَثَرِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَعَ اسْمِ البَابِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ أَهْلَ الرَّجُلِ تَبَعٌ لَهُ فِيمَا يَفْعَلُ، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَتَطَهَّرَ بِفَضْلِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ امْرَأَةَ عُمَرَ كَانَتْ تَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهِ أَوْ مَعَهُ، فَيُنَاسِبُ قَوْلَهُ: وُضُوءُ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ أَيْ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ (هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْحَمِيمِ؛ أَيْ: وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ. فَهُمَا أَثَرَانِ مُتَغَايِرَانِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَهَذَا الأَثَرُ الثَّانِي المَروِيُّ عَنْ عُمَرَ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ: “وَفَضْلُ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ”: لِأَنَّ عُمَرَ تَوَضَّأَ بِمَائِهَا وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، مَعَ جَوَازِ أَنْ تَكُونَ تَحْتَ مُسْلِمٍ وَاغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضٍ لِيَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا فَفَضَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَاءُ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِهِ لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَجَرَتْ عَادَةُ الْبُخَارِيِّ بِالتَّمَسُّكِ بِمِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَا يَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ) (وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ مِيَاهِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَجَاسَةٌ).

 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمِيعًا» (أَيِ الرَّجُلُ وَمَحَارِمُهُ وَزَوْجَتُهُ كُلُّهُمْ يَغْتَرِفُونَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ يَتَوَضَّؤُونَ بِهِ).

45- بَابُ صَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَضُوءَهُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ

193 – حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: «جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ، وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَنِ الْمِيرَاثُ؟ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ. فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ».

الشَّرْحُ

بَابُ صَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَضُوءَهُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ (أَيِ المَاءَ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ فِي الوُضُوءِ يَجْمَعُهُ فِي إِنَاءٍ، وَالمَقصُودُ هَذَا الَّذِي يَتَقَاطَرُ مِنْهُ، ثُمَّ يَصُبُّهُ عَلَى المُغْمَى عَلَيهِ لِمَا فِيهِ مِنَ البَرَكَةِ).

 حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: «جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ (أَيْ: لَا أَفْهَمُ، وَكَانَ مُغْمًى عَلَيهِ مِنْ شِدَّةِ المَرَضِ)، فَتَوَضَّأَ، وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ (الْمُرَادُ صَبَّ عَلَيَّ بَعْض الْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ)، فَعَقَلْتُ (أَيْ أَفَقْتُ) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَنِ الْمِيرَاثُ؟ (وَكَانَ جَابِرٌ فِي ذَلِكَ الوَقتِ لَيسَ لَهُ مَن يَرِثُهُ إِلَّا الأَخَوَاتُ) (أَيْ مِيرَاثِي لِمَنْ يَكُونُ؟ وَإِنَّمَا سَأَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ أَهلَ الجَاهِلِيَّةِ لَم يُوَرِّثُوا النِّسَاءَ، فَلَم يَعرِفِ الحُكمَ) إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ (يُرِيدُ الأَخَوَاتَ، وَأَنَّهُ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَارِثٌ وَلَا وَالِدٌ) (وَالْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَخْلُفْ وَلَدًا وَلَا وَالِدًا). فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ» (الْمُرَادُ بِآيَةِ الْفَرَائِضِ هُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَستَفتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفتِيكُم فِي الكَلَالَةِ﴾، [سُورَةُ النِّسَاءِ:176].). (وَأَرَادَ بِذَلِكَ التَّنْصِيصَ عَلَى مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَلَالَةُ؟ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَالِدًا، فَوَرَثَتُهُ كَلَالَةٌ».)

سؤال:

مَا مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، وَكَذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ﴾ وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَالأَرضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَومَ القِيَامَةِ﴾؟

الجواب:

لَا يَجُوزُ تَفسِيرُ هَذِهِ الآيَاتِ عَلَى مَعنًى فِيهِ نِسبَةُ اليَدِ الجَارِحَةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ إِنَّ مَعنَى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، أَي عَهدُ اللهِ فَوقَ عُهُودِهِم، أَيْ ثَبَتَ عَلَيهِم عَهدُ اللهِ، لِأَنَّ مُعَاهَدَتَهُم لِلرَّسُولِ تَحتَ شَجَرَةِ الرِّضوَانِ فِي الحُدَيبِيَةِ عَلَى أَن لَا يَفِرُّوا مُعَاهَدَةٌ للهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِهَذِهِ المُبَايَعَةِ.اهـ وَالآيَة ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ﴾ قَالَ الإِمَامُ المُفَسِّرُ ابنُ الجَوزِيِّ: جَوَادٌ يُنفِقُ كَيفَ يَشَاءُ.اهـ وَالآيَة: ﴿وَالأَرضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَومَ القِيَامَةِ﴾قَالَ الطَّبَرِيُّ وَابنُ فُورَكَ: إِنَّهَا فِي مَقدُورِهِ.

دعاء ختامي:

اللهم اغفِر لمن سبقَنا مِن إخوانِنا بالإيمانِ اللهم اجمعنا بهم في الفردوسِ الأَعلَى، اللهم ارحم مشايخَنا اللهم اجمعنا بهم في الفردوسِ الأعلَى يا اللهُ يا اللهُ يا اللهُ استجب لنا بحقِّ حبيبِك محمدٍ ﷺ، اللهم اجعلنا لدعوةِ نبيِّكَ سامعينَ، ولأمرِه مطيعينَ، ومِن رفقائِه المصاحِبينَ، ومِن أوليائِك المخلصينَ، اللهم وَأَبلِغهُ منَّا السلامَ.

اللهم اجعَلنَا مِنَ المقبولينَ ولا تجعلنَا مِنَ المطرودينَ   اللهم ارزقنَا الحجَّ وزيارةَ الحبيبِ ﷺ واجعلنا مِن عبادِكَ الطائعينَ الشاكرينَ الصابرينَ الخاشعينَ المجبولينَ على حبِّ طاعتِكَ اللهم آميَن بجاهِ سيدِنَا محمدٍ ﷺ وكلِّ أنبيائكَ والرسلِ منهم وكلِّ أوليائِكَ وتقَبَّل مِن إخوانِنَا المسلمينَ صالحَ أعمالِهِم يا اللهُ.

وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين، سبحان ربِّك ربِّ العزةِ عما يصفُون، وسلامٌ على المرسَلِين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.