مقدمة
الْحَمْدُ للَّهِ الْعَالِمِ بِعَدَدِ الرَّمْلِ وَالنَّمْلِ وَالْقَطْرِ، وَمُصَرِّفِ الْوَقْتِ وَالزَّمَنِ وَالدَّهْرِ، الْخَبِيرِ بِخَافِي السِّرِّ وَسَامِعِ الْجَهْرِ، الْقَدِيرِ عَلَى مَا يَشَاءُ بِالْعِزِّ وَالْقَهْرِ، الْقَدِيمِ فَلا إِلَهَ سِوَاهُ، الْكَرِيمِ فِي مِنَحِهِ وَعَطَايَاهُ، الْقَاهِرِ لِمَنْ خَالَفَهُ وَعَصَاهُ. أَنْعَمَ فَلا فَضْلَ كَفَضْلِهِ، وَقَضَى بِنَفْعِ الْعَبْدِ وَضَيْرِهِ، وَأَمْضَى الْقَدَرَ بِشَرِّهِ وَخَيْرِهِ، فَحَثَّ عَلَى الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ، لا كَيْفَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ وَلَا يَجُوزُ عَلَيهِ التَّشبِيهُ، عَالِمُ السِّرَّ وَمَا يُعْرَضُ فِيهِ، مُتَنَزِّهٌ عَنْ تَصَوُّرِ الْفِكْرِ. أَقْسَمَ فِي الْقُرْآنِ بِهَذِهِ الأَيَّامِ فَقَالَ: ﴿وَالفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالوَتْرِ﴾، أَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ فَكَمْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةٌ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي مَا رُدَّتْ لَهُ رَايَةٌ، صَلاةً تَصِلُ إِلَيْهِ فِي الْقَبْرِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ الشَّدِيدِ فِي الْحَقِّ الْوَثِيقِ، وَعُثْمَانَ الْمُحِبِّ الشَّفِيقِ، وَعَلَى عَلِيٍّ الرَّفِيعِ الْقَدْرِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُ وَاتَّبَعَ طَرِيقَتَهُ مَدَى الزَّمَانِ وَالدَّهْرِ، أَمَّا بَعدُ:
اعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ قَدْ فَضَّلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِفَضَائِلَ كَثِيرَةٍ عَظِيمَةٍ خَصَّهَا بِهَا مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا جَعَلَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَقْصَرَ الْأُمَمِ أَعْمَارًا جَعَلَ لَهُمْ هَذِهِ الْفَضَائِلَ وَهَذِهِ الدَّرَجَاتِ وَرَفَعَ لَهُمْ بِذَلِكَ الدَّرَجَاتِ وَالمَنَازِلَ فِي الْجَنَّة فَجَعَلَ مَوَاسِمَ الخَيرِ عَبرَ السَّنَةِ كُلِّهَا وَهَذِهِ المَوَاسِمُ كَالأَيَّامِ الْبِيْضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَكَأَيَّامِنَا هَذِهِ أَيَّامِ العَشْرِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ وَكَيَومِ عَرَفَةَ وَكَشَهْرِ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَكَالسِّتَّةِ مِنْ شَوَّالٍ وَمِثْلُهَا كَثِيرٌ كَثِيرٌ.
فَهَذِهِ أُمَّةٌ قَدْ لَطَفَ اللهُ بِهَا وَجَعَلَ لَهَا مِنَ الْيَسِيرِ كَثِيرًا وَوَعَدَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ أَجْرًا كَبِيرًا، فَالحَمدُ للهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَالحَمدُ للهِ عَلَى مَا حَبَانَا بِهِ مِنَ الفَضْلِ وَالنِّعْمَةِ، فَسُبْحَانَ مَنْ قَدَّمَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ دَبَّرَ وَسَاسَ، وَأَجْزَلَ لَهُ العَطَا وَجَعَلَهُ خَيرَ نَبِيٍّ حَارَبَ وَسَطَا، وَقَالَ لِأُمَّتِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، فَسَقَانَا مِنْ فَضْلِهِ أَرْوَى كَاسٍ، وَجَعَلَ نَبِيَّنَا أَفْضَلَ نَبِيٍّ رَعَى وَسَاسَ، فَلَمَّا فَضَّلَهُ عَلَى الأُمَّةِ وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا بِعُلُوِّ الْهِمَّةِ قَالَ لَنَا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
اغتنامُ الأيامِ المباركةِ وأهمية طلب العلم
أَحْبَابِي: إِنَّنَا إِذَا عَرَفْنَا هَذِهِ النِّعَمَ وَهَذِهِ الفَضَائِلَ، كَانَ ذَلِكَ دَافِعًا لَنَا أَنْ نَزْدَادَ غَرْفًا مِنَ الخَيْرَاتِ وَمِنَ المَبَرَّاتِ، لَا سِيَّمَا وَقَدِ ابْتَعَدَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَنِ الْتِمَاسِ البَرَكَاتِ مِنْ مَوَاسِمِ الخَيرِ الَّتِي خَصَّنَا اللهُ بِهَا عَبْرَ الزَّمَانِ، وَإِنَّنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ فِي أَفْضَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ، أَيَّامِ العَشْرِ الأُوَلِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، وَأُذَكِّرُكُمْ أَنَّ الشَّرعَ الحَنِيفَ حَثَّنَا عَلَى اغْتِنَامِ الأَوْقَاتِ بِمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَنَا بَعْدَ المَوتِ لِنَنَالَ الفَوزَ بِدَارِ النَّعِيمِ الأَبَدِيِّ الَّتِي لَا انْقِطَاعَ لِلذَّاتِها وَنَعِيمِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فَإِنَّ الآخِرةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ، وَكُلٌّ يُفْضِي إِلَى مَا قَدَّمَ، فَإِنِ اغْتَنَمَ الوَاحِدُ مِنَّا مَوَاطِنَ الخَيرِ وَالبَرَكَةِ، وَعَمِلَ بِمَا يُرضِي الإِلَهَ، فَهَنِيئًا لَهُ وَإِنْ قَصَّرَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَنَحنُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ فِي هَذَا المَوسِمِ، فِي أَيَّامٍ وُصِفَتْ بِأَنَّ العَمَلَ إِذَا أَوْقَعْتَهُ فِيهَا فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تُوقِعَهُ فِي غَيرِهَا مِنْ أَيَّامِ العَامِ وَذَلِكَ بِنَصِّ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَيِامٍ العَمَلُ الصَالِحُ فِيْهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِّهِ الأيَامِ – يَعْنِي أَيَامَ العَشْرِ – قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا الجِهَادُ في سَبِيِلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا الجِهَادُ في سَبِيِلِ اللهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَىءٍ»، وَقَدْ دَلَّ هَذَا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ وَغَيرُهُ عَلَى أَنَّ العَمَلَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ العَمَلِ فِي غَيرِهَا، وَإِذَا كَانَ العَمَلُ فِي أَيَّامِ العَشْرِ أَفْضَلَ وَأَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنَ العَمَلِ فِي غَيرِهِ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ كُلِّهَا صَارَ العَمَلُ فِيهِ أَفْضَلَ مِنَ العَمَلِ فِي غَيرِهِ، فَعَمَلُ البِرِّ وَالإِحْسَانِ فِيهَا يَزِيدُ عَلَى مَا سِوَاهُ وَالأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ تَزْكُوْ عِنْدَ اللهِ أَكْثَرَ مِمَّا إِذَا عُمِلَتْ فِي غَيرِهَا، وَأَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ هِيَ مِنْ أَوَّلِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى العَاشِرِ وَهُوَ يَومُ العِيدِ، كُلُّ هَذِهِ الأَيَّامِ لَـهَا فَضْلٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى.
قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ -وَهُوَ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ-: كَانُوا يُعَظِّمُونَ ثَلَاثَ عَشَرَاتٍ: الْعَشْرَ الأُوَلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْعَشْرَ الأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْعَشْرَ الأُوَلَ مِنَ الْمُحَرَّمِ.
وَمِنَ الأَعْمَالِ الَّتِي يَنْبَغِي الإِكْثَارُ مِنْهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الِاشْتِغَالُ بِعِلْمِ الدِّينِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيْمًا: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ الَّتِي يُشْتَغَلُ بِهَا، فَلَا يَخْفَى عَلَى ذِيْ عَقْلٍ سَلِيمٍ أَنَّ لِلْعِلْمِ وَالعُلَمَاءِ مَكَانَةً فِي الدِّينِ، وَفَضْلًا كَبِيرًا لَا يُنْكَرُ. فَقْدْ جَاءَتْ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ مُتَوَافِرَةً مُتَعَاضِدَةً تُعَزِّزُ مِنْ مَكَانَتِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ/18]، وَأَبَى الشَّرعُ التَّسوِيَةَ بَينَهُمْ وَبَينَ الجَهَلَةِ فَقَالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ/9]،
وَرَفَعَهُمُ اللهُ دَرَجَاتٍ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ ءامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سُورَةُ المُجَادِلَةِ/11].
فمَنْ أحبَّ أنْ يكونَ للأنبياءِ وَارِثًا وَفِي مَزَارِعِهمْ حارثًا فليتَعَلَّمِ الْعِلمَ النَّافِعَ وَهُوَ عِلْمُ الدِّينِ فَفِي الحَدِيثِ: «الْعُلمَاءُ وَرَثَةُ الأنبياءِ»،
ولْيَحْضُرْ مجَالِسَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهَا رِيَاضُ الْجنَّةِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ مَا نَصِيبُهُ مِنْ عِنَايَةِ اللهِ بِهِ فَلْينْظرْ مَا نَصِيبُهُ مِنَ الْفِقْهِ فِي دِينِ اللهِ فَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، وَمَنْ سَأَلَ عَنْ طَرِيقٍ تُبَلِّغُهُ الْجَنَّةَ فَلْيَمْشِ إلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ فَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ»،
وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ عَمَلُهُ بَعْدَ مَوتِهِ فَلْيَنْشُرِ الْعِلْمَ بِالتَّدْوِينِ وَالتَّعْلِيمِ فَفِي الحَدِيثِ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ألْيَسَ الْمَرِيضُ إِذَا مُنِعَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشرَابِ وَالدَّوَاءِ يَمُوتُ؟ قِيلَ لَهُ: بَلَى، قَالَ: فَكَذَلِك الْقَلْبُ إِذَا مُنِعَ عَنْهُ الْعِلْمُ وَالْحِكْمَةُ يَمُوتُ.
فَيَا طَالِبَ الْمَجْدِ وَالرِّفْعَةِ وَالْمَكْرُمَاتِ وَالشَّرَفِ تَعَلَّمِ الْعِلْمَ وَاحْتَسِبْهُ لِوَجْهِ اللهِ لَا لِلْمَعَاشِ وَالحِرَفِ وَخُذْهُ مِنْ فَوقٍ وَكُنْ مِنهُ فِي ازْدِيَادٍ.
أَحْبَابِي: إِنَّنَا كَمَا ذَكَرْتُ فِي أَشْرَفِ أَيَّامِ العَامِ وَسَنَشْغَلُهَا إِنْ شَاءَ اللهُ بِعَمَلٍ هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ، بِعِلْمِ الدِّينِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا، وَخُصُوصًا بِدِرَاسَةِ حَدِيثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكُنَّا قَدْ بَدَأْنَا فِي رَمَضَانَ المَاضِي بِشَرْحِ قِطْعَةٍ مِنْ صَحِيحِ إِمَامِ الأَئِمَّةِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، فَوَفَّقَنَا اللهُ لِشَرْحِ كِتَابِ بَدْءِ الوَحْيِ وَكِتَابِ الإِيمَانِ وَكِتَابِ العِلْمِ مِنْ صَحِيحِهِ رَحِمَهُ اللهُ وَجَزَاهُ اللهُ خَيْرَ الجَزَاءِ،
بركات طلب حديث النبيّ ﷺ وفضل صحيح البخاري
وَفِي هَذِهِ الأَيَّامِ الفَاضِلَةِ سَنُكْمِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ كِتَابًا آخَرَ مِنْ صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ هُوَ كِتَابُ الوُضُوءِ، لِيَجْتَمِعَ لَنَا الكَثِيرُ مِنَ الفَضَائِلِ وَالبَرَكَاتِ بِإِذْنِ اللهِ، لِيَجْتَمِعَ لَنَا شَرَفُ الزَّمَانِ زَمَانِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، نَبْدَأُ بِهِ هَذِهِ اللَّيلَةَ وَنَخْتِمُهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بِإِذْنِ اللهِ، وَلِيَجتَمِعَ لَنَا شَرَفُ مَجَالِسِ العِلْمِ وَفَضلُهَا، وَلِيَجْتَمِعَ لَنَا شَرَفُ وَفَضْلُ دِرَاسَةِ حَدِيثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ القَائِلُ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» وَهُوَ القَائِلُ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَبَلَّغَهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، وَلِنَنْتَظِمَ فِي سِلْكِ وَسِلْسِلَةِ نَاقِلِي حَدِيثِ الحَبِيبِ المُصْطَفَى ﷺ لِيَنَالَنَا فَضْلُ وَبَرَكَةُ دُعَائِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِنَّنَا إِذَا نَظَرْنَا لِلْأَئِمَّةِ الأَعْلَام نَرَى اهْتِمَامَهُمْ لِعِلْمِ الحَدِيثِ جَلِيًّا، فَقَدْ كَانَ الوَاحِدُ مِنْهُمْ يَرْحَلُ شَهْرًا أَوِ اثْنَينِ أَوْ ثَلَاثَةً لِتَحْصِيلِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ بِالسَّنَدِ المُتَّصِلِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَضَبْطِهِ كَمَا نُقِلَ، وَقَدْ سَعَوا لَيْلَهُمْ وَنَهَارَهُمْ لِنَقْلِ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ لَنَا، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي صَيْدِ الخَاطِرِ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَمُسْنَدِهِ: إِنَّ أَجْمَعَ المَسَانِيدِ الظَّاهِرَةِ مُسْنَدُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَقَدْ طَافَ الدُّنْيَا مَرَّتَينِ حَتَّى حَصَّلَهُ وَهُوَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ، مِنْهَا عَشَرَةُ آلَافٍ مُكَرَّرَةٌ.اهـ وَهَذَا كَانَ حَالَ العُلَمَاءِ الأَعْلَامِ جَزَاهُمُ اللهُ عَنِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ خَيْرَ الجَزَاءِ.
فَلْنَقْتَدِ بِهِمْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، لِأَجْلِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ كَانُوا يَرْحَلُونَ، وَنَحْنُ فِي أَفْضَلِ الأَيَّامِ وَالأَمْرُ مُتَيَسِّرٌ لَنَا أَكْثَرَ مِنْهُمْ لِنَأْخُذَ مِائَةً وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا مُتَّصِلَةَ الإِسْنَادِ إِلَى الإِمَامِ البُخَارِيِّ ثُمَّ إِلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ بِسَنَدٍ هُوَ يُعْتَبَرُ مِنْ أَعْلَى الأَسَانِيدِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَإِيَّاكُمْ بَعْدَ مَعْرِفَةِ كُلِّ هَذَا أَنْ تُضَيِّعُوا هَذِهِ الخَيرَاتِ وَالبَرَكَاتِ وَالفَضَائِلِ، فَاجْلِبُوا أَزْوَاجَكُمْ وَأَوْلَادَكُمْ لِيَنَالُوا هَذِهِ البَرَكَاتِ وَلِيَتَعَرَّضُوا لِهَذِهِ النَّفَحَاتِ، لَعَلَّ بَلَاءً يُرْفَعُ عَنْكُمْ وَلَعَلَّ دَيْنًا يُقْضَى عَنْكُمْ وَلَعَلَّ رِزْقًا يُزَادُ لَكُمْ وَلَعَلَّ مَرِيضًا يُشْفَى وَلَعَلَّ نَكَدًا يَزُولُ وَلَعَلَّ كَرْبًا أَعْيَاكَ وَتَعِبْتَ مِنْهُ يَنْكَشِفُ وَلَعَلَّ دَعْوَةً تُسْتَجَابُ لَكَ وَلَعَلَّ أَلْطَافًا تَنَالُكَ وَأَوْلَادَكَ بِإِذْنِ اللهِ بِبَرَكَةِ حُضُورِكَ فِي هَذِهِ المَجَالِسِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الفَاضِلَةِ. يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ مَنْ كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ قِرَاءَةِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ أَعْمًى أَنَّهُ يَرْجِعُ لَهُ بَصَرُهُ وَقْتَ القِرَاءَةِ وَالتَّلَقِّي لِلْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، اللهُ يَشْفِيهِ بِبَرَكَةِ حُضُورِهِ فِي مَجْلِسٍ يُقْرَأُ فِيهِ حَدِيثُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَنَبْدَأُ إِنْ شَاءَ اللهُ بِشَرْحِ هَذَا الكِتَابِ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَفِيهِ كِتَابُ الوُضُوءِ مِنْ صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَأَلْفِتُ نَظَرَكُمْ إِلَى مَا عِنْدَكُمْ فِي الكِتَابِ فِي الصَّحِيفَةِ السَّابِعَةِ مِنْهُ وَهُوَ: قَبلَ البَدءِ بِقِرَاءَةِ صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أُذَكِّرُ بِأَنْ لَا نَنسَى الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّرَضِّيَ عَلَى الصَّحَابَةِ الكِرَامِ كُلَّمَا ذُكِرُوا. وَقُولُوا: جَزَى اللهُ مُحَمَّدًا عَنَّا خَيْرَ الجَزَاءِ، وَجَزَى اللهُ حَمَلَةَ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ عَنَّا خَيرًا، وَجَعَلَنَا اللهُ مِمَّنْ شَمِلَهُمْ قَولُهُ ﷺ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَبَلَّغَهَا كَمَا سَمِعَهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرُهُ.
كِتَابُ الوُضُوءِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
1- بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، [سُورَةُ المَائِدَةِ:6]. قَالَ أَبُو عَبْد اللهِ: وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً. وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ.وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ.
الشَّرْحُ
كِتَابُ الوُضُوءِ (الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ ذِكْرُ أَحْكَامِهِ وَشَرَائِطِهِ وَصِفَتِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَالْوُضُوءُ بِالضَّمِّ هُوَ الْفِعْلُ، وَبِالْفَتْحِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَضَاءَةِ وهي الحُسنُ وَالنَّظَّافَةُ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتَنَظَّفُ بِهِ فَيَصِيرُ وَضِيئًا، وَشَرعًا: استِعمَالُ المَاءِ فِي أَعضَاءٍ مَخصُوصَةٍ عَلى وَجهٍ مَخصُوصٍ:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ.
بَابُ (أَيْ هَذَا بَابُ) مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ،
بيانِ فروضِ الوضوءِ وما يتعلّقُ بها
(أَركَانُ الوُضُوءِ عَلَى مَذهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ سِتَّةٌ، أَرْبَعَةٌ مِنهَا مَذكُورَةٌ فِي هَذِهِ الآيَةِ وَالَّتِي سَنَشْرَحُهَا وَمَذكُورَاتٌ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فَهِيَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاثْنَانِ مِنهَا فِي السُّنَّةِ، أَمَّا الَّتِي فِي السُّنَّةِ فَهِيَ النِّيَّةُ وَالتَّرتِيبُ، فَالْفَرْضُ الأَوَّلُ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ النِّيَّةُ وَلا بُدَّ فِيهِ لِصِحَّتِهِ مِنْ نِيَّةٍ مُجْزِئَةٍ كَأَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ لِلصَّلاةِ بِقَلْبِهِ فَلا يَكْفِي التَّلَفُّظُ بِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِحْضَارِهَا بِقَلْبِهِ، وَيَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ فَرْضَ الْوُضُوءِ أَوِ الْوُضُوءَ فَقَطْ، أَوْ غَيرَهَا مِنَ النِّيَّاتِ المُجزِئَةِ، وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ النِّيَّةُ فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ أَيْ مُقْتَرِنَةً بِغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ أَيْ عِنْدَ إِصَابَةِ الْمَاءِ لِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ فَإِذَا قَرَنَ النِّيَّةَ بِأَوَّلِ غَسْلِ الْوَجْهِ كَفَتْ تِلْكَ النِّيَّةُ، فَلَوْ غَسَلَ جُزْءًا مِنْ وَجْهِهِ قَبْلَ هَذِهِ النِّيَّةِ ثُمَّ نَوَى فِي أَثْنَاءِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ غَسْلِ ذَلِكَ الْجُزْءِ)
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ(التَّقْدِيرُ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ، وَالمَعنَى إِذَا أَرَدْتُمُ القِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ نَحوُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾، أَيْ أَرَدْتَ قِرَاءَةَ القُرْآنِ)فَاغْسِلُوا (الغَسْلُ هُنَا هُوَ سَيَلَانُ المَاءِ عَلَى العُضْوِ) وُجُوهَكُمْ(وَالوَجهُ، مَا قَابَلَ النَّاظِرَ وَوَاجَهَهُ، قَالَ العَينِيُّ: وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَأخُوذٌ مِنَ المُوَاجَهَةِ وَهِيَ المُقَابَلَةُ.
وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ، عَلَى أَنَّ دَاخِلَ العَينَينِ لَا يَلزَمُ غَسلُهُ، قَالَ أَبُو حَيَّانَ الأَندَلُسِيُّ : وَالإِجمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلزَمُ غَسلُ دَاخِلِ العَينَينِ،
(الْفَرْضُ الثَّانِي مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْوَجْهِ جَمِيعِهِ، وَالأَحْسَنُ أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ مِنْ أَعْلاهُ، وَالْمُرَادُ غَسْلُ ظَاهِرِ الْوَجْهِ فَلا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ الْعَيْنِ وَالْفَمِ وَالأَنْفِ.
وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ إِلَى الذَّقَنِ، وَالذَّقَنُ هُوَ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ وَهُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ أَسْفَلَ الأُذُنِ يَجْتَمِعَانِ فِي أَسْفَلِ الْوَجْهِ فَيُسَمَّى مُجْتَمَعُهُمَا الذَّقَنَ هَذَا حَدُّ الْوَجْهِ طُولًا،
وَأَمَّا حَدُّهُ عَرْضًا فَهُوَ مِنَ الأُذُنِ إِلَى الأُذُنِ أَيْ مِنْ وَتِدِ الأُذُنِ إِلَى وَتِدِ الأُذُنِ وَلا يَدْخُلُ الْوَتِدُ فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَلا يَدْخُلُ الأُذُنَانِ فِي الْوَجْهِ وَلا يَجِبُ غَسْلُهُمَا إِنَّمَا الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ مَا بَيْنَهُمَا، فَمَا كَانَ ضِمْنَ هَذَا مِنْ شَعَرٍ وَبَشَرٍ أَيْ جِلْدٍ فَغَسْلُهُ فَرْضٌ،
وَمِمَّا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنَ الْوَجْهِ مَا يَظْهَرُ مِنْ حُمْرَةِ الشَّفَتَيْنِ عِنْدَ إِطْبَاقِ الْفَمِ بِخِلافِ مَا لا يَظْهَرُ عِنْدَ الإِطْبَاقِ فَإِنَّهُ لا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ بَاطِنُ لِحْيَةِ الرَّجُلِ الْكَثِيفَةِ وَبَاطِنُ عَارِضَيْهِ أَيْ شَعَرِ الْعَارِضَيْنِ الْكَثِيفِ [أَيِ الشَّعَرِ النَّابِتِ عَلَى الْعَظْمَيْنِ جَانِبَيِ الْوَجْهِ الْمُلْتَقِيَيْنِ فِي أَسْفَلِهِ. فَالْعَارِضَانِ جَانِبَا الْوَجْهِ]، وَالْكَثِيفُ هُوَ مَا لا تُرَى الْبَشَرَةُ مِنْ خِلالِهِ فَإِنْ خَفَّ شَعَرُ اللِّحْيَةِ وَالْعَارِضَيْنِ وَجَبَ غَسْلُ بَاطِنِهِ)
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (أَيْ مَعَ الْمَرَافِقِ. فَالْفَرْضُ الثَّالِثُ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ، مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ وَيُقَالُ الْمَرْفِقَيْنِ وَهُمَا مُجْتَمَعُ عَظْمَيِ السَّاعِدِ وَالْعَضُدِ، فَإِذَا تُرِكَ الْمِرْفَقَانِ لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ مِرْفَقَيْهِ وَلا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا قَبْلَهُمَا كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَلا خِلافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلافٌ فِي ذَلِكَ، فَعِنْدَهُمْ لَوْ تَرَكَ غَسْلَ الْمِرْفَقِ صَحَّ الْوُضُوءُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَدَلِيلُهُمْ ظَاهِرُ الآيَةِ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الْمَرَافِقُ مَا دَخَلَتْ لِأَنَّ الأَصَحَّ فِي إِلَى عَدَمُ إِدْخَالِ الْغَايَةِ قَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ:
وَفِي دُخُولِ الْغَايَةِ الأَصَحُ لَا تَدْخُلُ مَعْ إِلَى وَحَتَّى دَخَلا
مَعْنَى هَذَا الْبَيْتِ أَنَّ عُلَمَاءَ النَّحْوِ اخْتَلَفُوا هَلْ تَدْخُلُ الْغَايَةُ، أَيْ مَا بَعْدَ حُرُوفِ الْغَايَةِ كَإِلَى وَحَتَّى مَعَ مَا قَبْلَهَا أَمْ لا تَدْخُلُ؟ فَالأَصَحُّ أَنَّ مَا بَعْدَ إِلَى لا يَدْخُلُ فِي حُكْمِ مَا قَبْلَهَا، وَهُنَاكَ قَوْلٌ ءَاخَرُ بِدُخُولِ الْغَايَةِ مَعَ إِلَى أَيْ مَعَ مَا قَبْلَهَا، أَمَّا فِي حَتَّى فَالأَمْرُ بِالْعَكْسِ إِذَا قُلْتَ أَكَلْتُ السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسَهَا فَالرَّأْسُ دَاخِلٌ فِي الْمَأْكُولِ.
فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ شَخْصٌ ذَهَبْتُ مِنْ هُنَا إِلَى الْبَيْتِ فَالِاحْتِمَالُ الأَقْوَى أَنْ لا يَكُونَ دَخَلَ الْبَيْتَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ وَهُوَ الِاحْتِمَالُ الأَضْعَفُ، أَمَّا لَوْ قَالَ ذَهَبْتُ حَتَّى الْبَيْتَ فَمَعْنَاهُ دَخَلَهُ. وَنَحْنُ لَوْلا الْحَدِيثُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَؤُلاءِ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا)
(وَيَجِبُ أَيْضًا غَسْلُ مَا عَلَيْهِمَا مِنْ شَعَرٍ وَلَوْ كَانَ كَثِيفًا طَوِيلًا، وَيَجِبُ غَسْلُ الظُّفْرِ أَيْضًا، وَأَمَّا الْوَسَخُ الَّذِي تَحْتَ الظُّفْرِ قَالَ بَعْضُهُمْ يُعْفَى عَنْهُ فِي الْوُضُوءِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ لا يُعْفَى عَنْهُ، وَالمُرَادُ بِهِ وَسَخُ العَرَقِ وَلَيسَ كُلُّ الوَسَخِ).
وَامْسَحُوا (أَيْ أَمِرُّوا أَيْدِيَكُمْ) بِرُءُوسِكُمْ (البَاءُ هُنَا لِلتَّبعِيضِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي مُغنِي اللَّبِيبِ عَنْ كُتُبِ الأَعَارِيبِ يَذْكُرُ عَنْ مَعَانِي حُرُوفِ الجَرِّ، يَقُولُ: الْحَادِيَ عَشَرَ التَّبْعِيضِ: أَثْبَتَ ذَلِكَ: الْأَصْمَعِيُّ وَأَثْبَتَ كَونَ البَاءِ لِلتَّبعِيضِ أَيضًا: الفَارِسِيُّ وَابْنُ مَالِكٍ وَالكُوفِيُّونَ وَجَعَلُوا مِنْهُ الآيَةَ: ﴿عَينًا يَشرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾.اهـ وَالمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ وَلَيسَتْ إِجْمَاعِيَّةً. قَالَ فِي المِصبَاحِ المُنِيرِ: مِنْ مَعَانِي البَاءِ، التَّبْعِيضِ.اهـ وَقَالَ أَيْضًا: وَذَهَبَ إلَى مَجِيءِ الْبَاءِ بِمَعْنَى التَّبْعِيضِ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللِّسَانِ.اهـ
وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: الْفَرْضُ الرَّابِعُ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَالْوَاجِبُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَسْحُ شَىْءٍ مِنَ شَعَرِ الرَّأْسِ وَلَوْ بَعْضَ شَعْرَةٍ أَوْ جُزْءًا مِنَ الرَّأْسِ لا شَعَرَ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّعَرِ أَنْ يَكُونَ فِي حَدِّ الرَّأْسِ [وَحَدُّ الرَّأْسِ مِنْ مَنْبِتِ الشَّعَرِ غَالِبًا إِلَى النُّقْرَةِ، وَنُقْرَةُ الْقَفَا حُفْرَةٌ فِي ءَاخِرِ الدِّمَاغِ، كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ]، فَلَوْ مَسَحَ الْقَدْرَ الَّذِي يَخْرُجُ عِنْ حَدِّ الرَّأْسِ عِنْدَ مَدِّهِ لِجِهَةِ نُزُولِهِ فَلا يَكْفِي، وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ الْمُبْتَلَّةَ أَوْ خِرْقَةً مُبْتَلَّةً بِالْمَاءِ فَوَصَلَ الْبَلَلُ مِنْهَا إِلَى الرَّأْسِ كَفَى ذَلِكَ)
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، [سُورَةُ المَائِدَةِ:6] (الْفَرْضُ الْخَامِسُ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ -وَهُمَا العَظمَانِ النَّاتِئَانِ عَلَى جَانِبِ الرِّجْلِ أَسْفَلَ السَّاقِ- وَمَا عَلَيْهِمَا مِنْ شَعَرٍ وَسِلْعَةٍ وَشُقُوقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا فِي غَيْرِ لَابِسِ الْخُفِّ، أَمَّا مَنْ لَبِسَ الْخُفَّ الْمُسْتَوْفِيَ لِلشُرُوطِ فَيَكْفِيهِ مَسْحُ الْخُفِّ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ)
(الْفَرْضُ السَّادِسُ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ: التَّرتِيبُ بِأَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ الْمَقْرُونِ بِالنِّيَّةِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ مَسْحِ الرَّأْسِ ثُمَّ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فَلَوْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ بِأَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى مَا قَبْلَهُ لَمْ يَصِحَّ مَا قَدَّمَهُ، فَلَوْ غَسَلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ كُلَّهَا فِي لَحْظَةٍ ارْتَفَعَ حَدَثُ الْوَجْهِ فَقَطْ)
(افْتَتَحَ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كِتَابَ الوُضُوءِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلتَّبَرُّكِ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ، وَلِأَنَّهَا الأَصْلُ فِي اسْتِنْبَاطِ مَسَائِلِ الوُضُوءِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِنسَانَ إِذَا كَانَ مُحْدِثًا وَأَرَادَ الصَّلَاةَ فَعَلَيْهِ الوُضُوْء).
قَالَ أَبُو عَبْد اللهِ (أَيِ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ): وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً (أَيْ: فَرْضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ غَسْلًا مَرَّةً مَرَّةً). وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ
(أَيْ: وَتَوَضَّأَ أَيْضًا فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثِ غَسَلَاتٍ، فَلَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ ﷺ أَنَّهُ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ، بَلْ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ ذَمُّ مَنْ زَادَ عَلَيْهَا)
سنن ومكروهات الوضوء
(سُنَنُ الوُضُوءِ كَثِيرَةٌ مِنهَا: المَضمَضَةُ، وَمِنهَا الِاسْتِنْشَاقُ، وَالِاستِنثَارُ، وَالتَّثلِيثُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهِ، لِأَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ وَتَرَكَ التَّثلِيثَ فِي وُضُوءِهِ لَا ثَوَابَ لَهُ فِي وُضُوئِهِ، وَلَكِنْ يَبقَى لَهُ ثَوَابٌ فِي الصَّلَاةِ .
في تحفة الطلاب ممزوجا بالحواشي وهو يذكر مكروهات الوضوء: [والزيادة على الثلاث، أي يكره أن يغسل أربع مرات يقينا ليس شاكا، أما من غسل ثلاثا ثم شك هل هذه الثانية أم الثالثة فلو غسل رابعا لا يقع في الكراهة بل الحكم: إن شك يبني على الأقل. والنقص عنها ومن مكروهات الوضوء النقص عن الثلاث، التثنية سنة والتثليث سنة، لو فعلت مرتين وقعت في الكراهة، لكن عندك مسألتان، ألست زدت عن المرة وفعلت مرتين؟ بلى، من هذه الحيثية أنت فعلت سنة، ولكن أنت لم تفعل ثلاثة فمن هذه الحيثية وقعت في مكروه، هذا ليس شيئا واحدا، كيف يطلب الفعل والترك في شيء واحد؟ بل هنا من حيث إنك زدت عن المرة فعلت سنة، ومن حيث إنك أنقصت عن الثلاثة فقد وقعت في كراهة فلا منافاة بين المسألتين،
فعل واحد من حيثية واحدة أن يؤمر به ويؤمر بتركه لا يكون هذا، أحيانا يكون من حيثية واجب من حيثية حرام، لو واحد غصب دارا، ما حكم أن يبقى في هذا الدار؟ حرام، من حيث إنه يصلي الظهر يفعل واجبا، ولكن من حيث إنه هو باق على استيلائه للبيت فهو واقع في الحرام، أما من حيثية واحدة أن يكون واجبا ومندوبا لا يكون، معنى المندوب يجوز تركه، فلا يقال هذا الفعل من حيثية واحدة يجوز تركه ولا يجوز تركه]
لخبر أبي داود وغيره وهو صحيح: أنه ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: “هكذا الوضوء يعني هكذا الوضوء الكامل فمن زاد على هذا فعل أربع مرات أو نقص فعل مرتين فقد أساء في النقصان وظلم عندما زاد، وكراهة النقص من حيث الاقتصار على الغسلة الثانية فلا ينافي كونها سنة في ذاتها)
وَمِنَ الأَعذَارِ المُبِيحَةِ لِتَركِ التَّثلِيثِ ضِيقُ الوَقتِ أَوْ قِلَّةُ المَاءِ فَهُنَا لَهُ ثَوَابٌ فِي وُضُوءِهِ وَلَهُ ثَوَابٌ فِي صَلَاتِهِ).
وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ (أَيْ فِي مَاءِ الوُضُوءِ، فَالإِسرَافُ فِيهِ أَحْيَانًا يَكُونُ مَكرُوهًا وَأَحيَانًا يَكُونُ حَرَامًا)
(الإسراف في الماء أن يأخذ قدرا زائدا من الماء عما يكفي العضو، وإذا كان الماء موقوفا يحرم الإسراف، أما إن كان لك فهو مكروه،
إذا أنت فتحت الماء والماء ينزل بكثرة وتأخذ منه ماء قليلا فغسلت وجهك وهكذا يديك وهكذا رأسك وهكذا رجليك، هذا ليس إسرافا في الوضوء، أنت الآن تتلف ماء، الإسراف في الوضوء أن تستخدم ماء أكثر مما تحتاجه، تكثر من استخدام الماء في غسل الأعضاء هذا هو الإسراف، أما أن تفتح الماء وتتركه هذا شيء آخر ولو بشط نهر ولو كانت المياه كثيرة لخبر أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن مغفل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون الاعتداء مجاوزة الحد في الطُّهُور مجاوزة الحد في الطهور كأن تسرف في الماء والدعاء كأن يتكلف السجع في الدعاء).
وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ (رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَيْسَ بَعْدَ الثَّلَاثِ شَىْءٌ، لِأَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ غَالِبًا اقْتَصَرَ عَلَى ثَلَاثٍ، وَأَحْيَانًا عَلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى اثْنَتَينِ أَوْ غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ الْمُتَوَضِّئُ عَلَى ثَلَاثٍ)
الرَّسُولُ ﷺ كَانَ غَالِبًا مَا يَتَوَضَّأُ بِمُدٍّ مِنَ المَاءِ وَهُوَ مِلءُ الكَفَّينِ المُعْتَدِلَتَينِ، وَيَتَوَضَّأُ النَّبِيُّ بِهَذَا القَدرِ لِبَيَانِ أَهَمِيَّةِ المُحَافَظَةِ عَلَى المَاءِ، وَيُروى أنه مَرَّةً تَوَضَّأَ بِثُلُثَي مُدٍّ ولو كان ضعيفا وَمَرَّةً تَوَضَّأَ ﷺ بِمَكُّوكٍ مِنَ المَاءِ وَهُوَ قَدرُ سِتَّةِ أَمدَادٍ، مَعنَاهُ إِلَى هَذَا الحَدِّ لَيسَ مَكرُوهًا. فَإِذَا تَوَضَّأْتَ بِمُدٍّ أَوِ اثْنَينِ وَثَلَاثَةٍ إِلَى سِتَّةِ أَمدَادٍ فَهَذَا لَيسَ بِمَكرُوهٍ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ تَوَضَّأَ بِهَذَا القَدرِ).
(رَوَى أَبُو دَاودَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ الطُّهُورُ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ، وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ».اهـ).
(من سنن الوضوء: أَن يُسَمِّيَ اللهَ تَعَالَى عِندَ غَسلِ الكَفَّينِ، لِلأَمرِ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ النَّسَائِيِّ وَغَيرِهِ، وَرَوَاهُ التِّرمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَلَفظُ رِوَايَةِ التِّرمِذِيِّ: عَن رَبَاحِ بنِ أَبِي سُفيَانَ بنِ خُوَيطِبٍ عَن جَدَّتِهِ عَن أَبِيهَا قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا وُضُوءَ لِمَن لَم يَذكُرِ اسمَ اللهِ عَلَيهِ».اهـ فَإِن تُرِكَت التَّسمِيَةُ عَمدًا أَو سَهوًا فَيَأتِي بِهَا فِي أَثنَائِهِ، يَأتِي بِهَا تَدَارُكًا لَهَا فَيَقُولُ بِسمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَلَا يَأتِي بِهَا بَعدَ فَرَاغِهِ مِن كُلِّ الوُضُوءِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا، وَأَقَلُّهَا بِسمِ اللهِ، وَأَكمَلُهَا بِسمِ اللهِ الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ).
بَابٌ: لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ
135- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ».
قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.
الشَّرْحُ
بَابٌ: لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ (الْمُرَادُ بِعَدَمِ الْقَبُولِ هُنَا عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَإِلا فَقَدْ تَكُونُ صَحِيحَةً وَهِيَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ) (الطُّهُورُ هُنَا هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَغَيرُهَا)
بيانُ معنى الطُّهورِ والطَّهور
(كَلِمَةُ “الطُّهُورُ” هِيَ بِضَمِّ الطّاء وَهِيَ مَصْدَر ⇦ طَهَرَ–يَطْهُرُ–طُهُورًا، – طهَرَ فِي الماضِي – يَطْهُرُ فِي الْمُضارِعِ- طُهُورًا هوَ الْمَصْدَر وَالْمَصْدَرُ هُوَ الذي يَقَعُ ثالِثًا فِي التَّصْرِيف. فَكَلِمَةُ “الطُّهُورُ” هِيَ اسْمٌ للفِعْل.
يعنِي فِعْلُ الطَّهارَة يُقالُ لَهُ طُهُور، أَمّا الطَّهُور، بِفَتْحِ الطّاء، فَهُوَ الماءُ الذي يُتَطَهَّرُ بِهِ. إِذا جَمَعْتَ ماءً فِي إِناءٍ تُرِيدُ اسْتِعمالَهُ فِي الطَّهارَة، تُسَمِّي هذا الماءَ الذي فِي الإِناءِ طَهُور، بِفَتْحِ الطّاء. أَمّا إِذا أَخَذْتَ الماءَ مِنَ الإِناءِ لِتَغْسِلَ وَجْهَكَ بِنِيَّةِ الوُضُوءِ مَثَلًا، لِتَغْسِلَ يَدَيْك، هذا الفِعل بِهذا التَّطَهُّر يُقالُ فِيه طُهُور بِضَمِّ الطّاء. فَــ”الطُّهُورُ” إِذًا اسْمٌ للفِعْل، لِفِعْلِ التَّطَهُّر، وَالطَّهُور، بِفَتْحِ الطّاء هُوَ اسْمٌ لِلْماءِ الذي يُتَطَهَّرُ بِهِ.
ولهٰذا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ نَسْتَعمِلُها، فَيُقالُ مَثلًا وُضُوء بِضَمّ الواو.
الوُضُوءُ هُوَ فِعْلُ التَّطَهُّر، أَمّا الماءُ الذي تَسْتَعْمِلُهُ فِي الوُضُوء يُقالُ فِيهِ وَضُوء بِفَتْحِ الواو. وَكذلِكَ يُقالُ وَقُود وَوُقود. وُقُود مَعْناهُ هذا الاشْتِعال للنّار أَمّا إِذا أَلْقَيْتَ الحَطَبَ فِي النار فَالحَطَبُ بِما أَنَّهُ يَزِيدُ النَّارَ اشْتِعالًا يُقالُ فِيهِ وَقُود بِفَتْحِ الواو وَمِنْهُ أَيْضًا سَحُور وَسُحُور. السُّحُورُ هُوَ الفِعل، أَنْ تأْكُلَ الطّعام بَعدَ مُنْتَصَفِ الليل فِي رَمَضانَ مَثَلًا. هذا الفِعْلُ يُقالُ فِيهِ سُحُور بِضَمِّ السين أَمّا الطّعام الذي تَتَناوَلُهُ فِى ذلِكُمُ الوَقت يُقالُ لَهُ سَحُورٌ بِفَتْحِ السّين وَعَلَى هذا فَقِسْ).
مناقبُ الإمامِ إسحاقَ بنِ راهويه
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ (هو ابْن رَاهَوَيْه إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بنِ مَخلَدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ مَطَرٍ الْحَنْظَلِي أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، نَزِيلُ نَيسَابُورَ أَحَدُ أَئِمَّة الْمُسلِمِينَ وَعُلَمَاءِ الدِّينِ اجْتَمَعَ لَهُ الحَدِيث وَالْفِقْهُ وَالْحِفْظُ وَالصِّدقُ وَالوَرَعُ وَالزُّهدُ وَرَحَلَ إِلَى الْعِرَاقِ وَالحِجَازِ وَاليَمَنِ وَالشَّامِ وَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، مَولِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَة،
وَقَالَ الدَّارمِيُّ: سَادَ إِسْحَاقُ أَهلَ الْمَشرِقِ وَالْمَغْرِبِ بِصِدقِهِ،
وَقَالَ إِسْحَاقُ: مَا سَمِعْتُ شَيْئًا إِلَّا حَفِظتُهُ وَلَا حَفِظتُ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سَبعِينَ أَلفِ حَدِيثٍ فِي كُتُبِي وَقَالَ: أَعرِفُ مَكَانَ مِائَةِ أَلفِ حَدِيثٍ كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَيْهَا وَأَحفَظُ سَبعِينَ أَلفَ حَدِيثٍ عَنْ ظَهرِ قَلبِي وَأَحْفَظُ أَرْبَعَةَ آلَافِ حَدِيثٍ مَكذُوبَةً فَقِيلَ لَهُ مَا مَعنَى حِفْظِ المَكْذُوبَة قَالَ إِذَا قُرِئَ مِنْهَا حَدِيثٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَلَّيْتُهُ مِنْهَا فَلْيًا،
أَمْلَى الْمُسنَدَ وَالتَّفْسِيرَ مِنْ حِفْظِهِ وَمَا كَانَ يُحَدِّثُ إِلَّا حِفْظًا مَاتَ لَيْلَةَ نِصفِ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ)
قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ (عَبدُ الرَّزَّاقِ بنُ هَمَّامِ بنِ نَافِعٍ الْحِمْيَرِيُّ مَوْلَاهُم أَبُو بَكرٍ الصَّنْعَانِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَام، قَالَ أَحْمَدُ أَتَينَاهُ قَبلَ الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ صَحِيحُ الْبَصَرِ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى عَشرَة وَمِائَتَيْنِ)
نواقضُ الوضوء عند الشافعية
قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُقْبَلُ (القَبُولُ هُوَ أَخْذُ الشَّىءِ المَدفُوعِ وَالرِّضَى بِهِ، وَهُوَ ضِدُّ الرَّدِّ) صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ (أَي إِذَا أَتَى بِمَا يَنْقُضُ طَهَارَتَهُ فَهَذَا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ الحَدَثَ الأَكْبَرَ المُوجِبَ لِلغُسلِ وَالحَدَثَ الأَصغَرَ المُوجِبَ لِلوُضُوءِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَبُولِ صَلَاةِ مَنْ كَانَ مُحْدِثًا حَتَّى يَتَوَضَّأَ أَيْ: مَعَ مُرَاعَاةِ بَاقِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ) حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (بِالمَاءِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَالتَّيَمُّمِ عِندَ فَقْدِهِ).
قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ (هُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي كَونِهِمَا رِيْحًا خَارِجًا مِنَ الدُّبُرِ، لَكِنِ الثَّانِي مَعَ صَوْتٍ، وَلَيسَ هَذَا هُوَ فَقَطِ النَّاقِضَ لِلْوُضُوءِ، وَلَكِنْ مَا سِوَاهُ مِنْ نَوَاقِضِ الوُضُوءِ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ فَلَمْ يَذْكُرْ غَيرَهُمَا) (هُوَ ذَكَرَ هَذَا مِنْ نَوَاقِضِ الوُضُوءِ مَعَ كَونِهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
فَمِنْ أَسبَابِ الحَدَث ِالأَصغَرِ: مَا خَرَجَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ أَيِ الْقُبُلِ أَوِ الدُّبُرِ وَهُمَا مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَالْغَائِط إِلَّا الْمَنِيَّ فَإِنَّهُ لا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ.
وَالسَّبَبُ الثَّانِي مَسُّ قُبُلِ الآدَمِيِّ أَوْ حَلْقَةِ دُبُرِهِ ببطن الكف فَإِنَّهُ نَاقِضٌ إِنْ كَانَ بِلا حَائِلٍ. وَالنَّاقِضُ مِنَ الدُّبُرِ مُلْتَقَى الْمَنْفَذِ فَقَطْ فَلا يَنْقُضُ مَسُّ الأَلْيَةِ. وَالنَّاقِضُ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ مُلْتَقَى شُفْرَيْهَا عَلَى الْمَنْفَذِ فَقَطْ. وَلا يَنْقُضُ اللَّمْسُ بِظَهْرِ الْكَفِّ أَوِ اللَّمْسُ بِحَائِلٍ كَمَا أَنَّهُ لا يَنْقُضُ مَسُّ دُبُرِ أَوْ قُبُلِ غَيْرِ ءَادَمِيٍّ. وَيُعْرَفُ بَطْنُ الْكَفِّ مِنْ ظَاهِرِهَا بِوَضْعِ إِحْدَى الْكَفَّيْنِ عَلَى الأُخْرَى مَعَ تَحَامُلٍ يَسِيرٍ وَتَفْرِيقِ الأَصَابِعِ فَالْقَدْرُ الَّذِي لا يَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ هُوَ بَطْنُ الْكَفِّ.
وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ لَمْسُ بَشَرَةِ الأَجْنَبِيَّةِ مَعَ كِبَرٍ لِكُلٍّ مِنَ اللَّامِسِ وَالْمَلْمُوسِ وَالْمُرَادُ بِالْكِبَرِ بُلُوغُ حَدٍّ يُشْتَهَى فِيهِ أَوْ تُشْتَهَى فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ. وَلا يَنْقُضُ إِلَّا لَمْسُ الْجِلْدِ فَلَوْ لَمَسَ سِنَّ الأَجْنَبِيَّةِ أَوْ شَعَرَهَا أَوْ ظُفْرَهَا لَمْ يَنْتَقِضِ الْوُضُوءُ لَكِنْ يَحْرُمُ لَمْسُ ذَلِكَ مِنَ الأَجْنَبِيِّ وَالأَجْنَبِيَّةِ مَعَ الْكِبَرِ.
وَالسَّبَبُ الرَّابِعُ زَوَالُ الْعَقْلِ أَيِ التَّمْيِيزِ بِنَحْوِ جُنُونٍ أَوْ صَرْعٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ نَوْمٍ إِلَّا نَوْمَ قَاعِدٍ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَتَهُ مِنْ مَقَرِّهِ كَأَرْضٍ وَظَهْرِ دَابَّةٍ وَلَوْ سَائِرَةً لِلأَمْنِ مِنْ خُرُوجِ الرِّيحِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ طَالَ الْوَقْتُ).
بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ، وَالْغُرُّ الْمُحَجَّلُوْنَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوْءِ
136- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ».
الشَّرحُ
بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ، وَالْغُرُّ الْمُحَجَّلُوْنَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوْءِ (هَذَا البَابُ مَعقُودٌ لِبَيَانِ شَيءٍ مِنْ فَضَائِلِ الوُضُوءِ، وَوَرَدَ فِي فَضَائِلِهِ أَنَّ رَسُوْلَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوْءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ»،
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ، وَمَفَاتِيحُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ»،
وَرَوَى البَيهَقِيُّ عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ»،
وَرَوَى مُسلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: «يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدِكَ مَنْفَعَةً فِي الْإِسْلَامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ»، فَقَالَ: «مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً مِنْ أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا تَامًّا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَا كَتَبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ».اهـ).
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ (يَحيَى بنُ عَبدِ اللهِ بنِ بُكَيرٍ الإِمَامُ المُحَدِّثُ الحَافِظُ الصَّدُوقُ، أَبُو زَكَرِيَّا، القُرَشِيُّ المَخزُومِيُّ. سَمِعَ مِنَ الإِمَامِ مَالِكٍ “المُوَطَّأَ ” مَرَّاتٍ، وَمِنَ اللَّيثِ كَثِيرًا. وَعَنهُ: البُخَارِيُّ، وَيَحيَى بنُ مَعِينٍ، احْتَجَّ بِهِ الشَّيخَانِ، وَذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ. مَاتَ سَنَةَ إِحدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَينِ)
قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ (اللَّيْثُ بنُ سَعدِ بنِ عَبدِ الرَّحْمَنِ الفَهْمِيُّ أَبُو الْحَارِثِ الْمِصْرِيُّ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ، قَالَ يَحيَى بنُ بُكَيرٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْمَلَ مِنَ اللَّيْثِ بنِ سَعدٍ كَانَ فَقِيهًا عَرَبِيَّ اللِّسَانِ يُحسِنُ الْقُرْآنَ وَالنَّحوَ وَيَحفَظُ الحَدِيثَ وَالشِّعرَ حَسَنَ المُذَاكَرَةِ لَمْ أَرَ مِثلَهُ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمَاتَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبعِينَ وَمِائَةٍ)، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ (هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ الْمَدَنِيُّ، وُصِفَ هُوَ وَأَبُوهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمَا كَانَا يُبَخِّرَانِ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ) قَالَ: رَقِيتُ (أَيْ: صَعِدْتُ) مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي (أَيْ: أُمَّةَ الْإِجَابَةِ وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ تُطْلَقُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ وَيُرَادُ بِهَا أُمَّةُ الدَّعْوَةِ أَيْ مَنْ شَمِلَتْهُم دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺوَلَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا) يُدْعَوْنَ (أَيْ: يُنَادَوْنَ أَوْ يُسَمَّوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا (هُوَ وَصْفٌ لِمَنْ يَفْعَلُ هَذَا فِي الوُضُوءِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ جَمْعُ أَغَرَّ أَيْ ذُو غُرَّةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا النُّورُ الْكَائِنُ فِي وُجُوِهِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ غَسْلِ هَذِهِ المَوَاضِعِ فِي الوُضُوءِ) مُحَجَّلِينَ (مِنَ التَّحْجِيلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَيْضًا النُّورُ) مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ (أَيْ أنَّهُمْ بِإِطَالَةِ الغُرَّةِ أَيْ زِيَادَةِ شَىءٍ مِمَّا حَوْلَ الوَجْهِ في غَسْلِ الوَجْهِ فِي وُضوئِهِمْ، وَزِيَادَةِ شَىءٍ مِمَّا فَوْقَ المِرْفَقَيْنِ وَالكَعْبَيْنِ فِي غَسْلِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ تُنَوَّرُ لَهُمْ هَذِهِ المَوَاضِعُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَعْرِفُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ كَانَ مِنْ أُمَّتِهِ بِهَذِهِ العَلَامَةِ)، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» (أَيْ: فَلْيُطِلِ الْغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى إِحْدَاهُمَا لِدِلَالَتِهَا عَلَى الْأُخْرَى، أَي لِيَزِدْ عَلَى القَدرِ الوَاجِبِ فِي الغَسلِ فِي الوَجهِ وَاليَدَينِ)
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبَرَةَ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ووَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا»، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ أَصْحابِي، وَإِخْوَانُنَا لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ»، فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ».
فَاثْبُتُوا أَحبَابِي عَلَى الإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَالإِيمَانُ هُوَ الِاعتِقَادُ الجَازِمُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، مَعَ الإِقرَارِ بِرِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، المُؤمِنُ هُوَ مَن وَصَفَ اللهَ بِصِفَاتِ الكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ مَعَ تَنزِيهِهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، المُؤمِنُ هُوَ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا وُجُودًا مُنَزَّهًا عَنِ التَّقَطُّعِ وَالزَّوَالِ، المُؤمِنُ مَن عَظَّمَ خَالِقَهُ وَنَزَّهَهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، المُؤمِنُ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَلَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ مِن خَلقِهِ. المُؤمِنُ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، اللهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنَّا، غَنِيٌّ عَنِ المَلَائِكَةِ، لَا يَحتَاجُ إِلَى المَلَائِكَةِ وَلَا إِلَى الأَنبِيَاءِ وَلَا إِلَى الإِنسِ وَلَا إِلَى الجَانِّ، وَلَا يَحتَاجُ إِلَى العَرشِ، فَلَا يُوصَفُ بِالجُلُوسِ وَالِاستِقرَارِ عَلَى العَرشِ، غَنِيٌّ عَنِ السَّمَاءِ فَلَا يَسكُنُ السَّمَاءَ، غَنِيٌّ عَنِ المَكَانِ، خَلَقَ المَكَانَ وَكَانَ مَوجُودًا قَبلَ المَكَانِ بِلَا مَكَانٍ، وَلَمَّا خَلَقَ المَكَانَ لَم يَتَغَيَّر، فَهُوَ مَوجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، لَا يُوصَفُ بِالجِسمِيَّةِ وَلَا بِصِفَاتِ الأَجسَامِ، لَا يُوصَفُ بِالِاتِّصَالِ وَلَا بِالِانفِصَالِ وَلَا بِالحُدُودِ وَلَا بِالنِّهَايَاتِ، وَلَا يُوصَفُ بِصِفَاتِ البَشَرِ، سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَمَن وَصَفَ اللهَ بِمَعنًى مِن مَعَانِي البَشَرِ فَقَد كَفَرَ).
سُؤَالٌ فِقْهِيٌّ:
شَخْصٌ دَخَلَ عَلَيهِ العَشْرُ الأُوَلُ مِنْ ذِي الحِجَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، هَلْ يَقُصُّ شَعَرَهُ وَأَظفَارَهُ؟
وَمَا هُوَ حُكْمُ صِيَامِ هَذِهِ الأَيَّامِ أَيْ أَيَّامِ التِّسْعِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ؟
الجَوَابُ:
إِنَّ مَنْ دَخَلَ عَلَيهِ العَشْرُ وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيئًا حَتَّى يُضَحِّيَ كَمَا رَوَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، خَرَّجَ حَدِيثَهَا مُسلِمٌ وَأَخَذَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الحَدِيثِ. وَلَفظُ الحَدِيثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ».اهـ
وَمِمَّا يُشْرَعُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الصِّيَامُ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعضِ الأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُهَا فَقَدْ رُوِيَ عنْ هُنيدةَ بنِ خَالِدٍ عَنِ امْرَأَتِهِ عَنْ بَعضِ أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ تِسعَ ذِي الحِجَّةِ، وَيَومَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ». رَوَاهُ أَحمَدُ وَالبَيهَقِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَيُستَحَبُّ صِيَامُ هَذِهِ الأَيَّامِ أَوْ مَا تَيَسَّرَ منهَا – وَبِالأَخَصِّ يَومَ عَرَفَةَ –
وَقَالَ ابنُ رَجَبٍ: لَمَّا كَانَتِ الأَشْهُرُ الحُرُمُ أَفْضَلَ الأَشْهُرِ بَعْدَ رَمَضَانَ كَانَ صِيَامُهَا كُلَّهَا مَندُوبًا إِلَيهِ كَمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
فَمَنْ صَامَ شَهْرَ ذِي الحِجَّةِ سِوَى الأَيَّامِ المُحَرَّمِ صِيَامُهَا مِنْهُ وَصَامَ المُحَرَّمَ فَقَدْ خَتَمَ السَّنَةَ بِالطَّاعَةِ وَافْتَتَحَهَا بِالطَّاعَةِ فَيُرْجَى أَنْ تَكُونَ سَنَتُهُ كُلُّهَا طَاعَةً.
وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَحرِصُونَ عَلَى الإِكثَارِ مِنَ الصِّيَامِ، فَكَانَ مِمَّنْ سَرَدَ الصَّوْمَ فِي عُمُرِهِ عُمَرُ وَأَبُوْ طَلحَةَ وَعَائِشَةُ وَغَيرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ وَمِمَّنْ صَامَ الأَشْهُرَ الحُرُمَ كُلَّهَا إِلَّا الأَيَّامَ الَّتِي يَحْرُمُ صَومُهَا ابْنُ عُمَرَ وَالحَسَنُ البِصْرِيُّ وَغَيرُهُمَا.
الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ:
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ….
اللهم اغْفِرْ لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ للهم فَرِّجْ كُرُوبَنَا وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا وَأَذْهِبْ هُمُومَنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللهم ارْفَعِ البَلَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم أَغِثْ قُلُوبَنَا بِالإِيمَانِ وَاليَقِينِ، وَارْزُقْنَا النَّصْرَ عَلَى أَنْفُسِنَا وَعَلَى أَعدَاءِ الدِّينِ، اللهم اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، اللهم يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ يَا حَلِيمُ يَا كَرِيمُ الْطُفْ بِالمُسلِمِينَ فِي فِلَسطِينَ اللهم فَرِّج كَربَهُم اللهم ءَامِن رَوعَاتِهِم وَاسْتُر عَورَاتِهِم وَءَامِنهُم فِي أَوطَانِهِم اللهم يَسِّر لَنَا فَرَجًا قَرِيبًا.
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ.
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.