المحتويات
- المقدمة
- بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الْوِقَاعِ
- بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الْخَلَاءِ
- بَابُ وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلَاءِ
- بَابٌ: لَا تُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ إِلَّا عِنْدَ الْبِنَاءِ جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ
- بَابُ مَنْ تَبَرَّزَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ
- بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ
- بَابُ التَّبَرُّزِ فِي الْبُيُوتِ
- بَابٌ
- بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ
- سُؤَالٌ فِقهِيٌّ:
- دعاء ختامي:
المقدمة
الحَمدُ للهِ عَلَى جَزِيلِ آلَائِهِ، ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى خَاتَمِ أَنبِيَائِهِ وَآخِرِ رُسُلِهِ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِمْ أَجمَعِينَ، وَسَلَامٌ عَلَيهِمْ فِي العَالَمِينَ وَبَرَكَاتُهُ. وَالحَمدُ للهِ الذِي هَدَانَا لِلإِسلَامِ، وَفَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الأَنَامِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ المُتَفَضِّلُ المُنعِمُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسِ السَّلامُ، تَنَزَّهَ جَلالُهُ عَنْ دَرَكِ الأَفْهَامِ، وَتَعَالَى كَمَالُهُ عَنْ إِحَاطَةِ الأَوْهَامِ، لَيْسَ بِجِسْمٍ فَيُشْبِهُ الأَجْسَامَ، وَلا بِمُتَجَوِّفٍ فَيَحْتَاجُ لِلشَّرَابِ وَالطَّعَامِ، رَبٌّ قَدِيرٌ شَدِيدُ الانْتِقَامِ، قَدَّرَ الأُمُورَ فَأَحْسَنَ إِحْكَامَ الأَحْكَامِ، وَصَرَّفَ الْحُكْمَ فِي فُنُونِ النَّقْضِ وَالإِبْرَامِ، بِقُدْرَتِهِ هُبُوبُ الرِّيحِ وَتَسْيِيرُ الْغَمَامِ، أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، وَأُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ كَافِرًا بِالأَصْنَامِ.
وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ شَفِيعِ الأَنَامِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلِ سَابِقٍ إِلَى الإِسْلامِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَانَ إِذَا رَآهُ الشَّيْطَانُ هَامَ، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي أَنْهَضَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ بِنَفَقَتِهِ وَأَقَامَ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْبَحْرِ الخِضَمِّ وَالأَسَدِ الضِّرْغَامِ،. أَمَّا بَعدُ:
بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الْوِقَاعِ
141 – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ».
الشَّرحُ
بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ (الِابتِدَاءُ بِالبَسمَلَةِ سُنَّةٌ غَيرُ وَاجِبٍ فِي غَيرِ الفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ فِي كُلِّ أَمرٍ لَهُ شَرَفٌ شَرعًا سِوَى مَا وَرَدَ فِيهِ غَيرُهَا، كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تُبدَأُ بِالتَّكبِيرِ، وَالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ يُبدَأُ بِالحَمدَلَةِ، وَمَا كَانَ غَيرَ قُربَةٍ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ حَرُمَ ابتِدَاؤُهُ بِالبَسمَلَةِ، فَلا يَجُوزُ البَدءُ بِهَا عِندَ شُربِ الخَمرِ، بَل قَالَ بَعضُ الحَنَفِيَّةِ: إِنَّ بَدءَ شُربِ الخَمرِ بِهَا كُفرٌ، لَكِنَّ الصَّوَابَ التَّفصِيلُ وَهُوَ أَن يُقَالَ: مَن كَانَ يَقصِدُ بِهَا التَّبَرُّكَ فِي شُربِ الخَمرِ كَفَرَ، وَإِن كَانَ القَصدُ السَّلَامَةَ مِن ضَرَرِهَا فَهُوَ حَرَامٌ وَلَيسَ كُفرًا، وَالبَدءُ بِالبَسمَلَةِ عِندَ المَكرُوهِ مَكرُوهٌ)
وَعِنْدَ الْوِقَاعِ (أَيِ الجِمَاعِ، وَهُوَ المَقصِدُ الأَوَّلُ مِنْ مَقَاصِدِ الزَّوَاجِ، وَفَضْلُ النِّكَاحِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ وَاضِحٌ ظَاهِرٌ، فَلَا يَجُوزُ ذَمُّهُ عَلَى الإِطلَاقِ، بَلْ مَنْ ذَمَّهُ عَلَى الإِطلَاقِ كَذَّبَ الشَّرعَ، مَثَلًا: يَقُولُ بَعضُ النَّاسِ عَنِ الزَّوَاجِ: شَرٌّ لَا بُدَّ مِنهُ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، لَو كَانَ شَرًّا كَيفَ يَحُثُّ عَلَيهِ الشَّرعُ، كَيفَ يَفعَلُهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ عَدَّدَ النِّكَاحَ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ كَمَا لَا يَخفَى عَلَيكُم، لَو كَانَ شَرًّا كَيفَ يَأمُرُ بِهِ القُرآنُ الكَرِيمُ، هَذِهِ العِبَارَةُ وَمِثلُهَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُقَالَ فَفِيهَا تَكذِيبٌ لِلشَّرِيعَةِ لمن يفهم منها ذم الزواج مطلقا، بَلْ نَقُولُ: لَقَدْ حَثَّ عَلَيهِ الشَّرعُ الحَنِيفُ حَيثُ قَالَ تَعَالَى: «وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ».
وَرَوَى الحَاكِمُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “الدُّنْيَا كلهَا مَتَاع وَخير متاعها الْمَرْأَة الصَّالِحَة“،
وَرَوَى ابنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ، بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ، خَيْراً لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ»،
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فَليَسْتَنَّ بِسُنَّتِي وَإِنَّ مِنْ سُنَّتِي النِّكَاحَ». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنِهِ). حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ ﷺ (أَيْ أَنَّهُ نَسَبَ هَذَا الكَلَامَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ) قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ (أَيْ زَوْجَتَهُ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الجِمَاعِ) قَالَ: بِاسْمِ اللهِ (هُنَا الشَّاهِدُ وَسَبَبُ ذِكْرِ هَذَا الحَدِيثِ فِي هَذَا البَابِ)، اللهم جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ (أَيْ أَبْعِدْ عَنَّا الشَّيْطَانَ)، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا (المُرَادُ بِهِ الوَلَدُ، وَفِيْهِ أَنَّ الوَلَدَ مِنَ الرِّزْقِ)، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ (أَيْ: قُدِّرَ بَينَ الرَّجُلِ وَزَوجَتهِ مِنْ هَذَا الجِمَاعِ وَلَدٌ) (أَيْ وُجِدَ وَحَصَلَ، أَيْ أَوجَدَ اللهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ الوَطْءِ الَّذِي حَصَلَتِ التَّسمِيَةُ عِندَهُ وَلَدًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنثَى)
(وَكُلُّهُ بِتَقْدِيرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الأَزَلِيِّ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي عَقَائِدِ المُسلِمِينَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيهِ التَّغَيُّرُ وَلَا يَجُوزُ عَلَى صِفَاتِهِ التَّغَيُّرُ ثَبَتَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى أَي إِرَادَتَهُ لَا يَجُوزُ عَلَيهَا التَّغَيُّرُ، فَهِيَ مِن جُملَةِ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى الثَّابِتَةِ لَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾، [سورة ق: ٢٩]،
وَمَا أَحلَى كَلَامَ الطَّحَاوِيِّ فِي هَذَا المَقَامِ حَيثُ قَالَ:
«فَقَدَّرَ ذَلِكَ تَقدِيرًا مُحكَمًا مُبرَمًا، لَيسَ فِيهِ نَاقِضٌ وَلَا مُعَقِّبٌ وَلَا مُزِيلٌ وَلَا مُغَيِّرٌ وَلَا مُحَوِّلٌ وَلَا نَاقِصٌ وَلَا زَائِدٌ مِن خَلقِهِ فِي سَمَاوَاتِهِ وَأَرضِهِ».اهـ
فَعَقِيدَةُ أَهلِ الحَقِّ أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّ الأَشيَاءَ تَصِيرُ مَوجُودَةً فِي أَوقَاتِهَا عَلَى حَسَبِ مَا اقتَضَتهُ حِكمَتُهُ البَالِغَةُ، فَكَانَت كَمَا عَلِمَ مِن غَيرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقصَانٍ وَلَا تَغيِيرٍ وَلَا تَبدِيلٍ، وَهَذَا مِن كَمَالِ الأُلُوهِيَّةِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي الأَسوَدِ الدُّؤَلِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عِمرَانُ بنُ الحُصَينِ: أَرَأَيتَ مَا يَعمَلُ النَّاسُ اليَومَ وَيَكدَحُونَ فِيهِ، أَشَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم وَمَضَى عَلَيهِم مِن قَدَرٍ قد سَبَقَ، أَو فِيمَا يُستَقبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيُّهُم وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَلَيهِم، فَقُلتُ بَل شَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم وَمَضَى عَلَيهِم، قَالَ فَقَالَ أَفَلَا يَكُونُ ظُلمًا، قَالَ فَفَزِعتُ مِن ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وَقُلتُ: كُلُّ شَيءٍ خَلقُ اللهِ وَمِلكُ يَدِهِ، فَلَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ، فَقَالَ لِي يَرحَمُكَ اللهُ، إِنِّي لَم أُرِد بِمَا سَأَلتُكَ إِلَّا لِأَحزِرَ عَقلَكَ، إِنَّ رَجُلَينِ مِن مُزَينَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ مَا يَعمَلُ النَّاسُ اليَومَ وَيَكدَحُونَ فِيهِ، أَشَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم وَمَضَى فِيهِم مِن قَدَرٍ قَد سَبَقَ، أَو فِيمَا يُستَقبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيُّهُم وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَلَيهِم، فَقَالَ: «لَا، بَل شَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم وَمَضَى فِيهِم، وَتَصدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾ [سورة الشمس: 8]».اهـ)
لَمْ يَضُرَّهُ» (أَيْ لَا يَكُونُ لِلْشَّيطَانِ عَلَى الوَلَدِ سُلْطَانٌ، فَيَكُونُ مِنَ المَحْفُوظِينَ)
(مُطَابَقَةُ الحَدِيثِ لِاسْمِ البَابِ فِي قَوْلِهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ».اهـ)
(وَيُفهَمُ مِن هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: أَنَّ الشَّيطَانَ يَتَسَبَّبُ فِي ضَرَرِ المُوَاقِعِ فِي نَفسِهِ، وَفِي ضَرَرِ وَلَدِهِ الَّذي يَحصُلُ مِنْ ذَلِكَ الجِمَاعِ).
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الْخَلَاءِ
142 – حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ».
تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: «إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ». وَقَالَ مُوسَى، عَنْ حَمَّادٍ: إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ.
الشَّرْحُ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الْخَلَاءِ (أَيْ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ الخَلَاءِ أَوْ قَضَاءَ الحَاجَةِ، وَمَعْنَى الخَلَاءِ فِي اللُّغَةِ: الْمَكَانُ الْخَالِي، وَاسْتُعْمِلَ فِي الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ مَجَازًا)
(النَّبِيُّ ﷺ وَشَرْعُهُ الحَنِيفُ نَظَّمَ لَنَا أَمْرَ دِينِنَا وَدُنيَانَا وَتَعَامُلِنَا مَعَ النَّاسِ بِكُلِّ أَصْنَافِهِمْ، حَتَّى إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَنَا مَاذَا نَفعَلُ وَكَيفَ نَفعَلُ حَتَّى فِي الخَلَاءِ، حَتَّى فِي الخَلَاءِ لَمْ يَتْرُكْنَا النَّبِيُّ ﷺ دُونَ آدَابٍ وَضَبطٍ لِعَمَلِنَا فِي الخَلَاءِ، فَإِنَّهُ تُوجَدُ آدَابٌ نَبَوِيَّةٌ لِلْمُسلِمِ فِي الخَلَاءِ). حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: «اللهم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ (بِضَمِّ الْبَاءِ وَتُسَكَّنُ جَمْعُ الْخَبِيثِ، وَهُوَ الْمَؤْذِي مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ) وَالْخَبَائِثِ» (جَمْعُ الْخَبِيثَةِ. يَعْنِي: ذُكْرَانَ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثَهُمْ، وَخُصَّ الْخَلَاءُ لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ تَحْضُرُ الْأَخْلِيَةَ لِأَنَّهُ يُهْجَرُ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ). تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ (أَيْ تَابَعَ آدَمَ ابْنُ عَرْعَرَةَ) عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: «إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ» (أَرَادَ دُخُولَهُ، أَمَّا فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ يَتَهَيَّأُ لِذَلِكَ بِرَفْعِ الثَّوْبِ ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ). وَقَالَ مُوسَى، عَنْ حَمَّادٍ: إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ.
(النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَستَعِيذَ بِاللهِ مِنْ ذُكُورِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ، وَهُوَ عَلَّمَنَا التَّحَصُّنَ لِيُصْرَفَ عَنَّا شَرُّ الشَّيَاطِينِ، فَإِنَّهُم يَكِيدُونَ بِالمُؤمِنِينَ، وَيُؤذُونَهُم إِلَّا مَنْ سَلَّمَهُ اللهُ وَحَفِظَهُ، وَأَعظَمُ التَّحْصِينِ هُوَ تَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصِّدقُ وَالإِخلَاصُ، فَإِذَا كُنتَ عَبدًا تَقِيًّا فَاللهُ يَحفَظُكَ وَيَحفَظُ أَولَادَكَ وَيَصرِفُ عَنكُمْ بِبَرَكَةِ الصِّدقِ وَالإِخلَاصِ كَثِيرًا مِنَ الشُّرُورِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنَا التَّحَصُّنَ وَكَانَ يُوَاظِبُ عَلَيهِ لِيُعَلِّمَنَا أَنْ لَا نَتْرُكَهُ مَعَ أَنَّ اللهَ عَصَمَهُ وَحَفِظَهُ ﷺ، فَعَدُوُّنَا إِبلِيسُ وَجُندُهُ شَرُّهُم عَظِيمٌ وَكَبِيرٌ يَكِيدُونَ بِالمُؤمِنِينَ، يَنبَغِي أَنْ نَحذَرَهُم، فَالشَّيطَانُ وَحِزبُهُ يُرِيدُونَ صَرفَنَا عَنْ دِينِ الإِسلَامِ يُرِيدُونَ أَنْ نَقَعَ فِي المُحَرَّمَاتِ وَنَنْغَمِسَ فِيهَا فَلَا بُدَّ أَنْ نَحْذَرَ غَايَةَ الحَذَرِ، لَوْ رَأَوْا وَاحِدًا ثَابِتًا عَلَى طَاعَةِ اللهِ فَإِنَّهُمْ لَا يَترُكُونَهُ يَجْهَدُوْنَ لِصَرْفِهِ عَنِ الحَقِّ وَالعِيَاذُ بِاللهِ نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ، فَالشَّخصُ قَد يَكُونُ لَهُ مَوَاقِفُ وَمَوَاطِنُ صَالِحَةٌ كَثِيرَةٌ لَكِنَّهُ قَدْ يَزِلُّ فِي مَوقِفٍ وَاحِدٍ، وَيَغلِبُهُ الشَّيطَانُ فِي فَترَةِ ضَعفٍ وَلَوْ كَانَتْ قَصِيرَةً، وَهَذَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعفِ أَكثَرِ النَّاسِ وَفِيهِ إِثبَاتٌ لِقَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء/ الآية 28]، فَالوَاحِدُ مِنَّا إِذَا تَفَكَّرَ فِي خَاصَّةِ نَفسِهِ وَتَذَكَّرَ ضَعْفَهُ فَإِنَّهُ يَنبَغِي عَلَيهِ أنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِمُوَاجَهَةِ هَذَا العَدُوِّ شَدِيدِ العَدَاوَةِ وَهُوَ إِبلِيسُ الخَبِيثُ،
فَقَدْ رَوَى البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي الْوَفَاةُ فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ وَالْخِرْقَةُ بِيَدِي أَشَدُّ بِهَا لِحْيَتِهِ قَالَ: فَجَعَلَ يَغْرِقُ – أَيْ يُغْشَى عَلَيهِ – ثُمَّ يُفِيقُ وَيَفْتَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا – أَيْ يُحَرِّكُ يَدَيهِ كَأَنَّهُ يُبْعِدُ شَيئًا عَنْ وَجهِهِ – ويقولُ: «لَا بَعْدُ لَا بَعْدُ لَا بَعْدُ. فَفَعَلَ هَذَا مَرَّةً، وَثَانِيَةً فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قُلْتُ: يَا أَبَة أَيْشٍ هَذَا الَّذِي لَهَجْتَ بِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَمَا تَدْرِي قُلْتُ: لَا. فَقَالَ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ قَائِمٌ بِحِذَائِي عَاضٌّ عَلَى أَنَامِلِهِ يَقُولُ: يَا أَحْمَدُ فُتَّنِي. فَأَقُولُ: لَا حَتَّى أَمُوتَ».اهـ).
(هذا الدعاء المذكور في هذا الحديث من آداب قضاء الحاجة، ومن الآداب التي ينبغي أن لا نغفلها ما قاله الفقهاء كما في التنبيه وشرحه للسيوطي: إِذَا أَرَادَ الشَّخصُ قَضَاءَ الحَاجَةِ فَإِن كَانَ مَعَهُ شَىءٌ فِيهِ مَكتُوبٌ ذِكرُ اللهِ تَعَالَى مِن قُرءَانٍ أَو غَيرِهِ نَحَّاهُ أَي أَبعَدَهُ، أَي نَدبًا، لِمَا رَوَى أَنَسُ بنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ، رَوَاهُ ابنُ مَاجَه وَأَبُو دَاوُدَ، قِيلَ: وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَكتُوبًا عَلَيهِ: “مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ” فِي ثَلَاثَةِ أَسطُرٍ،
فَأَمَّا الخَاتَمُ فَيَنزِعُهُ قَبلَ الدُّخُولِ، فَلَو لَم يَنزِعهُ سَهوًا أَو عَمدًا وَدَخَلَ فَقِيلَ يَضُمُّ عَلَيهِ كَفَّهُ لِئَلَّا يَظهَرَ، كَمَا قَالَ ابنُ المُقرِئِ فِي إِخلَاصِ النَّاوِي: «فَإِن نَسِيَ وَدَخَلَ بِهِ قَبَضَ عَلَيهِ »،
وَقَالَ العِرَاقِيُّ: «وَلَو نَسِيَهُ حَتَّى قَعَدَ عَلَى الخَلَاءِ غَيَّبَهُ بِضَمِّ كَفِّهِ عَلَيهِ، أَو وَضَعَهُ فِي عِمَامَتِهِ، أَو غَيرِ ذَلِكَ»، وَلا يَحمِلُهُ تَعظِيمًا لَهُ، فَإِن حَمَلَهُ كُرِهَ.
قَالَ أَبُو عَمرِو ابنُ الصَّلَاحِ فِي الفَتَاوَى: “يَجُوزُ تَعلِيقُ الحُرُوزِ الَّتِي فِيهَا قُرآنٌ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبيَانِ وَالرِّجَالِ، وَيُجعَلُ عَلَيهَا شَمعٌ وَنَحوُهُ، وَيُستَوثَقُ مِنَ النِّسَاءِ وَشِبهِهِنَّ بِالتَّحذِيرِ مِن دُخُولِ الخَلَاءِ بِهَا. وَالمُختَارُ أَنَّهُ لَا يُكرَهُ إِذَا جُعِلَ عَلَيهِ شَمعٌ وَنَحوُهُ، لِأَنَّهُ لَم يَرِد فِيهِ نَهيٌ. وَنَقَلَ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَن مَالِكٍ نَحوَ هَذَا، فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأسَ بِمَا يُعَلَّقُ عَلَى النِّسَاءِ الحُيَّضِ وَالصِّبيَانِ مِنَ القُرآنِ إِذَا جُعِلَ فِي كِنٍّ (أَي شَيءٍ يَستُرُهُ) كَقَصَبةِ حَدِيدٍ أَو جِلدٍ يُخرَزُ (يُخَاطُ) عَلَيهِ.
وَقَد يُستَدَلُّ لِلإِبَاحَةِ بِحَدِيثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُم مِنَ الفَزَعِ كَلِمَاتِ: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِن غَضَبِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِن هَمَزَاتِ الشَيَاطِينِ وَأَن يَحضرُونِ»، قَالَ: وَكَانَ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو يُعَلِّمُهُنَّ مَن عَقَلَ مِن بَنِيهِ، وَمَن لَم يَعقِل كَتَبَهُ فَعَلَّقَهُ عَلَيهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ، أَمَّا إِدخَالُ المُصحَفِ كَامِلًا إِلَى الخَلَاءِ فَيَحرُمُ).
بَابُ وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلَاءِ
143 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ: مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ فَأُخْبِرَ. فَقَالَ: «اللهم فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
الشَّرْحُ
بَابُ وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلَاءِ ( وَالمُرَادُ وَضْعُ المَاءِ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ الخَارِجُ مِنَ الخَلَاءِ).
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا (بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: مَاءً لِيَتَوَضَّأَ بِهِ) قَالَ: مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ فَأُخْبِرَ. فَقَالَ: «اللهم فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (دَعَا لَهُ سُرُورًا بِانْتِبَاهِهِ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ إِلَى وَضْعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ، فَفِيهِ: المُكَافَأَةُ بِالدُّعَاءِ لِمَنْ أَحْسَنَ، وَفِيهِ خِدْمَةُ العَالِمِ، وَقَدِ اسْتَجَابَ اللهُ لِدُعَاءِ نَبِيِّهِ ﷺ فَصَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ حَبْرَ الأُمَّةِ وَتَرجُمَانَ القُرْآنِ)
(وَثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ دَعَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَرَّبه، وَكَانَ يَقُوْلُ: إِنِّيْ رَأَيتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ دَعَاكَ يَوْماً، فَمَسحَ رَأْسَكَ، وَتَفَلَ فِي فِيْكَ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ».
وَهُنَا يُقَالُ لِلْمُجَسِّمَةِ: كَيْفَ تُنْكِرُونَ التَّأْوِيلَ وَالرَّسُولُ دَعَا لِابْنِ عَبَّاسٍ بِالتَّأْوِيلِ فَلَوْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ فَيَكُونُ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى زَعْمِكُمْ دَعَا بِدُعَاءٍ غَيْرِ جَائِزٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ اللهَ اسْتَجَابَ دَعوَةَ نَبِيِّهِ ﷺ لِابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، فَقَدْ كَانَ ابنُ عَبَّاسٍ تَرجُمَانَ القُرْآن وَهُوَ مِنْ أَشْهَرِ مَنْ فَسَّرَ كِتَابَ اللهِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ وَأَوَّلَ آيَاتِهِ، وَهُوَ بِهَذَا يُطفِئُ فِتنَةَ المُجَسِّمَةِ وَالمُشَبِّهَةِ وَالخَوَارِجِ وَالمُعتَزِلَةِ وَغَيرِهِم مِنَ الفِرَقِ الضَّالَّةِ الَّتِي ضَلَّتْ عَن مَنهَجِ الحَقِّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ : «وَاللهِ مَا أَظُنُّ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ اليَومَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَى الشَّيطَانِ هَلَاكًا مِنِّي فَقِيلَ: وَكَيفَ؟ فَقَالَ: وَاللهِ إِنَّهُ لَيُحْدِثُ البِدعَةَ فِي مَشرِقٍ أَوْ مَغرِبٍ فَيَحْمِلُهَا الرَّجُلُ إِلَيَّ فَإِذَا انْتَهَتْ إِلَيَّ قَمَعْتُهَا بِالسُّنَّةِ فَتُرَدُّ عَلَيهِ كَمَا أَخْرَجَهَا».
وَيَظهَرُ هَذَا جَلِيًّا مِنْ خِلَالِ تَأوِيلَاتِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَدْ قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَأَمَّا السَّاقُ فَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، قَالَ: عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ إِذَا اشْتَدَّتْ، وَمِنْهُ:
قَدْ سَنَّ أَصْحَابُكَ ضَرْبَ الْأَعْنَاقِ … وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقِ
قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا حَسَنٌ،
فالقران فيه ايات محكمة وايات متشابهة يقول الله عزَّ وجلَّ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ.اهـ
فالْمُحْكَمَاتُ هِيَ الَّتِي دِلالَتُهَا عَلَى الْمُرَادِ وَاضِحَةٌ، وَالْمُتَشَابِهَةُ هِيَ الَّتِي دِلالَتُهَا عَلَى الْمُرَادِ غَيْرُ وَاضِحَةٍ،
وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ أَيِ الزَّيْعِ أَيِ ابْتِغَاءَ الإِيقَاعِ فِي الأَمْرِ الْمَحْظُورِ لِأَنَّ الْمُشَبِّهَةَ غَرَضُهُمْ فِي جِدَالِهِمْ أَنْ يُوقِعُوا السُّنِّيَّ فِي اعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلِ، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هُمْ أَهْلُ الأَهْوَاءِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ حَصَلَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ صَبِيغ كَانَ يَسْأَلُ عَنِ الْمُتَشَابِهِ عَلَى وَجْهٍ يُخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَةُ فَضَرَبَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ ثُمَّ نَفَاهُ وَأَمَرَ أَنْ لا يَخْتَلِطَ النَّاسُ بِهِ.
وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمُحْكَمَاتِ أُمَّ الْكِتَابِ أَيْ أُمَّ الْقُرْءَانِ لِأَنَّهَا الأَصْلُ الَّذِي تُرَدُّ إِلَيْهَا الْمُتَشَابِهَاتُ، ثُمَّ الْمُتَشَابِهُ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا مَا لا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ كَوَجْبَةِ الْقِيَامَةِ، وَالثَّانِي يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ كَمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سُورَةَ طَه/5] فَإِنَّ الرَّاسِخِينَ فَسَّرُوهُ بِالْقَهْرِ] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَادِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لِنُورِ الإِيـمَانِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ نُورًا بِمَعْنَى الضَّوْءِ، بَلْ هُوَ الَّذِي خَلَقَ النُّورَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/1] أَيْ خَلَقَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، فَكَيْف يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نُورًا كَخَلْقِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا).
بَابٌ: لَا تُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ إِلَّا عِنْدَ الْبِنَاءِ جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ
144 – حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».
الشَّرْحُ
بَابٌ: لَا تُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ إِلَّا عِنْدَ الْبِنَاءِ جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ (مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ فَلَا يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ إِلَّا إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا سَاتِرٌ أَوْ كَانَ فِي مَكَانٍ مُهَيَّأٍ لِذَلِكَ).
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ (الغَائِطُ بِالأَصْلِ المَكَانُ المُطْمَئِنُّ المُنْخَفِضُ الوَاسِعُ مِنَ الأَرْضِ، كَانَ يُقْصَدُ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ فِيْهِ، ثُمَّ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الْخَارِجِ مِنَ الدُّبُرِ مَجَازًا؛ كَرَاهِيَةً لِذِكْرِهِ بِصَرِيحِ اسْمِهِ)، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» (هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ مِنْ غَيْرِ الحَائِلِ وَلَيسَ فِي مَكَانٍ مُعَدٍّ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ، وَالمُرَادُ مَنْ كَانَتِ القِبْلَةُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ فِي غَيرِ الشَّرقِ وَالغَربِ كَأَهْلِ المَدِينَةِ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الحَدِيثَ وَإِلَّا فَالنَّظَرُ إِلَى جِهَةِ القِبْلَةِ)
(يَحرُمُ كلٌّ مِنَ الاستِقبَالِ وَالاستِدبَارِ لِلقِبلَةِ فِي كُلٍّ مِن حَالَي البَولِ وَالغَائِطِ إِنْ لَم يَكُنْ أَمَامَهُ شَىءٌ مُرْتَفِعٌ قَدرَ ثُلُثَي ذِرَاعٍ، حَتَّى لَو كَانَ هَذَا الحَائِلُ رِدَاءً أَرخَاهُ، وَيَكُونُ بَينَهُ وَبَينَ المُرتَفِعِ قَدرُ ثَلَاثَةِ أَذرُعٍ فَأَقلَّ، وَيَكفِي أَنْ يَكُونَ عَرضُهُ نَحوَ نِصفِ ذِرَاعٍ وَلَا يَكفِي نَصبُ نَحوِ عَصًا، هَذَا فِي الفَلَاةِ وَنَحوِهَا، أَمَّا فِي الأَمَاكِنِ المُعَدَّةِ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ فَاستِقبَالُ القِبلَةِ وَاستِدبَارُهَا عِندَ البَولِ أَوِ الغَائِطِ لَيسَ حَرَامًا)
(مِن مَزِيَّةِ الرّدَاءِ أنّهُ يَكُونُ سَاترًا فِي هَذِهِ الحَالِ أَمَّا مَنْ لَيسَ عَلَيهِ رِدَاءٌ وَلَا قَمِيصٌ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَهُ إِزَارٌ طَوِيلٌ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، وَبِهَذَا يُعرَفُ أَنَّ عَادَةَ العَرَبِ القَدِيمةَ مِنْ لُبْسِ الإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَالقَمِيصِ أَفْضَلُ مِنْ زِيِّ أَهْلِ هَذَا العَصْرِ فَإِنَّ هَذَا البَنْطَلُونَ وَالجَاكِيتَ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ. وَذَلِكَ الزِّيُّ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا).
(وَ)يَجْتَنِبُ أَدَبًا قَاضِى الْحَاجَةِ (الْبَوْلَ) وَالْغَائِطَ (فِى الْمَاءِ الرَّاكِدِ) قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ أَمَّا الْجَارِى فَيُكْرَهُ فِى الْقَلِيلِ مِنْهُ دُونَ الْكَثِيرِ لَكِنِ الأَوْلَى اجْتِنَابُهُ. نَعَمْ هُوَ فِى اللَّيْلِ مَكْرُوهٌ فِى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لِأَنَّهُ مَأْوَى الْجِنِّ (وَ)يَجْتَنِبُ أَيْضًا الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ (تَحْتَ الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ) وَقْتَ الثَّمَرَةِ وَغَيْرَهُ. (وَ)يَجْتَنِبُ مَا ذُكِرَ (فِى الطَّرِيقِ) الْمَسْلُوكِ لِلنَّاسِ (وَ)فِى مَوْضِعِ (الظِّلِّ) صَيْفًا وَفِى مَوْضِعِ الشَّمْسِ شِتَاءً (وَ)فِى (الثَّقْبِ) فِى الأَرْضِ وَهُوَ النَّازِلُ الْمُسْتَدِيرُ وَغَيْرُ الْمُسْتَدِيرِ مِثْلُهُ. قالوا أي الجن نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة *** ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده”.
(وَلا يَتَكَلَّمُ) قَاضِى الْحَاجَةِ أَدَبًا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ (عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ) أَىْ حَالَ خُرُوجِهِمَا فَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إِلَى الْكَلامِ كَمَنْ رَأَى حَيَّةً تَقْصِدُ إِنْسَانًا لَمْ يُكْرَهِ الْكَلامُ حِينَئِذٍ)
(مسألة من شرح التنبيه: فَإِنِ اشتَبَهَت عَلَيهِ القِبلَةُ حَيثُ لَا سُترَةَ اجتَهَدَ وُجُوبًا، أَمَّا مَعَ وُجُودِ السَّاتِرِ فَلَا يَجِبُ الِاجتِهَادُ).
بَابُ مَنْ تَبَرَّزَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ
145 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ.وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللهِ».
قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الْأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْأَرْضِ.
الشَّرْحُ
بَابُ مَنْ تَبَرَّزَ (بِوَزْنِ تَفَعَّلَ مِنَ الْبَرَازِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْفَضَاءُ الْوَاسِعُ، كَنَّوْا بِهِ عَنِ الْخَارِجِ مِنَ الدُّبُرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغَائِطِ) عَلَى لَبِنَتَيْنِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ (مَعْنَاهُ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: إِذَا كَانَ فِي مَكَانٍ مُعَدٍّ وَمُخَصَّصٍ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ وَلَا اسْتِدْبَارُهَا وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ): إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ (أَيْ صَعِدْتُ) يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا (هُوَ بَيْتُ أُخْتِهِ حَفْصَةَ، كَانَ لَهُ حَاجَةٌ عَلَى السَّطْحِ فَرَقِيَ لِأَجْلِ هَذِهِ الحَاجَةِ، لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْضِي حَاجَتَهُ وَأَنَّهُ سَيَرَاهُ، وَالنَّبِيُّ كَانَ مُتَسَتِّرًا)، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ (أَيْ رَآهُ مُرْتَفِعًا شَيْئًا قَلِيلًا عَنِ الأَرْضِ يَقْضِي حَاجَتَهُ ﷺ، وَرَآه مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ وَقْتَهَا، وَهَذَا فِي المَكَانِ المُعَدِّ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ، وَابْنُ عُمَرَ لَمْ يَقْصِدِ الِاطِّلَاعَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِتِلْكَ الحَالِ لَكِنِ اتَّفَقَتْ لَهُ الْتِفَاتَةٌ وَقْتَهَا).
وَقَالَ (أَيِ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا): لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ؟ (هُوَ خِطَابٌ لِوَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، أَيْ لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ لَا يُجَافُونَ مِرْفَقَيْهِمْ عَنْ جَنْبَيْهِمْ فِي السُّجُودِ، وَسَبَبُ إِيْرَادِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا القَوْلَ هُنَا هُوَ أَنَّهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا كَانَا يُصَلِّيَانِ فَلَعَلَّهُ ظَهَرَ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَبَعْدَ أَنْ فَرَغَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرِيدُ تَنْبِيهَهُ عََلَى السُّنَّةِ) فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللهِ». قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الْأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْأَرْضِ (مَعْنَاهُ أَنَّ الإِمَامَ مَالِكًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُفَسِّرُ مَا مُرَادُ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ يَجْلِسُونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ). وَمَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَى الْأَوْرَاكِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ فِي سُجُودِهِ عَنْ الْأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْأَرْضِ وَلَا يُقِيمُ وِرْكَهُ وَإِنَّمَا يَفْتَحُ رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُهُمَا حَتَّى يَصِيرَ كَالْمُعْتَمِدِ عَلَى وِرْكَيْهِ.».اه
(الخُلَاصَةُ: استِقبَالُ قَاضِي الحَاجَةِ القِبلَةَ أَوِ استِدبَارُهَا: إِن كَانَ فِي المُعَدِّ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ فَلَا يَحرُمُ وَلَا يُكرَهُ وَلَا هُوَ خِلَافُ الأَولَى، وَإِن كَانَ فِي غَيرِ المُعَدِّ -سَوَاءٌ كَانَ صَحرَاءَ أَو بُنيَانًا غَيرَ مُعَدٍّ لِذَلِكَ- فَإِنِ اتَّخَذَ سَاتِرًا لَم يَحرُم لَكِنَّهُ خِلَافُ الأَولَى، وَإِن لَم يَتَّخِذ سَاتِرًا فِي الصَّحرَاءِ حَرُمَ).
بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ
146 – حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ، وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ. فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ؛ حِرْصًا عَلَى أَنْ يَُنْزَِلَ الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ».
الشَّرْحُ
بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ (أَيْ إِلَى مَوْضِعٍ يَقْضِينَ فِيْهِ الحَاجَةَ). حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ (كَانَتْ هَذِهِ عَادَةَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيلِ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ لِلسَّتْرِ وَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ أَمَاكِنُ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ فِي بُيُوتِهِنَّ فَلِهَذَا كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ) إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ (هُوَ مَوضِعٌ قُرْبَ البَقِيعِ)، وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ (أَيْ أَرْضٌ فَلَاةٌ وَاسِعَةٌ)، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: احْجُبْ نِسَاءَكَ (أَيْ مُرْهُنَّ بِأَنْ يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ وَأَنْ يُعْمَلَ لَهُنَّ كَنِيْفٌ لِئَلَّا يَخْرُجْنَ، وَالكَنِيفُ المِرْحَاضُ سُمِّيَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ قَاضِيَ الْحَاجَةِ، فَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَطْلُبُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَأْمُرَ نِسَاءَهُ أَنْ يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ حِرْصًا عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يَكُنِ اللهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِذَلِكَ). فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ (هَذَا فِي بَدْءِ الأَمْرِ ثُمَّ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ وَأَمَرَ نِسَاءَهُ بِذَلِكَ، فَكَانَتْ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتُرْنَ وُجُوهَهُنَّ وَهَذَا خَاصٌّ بِنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو دَاودَ وَغَيرُهُ، ثُمَّ سَيِّدُنَا عُمَرُ مَعَ ذَلِكَ يُرِيدُ المَزِيدَ أَنْ يَتَّخِذَ لَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ كَنِيْفًا قُرْبَ البَيْتِ فَلَا يَخْرُجْنَ مِنَ البَيْتِ، إِلَّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ). فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ؛ حِرْصًا عَلَى أَنْ يَُنْزَِلَ الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ»
(وَفِي العَامِ الخَامِسِ مِنَ الهِجرَةِ نَزَلَتْ آيَاتُ الحِجَابِ، فقَد رَوَى البُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» عَن أَبِي قِلاَبَة عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: أَنَا أَعلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ ءايَةِ الحِجَابِ: «لَمَّا أُهدِيَت زَينَبُ بِنتُ جَحشٍ رَضِيَ الله عَنهَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ كَانَت مَعَهُ فِي البَيتِ، صَنَعَ طَعَامًا وَدَعَا القَومَ فَقَعَدُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَخرُجُ ثُمَّ يَرجِعُ وَهُم قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ، فَأَنزَلَ الله تَعَالَى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ، إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ، وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ، ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ، وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا، إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا))، فَضُرِبَ الحِجَابُ وَقَامَ القَومُ».اهـ).
147 – حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكُنَّ».
قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي الْبَرَازَ.
الشَّرْحُ
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكُنَّ». قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي الْبَرَازَ (سَيَأْتِي تَفْصِيلُ وَقِصَّةُ هَذَا الحَدِيثِ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مُطَوَّلًا، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ سَوْدَةَ خَرَجَتْ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا – وَكَانَتْ عَظِيمَةَ الْجِسْمِ – فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ، أَمَا وَاللهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ، فَرَجَعَتْ فَشَكَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَعَشَّى، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ).
(قَرَّرَ جُمهُورُ الأَئِمَّةِ وَالمُحَقِّقِينَ أَنَّ وَجهَ المَرأَةِ وَكَفَّيهَا لَيسَا بِعَورَةٍ، وَذَلِكَ استِنَادًا إِلَى أَحَادِيثَ وَرَدَت عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ تُبَيِّنُ ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ لِلمَرأَةِ أَن تَخرُجَ كَاشِفَةً لِوَجهِهَا وَكَفَّيهَا إِذَا كَانَت غَيرَ مُتَزَيِّنَةٍ وَلَم تَقصِد بِذَلِكَ فِتنَةَ الرِّجَالِ وَجَرَّهُم إِلَى الحَرَامِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي رَوضَةِ الطَّالِبِينَ مَا نَصُّهُ: «وَأَمَّا المَرأَةُ فَإِن كَانَت حُرَّةً فَجَمِيعُ بَدَنِهَا عَورَةٌ إِلَّا الوَجهَ وَالكَفَّينِ ظَهرَهُمَا وَبَطنَهُمَا إِلَى الكُوعَينِ».اهـ
وَالكُوعُ العَظمُ الَّذِي يَلِي الإِبهَامَ فِي أَوَّلِ السَّاعِدِ.
وَقَالَ الرَّملِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى أَسنَى المَطَالِبِ مَا نَصُّهُ: «وَلِأَنَّهُمَا لَو كَانَا عَورَةً لَمَا وَجَبَ كَشفُهُمَا فِي الإِحرَامِ».اهـ
وَلَا نِزاَعَ فِي أَنَّ الحُكمَ النَّازِلَ فِي ءايَةِ الحِجَابِ بِتَغطِيَةِ الوَجهِ كَانَ خَاصًّا بِنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيسَ عَامًّا فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ.
وَمِنْ أَوضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ وَجهَ المَرأَةِ لَيسَ عَورَةً مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَغَيرُهُمَا مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي قِصَّةِ المَرأَةِ الخَثعَمِيَّةِ يَومَ العِيدِ، حَيثُ جَاءَت تَسأَلُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ حَجِّ أَبِيهَا، وَكَانَت شَابَّةً وَضِيئَةً أَي جَمِيلَةً، وَكَانَ الفَضلُ بنُ العَبَّاسِ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ أَي يَركَبُ خَلفَهُ عَلَى النَّاقَةِ، وَكَانَ جَمِيلَ الخِلقَةِ أَيضًا، فَجَعَلَ يَنظُرُ إِلَيهَا أَعجَبَهُ حُسنُهَا وَجَعَلَت تَنظُرُ إِلَيهِ أَعجَبَهَا حُسنُهُ، فَلَوَى النَّبِيُّ ﷺ وَجهَ الفَضلِ عَنهَا، وَلَم يَأمُرِ المَرأَةَ بِتَغطِيَةِ وَجهِهَا، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ: لِمَ لَوَيتَ عُنُقَ ابنِ عَمِّكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ ﷺ: «رَأَيتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَخَشِيتُ عَلَيهِمَا الشَّيطَانَ».اهـ قالَ الحافِظانِ ابنُ بَطّال والعسقلانيُّ: “وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نِسَاءَ المُؤمِنِينَ لَيسَ عَلَيهِنَّ مِنَ الحِجَابِ مَا يَلزَمُ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ، إِذْ لَو لَزِم ذَلِكَ جَمِيعَ النِّسَاءِ لَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الخَثعَمِيَّةَ بِالِاستِتَارِ وَلَمَا صَرَف وَجهَ الفَضلِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَتْرَ المَرأَةِ وَجهَهَا لَيسَ فَرضًا لِإِجمَاعِهِم عَلَى أَنَّ لِلمَرأَةِ أَنْ تُبْدِيَ وَجْهَهَا فِي الصَّلَاةِ وَيَرَاهُ مِنهَا الغُرَباءُ، وَأَنَّ قَولَهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، عَلَى الفَرضِ فِي غَيرِ الوَجهِ، وَأَنَّ غَضَّ البَصَرِ عَنْ جَمِيعِ المُحَرَّمَاتِ وَكُلِّ مَا يُخْشَى مِنهُ الفِتنَةُ وَاجِبٌ”.اهـ فَبَطَل بِذَلِكَ قَولُ القَائِلِ: “سُكُوتُ النَّبِيِّ عَلَى كَشفِ الخَثْعَمِيَّةِ وَجْهَهَا كَانَ إِمَّا لِأَجلِ الإِحرَامِ أَوْ لِأَنَّ ءَايَةَ الحِجَابِ كَانَتْ مَا نَزَلَتْ بَعدُ”.اهـ).
بَابُ التَّبَرُّزِ فِي الْبُيُوتِ
148 – حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ».
الشَّرْحُ
بَابُ التَّبَرُّزِ فِي الْبُيُوتِ (عَقَّبَ البُخَارِيُّ بِهَذَا البَابِ لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ خُرُوجَ النِّسَاءِ لِلْبَرَازِ لَمْ يَسْتَمِرَّ، بَلِ اتُّخِذَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَخْلِيَةُ فِي الْبُيُوتِ). حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ».
بَابٌ
149 – حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: «لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ».
- سَبَقَ شَرْحُ هَذَا الحَدِيثِ.
بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ
150 – حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ، وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ، مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ». يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ.
الشَّرْحُ
بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ (هُوَ إِزَالَةُ الخَبَثِ، وَهُوَ الأَذَى عَنِ المَخْرَجَينِ بِالحَجَرِ، أَوْ بِالمَاءِ، وَهُوَ المَذْكُورُ هُنَا، وَأَصْلُهُ: الإِزَالَةُ، وَالذَّهَابُ إِلَى النَّجْوَةِ: وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الأَرْضِ، كَانَوا يَسْتَتِرُونَ بِهَا إِذَا قَعَدُوا لِلتَّخَلِّي). حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ، وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ (ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: “مِنَّا” أَيْ: مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوِي أَيْ مُقَارِبٌ لِي فِي السِّنِّ)، مَعَنَا إِدَاوَةٌ (هِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ: إِنَاءٌ صَغِيرٌ مِنْ جِلْدٍ) مِنْ مَاءٍ» (أَيْ: مَمْلُوءَةٌ مِنْ مَاءٍ). يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ (قَائِلُ هَذِهِ العِبَارَةِ: “يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ”: هُوَ شَيْخُ البُخَارِيِّ الرَّاوِي أَبُو الوَلِيدِ هشام ابنُ عَبْدِ المَلِكِ، وَالمَعْنَى أَنَّ هِشَامًا يُخْبِرُ أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: “مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ”، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ المَاءَ يَسْتَنْجِي بِهِ)
(يُنَبِّهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ بِهَذَا التَّرتِيبِ لِهَذَا البَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ الإِنْسَانُ بِالمَاءِ، وَيُنَبِّهُ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَيْسَ فِي هَذَا إِضَاعَةٌ لِلْمَالِ، وَإِنْ كَانَ يَجِدُ الأَحْجَارَ، فَقَصَدَ البُخَارِيُّ الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا تَسْتَنْجِ بِالمَاءِ، وَعَلَى نَفْيِ وُقُوعِهِ عَنِ الشَّارِعِ ﷺ)
(قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ كُلِّ رَطْبٍ خَارِجٍ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ غَيْرَ الْمَنِيِّ بِالْمَاءِ إِلَى أَنْ يَطْهُرَ الْمَحَلُّ أَوْ بِمَسْحِهِ ثَلاثَ مَسَحَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ إِلَى أَنْ يَنْقَى الْمَحَلُّ وَإِنْ بَقِيَ الأَثَرُ بِقَالِعٍ طَاهِرٍ جَامِدٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ وَقَبْلَ جَفَافٍ فَإِنِ انْتَقَلَ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِيهِ أَوْ جَفَّ وَجَبَ الْمَاءُ).
سُؤَالٌ فِقهِيٌّ:
مَا حُكمُ الأُضحِيَةِ؟ وَهَل يَجُوزُ أَنْ أُضَحِّيَ عَنِ المَيِّتِ؟
الجَوَابُ:
الأُضْحِيَّةَ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَهِيَ مَا ذُبِحَ مِنَ النَّعَمِ تَقَرُّبًا إِلَى الله يَوْم الْعِيد إِلَى ءاخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ، فَلَا تَحصُلُ سُنَّةُ الأُضحِيَةِ بِدَجَاجَةٍ. وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْلُه تَعَالَى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ من شَعَائِر اللهِ} الْآيَةَ، وَقَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} أَيْ صَلِّ العِيدَ وَانْحَرِ النُّسُكَ، وَغيْرُ ذَلِكَ. وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكّدَةٌ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَالأَكْثَرِيْنَ إِنْ لَم تَكُنْ مَنْذُورَةً. وَذَهَبَ مَالِكٌ رَحمَهُ اللهُ إِلَى وُجُوبِهَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُقِيْمِ بِالبَلَدِ الَّذِي يَمْلِكُ النِّصَابَ كَمائَتَيْ دِرهَمٍ فِضَّةً.
اختَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي التَّضحِيَةِ عَنِ المَيِّتِ المُسلِمِ بِغَيرِ وَصِيَّةٍ مِنهُ:
- فَذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ إِلى أَنَّهُ لَو ضَحَّى عَنِ المَيِّتِ بِغَيرِ أَمرِهِ قَبلَ مَوتِهِ لَم يُجزِئْ وَهُوَ المُختَارُ كَمَا قَالَ الزَّينُ ابنُ نُجَيمٍ،
➢وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَجُوزُ.
- وَأَمَّا المَروِيُّ عَن الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن كَرَاهَتِهِ التَّضحِيَةَ عَنِ المَيِّتِ فَقَدَ عَلَّلَهُ هُوَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِأَنَّهُ يَخشَى الرِّيَاءَ وَالمُبَاهَاةَ، كَمَا نَقَلَهُ حَامِلُو مَذهَبِهِ. وَهَذَا إِذا لَم يُوصِ بِهَا المَيِّتُ.
- وَقَد نَصَّ أَبُو الحَسَنِ العَبَّادِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ على جَوَازِ التَّضحِيَةِ عَنِ المَيتِ سَوَاءٌ أَوصَى بِهَا أَمْ لَمْ يُوصِ، لِأَنَّهَا نَوعٌ مِنَ الصَّدَقَةِ. وَقَد قَالَ النَّوَوِيُّ فِي المَجمُوعِ وَابنُ المُلَقِّنِ في عُجَالَةِ المُحتَاجِ وَالكَمَالُ الدَّمِيرِيُّ في النَّجمِ الوَهَّاجِ: وَالصَّدَقَةُ تَصِحُّ عَنِ المَيتِ وَتَنفَعُهُ وَتَصِلُ إِليهِ بِالإِجمَاعِ.
➢وَذَهَبَ بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ كَالبَغَوِيِّ إِلى تَعلِيقِ صِحَّةِ التَّضحِيَةِ عَنِ المَيِّتِ عَلى أَن يُوصِيَ بِهَا قَبلَ مَوتِهِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الرَّافِعِيُّ في المُجَرَّدِ.
دعاء ختامي:
اللهم صَلِّ وَسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَجُد عَلَينَا بِأَوفَى الحُظُوظِ مِن رِضوَانِكَ، وَارزُقنَا مِن خَشيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَينَنَا وَبَينَ عِصيَانِكَ، وَاجعَل لَنَا نَصِيبًا مِن جُودِكَ وَامتِنَانِكَ، وَلَا تَقطَعنَا مَا عَوَّدتَنَا مِن جَزِيلِ إِحسَانِكَ.
اللهم صَلِّ وَسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَوَفِّقنَا اللهم لِلصَّالِحَاتِ قَبلَ المَمَاتِ، وَأَرشِدنَا إِلَى استِدرَاكِ الهَفَوَاتِ قَبلَ الفَوَاتِ، وَأَلهِمنَا أَخذَ العُدَّةِ لِلوَفَاةِ قَبلَ المُوَافَاةِ، وَنَجِّنَا يَومَ العُبُورِ عَلَى الصِّرَاطِ حِينَ تَنسَكِبُ العَبَرَاتُ، وَارحَمنَا إِذَا رَحَلنَا عَن أَهلِ الحَياةِ إِلَى أَهلِ المَمَاتِ، وَنَازَلَتنَا فِي أَلحَادِنَا طوَارِقُ المُلِمَّاتِ، وَاعتَوَرَتنَا عَجَائِبُ الصِّفَاتِ فِي الكِفَاتِ، وَأَجزِل لَنَا جَزِيلَ الصِّلَاتِ عَلَى مَرفُوعِ الصَّلَوَاتِ، وَأَثِبنَا بِقَبُولِ أَعْمَالِنَا وأدخلنا فسيح الجنات، وَلَا تَخذُلنَا يَومَ انتِقَاصِ الذَّوَاتِ، إِذَا نَادَى بَينَ الأَعضَاءِ مُنادِي الشَّتَاتِ، وَاستَجِب مِنَّا صَالِحَ الدَّعَوَاتِ، وَامحُ عَنَّا خَطَأَ الخَطَوَاتِ إِلَى الخَطِيئَاتِ، وَهَب لَنَا فِي الدُّنيَا لَذَّةَ المُنَاجَاةِ، وَفِي الآخِرَةِ سُرُورَ النَّجَاةِ، وَبَلِّغنَا مَا لَم تَبلُغهُ آمَالُنَا مِنَ الخَيرَاتِ، إِذَا نَادَى المُنَادِي فِي الفَرِيقَينِ فقَطَعَ طَمَعَ أَهلِ الزَّلَّاتِ، ﴿أَم حَسِبَ الَّذِينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
اللهم اجعَل مُعتَمَدَنَا عَلَيكَ، وَحَوَائِجَنَا إِلَيكَ، وَتَضَرُّعَنَا لَدَيكَ، وَشَكوَانَا إِلَيكَ. اللهم أَصلِحنَا وَادفَع عَنَّا شَيَاطِينَنَا، وَاغفِر بِرَحمَتِك ذُنُوبَنَا، ونَوِّر بِفَضلِكَ قُلُوبَنَا، وَاصرِف عَنَّا شِرَارَنَا، وَاقضِ بفَضلِكَ دُيُونَنَا، وَاجمَع عَلَى الهُدَى شُؤُونَنَا، وَارحَم أَموَاتَنَا، وَوَسِّع أَرزَاقَنَا، وَطَهِّر أَخلَاقَنَا.
اللهم لَا تَدَع لَنَا ذَنبًا إِلَّا غَفَرتَهُ، وَلَا دَينًا إِلَّا قَضَيتَه، وَلَا مَيِّتًا مِنَ المُسلِمِينَ إِلَّا رَحِمتَهُ، وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجتَهُ، وَلَا بَلَاءً إِلَّا كَشَفتَهُ، وَلَا عَيبًا إِلَّا سَتَرتَهُ، وَلَا سَائِلًا إِلَّا أَعطَيتَهُ، وَلَا طَالِبًا لِلخَيرِ إِلَّا أَفَدتَهُ، وَلَا عَالِمًا إِلَّا عَصَمتَهُ، وَلَا حَاسِدًا إِلَّا دَحَرتَهُ، وَلَا غَائِبًا إِلَّا رَدَدتَهُ، وَلَا مَرِيضًا إِلَّا شَفَيتَهُ، وَلَا مُحتَاجًا إِلَّا كَفَيتَهُ، وَلَا دَاعِيًا إِلَّا أَجَبتَهُ، وَلَا جَاهِلًا إلَّا هَدَيتَهُ، وَلَا عَدُوًّا إِلَّا حَصَرتَهُ، وَلَا طَرِيقًا إِلَّا أَمَّنتَهُ، وَلَا مُجتَهِدًا فِي الخَيرِ إلَّا أَعَنتَهُ، وَلَا ظَالِمًا إِلَّا رَدَّيتَهُ، وَلَا عَاصِيًا إِلَّا أَصلَحتَهُ، وَلَا طَائِعًا إِلَّا ثَبَّتَهُ، وَلَا غَافِلًا إِلَّا نَبَّهتَهُ.
اللهم وَاخصُص بِبَرَكَةِ دُعَائِنَا الوَالِدِينَ وَالمَولُودِينَ، وَالحَاضِرِينَ وَالغَائِبِينَ، وَمَا سَأَلنَاكَ مِن خَيرٍ فَأَعطِنَا، وَمَا قَصُرَت عَنهُ أَعمَالُنَا وَآمَالُنَا مِنَ الخَيرَاتِ فَبَلِّغنَا بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللهم فرج عن إخواننا في فلسطين وأمدهم بمدد من عندك وأفرغ عليهم صبرا واكسُ عاريهم وأطعم جائعهم، يا رب في هذه الليلة المباركة نسألك أن تفرج عن إخواننا في رفح وفلسطين، وفرج عنهم وعليك بعدوهم عدو الدين، اللهم أرنا الأقصى محررا وارزقنا فيه صلاة فاتحين.
﴿سُبحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى المُرسَلِينَ * وَالحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.