بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
ما هو الاستنجاء؟
الِاسْتِنْجَاءُ إِزَالَةُ النَّجَسِ مِن مَحَلِّ البَولِ وَالغَائِطِ، وهُوَ مَنْ قَوْلِكَ نَجَوْتُ الشَّىْءَ إِذَا قَطَعْتَهُ فَكَأَنَّ الْمُسْتَنْجِىَ يَقْطَعُ بِهِ الأَذَى عَنْ نَفْسِهِ.
وَأَوْجَبُ مَا يُوجِبُ الِاسْتِنْجَاءَ وَأَشَدُّهُ الْبَوْلُ لِأَنَّ التَّضَمُّخَ بِالْبَوْلِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَهُوَ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِعَذَابِ الْقَبْرِ.
مِمَّ يجب الاستنجاء؟
- يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ كُلِّ رَطْبٍ خَارِجٍ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ غَيْرَ الْمَنِيِّ كالبَولِ وَالْغَائِطِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مُلَوِّثٍ خَارِجٍ مِنَ الْفَرْجِ.
- فَمَا كَانَ خَارِجًا مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ وَكَانَ رَطْبًا بِحَيْثُ لَوَّثَ الْمَخْرَجَ وَجَبَ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ إِنْ كَانَ مُعْتَادًا أَوْ غَيْرَهُ كَالدَّمِ.
- وَلا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنَ الْخَارِجِ الْجَامِدِ كَالْحَصَى الْخَارِجِ بِلا بَلَلٍ
- ولا يجب الاستنجاء من الريح أيضًا لِأَنَّهُمَا لَا يُلَوِّثَانِ.
- ولا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ المَنِيِّ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَكِنَّهُ يُسَنُّ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلافِ الأَئِمَّةِ الْقَائِلِينَ بِنَجَاسَتِهِ.
بماذا يجب الاستنجاء؟
- يَجِبُ الاستِنجَاء بِالْمَاءِ أَي بِصَبِّ المَاءِ عَلَى المَحَلِّ إِلَى أَنْ يَطْهُرَ الْمَحَلُّ.
- أَوْ بِمَسْحِهِ ثَلاثَ مَسَحَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ إِلَى أَنْ يَنْقَى الْمَحَلُّ وَإِنْ بَقِيَ الأَثَرُ بِحَجَرٍ أَو نَحوِهِ مِمَّا يَتَوَفَّرُ فِيهِ شُرُوطُ المَسحِ الَّتِي سَتَأتِي.
إِنْ كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ بِحَجَرٍ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنِ الأَثَرِ الَّذِي يَبْقَى وَهُوَ الَّذِي لا يُزِيلُهُ إِلَّا الْمَاءُ أَوْ صِغَارُ الْخَزَفِ أَيِ الْفَخَّارِ حتى إِذَا عَرِقَ الْمَحَلُّ فَأَصَابَ مَا يَلِيهِ مِنَ الثَّوْبِ عُفِيَ عَنْهُ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَكْثُرُ الِابْتِلاءُ بِهِ وَلا سِيَّمَا فِي الْبِلادِ الْحَارَّةِ.
والْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْتَنْجِي الْمَاءُ فَقَطْ أَوِ الْحَجَرُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَالأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَوَّلًا بِالأَحْجَارِ ثُمَّ يُتْبِعَهَا ثَانِيًا بِالْمَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ الْمُسْتَنْجِي عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، فَإِذَا أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ يُزِيلُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ وَأَثَرَهَا.
الشروط المطلوبة لإجزاء المسح
- يَكُونُ المَسحُ بِشَيءٍ قَالِعٍ طَاهِرٍ جَامِدٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ.
- فَلا يُجْزِئُ أَيْ لا يَكْفِي غَيْرُ الْقَالِعِ لِكَونِهِ أَملَسَ كَالزُّجَاجِ أَوِ الْقَصَبِ أَوْ لِغَيْرِ الْمَلاسَةِ كَالتُّرَابِ الْمُتَنَاثِرِ.
- وَلا يَكْفِي الْجَامِدُ النَّجِسُ أَوِ الْمُتَنَجِّسُ.
- وَلا يَكفِي الرَّطْبُ كَالْجِلْدِ الرَّطْبِ وَلا مَا عَلَيْهِ رُطُوبَةٌ وَلَوْ خِرْقَةً مَبْلُولَةً بِالْمَاءِ فَإِنْ كَانَتْ جَافَّةً فَهِيَ مِثْلُ الْحَجَرِ فَيَكْفِي الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا.
- وَلا يَكْفِي أَيْضًا لِلِاسْتِنْجَاءِ الْقَالِعُ الْمُحْتَرَمُ كَوَرَقَةِ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ بَلْ مَنِ اسْتَنْجَى بِهَا عَالِمًا بِمَا فِيهَا كَفَرَ.
- وَمِنَ الْمُحْتَرَمِ مَطْعُومُ الآدَمِيِّ كَالْخُبْزِ.
- ثُمَّ إِنَّمَا يَكْفِي الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ إِذَا لَمْ يَنْتَقِلِ الْخَارِجُ عَنِ الْمَخْرَجِ إِلَى غَيْرِهِ أَيْ لَمْ يُجَاوِزِ الْحَشَفَةَ وَالصَّفْحَتَيْنِ أَيْ مَا يَنْضَمُّ مِنَ الأَلْيَتَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ.
- وَيُشْتَرَطُ لِكِفَايَةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ لِلنِّسَاءِ أَنْ لا يَصِلَ الْبَوْلُ إِلَى مَدْخَلِ الذَّكَرِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْمَاءُ.
- وَيَكْفِي الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ مِنَ الْغَائِطِ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَخْرَجِ شَعَرٌ.
- وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ قَبْلَ الْجَفَافِ وَلا يَمْنَعُ اخْتِلاطُ الْعَرَقِ بِالْخَارِجِ مِنْ إِجْزَاءِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ.
- وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ مِنَ الْغَائِطِ مِنْ أَنْ يَأْخُذُوا بِالْكَفِّ الْيُسْرَى مَاءً ثُمَّ يَدْلُكُوا بِهِ الْمَخْرَجَ فَذَلِكَ قَبِيحٌ غَيْرُ كَافٍ.
كيفية الاستنجاء
يَحصُلُ الِاسْتِنْجَاءِ بأَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْمَخْرَجِ مَعَ سَكْبِ الْمَاءِ وَيَدْلُكَ الْمَخْرَجَ إِلَى أَنْ يَذْهَبَ الْخَارِجُ (عَيْنُهُ وَأَثَرُهُ) وَيَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي زَوَالِهِ.
فَإِنْ مَسَحَ بِحَجَرٍ أَوْ نَحْوِهِ وَجَبَ أَنْ يَمْسَحَ ثَلاثَ مَسَحَاتٍ على الأقل، فَلَا يَمسَحُ أَقَلَّ مِن ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ وَلَو حَصَلَ نَقَاءُ المَحَلِّ، إِمَّا بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ وَإِمَّا بِحَجَرٍ وَاحِدٍ لَهُ ثَلاثَةُ أَطْرَافٍ، فَإِن لَم يَنقَ المَحَلُّ بِثَلَاثِ مَسَحَاتٍ يَزِيدُ إِلَى أَنْ يُنْقِيَ الْمَحَلَّ، فَإِنْ أَنْقَى بِوِتْرٍ فَذَاكَ وَإِلَّا سُنَّ زِيَادَةُ وَاحِدَةٍ تَحْصِيلًا لِلإِيتَارِ الْمَسْنُونِ.
وَفِي حُكْمِ الْحَجَرِ كُلُّ شَىْءٍ قَالِعٍ طَاهِرٍ جَامِدٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ كالمناديل والخِرَقِ مثلا والورق الأبيض ونحو ذلك مما مر شروطه.
الاستبراء
الِاسْتِبْرَاءُ وَهُوَ إِخْرَاجُ بَقِيَّةِ الْبَوْلِ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ بِتَنَحْنُحٍ أَوْ نَحْوِهِ يَكُونُ وَاجِبًا فِي حَالٍ وَسُنَّةً فِي حَالٍ، يَكُونُ وَاجِبًا إِذَا كَانَ يَخْشَى مِنْ تَرْكِهِ تَلْوِيثَ نَفْسِهِ بِالْبَوْلِ وَيَكُونُ سُنَّةً إِذَا كَانَ لا يَخْشَى مِنْ تَرْكِهِ تَلْوِيثَ نَفْسِهِ بِالْبَوْلِ.
من ءاداب قضاء الحاجة
- يَجْتَنِبُ وُجُوبًا اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَهِىَ الْكَعْبَةُ وَاسْتِدْبَارَهَا أَثنَاءَ البَولِ أَوِ الغَائِطِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ سَاتِرٌ. وَشَرطُ السَّاتِرِ:
- أَن يَبْلُغْ طُولُهُ ثُلُثَىْ ذِرَاعٍ فَأَكثَرَ.
- وَأَن لَا يَبعُدَ عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ الآدَمِىِّ.
- وَأَن يَكُونَ عَرْضُهُ بِقَدْرِ الْفَرْجِ أَو أَكثَرَ. وقال بعض العلماء يُشْترَطُ أن يكونَ عرضُهُ بحيثُ يستُرُ العورةَ جـميعها سواء كان قائِمًا أم قاعدًا.
- وَهَذَا سَوَاءٌ كَانَ فِي الْبُنْيَانِ أَو غَيرِهِ، إِلَّا إِذَا كان في بِنَاءٍ مُعَدٍّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَلا حُرْمَةَ فِيهِ وَلا كَرَاهَةَ مُطْلَقًا وُجِدَ سَاتِرٌ أَوْ لا.
- ويَجْتَنِبُ أَدَبًا أَن يَبُولَ أَو يَتَغَوَّطَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، أَمَّا الْجَارِى فَيُكْرَهُ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ دُونَ الْكَثِيرِ لَكِنِ الأَوْلَى اجْتِنَابُهُ.
- ويَجْتَنِبُ أَيْضًا أَن يَبُولَ أَو يَتَغَوَّطَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ وَقْتَ الثَّمَرَةِ وَغَيْرَهُ.
- ويَجْتَنِبُ أَن يَبُولَ أَو يَتَغَوَّطَ فِى الطَّرِيقِ الْمَسْلُوكِ لِلنَّاسِ.
- ويَجْتَنِبُ أَن يَبُولَ أَو يَتَغَوَّطَ فِى مَوْضِعِ الظِّلِّ صَيْفًا لِأَنَّ النَّاسَ يَجلِسُونَ فِيهِ في الصَّيفِ لِيَبتَعِدُوا عَنِ الحَرِّ، وَفِى مَوْضِعِ الشَّمْسِ شِتَاءً لِأَنَّ النَّاسَ يَجلِسُونَ فِيهِ فِي الشِّتَاءِ لِيَنَالَهُم شَيءٌ مِنَ الدِفءِ.
- ويجتنب الكلام أَدَبًا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حال خروج الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، فَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إِلَى الْكَلامِ كَمَنْ رَأَى حَيَّةً تَقْصِدُ إِنْسَانًا لَمْ يُكْرَهِ الْكَلامُ لِتَحذِيرِهِ حِينَئِذٍ.
- وَلا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَلا يَسْتَدْبِرُهُمَا، أَىْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ حَالَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ.