بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِيْنَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٌ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
قال الله تعالى
وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
سورة الروم
من الآدابِ التي سَنَّهَا رسولُ الله ﷺ
النومُ على طهارة
فعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهما قال: قال لِي رَسُولُ الله ﷺ
إِذَا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأيْمَنِ، وَقُل: اللَّهمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمْرِي إِلَيْكَ، وَألْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ، ءامَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ” قال: “فإنْ مُتَّ مِن لَيْلَتِكَ فأنْتَ علَى الفِطْرَةِ، واجْعَلْهُنَّ ءاخِرَ ما تَتَكَلَّمُ بهِ
متفق عليه
وفي هذا الحَديثِ بيانٌ لآدابِ النومِ وما يُقالُ عِندَ الاضطجاعِ.
وقولُه ﷺ: “إِذَا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ” أي: إذا أردْتَ أنْ تَذهَبَ إلى فِراشِ نَومِك، فتَوضَّأْ قبْلَ أنْ تَذهَبَ إلى الفِراشِ وُضوءًا كاملًا، كما لو كُنتَ تَتوضَّأُ للصَّلاةِ.
“ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأيْمَنِ” أي ثمَّ اضطجِعْ على جانبِك الأيمنِ؛ لأنَّه أدْعى إلى النَّشاطِ والاكتِفاءِ بالقَليلِ مِنَ النَّومِ، وأعْونُ على الاستيقاظِ في ءاخِرِ اللَّيل، وأنفَعُ للقلْبِ.
“وَقُل: اللَّهمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ” أي أسْلَمْتُ رُوحي عندَ نَومي وأَودَعتُها لك يا الله.
“وَفَوَّضْتُ أمْرِي إِلَيْكَ وَألْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ” أي تَوكَّلتُ عليك في جَميعِ أُموري، راجيًا أنْ تَكفِيَني مِن كلِّ سُوءٍ وتحفظَنِي.
“رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ” أي: طَمَعًا في رَحمتِك، وخَوفًا منك ومِن عِقابِك؛ فإنَّه لا مَفرَّ منك إلَّا إليك، ولا مَلاذَ مِن عُقوبتِك إلَّا بالالتِجاءِ إلى عَفْوِك ومَغفرتِك يا أرحمَ الرَّاحِمينَ.
“ءامَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ” وهو القرءانُ الكريمُ.
“وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ” أي وءامنْتُ بنَبيِّك الذي أرسَلتَ وهو مُحمَّدٌ ﷺ.
ثمَّ أخبَرَ النبيُّ ﷺ عن جَزاءِ مَن فَعَلَ ذلك فقال: “فإنْ مُتَّ مِن لَيْلَتِكَ فأنْتَ علَى الفِطْرَةِ، واجْعَلْهُنَّ ءاخِرَ ما تَتَكَلَّمُ بهِ“.
قراءة الإخلاص والمعوذتين
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ، جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. أخرجه البخاري.
قراءة ءاية الكرسي
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ له: “إِذَا أَوَيتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقرَأ ءَايَةَ الكُرسِيِّ، فَإِنَّكَ لَن يَزَالَ عَلَيكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقرُبُكَ شَيطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ” رواه البخاري.
وكان النَّبيُّ ﷺ مُعَلِّمًا ومُرَبِّيًا لأصْحابِه، فكان يُعلِّمُهم ما يَنفَعُهم في دُنْياهُم وءاخِرَتِهم، وكان يُعلِّمُهمُ الأذْكارَ الجامِعةَ الَّتي يُعْطِي اللهُ عليها الثَّوابَ العَظيمَ، وتكونُ لهم عِوَضًا عن شدَّةِ العَيشِ في الدُّنْيا.
وفي الحَديثِ: أنَّ مَن واظَبَ على هذا الذِّكرِ عندَ النَّومِ، لم يُصِبْه إعْياءٌ؛ لأنَّ فاطمةَ رَضيَ اللهُ عنها شَكَتِ التَّعبَ مِن العَملِ، فأحالَها ﷺ على ذلك.
تذكر نعم الله وشكره عليها
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ عدَّ وذَكَرَ بعضَ نِعَمِ اللهِ وحَمِدَه عليها، مِثلِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فيقولُ: “الحَمْدُ لله الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَءاوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ” أخرجه مسلم.
أي: الحمدُ للهِ الَّذي رزَقَنا أنواعَ الطعامِ وأنواعَ الشَّرابِ، وكَفانا ودفَعَ عنَّا شَرَّ كلِّ ذِي شَرٍّ، وءاوانا فجَعَلَ لنا مَأوًى نَأوي إليه، وسَكنًا نَسكُنُ فيه يَقِينا الحَرَّ والبَردَ، ونَحفَظُ فيه مَتاعَنا، ويَستُرُنا عن النَّاسِ.
ثُمَّ قال: “فَكَمْ مِمَّنْ لا كافِيَ له ولا مُؤوِيَ” أي: فكمْ مِن أُناسٍ زادتْ هُمومُهم وكَثُرَت حاجاتُهم، وتَغلَّبَ عليهم أعداؤهُم، وكمْ مِن أُناسٍ ليْس لهم مَأوًى، بلْ يَعِيشون في الطُّرُقاتِ ونحْوِها فيَتأذَّوْنَ بالحَرِّ والبرْدِ.
وفي الحديثِ: أنَّ الإنْسانَ إذا أُنْعِمَ عليه بنِعمَةٍ كان من أَحْسَنِ الأشياءِ له أنْ يَذْكُرَ مَنْ حُرِمَ تلك النِّعمةَ فيَشكُرَ المنعِمَ عليها، وهذا أجْدَرُ ألَّا يَزدرِيَ نِعمةَ اللهِ عليه.
وضع الكف تحت الخد عند النوم
عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا نَامَ وَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ وَقَالَ: “اللَّهمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ” أخرجه أحمد.
وَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضيَ اللهُ عَنهُ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ، وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: “اللَّهمَّ بِاسْمِكَ أمُوتُ وَأحْيَا” أخرجه البخاري.
غسل اليدين
مما سَنَّه لنا رسولُ الله ﷺ: غَسلُ اليد مِنَ الدَّسَم قبلَ النوم: فعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: “مَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَىءٌ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ” أخرجه أبو داود والترمذي.
نفض الفراش
ومن السُّنَّةِ أيضًا: نَفْضُ الفراشِ ثلاثا: فعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قالَ: “إِذَا جَاءَ أحَدُكُمْ فِرَاشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ -أي طَرَفِهِ- ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أرْفَعُهُ، إِنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ” متفق عليه.
في هذا الحديثِ يُعَلِّمُنا النَّبيُّ ﷺ أَدَبًا مِن آدابِ ما قبْلَ النَّومِ، وهو مِن صِيانةِ الشَّريعةِ للمسلمِ في بَدَنِه؛ فإذا أرادَ المسلِمُ أنْ يَنامَ على فِراشِه، فلينَفُضْه، ثُمَّ بيَّن سَببَ النَّفْضِ بأنَّه لا يَدرِي ما جاء بعْدَه في الفِراشِ، كقَذَرٍ أو هَوَامَّ، خاصَّةً وأنَّ البُيوتَ قَدِيمًا كانت مُظلِمةً، ولم يَكُنْ فيها الْمَصابيحُ لِيَرَوْا ما بالفِراشِ، وأيضًا لم يَكُنِ البَيتُ مُحكَمَ الغَلْقِ ضِدَّ الآفاتِ والحشرات وغَيرِها؛ فأمَرَ بنَفْضِ الفِراشِ بداخِلةِ الإزارِ لِئلَّا تُؤذِيَه الهَوامُّ. ثمَّ بعْدَ أنْ يُنظِّفَ الفِراشَ يَدْعو بهذا الدُّعاءِ؛ يقولُ: “باسْمِك ربِّي وضَعْتُ جَنْبي، وبِكَ أَرْفَعُه” أي: أنت أعطيتني القدرة على النوم والاستيقاظ.
وقوله: “إنْ أَمسَكْتَ نَفْسي فَاغْفِرْ لَهَا” أي إن قَبَضْتَ رُوحي في مَنامِي، فاجْعَلْني في رَحْمتِك ومَغفِرتِك، “وَإِنْ أرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ” أي وإن لم تَقْضِ عليْها الموتَ وقامتْ مِن مَنامِها لِمَعاشِها، فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ به عِبادَك الصَّالحين، بأنْ تَجعَلَني مِن أهلِ الطَّاعةِ والصَّلاحِ، ومِن أهمِّ أنواعِ حِفظِ نَفْسِ المؤمِنِ الصَّالِحِ: عِصْمَتُها عن المعاصِي والذُّنوبِ، وهذا مِنِ اتِّخاذِ الأسْبابِ المادِّيَّةِ والشَّرعيَّةِ لحِمايةِ النَّفْسِ مِن مَخاطِرِ المخلوقاتِ وغَيرِها حِينَ نَومِه وغَفْلتِه عمَّا هو حَولَه، فيَكونُ في رِعايةِ اللهِ تعالى.
النوم باكرا بعد العشاء
النومُ باكرًا بعدَ العشاءِ مُستَحَبٌّ، فعنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ، وَيَقُومُ ءاخِرَهُ، فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ المؤَذِّنُ وَثَبَ؛ فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وَإِلا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ. متفق عليه.
الوضوء وغسل الفرج حال الجنابة
وعنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أرَادَ أنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأ لِلصَّلاةِ. أخرجه البخاري.
وَلَيسَ مَعنَى فِعلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ هَذَا يُجزِئُ عَن غُسلِ الجَنَابَةِ وَيَرفَعُ الحَدَثَ، لَا، بَل هَذَا الفِعلُ فعله النبي ﷺ لِتَخفِيفِ حَدَثِ الجَنَابَةِ، فَبَعَد أَن يَستَيقِظَ وَجَبَ عَلَيهِ أَن يَغتَسِلَ لِيُصَلِّيَ.
فَمَعنَى (وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ): أَي وُضُوءًا شَرعِيًّا كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، لَا أَنَّ المُرادَ لِيُصَلِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَمتَنِعُ قَبلَ الغُسلِ.
تقسيم الليل بين راحة وقيام
عَنْ عَبْدِالله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهُ: “أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللهِ صَلاَةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْما وَيُفْطِرُ يَوْما” متفق عليه.
أذكار قبل النوم هي خير لك من خادم
ورد عن عَلِي بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ فاطمةَ رَضيَ اللهُ عنها شَكَت ما تَجِدُه في يَدِها مِن أثَرِ الرَّحى، أي ممَّا تَطحَنُ.
الرَّحى: حَجَرانِ كَبيرانِ يَنطَبِقانِ فوقَ بعضِهما، وفي وَسَطِهما مِحْورٌ يَدَوِيٌّ يَدورُ حولَه الحَجرُ الأعْلى ليَطحَنَ الحُبوبَ.
فذهبت فاطمةُ رَضيَ اللهُ عنها إلى النبي ﷺ تَسألُه خادِمًا ليَقومَ مَكانَها بأعْمالِ الطَّحنِ، ولكنَّها لم تَجِدِ النَّبيَّ ﷺ في بَيتِه، ووجَدَتْ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها، فأخبَرَتْها بذلك، فلمَّا جاء ﷺ أخبَرَتْه عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها بمَجيءِ فاطمةَ رَضيَ اللهُ عنها إليه لتَسألَه خادمًا، قال علِيٌّ رَضيَ اللهُ عنه: فجاء النَّبيُّ ﷺ إلينا وقد أخَذْنا مَضاجِعَنا، أي: تَهيَّئْنا للنَّومِ، فذهَبْتُ لِأقومَ، فقال ﷺ: “عَلَى مَكَانِكُمَا” أي: الْزَما مَكانَكما، فقَعَد بيْنَنا حتَّى وجَدْتُ بَرْدَ قَدمَيْه على صَدْري، وقال: “ألا أعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَألْتُمَانِي” أي مِن إعْطائِكمُ الخادِمَ “إِذَا أخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا” وهي الأماكنُ المعدَّةُ للنَّومِ مِن اللَّيلِ، “تُكَبِّرَا أرْبَعا وَثَلاثِينَ وَتُسَبِّحَا ثَلاثا وَثَلاثِينَ وَتَحْمَدَا ثَلاثا وَثَلاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ” متفق عليه.
ماذا أقول إذا أصابني أرق في الليل؟
ورَدَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن النبيَ ﷺ أَرشَدَ أُمَّتَه إلى دُعاءٍ جامعٍ نافعٍ يَقولُه المؤمنُ إذا تعَارَّ مِن اللَّيلِ، أي: استيقَظَ وَهَبَّ مِن نَومِه وتَقلَّبَ على الفِراشِ لَيلًا ولم يستطع النوم، فقال ﷺ: “مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لله، وَسُبْحَانَ الله، وَلَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِالله، ثُمَّ قَالَ: اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ” رواه البخاري.
فإذا أصابَ الإنسانَ أرَقٌ وقلَقٌ أثناءَ نَومِه، ولم يَستطِعْ أنْ يَنامَ فَهَبَّ واستيقَظَ، فعليه بِقَولَ هذا الوِردِ الذي علمنا إياه رسولُ الله ﷺ؛ فإِنْ طَلَبَ مِن اللهِ المغفرةَ، أو دَعا بحاجتِه؛ فإنَّ اللهَ سُبحانَه يَستجيبُ له دُعاءَه، فإذا تَوضَّأَ وصلَّى قَبِلَ اللهُ صَلاتَه، وهو تعالَى لا يُخلِفُ الميعادَ، وهو الكريمُ الوهَّابُ؛ فيَنْبغي لكلِّ مُؤمنٍ بلَغَه هذا الحديثُ أنْ يَغتنِمَ العملَ به، ويُخلِصَ نِيَّتَه لربِّه العظيمِ أنْ يَرزُقَه حَظًّا مِن قِيامِ اللَّيلِ.
إغلاق الأبواب وتغطية الأواني وإطفاء المصابيح عند النوم
منَ السننِ لمن أَرَادَ النومَ ما ورد عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: “إذا كانَ جُنْحُ اللَّيْلِ -أوْ قال: أمْسَيْتُمْ- فَكُفُّوا صِبْيانَكُمْ؛ فإنَّ الشَّياطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فإذا ذَهَبَ ساعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، فأغْلِقُوا الأبْوابَ، واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَفْتَحُ بابًا مُغْلَقًا، وأَوْكُوا قِرَبَكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وخَمِّرُوا ءانِيَتَكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، ولو أنْ تَعْرُضُوا عليها شَيئًا، وأَطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ” متفق عليه.
علَّم رَسولُ اللهِ ﷺ أُمَّتَه كيف يَتجنَّبون أذى الشَّيطانِ، فجاءتِ النَّصائحُ النَّبويةُ لتكونَ بمَنزلةِ قَوانينِ السَّلامةِ للمُحافَظةِ على مَصالحِ المسلمينَ، كما أخبر النبيُّ ﷺ في هذا الحديثِ فقال: “إذا كان جُنحُ اللَّيلِ” أو قال: “أمسَيْتُم“، والمعنى: إذا دخَلْتُم في المساءِ، وجُنْحُ اللَّيلِ: أوَّلُ ظلامِه.
“فكُفُّوا صِبيانَكم” أي امنَعوهم مِنَ الانتشارِ ومِن الخروجِ من البُيوتِ في ذلك الوقتِ؛ لأنَّ هذا وقتُ انتشارِ الشَّياطينِ، تذهَبُ وتجيءُ مِن بدايةِ مَغِيبِ الشَّمسِ إلى مُضِيِّ وَقتٍ مِن اللَّيلِ بعد ذلك اترُكوهم، فقد خَشِيَ النبيُّ ﷺ على الصِّبيانِ عند انتشارِ الجِنِّ والشَّياطينِ أن تُلِمَّ بهم فتؤذِيَهم؛ فإنَّ الشيطانَ قد أعطاه اللهُ قوةً على هذا.
والحِكمةُ في انتشارِهم حينئذٍ أنَّ حرَكتَهم في اللَّيلِ أمكَنُ منها لهم في النَّهارِ؛ لأنَّ الظَّلامَ أجمعُ للقُوى الشَّيطانيَّةِ من غيرِه، وكذلك كلُّ سوادٍ، ويقالُ: إنَّ الشياطينَ تستعينُ بالظُّلْمةِ، وتَكرَهُ النُّورَ.
وكذلك أمَر النبيُّ ﷺ بإغلاقِ الأبوابِ، وذِكرِ اسمِ الله عند إغلاقِها؛ لأنَّ الشَّيطانَ لا يَفتَحُ بابًا مُغلقًا؛ فإنَّ اللهَ لم يُعطِهِ القوَّةَ على ذلك، وإنْ كان أعطاهُ القدرةَ والقوَّةَ على غيرِ ذلك مِنَ الأمورِ، وأمَرَ أيضًا بإيكاءِ القِرَبِ، وهو شَدُّ رُؤوسِها بالرِّباطِ، وأمَرَ بتَخْميرِ الآنيةِ، وهو تَغطيتُها ولو بوضْعِ عُودٍ أو عصًا على عَرْضِها، مع ذِكْرِ اللهِ عند فِعلِ هذه الأشياءِ، وأمَرَ بإطفاءِ المصابيحِ مع ذِكرِ اللهِ عند إطفائِها؛ لأنَّ المصابيحَ كانت تُضاءُ بالنَّارِ، فأحيانا تَتسبَّبُ في إضرامِ النِّيرانِ.
عَنْ عَبْدِالله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهُ: “أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللهِ صَلاَةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْما وَيُفْطِرُ يَوْما” متفق عليه.