بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي أنشأَ وبَرَا، وخلقَ الماءَ والثَّرى، وأبْدَعَ كلَّ شَيْء وذَرَا، لا يَغيب عن بصرِه صغيرُ النَّمْل في الليل إِذَا سَرى، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، أنْزلَ الكتابَ على محمد فيه البيَّناتُ والهُدَى، أحْمَدُه على نعمه التي لا تَزَالُ تَتْرَى،
وأصلِّي وأسَلِّم على نبيِّه محمدٍ المبْعُوثِ في أُمِّ القُرَى، صلَّى الله عليه وعلى صاحِبِهِ في الْغارِ أبي بكرٍ بلا مِرَا، وعلى عُمَرَ الْمُلْهَمِ في رأيه فهُو بِتوفيق الله يرى، وعلى عثمانَ زوجِ ابْنَتَيْهِ ما كان حديثًا يُفْتَرَى، وعلى ابن عمِّهِ عليٍّ بَحْرِ العلومِ وأسَدِ الشَّرى، وعلى آله وأصحابِه الذين انتَشَرَ فضلُهُمْ في الوَرَىَ، وسَلَّمَ تسليمًا كَثِيْرًا.
أما بعد:
مَا زِلنَا نَتَكَلَّمُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ عِندَ النَّومِ، وَمِنهَا:
وَرَوَى الشَّيخَانِ وَغَيرُهُمَا عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَتَيتَ مَضجَعَكَ فَتَوَضَّأ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ ثُمَّ اضطَجِع عَلَى شِقِّكَ الأَيمَنِ وَقُل: اللَّهُمَّ أَسلَمتُ نَفسِى إِلَيكَ، وَفَوَّضتُ أَمرِى إِلَيكَ، وَأَلجَأتُ ظَهرِى إِلَيكَ، رَغبَةً وَرَهبَةً إِلَيكَ، لا مَلجَأَ وَلا مَنجَى مِنكَ إِلَّا إِلَيكَ، ءَامَنتُ بِكِتَابِكَ الَّذِى أَنزَلتَ وَنَبِيِّكَ الَّذِى أَرسَلتَ. فَإِن مِتَّ مِتَّ عَلَى الفِطرَةِ وَاجعَلهُنَّ ءَاخِرَ مَا تَقُولُ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
وَرَوَى الشَّيخَانِ وَغَيرُهُمَا عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ هو البَرَاءُ بنُ عَازِبِ بنِ الحَارِثِ الأَنْصَارِيُّ الحَارِثِيُّ الفَقِيْهُ الكَبِيْرُ، أَبُو عُمَارَةَ الأَنْصَارِيُّ، المَدَنِيُّ، نَزِيْلُ الكُوْفَةِ، مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ. شَهِدَ غَزَوَاتٍ كَثِيْرَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتُصْغِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر. وَأَبُوْهُ مِنْ قُدَمَاءِ الأَنْصَارِ. وَرَوَى: أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ خَمْسَ عَشْرَةَ غَزْوَةً. رَوَى حَدِيْثًا كَثِيْرًا، مُسْنَدُه: ثَلَاثُ مائَةٍ وَخَمْسَةُ أَحَادِيْثَ. لَهُ فِي الصَّحِيْحَيْنِ: اثْنَانِ وَعِشْرُوْنَ حَدِيْثًا. وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ: بِخَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيْثًا، وَمُسْلِمٌ: بِسِتَّةٍ. تُوُفِّيَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ.وَقِيْلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ، عَنْ بِضْعٍ وَثَمَانِيْنَ سَنَةً قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا أَتَيتَ مَضجَعَكَ فَتَوَضَّأ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ أي توضّأ ندبًا وليس وجوبًا ثُمَّ اضطَجِع عَلَى شِقِّكَ الأَيمَنِ أَي جَنبِكَ الأَيمَنِ وَقُل: «اللَّهُمَّ أَسلَمتُ نَفسِى إِلَيكَوفي رواية: «اللهم وَجَّهتُ وَجهِي إِلَيكَ»: أَي تَوَجَّهتُ بِالعِبَادَةِ إِلَى اللهِ مُخلِصًا إِيَّاهَا لَهُ وَحدَهُ اللَّهُمَّ أَسلَمتُ نَفسِى إِلَيكَ أَيِ استَسلَمتُ وَجَعَلتُ نَفسِي مُنقَادَةً لَكَ طَائِعَةً لِحُكمِكَ، قَالَهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ، فَالوَجهُ فِي اللَّفظِ السَّابِقِ وَالنَّفسُ هُنَا كِلَاهُمَا بِمَعنَى: ذَاتِي كُلِّهَا، وَيُقَالُ: سَلَّمَ وَأَسلَمَ وَاستَسلَمَ، بِمَعنًى، وَفَوَّضتُ أَمرِى إِلَيكَ أَي سَلَّمتُكَ أَمرِي متوكّلا عليك وَأَلجَأتُ ظَهرِى إِلَيكَ أَى أَنتَ الَّذِى يُعِينُنِى وَيَنصُرُنِى اعتَصَمتُ بِكَ؛ أَي تَوَكَّلتُ عَلَيكَ وَاعتَمَدتُ فِي أَمرِي عَلَيكَ رَغبَةً وَرَهبَةً إِلَيكَ أَي خَوفًا مِنكَ وَمِن أَلِيمِ عِقَابِكَ وطَمَعًا فِي ثَوَابِكَّ لا مَلجَأَ وَلا مَنجَى مِنكَ إِلَّا إِلَيكَ أَي لا مَفَرَّ مِنكَ إِلَّا إِلَيكَ لِلرُّجُوعِ إِلَى طَاعَتِكَ، أَي لَا مَخلَصَ وَلَا مَلَاذَ مِن عُقُوبَتِكَ إِلَّا إِلَى رَحمَتِكَ. وَيَجُوزُ فِي ((مَنجَا)) و((مَلجَا)) أَن يُهمَزَا مَعًا، وَأَن يُترَكَ الهَمزُ مِنهُمَا، وَأَن يُهمَزَ الأَوَّلُ وَيُترَكَ الثَّانِي، وَكَذَا العَكسُ، كُلُّ هَذِهِ الوُجُوهُ بِالفَتحِ بِلَا تَنوِينٍ، ءَامَنتُ بِكِتَابِكَ الَّذِى أَنزَلتَ أَيِ القُرءَانِ، اهـ وهو أعظم الكتب السّماوية، فقد أنزل الله على محمد ﷺ كتابًا فيه من العلوم ما فاق الذي في الكتب السّماوية السّابقة فكان مهيمنًا ومسيطرًا عليها، قال تعالى:﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [سورة المائدة/ الآية 48]، قال النسفي: أَي شَاهِدًا عَلَيهِ لِأَنَّهُ يَشهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ وَالثَّبَاتِ.اهـ
وَنَحنُ أُمِرنَا أَنَ نُؤمِنَ بِكُتُبِ اللهِ تَعَالَى وَهَذَا مِن أُصُولِ الإِيمَانِ الَّتِي جَاءَت فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ عِندَمَا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ فَقَالَ: «أَن تُؤمِنَ بِاَللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»، فَالقَاعِدَةُ عِندَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَنَّهُم لَا يَنفُونَ وَلَا يُنكِرُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى أَنبِيَائِهِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي نَزَلَت قَبلَ القُرآنِ مِن أُصُولِ العَقَائِدِ وَمِنَ الشَّرَائِعِ، أَمَّا أُصُولُ العَقَائِدِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيهَا عِندَ كُلِّ الأَنبِيَاءِ، فَكُلُّ الأَنبِيَاءِ دَعَوا إِلَى دِينِ الإِسلَامِ، وَإِلَى تَوحِيدِ اللهِ تَعَالَى وَتَنزِيهِهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ وَأَنَّهُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وَأَنَّهُ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، وَأَنَّهُ لَيسَ جِسمًا مَحدُودًا مُقَدَّرًا بِحَدٍّ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا،
وَأَمَّا الشَّرَائِعُ وَأُمُورُ العِبَادَاتِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي أُنزِلَت عَلَى الأَنبِيَاءِ فَبَعضُهَا يَختَلِفُ عَن بَعضٍ، فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ الشَّرَائِعَ وَهُوَ يَحكُمُ بِمَا يَشَاءُ سُبحَانَهُ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺأَسهَلَ الشَّرَائِعِ وَأَحكَامَهَا أَيسَرَ الأَحكَامِ وَنَبِيِّكَ الَّذِى أَرسَلتَ أَيِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَانَ ﷺ مُقِرًّا مُؤمِنًا بِنُبُوَّةِ وَرِسَالَةِ نَفسِهِ، بِدَلِيلِ قَولِهِ فِي التَّشَهُّدِ مِنَ الصَّلَاةِ: «وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ». وَقَولِهِ: «أَصبَحنَا عَلَى فِطرَةِ الإِسلَامِ، وَعَلَى كَلِمَةِ الإِخلَاصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ»، وَقَولِهِ ﷺ إِذَا سَمِعَ أَذَانَ المُؤَذِّنِ: ((وَأَنَا أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)).اهـ وهو أفضل رسل الله ﷺ، وقال رسول الله ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كُنْتُ إِمَامَ النَّاسِ وَخَطِيبَهُمْ وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ وَلَا فَخْرَ» رواه أحمد في مسنده. وفي رواية البزار: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأنا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأنا خَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَتُوا، وَأنا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَبْلَسُوا لِوَاءُ الْكَرَمِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَمَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ بِيَدِي، وَأنا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى اللَّهِ، ولَا فَخْرَ يَطُوفُ عَلَيَّ أَلْفُ خَادِمٍ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ»، فَإِن مِتَّ مِتَّ عَلَى الفِطرَةِ أَي إن كانت تلك الليلة التي قرأت فيها هذا الذكر آخرَ ليلة لك في الدنيا وكان موتك فيها فقد مت عَلَى دِينِ الإِسلَامِوَاجعَلهُنَّ ءَاخِرَ مَا تَقُولُ».
فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّمسُ الكِرمَانِيُّ: وَهَذَا الذِّكرُ مُشتَمِلٌ عَلَى الإِيمَانِ بِكُلِّ مَا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ إِجمَالًا، مِنَ الإِلَهِيَّاتِ (أَي مَا يَتَعَلَّقُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِفَاتِهِ) وَالنُّبُوَّاتِ، وَهُوَ المَبدَأُ، ومِنَ الكُتُبِ وَالرُّسُلِ
وَفِيه إِقرَارٌ مِنَ العَبدِ بِوَحدَانِيَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّهُ تَعَالَى المُنفَرِدُ بِالخَلقِ وَالإِيجَادِ، وَأَنَّهُ المُستَحِقُّ لِلعِبَادَةِ المُنَزَّهُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَفِعلِهِ عَنِ المَثِيلِ وَالشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ، وَعَلَى الثَّوَابِ وَالعِقَابِ وَهُوَ المَعَادُ.اهـ
وهذه المعاني المذكورة في هذا الحديث تعطي معنى التّسليم لله في كلّ شيء والتوكّل على الله في كلّ شيء، فلذلك نسمع كثيرا في الأحاديث النبوية قولَه ﷺ: «عليكَ توَكَّلتُ» أَيِ: اعتَمَدتُ فِي أُمُورِي أَوَّلًا وَآخِرًا، أَو مَعنَاهُ أَسلَمتُ جَمِيعَ أُمُورِي لِتُدَبِّرَهَا فَإِنِّي لَا أَملِكُ نَفعَهَا وَلَا ضُرَّهَا، فالنبيّ ﷺ هو سيّد المتوكلين ومعلمهم وإمامهم وقد روي أنّه مِن دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ التَّوفِيقَ لِمَحَابِّكَ مِنَ الأَعمَالِ، وَصِدقَ التَّوَكُّلِ عَلَيكَ، وَحُسنَ الظَّنِّ بِكَ»،
وروي عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اجعَلنِي مِمَّن تَوَكَّلَ عَلَيكَ فَكَفَيتَهُ، وَاستَهدَاكَ فَهَدَيتَهُ، وَاستَنصَرَكَ فَنَصَرتَهُ».
وذَكَرَ ابنُ قُسَيمٍ قَالَ: كُنتُ عِندَ ابنِ شُبرُمَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَ ابنُ شُبرُمَةَ: هَاتِ، رُبَّ حَدِيثٍ حَسَنٍ جِئتَ بِهِ. قَالَ: «أَربَعٌ لَا يُعطِيهِنَّ اللَّهُ إِلَّا مَن أَحَبَّ». قَالَ ابنُ شُبرُمَةَ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: «الصَّمتُ، وَهُوَ أَوَّلُ العِبَادَةِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ، وَالتَّوَاضُعُ، وَالزُّهدُ فِي الدُّنيَا»،
وقَالَ عَلِيٌّ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ، وَثِقُوا بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَكفِي مِمَّن سِوَاهُ”.اهـ
وروي عَن يَحيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: قَالَ لُقمَانُ لِابنِهِ: ”يَا بُنَيَّ، الدُّنيَا بَحرٌ غَرِقَ فِيهِ أُنَاسٌ كَثِيرٌ، فَإِنِ استَطَعتَ أَن تَكُونَ سَفِينَتُكَ فِيهَا الإِيمَانَ بِاللَّهِ، وَحَشوُهَا العَمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ؛ لَعَلَّكَ تَنجُو”،
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”مَن سَرَّهُ أَن يَكُونَ من أَقوَى النَّاسِ، فَليَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ”،
وروي عَنِ الحَسَنِ البصري قَالَ: ”العِزُّ وَالغِنَى يَجُولَانِ فِي طَلَبِ التَّوَكُّلِ، فَإِذَا ظَفِرَا أَوطَنَا”.اهـ
وروي عَن عَونِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، قَالَ: بَينَا رَجُلٌ فِي بُستَانٍ بِمِصرَ فِي فِتنَةِ ابنِ الزُّبَيرِ مُكتَئِبًا، مَعَهُ شَيءٌ يَنكُتُ بِهِ فِي الأَرضِ، إِذ رَفَعَ رَأسَهُ، فإذا بآخر عند رأسه فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، مَا لِي أَرَاكَ مُكتَئِبًا حَزِينًا؟ قَالَ: فَكَأَنَّهُ ازدَرَاهُ. فَقَالَ: لَا شَيءَ. فَقَالَ له صَاحِبُه: “أَلِلدُّنيَا؟ فَإِنَّ الدُّنيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأكُلُ مِنهَا البَرُّ وَالفَاجِرُ، وَالآخِرَةُ أَجلٌ صَادِقٌ، يَحكُمُ فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، يَفصِلُ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ”، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنهُ كَأَنَّهُ أَعجَبَهُ. قَالَ: فَقَالَ لِمَا فِيهِ المُسلِمُونَ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ سَيُنَجِّيكَ بِشَفَقَتِكَ عَلَى المُسلِمِينَ، وَسَل، فَمَن ذَا الَّذِي سَأَلَ اللَّهَ فَلَم يُعطِهِ، وَدَعَاهُ فَلَم يُجِبهُ، وَتَوَكَّلَ عَلَيهِ فَلَم يَكفِهِ، أَو وَثِقَ بِهِ فَلَم يُنَجِّهِ. قَالَ: فدعوت: اللَّهُمَّ سَلِّمنِي، وَسَلِّم مِنِّي، فَتَجَلَّت، وَلَم تُصِب مِنهُ أَحَدًا.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنِ التَّوَكُّلِ، فَقَالَ: “الرِّضَا عَنِ اللَّهِ”.
نسأل الله أن يجعلنا من المتوكلين عليه حقّ التوكّل.
متن الحديث الذي بعده:
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِىُّ وَالنَّسَائِىُّ وَابْنُ مَاجَه فِى السُّنَنِ وَالْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَىْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِى شَرٍّ أَنْتَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَىْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَىْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَىْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَىْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى أَىْ شَاقَّ الْحَبِّ عَنِ النَّبَاتِ وَالنَّوَى عَنِ النَّخْلِ، أَنْتَ الأَوَّلُ أَىِ السَّابِقُ لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ، وَأَنْتَ الآخِرُ أَىِ الْبَاقِى بَعْدَ فَنَاءِ الْمَوْجُودَاتِ، الظَّاهِرُ أَىْ بِوُجُودِهِ وَمَصْنُوعَاتِهِ وَتَدْبِيرِهِ، كُلُّ شَىْءٍ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ، والْبَاطِنُ أَىْ لا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ.
الشّرح والتّعليق على هذا الحديث:
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِىُّ وَالنَّسَائِىُّ وَابْنُ مَاجَه فِى السُّنَنِ وَالْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَىْءٍ وهذا المعنى هو الذي نقرأه كلّ يوم في كلّ ركعة في الصّلاة في سورة الفاتحة، بقولنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أَي سَيِّدِ، أَو مَالِكِ، أَوِ الخَالِقِ لِجَمِيعِ العالمين، وَالعَالَمُ هُوَ كُلُّ مَوجُودٍ سِوَى اللهِ تَعَالَى، سُمِّيَ بِـ «العَالَمِ» لِأَنَّهُ عَلَمٌ وَعَلَامَةٌ أَي دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ المَالِكُ لِكُلِّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ،
ويُؤخَذُ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أَنَّ العَالَمَ مَخلُوقٌ، وَكَونُ العَالَمِ مَخلُوقًا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ لِأَنَّهُ لا يَصِحُّ فِي العَقلِ وُجُودُ فِعلٍ مَا بِدُونِ فَاعِلٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [سُورَة إِبرَاهِيم/ الآية 10] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَىءٌ غَيرُهُ».اهـ
وَقَالَ عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ: يجبُ مَعرِفَةُ الدَّلِيلِ العَقلِيِّ عَلَى وُجُودِ اللهِ، وَيَكفِي فِي هَذَا أَن يَقُولَ الشَّخصُ فِي قَلبِهِ لَو لَم يَكُنِ اللهُ تَعَالَى مَوجُودًا قَائِمًا بِنَفسِهِ لَا يَحتَاجُ إِلَى غَيرِهِ لَم يَحدُث هَذَا العَالَمُ، لَكِنَّ العَالَمَ وُجُودُهُ مُشَاهَدٌ فَوَجَبَ أَن يَكُونَ بِإِيجَادِ اللهِ تَعَالَى، حَيثُ إِنَّ كُلَّ كِتَابَةٍ مَثَلًا لَا بُدَّ لَهَا مِن كَاتِبٍ، لَا يَقبَلُ العَقلُ أَن تُوجَدَ بِلَا كَاتِبٍ لَهَا، وَكُلُّ بِنَاءٍ لَا بُدَّ لَهُ مِن بَنَّاءٍ كَذَلِكَ، وَهَكَذَا كُلُّ فِعلٍ مِنَ الأَفعَالِ لَا بُدَّ لَهُ مِن فَاعِلٍ فَعَلَهُ، وَأَنَا مَوجُودٌ وَالعَالَمُ مَوجُودٌ فَإِذًا لَا بُدَّ لِي مِن خَالِقٍ أَوجَدَنِي وَلَا بُدَّ لِهَذَا العَالَمِ مِن خَالِقٍ، وَهَذَا الخَالِقُ مَوجُودٌ لَا يُشبِهُ شَيئًا وَهُوَ المُسَمَّى “الله”.اهـ
فَكُلُّ مَا فِي العَالَمِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّ هَذَا العَالَمَ بِبَدِيعِ صُنعِهِ وَدِقَّةِ تَفَاصِيلِهِ وَانتِظَامِهِ العَجِيبِ لَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ جَاءَ وَحدَهُ، بَل لَا بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ هُوَ اللهُ تَعَالَى،
رُوِيَ عَن بَعضِ الأَعرَابِ أَنَّهُ سُئِلَ مَرَّةً كَيفَ تَستَدِلُّ عَلَى وُجُودِ اللهِ فَقَالَ: البَعرَةُ تَدُلُّ عَلَى البَعِيرِ، وَالأَثَرُ يَدُلُّ عَلَى المَسِيرِ، فَأَرضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، وَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبرَاجٍ، وَبِحَارٌ ذَاتُ أَموَاجٍ، أَلَا تَدُلُّ عَلَى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ. يَعنِي أَنَّهُ تَفَكَّرَ وَقَالَ: إِذَا كَانَ شَىءٌ بَسِيطٌ مِثلُ البَعرَةِ وَالأَثَرِ عَلَى الأَرضِ لَا يَقبَلُ العَقلُ إِلَّا أَن يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ فَعَلَهُ، كَدَابَّةٍ مَرَّت فَخَلَّفَت هَذِهِ البَعرَةَ أَو هَذَا الأَثَرَ، فَكَيفَ لَا تَكُونُ هَذِهِ الأُمُورُ العَظِيمَةُ كَالأَرضِ وَالسَّمَاءِ وَالبِحَارِ دَالَّةً عَلَى خَالِقٍ أَوجَدَهَا؟
وَسُئِلَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَيضًا عَنِ الدَّلِيلِ العَقلِيِّ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى فَقَالَ: وَرَقَةُ التُّوتِ، فَقِيلَ لَهُ وكَيفَ هَذَا، قَالَ: وَرَقَةُ التُّوتِ تَأكُلُهَا دُودَةُ القَّزِّ فَتُخرِجُ الحَرِيرَ، وَتَأكُلُهَا النَّحلَةُ فَتُخرِجُ العَسَلَ، وَتَأكُلُهَا الغَزَالَةُ فَتُخرِجُ المِسكَ، وَتَأكُلُهَا الشَّاةُ فَتُخرِجُ اللَّبَنَ، فَلَو كَانَ هَذَا يَجرِي بِعَادَةٍ مِن غَيرِ خَالِقٍ لَخَلَّفَ الكُلُّ شَيئًا وَاحِدًا، لَكِن كُلٌّ مِنهَا خَلَّفَ شَيئًا مُختَلِفًا، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا خَالِقًا خَلَقَ الكُلَّ لَا مَحَالَةَ.اهـ
وَيُؤخَذُ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة/ الآية 2]، إِثبَاتُ وُجُودِ ذَاتِ اللهِ تَعَالَى وَإِثبَاتُ وُجُودِ العَالَمِ مَعَ بَيَانِ أَنَّهُ خَالِقُهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى الَّذِي هُوَ خَالِقُ العَالَمِ لَا يُشبِهُهُ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَاللهُ تَعَالَى مَوصُوفٌ بِأَنَّهُ لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ مِنَ الأَجسَامِ اللَّطِيفَةِ وَهِيَ مَا لَا يُضبَطُ بِاليَدِ كَالنُّورِ وَالرُّوحِ وَالهَوَاءِ وَالمَلَائِكَةِ وَمِنَ الأَجسَامِ الكَثِيفَةِ وَهِيَ مَا يُضبَطُ بِاليَدِ أَي مَا يُجَسُّ بِاليَدِ كَالشَّجَرِ وَالإِنسَانِ، وَهُوَ تَعَالَى مَوصُوفٌ بِأَنَّهُ لَا يُشبِهُ العُلوِيَّاتِ أَي مَا كَانَ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا السُّفلِيَّاتِ أَي مَا كَانَ فِي الأَرضِ، وَهَذَا هُوَ التَّوحِيدُ، فَهُوَ كَمَا قَالَ الجُنَيدُ البَغدَادِيُّ: “التَّوحِيدُ إِفرَادُ القَدِيمِ مِنَ المُحدَثِ”، أَي أَن تَصِفَ القَدِيمَ بِصِفَاتِهِ وَالمُحدَثَ بِصِفَاتِهِ وَتُفرِدَ كُلًّا مِنهُمَا عَنِ الآخَرِ أَي لَا تَجعَلَهُمَا مُتَشَابِهَينِ، وَقَالَ أَهلُ الحَقِّ: إِنَّ اللهَ هُوَ الأَزَلِيُّ الَّذِي لا ابتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَمَا سِوَاهُ فَهُوَ حَادِثٌ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ لَا يُشبِهُ المَوجُودَاتِ مَوجُودٌ بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ، وَلَيسَ جِسمًا وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامَ،
قَالَ إِمَامُ أَهلِ السُّنَّةِ أَبُو الحَسَنِ الأَشعَرِيُّ فِي كِتَابِهِ النَّوَادِرِ: مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ جِسمٌ فَهُوَ غَيرُ عَارِفٍ بِرَبِّهِ وَإِنَّهُ كَافِرٌ بِهِ. اهـ
فَالمُجَسِّمُ – أَيْ مَنْ وَصَفَ اللهَ بِالجِسمِيَّةِ وَصِفَاتِهَا – غَيرُ عَارِفٍ بِرَبِّهِ، وَلَمْ يُؤمِنْ بِاللهِ الوَاحِدِ المُنَزَّهِ عَنْ مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ المَوصُوفِ بِصِفَاتِ الأُلُوهِيَّةِ، فَالمُجَسِّمُ عَبَدَ جِسمًا تَخَيَّلَهُ بِعَقلِهِ وَسَمَّاهُ اللهَ، فَهُوَ بِالتَّالِي لَيسَ عَابِدًا للهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِيمَا نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الأَشبَاهِ وَالنَّظَائِرِ: المُجَسِّمُ كَافِرٌ.اهـ
وَقَالَ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ فِي إِلجَامِ العَوَامِّ: “فَإِنْ خَطَرَ ببالِهِ أَنَّ اللهَ جِسمٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَعضَاءٍ فَهُوَ عَابِدُ صَنَمٍ؛ فَإِنَّ كُلَّ جِسمٍ هُوَ مَخلُوقٌ، وَعِبَادَةُ المَخلُوقِ كُفرٌ، وَعِبَادَةُ الصَّنَمِ كُفرٌ لِأَنَّهُ مَخلُوقٌ، وَكَانَ مَخلُوقًا لِأَنَّهُ جِسمٌ، فَمَنْ عَبَدَ جِسمًا فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجمَاعِ الأُمَّةِ السَّلَفِ مِنهُمْ وَالخَلَفِ”.اهـ
وَقَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ: تَعَالَى – أَيِ اللهُ – عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ وَالأَركَانِ وَالأَعضَاءِ وَالأَدَوَاتِ لَا تَحوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ المَخلُوقَاتِ.اهـ
وَقَالَ الحَافِظُ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ الفَرقِ بَينَ الفِرَقِ: وَأَجمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحوِيهِ مَكَانٌ وَلَا يَجرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ، وَقَدْ قَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ العَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ لَا مَكَانًا لِذَاتِهِ، وَقَالَ أَيضًا: قَدْ كَانَ وَلَا مَكَان وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا كَانَ.اهـ
وَقَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ الحِكَمِ: غَايَةُ المَعرِفَةِ بِاللهِ الإِيقَانُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ.اهـ
فَثَبَتَ أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَةِ هَذَا العَالَمِ بِكُلِّ أَجزَائِهِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَوجُودٌ بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ.
وَيُؤخَذُ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة/ الآية 2]، أَيضًا نَفيُ عَقِيدَةِ الحُلُولِ وَالوَحدَةِ، وَأَهلُ الحُلُولِ هُم الَّذِينَ يَعتَقِدُونَ حُلُولَ اللهِ فِي المَخلُوقَاتِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَإِنَّهُم يَعتَقِدُونَ حُلُولَ اللهِ فِي البَشَرِ، وَبَعضُهُم يَقُولُ فِي الصُّوَرِ الحِسَانِ، وَبَعضُهُم يَقُولُ فِي الأَولِيَاءِ، وَبَعضُهُم يَقُولُ غَيرَ ذَلِكَ، فَهَؤُلَاءِ لَا تَأوِيلَ لِكَلَامِهِم وَلَا يَجُوزُ الشَّكُّ فِي كفرهم،
وَأَمَّا أَهلُ الوَحدَةِ يَقُولُونَ: “لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ وَهُوَ عَينُ كُلِّ شَىءٍ”، وَمِنهُم مَن يَقُولُ بِأَنَّهُ عَينُ الأَشيَاءِ. يَعنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ جُملَةُ العَالَمِ وَأَفرَادَ العَالَمِ أَجزَاءٌ مِنهُ، وَقَد قَالَ بَعضُهُم: “أَنَا جُزءٌ مِنَ اللهِ”، وَيَقُولُ بَعضُهُم أَحيَانًا لِشَخصٍ: “أَنتَ اللهُ وَهَذَا الجِدَارُ اللهُ”، فَمِنَ الرَّدِّ عَلَيهِم أَن يُقَالَ: اللهُ تَعَالَى وَصَفَ نَفسَهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأَنَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ أَي مَالِكُ العَالَمِ وَكُلِّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ، فَكَيفَ يَكُونُ مَالِكُ الشَّىءِ هُوَ نَفسَ الشَّىءِ عَلَى عَقِيدَتِكُمُ المُتَخَبِّطَةِ؟ فَآيَةُ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، رَدٌّ على الفَرِيقَينِ.
وَقَالَ الإِمَامُ مُحيِي الدِّينِ بنُ عَرَبِي رَحِمَهُ اللهُ: مَن قَالَ بِالحُلُولِ فَدِينُهُ مَعْلُولٌ وَمَا قَالَ بِالاتِّحَادِ إِلَّا أَهْلُ الإِلحَادِ.اهـ نَقَلَهُ الإِمَامُ عَبدُ الوَهَّابِ الشِّعْرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ: اليَوَاقِيتُ وَالجَوَاهِرُ فِي بَيَانِ عَقَائِدِ الأَكَابِرِ.اهـ
وَهَذَا يُثبِتُ أَنَّ الإِمَامَ مُحيِي الدِّينِ بنَ عَرَبِيٍّ كَانَ عَلَى مُعتَقَدِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَطَرِيقَتِهِمْ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا دُسَّ عَلَيهِ مِنَ المَقَالَاتِ الفَاسِدَةِ كَمَا قَالَ ابنُ حَجَرٍ فِي لِسَانِ المِيزَانِ.
فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى أَيِ الَّذِي شَقَّ الْحَبَّ عَنِ النَّبَاتِ وَالنَّوَى عَنِ النَّخْلِ، فَالْفَلْقُ بِمَعْنَى الشَّقِّ (وَالنَّوَى) جَمْعُ النَّوَاةِ وَهِيَ عَظْمُ النَّخْلِ وَفِي مَعْنَاهُ عَظْمُ غَيْرِهَا، وَالتَّخَصُّصُ لِفَضْلِهَا أَوْ لِكَثْرَةِ وَجُودِهَا فِي دِيَارِ الْعَرَبِ، يَعْنِي: يَا مَنْ شَقَّهَا فَأَخْرَجَ مِنْهُمَا الزَّرْعَ وَالنَّخِيلَ مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِنْزَالِ، وَقِيلَ مِنَ التَّنْزِيلِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِ قال ملا علي القاري: الْفُرْقَانِ بَدَلَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ يُفْرَقُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَعَلَّ تَرْكَ الزَّبُورِ لِأَنَّهُ مُنْدَرِجٌ فِي التَّوْرَاةِ، أَوْ لِكَوْنِهِ مَوَاعِظَ لَيْسَ فِيهِ أَحْكَامٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ مَا وَجْهُ النَّظْمِ بَيْنَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ؟ قُلْتُ: وَجْهُهُ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ تَعَالَى رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيْ: مَالِكُهُمَا وَمُدَبِّرُ أَهْلِهِمَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى لِيَنْتَظِمَ مَعْنَى الْخَالِقِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [سورة يونس/ الآية 31] تَفْسِيرٌ لِفَالِقِ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمَعْنَاهُ يُخْرِجُ الْحَيَوَانَ النَّامِيَ مِنَ النُّطْفَةِ، وَالْحَبَّ مِنَ النَّوَى، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ أَيْ: يُخْرِجُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّامِي، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِخْرَاجُ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ لِيُعْلَمَ وَيُعْبَدَ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ – أي العلم للناس – إِلَّا بِكِتَابٍ يُنْزِلُهُ وَرَسُولٍ يَبْعَثُهُ كَأَنَّهُ قِيلَ: يَا مَالِكُ يَا مُدَبِّرُ يَا هَادِي أَعُوذُ بِكَ، وَهَذَا كَلَامٌ طَيِّبٌ يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ بِمَاءِ الذَّهَبِ أَعُوذُ وَالْمَعْنَى أَعْتَصِمُ وأحتمي بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِى شَرٍّ أَنْتَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ أَيْ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّهَا كُلُّهَا فِي سُلْطَانِهِ وَهُوَ آخِذٌ بِنَوَاصِيهَا أَنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَىْءٌ قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِىُّ: “وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى نَفْىِ الْمَكَانِ عَنِ اللَّهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ” وَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: “وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فوقه شَىْءٌ وَلا تحته شَىْءٌ لَمْ يَكُنْ فِى مَكَانٍ” مَعْنَاهُ اللَّهُ مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ، فهذا من أصرح الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجهة والمكان،
وبناء على هذا أقول لكم إذا سمعت أي آية أو أي حديث ظاهره يوهم نسبة الجهة والمكان لله عزّ وجلّ اعلم أنّ له معنى وتأويلا لائقا به سبحانه وليس المرادُ منه ظاهرَه، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف/ الآية 84]، أَي هُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِينَ، وَهُوَ المَعبُودُ فِي السَّمَاءِ مِن قِبَلِ المَلَائِكَةِ وَالمَعبُودُ فِي الأَرضِ مِن قِبَلِ الإِنسِ وَالجِنِّ المُسلِمِين.اهـ كما قال الرّازي في تفسيره.اهـ
وكقوله تعالى: ﴿ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [سورة الملك/ الآية 16]، قَالَ المُفَسِّرُ البَيضَاوِيُّ: يَعنِي المَلَائِكَةَ.اهـ
وقال الرازي: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُشَبِّهَةَ احْتَجُّوا عَلَى إِثْبَاتِ الْمَكَانِ لِلَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ﴾ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةُ لَا يُمْكِنُ إِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ كَوْنَهُ فِي السَّمَاءِ يَقْتَضِي كَوْنَ السَّمَاءِ مُحِيطًا بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ، فَيَكُونُ أَصْغَرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَالسَّمَاءُ أَصْغَرُ مِنَ الْعَرْشِ بِكَثِيرٍ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا صغيرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْشِ، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُحَالٌ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 12] فَلَوْ كَانَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِنَفْسِهِ وَهَذَا مُحَالٌ، فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ يَجِبُ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا إِلَى التَّأْوِيلِ.اهـ
وكقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [سورة التوبة/ الآية 40]، قَالَ المُفَسِّرُ الخَازِنُ: بِالنُّصرَةِ وَالمَعُونَةِ.اهـ
وكقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق/ الآية 16]، قَالَ الإِمَامُ المُفَسِّرُ ابنُ الجَوزِيِّ: وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ أي بالعِلمِ مِن حَبلِ الوَرِيد. اهـ
وكقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [سورة البقرة/ الآية 210]، قَالَ الإِمَامُ المُفَسِّرُ ابنُ عَطِيَّةَ: يَنظُرُونَ مَعنَاهُ يَنتَظِرُونَ، وَالمَعنَى يَأتِيَهُم حُكمُ اللهِ وَأَمرُهُ وَنَهيُهُ وَعِقَابُهُ إِيَّاهُم.اهـ
وكقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [سورة الفجر/ الآية 22]، قَالَ المُفَسِّرُ الخَازِنُ: فَلَا بُدَّ مِن تَأوِيلِ الآيَةِ، فَقِيلَ فِي تَأوِيلِهَا: وَجَاءَ أَمرُ رَبِّكَ بِالمُحَاسَبَةِ وَالجَزَاءِ وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: أَمرُهُ وَقَضَاؤُه.اهـ
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [سورة النحل/ الآية 50]، قَالَ أَبُو القَاسِمِ القُشَيرِيُّ وَتَاجُ القُرَّاءِ الكَرمَانِيُّ: يَخَافُونَ اللهَ أَن يُنزِلَ عَلَيهِم عَذَابًا مِن فَوقِ رُءُوسِهِم، وَلَيسَ قَولُهُ: مِنْ ﴿فَوْقِهِمْ﴾، حَالًا مِن رَبِّهِم، تَعَالَى اللهُ عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ، وَقَالَ ابنُ عَطِيَّةَ: وَقَولُهُ: ﴿فَوْقِهِمْ﴾، يَحتَمِلُ مَعنَيَينِ: أَحَدُهُمَا: الفَوقِيَّةُ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا اللهُ تَعَالَى فَهِيَ فَوقِيَّةُ القَدرِ وَالعَظَمَةِ وَالقَهرِ وَالسُّلطَانِ، وَالآخَرُ: أَن يَتَعَلَّقَ قَولُهُ: ﴿فَوْقِهِمْ﴾، بِقَولِهِ: ﴿يَخَافُونَ﴾، أَي يَخَافُونَ عَذَابَ رَبِّهِم مِن فَوقِهِم، وَذَلِكَ أَنَّ عَادَةَ عَذَابِ الأُمَمِ إِنَّما أَتَى مِن جِهَةِ فَوق.اهـ
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [سورة فاطر/ الآية 10]، قَالَ الخَازِنُ: يَقبَلُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ وَيَرفَعُ العَمَلَ الصَّالِحَ.اهـ
وَقَالَ القُشَيرِيُّ: أَرَادَ بِهِ صُعُودَ قَبُولٍ.اهـ
وَقَالَ البَيضَاوِيُّ: وَصُعُودُهُمَا إِلَيهِ مَجَازٌ عَن قَبُولِهِ إِيَّاهُمَا”.اهـ
وكذلك لو ورد حديث ظاهره فيه نسبة الجهة والمكان لله فلا بد من تأويله على معنى لائق به عزّ وجلّ، مثل حديث الجارية، فقد وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَن جَارِيَةٍ لَهُ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلا أُعتِقُهَا، قَالَ: «ائتِنِي بِهَا»، فَأَتَاهُ بِهَا فَقَالَ لَهَا: «أَينَ اللهُ»، قَالَت: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَن أَنَا»، قَالَت: أَنتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعتِقهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ»، فَلَيسَ هَذَا الحَدِيثُ بِصَحِيحٍ لِأَمرَينِ: لِلِاضطِرَابِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ بِهَذَا اللَّفظِ وَبِلَفظِ: «مَن رَبُّكِ»، فَقَالَت: اللهُ، وَبِلَفظِ: «أَينَ اللهُ»، فَأَشَارَت إِلَى السَّمَاءِ، وَبِلَفظِ: «أَتَشهَدِينَ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، قَالَت: نَعَم، قَالَ: «أَتَشهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ»، قَالَت: نَعَم.
وَالأَمرُ الثَّانِي: أَنَّ رِوَايَةَ «أَينَ اللهُ» مُخَالِفَةٌ لِلأُصُولِ، لِأَنَّ مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الشَّخصَ لا يُحكَمُ لَهُ بِقَولِ “اللهُ فِي السَّمَاءِ” بِالإِسلامِ، لِأَنَّ هَذَا القَولَ مُشتَرَكٌ بَينَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيرِهِم، وَإِنَّمَا الأَصلُ المَعرُوفُ فِي شَرِيعَةِ اللهِ مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ المُتَوَاتِرِ: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ» الَّذِي رَوَاهُ خَمسَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا، وَلَفظُ رِوَايَةِ مَالِكٍ: «أَتَشهَدِينَ»، مُوَافِقٌ لِلأُصُولِ.
فَإِن قِيلَ: كَيفَ تَكُونُ رِوَايَةُ مُسلِمٍ: «أَينَ اللهُ»، فَقَالَت: فِي السَّمَاءِ، إِلَى ءَاخِرِهِ مَردُودَةً مَعَ إِخرَاجِ مُسلِمٍ لَهُ فِي كِتَابِهِ وَكُلُّ مَا رَوَاهُ مُسلِمٌ مَوسُومٌ بِالصِّحَّةِ، فَالجَوَابُ: أَنَّ عَدَدًا مِن أَحَادِيثِ مُسلِمٍ رَدَّهَا عُلَمَاءُ الحَدِيثِ وَذَكَرَهَا المُحَدِّثُونَ فِي كُتُبِهِم كَحَدِيثِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» وَحَدِيثِ: «إِنَّهُ يُعطَى كُلُّ مُسلِمٍ يَومَ القِيَامَةِ فِدَاءً لَهُ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى»، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ: «صَلَّيتُ خَلفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ فَكَانُوا لا يَذكُرُونَ بِسمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ»، فَأَمَّا الأَوَّلُ ضَعَّفَهُ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ، وَالثَّانِي رَدَّهُ البُخَارِيُّ، وَالثَّالِثُ ضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ وَعَدَدٌ مِنَ الحُفَّاظِ.
فَهَذَا الحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ بَاطِلٌ لِمُعَارَضَتِهِ الحَدِيثَ المُتَوَاتِرَ المَذكُورَ وَمَا خَالَفَ المُتَوَاتِرَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِن لَم يَقبَلِ التَّأوِيلَ، اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ المُحَدِّثُونَ وَالأُصُولِيُّونَ،
لَكِنَّ بَعضَ العُلَمَاءِ أَوَّلُوهُ عَلَى هَذَا الوَجهِ قَالُوا مَعنَى أَينَ اللَّهُ سُؤَالٌ عَن تَعظِيمِهَا للهِ وَقَولُهَا فِي السَّمَاءِ عَالِي القَدرِ جِدًّا أَمَّا أَخذُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِن أَنَّ اللهَ سَاكِنُ السَّمَاءِ فَهُوَ بَاطِلٌ مَردُودٌ،
وَأَمَّا الحَدِيثُ الَّذِى فِي صحيح مسلم:«وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا مِن رَجُلٍ يَدعُو امرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا فَتَأبَى عَلَيهِ إِلَّا كَانَ الَّذي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيهَا حَتَّى يَرضَى عَنهَ» فَيُحمَلُ عَلَى المَلَائِكَةِ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الصَّحِيحَةِ وَالَّتِي هِيَ أَشهَرُ مِن هَذِهِ وَهِيَ: «لَعَنَتهَا المَلائِكَةُ حَتَّى تُصبِحَ».اهـ
أمّا ما جاء في هذا الحديث من ذكر بعض أسماء الله الحسنى وهي: (الظاهر والباطن) فأبيّن معناها، الظاهر: هُوَ الظَّاهِرُ فَوقَ كُلِّ شَيءٍ بِالقَهرِ وَالقُوَّةِ وَالغَلَبَةِ لَا بِالمَكَانِ وَالصُّورَةِ وَالكَيفِيَّةِ فَإِنَّهَا مِن صِفَاتِ الخَلقِ.اهـ فاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن أَن يَكُونَ فِي جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ فَهُوَ لَا يَتَشَرَّفُ بِجِهَةِ العُلُوِّ وَلَا غَيرِهَا.اهـ
والباطن من أسماء الله هُوَ الَّذِي لَا يَستَولِي عَلَيهِ تَوَهُّمُ الكَيفِيَّةِ وَهُوَ خَالِقُ الكَيفِيَّاتِ وَالصُّوَرِ.اهـ
فَمِحوَرُ الِاعتِقَادِ لَيسَ عَلَى الوَهمِ، أَي أَنَّ الِاعتِقَادَ لَا يُبنَى عَلَى الوَهمِ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا لَم يَرَهُ عَلَى مَا رَءَاهُ مِن غَيرِ حُجَّةٍ، بَل يُبنَى الِاعتِقَادُ عَلَى مَا يَقتَضِيهِ العَقلُ الصَّحِيحُ السَّلِيمُ الَّذِى هُوَ شَاهِدٌ لِلشَّرعِ أَي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الشَّرعِ،
فَمِحوَرُ اعتِقَادِ المُسلِمِ لَيسَ عَلَى الوَهمِ لِأَنَّ الوَهمَ يَحكُمُ عَلَى مَا لَم يُشَاهِدهُ بِحُكمِ مَا شَاهَدَهُ، فَيَحكُمُ بِأَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِمَكَانٍ،
أَمَّا العَقلُ السَّلِيمُ فَيَقضِي بِأَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ،
وَقَد يَغلِبُ وَهمُ الشَّخصِ عَقلَهَ فَإِذَا كَانَ هَذَا بِأَمرِ العَقِيدَةِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَهلِكُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى،
قَالَ ابنُ عَسَاكِرَ رَحِمَهُ اللهُ فِي العَقِيدَةِ المُرشِدَةِ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: “وَلَا يَلحَقُهُ وَهمٌ وَلَا يَكتَنِفُهُ عَقلٌ وَلَا يَتَخَصَّصُ بِالذِّهنِ وَلَا يتَمَثَّلُ فِي النَّفسِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِي الوَهمِ وَلَا يَتَكَيَّفُ فِي العَقلِ لَا تَلحَقُهُ الأَوهَامُ وَالأَفكَارُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾،
وَهُوَ بِمَعنَى قَولِ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: حَيثُ قَالَ المُنَاوِيُّ: سُئِلَ الصِّدِّيقُ عَنِ اللهِ تَعَالَى هَل يُمكِنُ بَشَرٌ أَن يُدرِكَهُ؟ فَقَالَ:
العَجزُ عَن دَرَكِ الإِدرَاكِ إِدرَاكٌ،
وَسُئِلَ مِصبَاحُ التَّوحِيدِ وَصَبَاحُ التَّفرِيدِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ عَنِ اللهِ تَعَالَى فَقَالَ: لَا يُدرَكُ بِالحَوَاسِّ وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ.اهـ وَمَعنَاهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا تُدرِكُهُ العُقُولُ وَلَا يَتَخَيَّلُهُ القَلبُ وَلَا تُطلَبُ مَعرِفَتُهُ بِالتَّصَوُّرِ.
وَقَالَ الجُنَيدُ: أَشرَفُ كَلِمَةٍ فِي التَّوحِيدِ قَولُ الصِّدِّيقِ: الحَمدُ للهِ الَّذِي لَم يَجعَل لِلخَلقِ سَبِيلًا إِلَى مَعرِفَتِهِ إِلَّا بِالعَجزِ عَن مَعرِفَتِهِ.
وَالقاعدة هي قول علماء التوحيد: اللهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ أَيْ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ أَزَلًا وَأَبَدًا فَلا يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ يَتَحَيَّزُ فِيهِ أَوْ شَىْءٍ يَحُلُّ بِهِ أَوْ إِلَى جِهَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ لَيْسَ حَجْمًا كَثِيفًا وَلا حَجْمًا لَطِيفًا وَالتَّحَيُّزُ مِنْ صِفَاتِ الْجِسْمِ الْكَثِيفِ وَاللَّطِيفِ فَالْجِسْمُ الْكَثِيفُ وَالْجِسْمُ اللَّطِيفُ مُتَحَيِّزٌ فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [سُورَةَ الأَنْبِيَاء/ 33] فَأَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى لِكُلٍّ مِنَ الأَرْبَعَةِ التَّحَيُّزَ فِي فَلَكِهِ وَهُوَ الْمَدَارُ.
وَيَكْفِي فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْمَكَانِ وَالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/ 11] لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَكَانٌ لَكَانَ لَهُ أَمْثَالٌ وَأَبْعَادٌ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مُحْدَثًا مُحْتَاجًا لِمَنْ حَدَّهُ بِهَذَا الطُّولِ وَبِهَذَا الْعَرْضِ وَبِهَذَا الْعُمْقِ، هَذَا الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْءَانِ. أَمَّا مِنَ الْحَدِيثِ فَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ الْجَارُودِ وَالْبَيْهَقِيُّ بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ)) وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا فِي الأَزَلِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ لا مَاءٌ وَلا هَوَاءٌ وَلا أَرْضٌ وَلا سَمَاءٌ وَلا كُرْسِيٌّ وَلا عَرْشٌ وَلا إِنْسٌ وَلا جِنٌّ وَلا مَلائِكَةٌ وَلا زَمَانٌ وَلا مَكَانٌ وَلا جِهَاتٌ، فَهُوَ تَعَالَى مَوْجُودٌ قَبْلَ الْمَكَانِ بِلا مَكَانٍ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَكَانَ فَلَيْسَ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ، وَهَذَا مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِاقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ)).
والله تعالى أعلم وأحكم