الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا شَأْنَ يَشْغَلُهُ، وَلا نِسْيَانَ يُذْهِلُهُ، وَلا قَاطِعَ لِمَنْ يَصِلُهُ، ولا ناصِرَ لِمَنْ يَخْذُلُهُ، جَلَّ عَنْ مِثْلٍ يُطَاوِلُهُ، أو ندٍ أو نَظِيرٍ يُقَابِلُهُ، ، يُثِيبُ بِالْعَمَلِ القليل ويقبلُهُ، ويحلُم عن العاصي فَلا يُعَاجِلُهُ، وَيَدَّعِي الْكَافِرُ شَرِيكًا وَيُمْهِلُهُ، ثُمَّ إِذَا بَطَشَ هَلَكَ كِسْرَى وَصَوَاهِلُهُ، وَذَهَبَ قَيْصَرُ وَمَعَاقِلُهُ، اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَمَا الْعَرْشُ يَحْمِلُهُ، وينزل نزول الرحمة لا كالمتنقل تَخْلُو مَنَازِلُهُ، هَذِهِ جُمْلَةُ اعْتِقَادِنَا وَهَذَا حَاصِلُهُ، مَنِ ادَّعَى عَلَيْنَا التَّشْبِيهَ فَاللَّهُ يُحاسبه، مَذْهَبُنَا مَذْهَبُ الأشعري وَمَنْ كَانَ يُطَاوِلُهُ، وَطَرِيقُنَا طَرِيقُ الشافعي وقد عُلمت فضائِلُهُ، أَحْمَدُهُ حَمْدًا أُدِيمُهُ وَأُوصِلُهُ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي ارْتَجَّتْ لَيْلَةَ وِلادَتِهِ أَعَالِي الإِيوَانِ وَأَسَافِلُهُ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ ثَانِيَ اثْنَيْنِ فَاعْرِفُوا مَنْ قَائِلُهُ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي صَفَا الإِسْلامُ بِجِدِّهِ وَعَذُبَتْ مَنَاهِلُهُ، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي أَتَتْهُ الشَّهَادَةُ وَمَا تَعِبَتْ رَوَاحِلُهُ، وَعَلَى عَلِيٍّ بَحْرِ الْعُلُومِ فَمَا يُدْرَكُ سَاحِلُهُ، أما بعد:
الحديث
فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: السَّابِعُ: عن أبي عُمَارةَ الْبراءِ بْنِ عازِبٍ رضي اللَّه عنهما قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “يَا فُلانُ إذَا أَويْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُل: اللَّهمَّ أسْلَمْتُ نفْسي إلَيْكَ، ووجَّهْتُ وجْهِي إِلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أَمْري إِلَيْكَ، وألْجأْتُ ظهْرِي إلَيْكَ. رغْبَة ورهْبةً إلَيْكَ، لا ملجَأَ ولا منْجى مِنْكَ إلَّا إلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذي أنْزَلْتَ، وبنبيِّك الَّذي أرْسلتَ، فَإِنَّكَ إنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وإنْ أصْبحْتَ أصَبْتَ خيْرًا” متفقٌ عَلَيهِ. وفي رواية في الصَّحيحين عن الْبرَاء قَالَ: قَالَ لي رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “إذَا أتَيْتَ مضجعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ للصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأيْمَنِ وقُلْ: وذَكَر نحْوَه ثُمَّ قَالَ وَاجْعَلْهُنَّ آخرَ ما تَقُولُ“.
الشرح
هذا الحديث: الْسَّابع (أي الحديث السابع من باب اليقين والتوكل وهو الحديث الثمانون من كتاب رياض الصالحين): عن أبي عُمَارةَ الْبراءِ بْنِ عازِبٍ رضي اللَّه عنهما (هو البَرَاءُ بنُ عَازِبِ بنِ الحَارِثِ الأَنْصَارِيُّ الحَارِثِيُّ الفَقِيْهُ الكَبِيْرُ، أَبُو عُمَارَةَ الأَنْصَارِيُّ، المَدَنِيُّ نَزِيْلُ الكُوْفَةِ، مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ رَوَى حَدِيْثاً كَثِيْراً، وَشَهِدَ غَزَوَاتٍ كَثِيْرَةً مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى: أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، فقد روي عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ فلم نشهدها. تُوُفِّيَ: في الْكُوفَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ وَقِيْلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ، عَنْ بِضْعٍ وَثَمَانِيْنَ سَنَةً وَلَهُ عَقِبٌ وَأَبُوْهُ مِنْ قُدَمَاءِ الأَنْصَارِ (مُسْنَدُهُ): ثَلَاثُ مائَةٍ وَخَمْسَةُ أَحَادِيْثَ لَهُ فِي الصَّحِيْحَيْنِ: اثْنَانِ وَعِشْرُوْنَ حَدِيْثاً وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ: بِخَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيْثاً، وَمُسْلِمٌ: بِسِتَّةٍ.) قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “يَا فُلانُ (قال الطيبي: هو أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ رضي الله عنه) إذَا أَويْتَ إِلَى فِرَاشِكَ (قال النووي في شرحه لمسلم: أي انضممت إليه ودخلت فيه. والمعنى: أَيْ: قَصَدْتَ الْمَأْوَى. أَيْ: لِلنَّوْمِ) فَقُل: اللَّهمَّ أسْلَمْتُ نفْسي (ومعنى أسلمت استسلمت أي سلمتها لك إذ لا قدرة لي ولا تدبير على جلب نفع ولا دفع ضر، فأمرها مفوّض إليك تفعل بها ما تريد واستسلمت لما تفعل فلا اعتراض عليك فيه) إلَيْكَ (أي: أسلمت وجعلت نفسي أي ذاتي منقادةً لك طائعةً لحكمك راضية بقضائك قانعة بقدرك فأنا منقاد لك في أوامرك ونواهيك)، ووجَّهْتُ وجْهِي (أي ذاتي. وقد تَرِدُ كلمة الوجه بمعنى الذات، كما قال الفيروزأبادي: في قولِه تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ} والمعنى: كلُّ شىء هالكٌ إِلَاّ هو. وقولِه تعالى: {ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام} المعنى ذاتُه، اهـ وليس معناه إذا أطلق على الله الوجهَ الجارحَ فهذا لا يليق بالله عز وجل فهو سبحانه منزه عن الجوارح والأعضاء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) إِلَيْكَ (أي: أقبلت بذاتي إليك مستسلمًا راضيًا قانعًا) (وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى أَنَّ الشَّخْصَ يَنْبَغِي أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ الْوَقْتَ لِيَنَامَ مُطِيعًا)، وفَوَّضْتُ (من التفويض أي رددت) أَمْري إِلَيْكَ (أي: توكلت في جميع شؤوني الدنيوية والأخروية عليك وجعلتها راجعة إليك، وبرئت من الحول والقوّة إلا بك فاكفني ما أهمني.. وَالْمَعْنَى: تَوَكَّلْتُ فِي أَمْرِي كُلِّهِ عَلَيْكَ)، وألْجأْتُ (أي: أسندت) ظهْرِي إلَيْكَ (أي: إلى حفظك. فهو مُلْتَجِئٌ إِلَيْهِ مِمَّا يَضُرُّهُ وَيُؤْذِيهِ مِنَ الْأَسْبَابِ الدَّاخِلَةِ وَالْخَارِجَةِ) (وفي هذه الألفاظ ما يدل على منتهى توكل العبد على خالقه عز وجل، وجاءت الإشارة لهذا في كتاب الله العزيز، قال تعالى: “وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ” قال أبو ثور: سمعت الشافعي رحمه الله يقول: نزه الله نبيه ورفع قدره. فقال: وتوكل على الحي الذي لا يموت. وذلك أن الناس في التوكل على أحوال شتى متوكل على نفسه أو على ماله أو على جاهه أو على سلطانه أو على صناعته أو على غلته أو على الناس وكل مستند إلى حي يموت وإلى ذاهب يوشك أن ينقطع فنزه الله نبيه عن ذلك وأمره أن يتوكل على الحي الذي لا يموت) رغْبَة (أي: طمعاً في ثوابك) ورهْبةً (أي: خوفاً من عقابك) إلَيْكَ (والمعنى إني في حالة الرغبة والرهبة لا أرجع إلا إليك)، لا ملجَأَ (أي: مستند ولا من يُلتجىء إليه، وقيل: لا مخلص ولا مفرّ) ولا منْجى مِنْكَ إلَّا إلَيْكَ (أي: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجا إلا إليك، فهو كقوله تعالى: {كلا لا وزر إلى ربك يومئذٍ المستقر} (القيامة: 11، 12) ،)، آمَنْتُ (أي صدقتُ، فالإيمان لغة التصديق، قال إخوة يوسف لأبيهم يعقوب عليه السلام: “وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا” أي وما أنت بمصدق لنا. والإسلام لغة يطلق على الاستسلام والخضوع، وفي هذا المعنى يقول عز وجل: “وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ” أي استسلموا وخضعوا وليس المعنى أنهم كلهم مسلمين، فالإيمان لغة التصديق، وشرعًا تصديق مخصوص، وهو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
والإسلام لغة الانقياد، وشرعًا انقيادٌ مخصوص، وهو الانقياد لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بالنطق بالشهادتين. أصله الانقياد بالنطق بالشهادتين وكمال الانقياد بأداء الواجبات واجتناب المحرمات. والإسلام والإيمان متلازمان لا يُقبل أحدهما بدون الآخر، ولذلك قال علماء الأمة: إن من قال يصح أن يكون العبد عند الله مسلما غير مؤمن أو مؤمنا غير مسلم فهو ضال من الضالين الجاهلين باللغة والدين. لا يكفي نطق من غير اعتقاد وتصديق ولا يكفي اعتقاد من غير نطق بالشهادتين لابد أن يجتمعا وإن كانا مختلفين من حيث معنياهما الأصليان فقد قال أبو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر: “لا يكون إيمان بلا إسلام ولا إسلام بلا إيمان فهما كالظهر مع البطن لأن الظهر لا يوجد إلا مع وجود بطنه والعكس كذلك فهما متلازمان فبطن الشيء لا يوجد إلا بوجود ظهره. من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهذا ما زال كافرا فكذلك الإيمان لا ينفصلُ عن الإسلام والإسلام لا ينفصل عن الإيمان، فمَن ءامن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وصدّق ذلك بالنطق بالشهادتين بلسانه فهو مسلم مؤمن، إن مات على ذلك لا بُدَّ أن يدخلَ الجنّة. وقولنا لابد لما ورد في الحديث فإذا قلنا بأمر مثل هذا وإن كان عنده بعض الكبائر الفهم السقيم الذي يفهمه البعض يقولون أنتم كالمرجئة تشجعون على فعل الكبائر تقولون موتوا على الكبائر تدخلون الجنة نحن نقول المسلم العاصي لا بد أن يدخل الجنة لما جاء في الأحاديث بل بالإجماع ينقله العلماء لا نحث الناس أن يقعوا في الكبائر هذا فهم مغلوط ولكن من سوء النفوس يتهموننا إذا تكلمنا بمثل هذا نحن نقول إن الذي يموت على الإسلام ولو كان عنده كبائر لا بد أن يرحمه الله لا يعني افعلوا الكبائر معناه حافظوا على الأصل أليس النبي قال لسيدنا أبي ذر رضي الله عنه قال يدخل الجنة وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق فهل معناه أن النبي يشجع على الزنى وعلى السرقة؟ معناه يشجع على حفظ الأصل قال وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق هل معناه النبي يشجع على الزنى والسرقة؟ معناه يشجع على حفظ الأصل الذي به ينجو من الخلود الأبدي في النار
وأمّا قول الله عزّ وجلّ:” قَالَتِ الأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا، وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ” [سورة الحجرات]. هذا المراد به الإسلام اللغوي يعني قولوا نحن انقدنا ظاهرا وأما من حيث الحقيقة فما صح لهم لا إسلام ولا إيمان كانوا على النفاق، الله نفى عنهم الإيمان بمعنى الإيمان الشرعي ولكنهم انقادوا للإسلام لغة خوفا من القتل، فالمرادُ بأسلمنا فيه الإسلامُ اللغويُّ الذي هو الانقيادُ لا الشرعيُّ، حيث إنّ هؤلاء الأعرابَ كانوا يُظهرون للنّاس أنهم يحبّون الرسولَ صلى الله عليه وسلم وأنهم مُنقادون له خوفًا من القتلِ وفي قلوبهم كرهُ النبيّ. كانوا يكرهون رسول الله ولكن حتى لا يقاتلون كانوا يظهرون هذا الله تعالى فضحهم. قال أبو حيّانَ -أبو حيان الأندلسي صاحب البحر المحيط اختصره فله هذا التفسير يقال له النهر الماد- في تفسير قوله تعالى:” وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا” [سورة الحجرات] ما نصّه: “فهو اللفظُ الصادق من أقوالهم وهو الانقيادُ والاستسلام ظاهرًا” ا.هـ يعني خوف القتل والسبي وهذه صفة المنافقين وهذه نزلت في بني أسد بن خزيمة حين كانوا على هذه الحالة كانوا يظهرون الشهادتين وهم لم يؤمنوا هذا قاله القرطبي رحمه الله. وقال القرطبي: “ومعنى:” وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا” [سورة الحجرات]: أي استسلمنا خوفَ القتل والسبيِ، يعني أنتم حقيقة لم يحصل لكم إسلام قولوا أسلمنا أي من حيث أنتم ظاهرا فقط وافقتم في اللفظ ولم تعتقدوا المعنى وهذه صفةُ المنافقين”اهـ فليس في هذه الآية أن هؤلاء الأعراب كانوا مسلمِين حقيقةً غيرَ مؤمنين. لأن البعض يستعمل هذه الآية حتى يقول لك فلان مسلم ليس مؤمن او مؤمن ليس مسلم لا بل المسلم هو المؤمن والمؤمن هو المسلم هكذا. وما جاء في الحديث وفيه: “لا يؤمنُ أحدكم حتى يكون هواه تَبَعًا لما جئتُ به”، و: “لا يؤمنُ أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه” والحديثِ الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده”، ونحوِ هذا ليس المرادُ به نفيَ أصل الإيمان عنه، بل المراد نفيُ الإيمانِ الكامل الذي يكون به متبعًا للنبيّ اتباعًا كاملاً. قال الحافظ ابن حجر في الفتح في هذا الحديث الأخير ما نصّه: “قوله: “لا يؤمنُ” أي إيمانًا كاملًا”. ا.هـ هناك نصوص أخرى تبين أن من وقع في المعصية لا يخرج من الإسلام فلذلك هذا يخرج عن الظاهر بدليل لأن ما جاء في الشرع لابد أن يكون حقا فإذا جاء جملتان ظاهرهما التعارض فلابد من الجمع بينهما فتؤول أحدهما لتوافق الأخرى وهذا هو الفرق بين الشرع وبين كلام غير المعصوم. عبارة مهمة: ما جاء به الشارع فهو على ظاهره إلا إذا احتيج إلى تأويله ليصح والتأويل يكون بدليل وليس بغير دليل. وقال النووي في شرح مسلم ما نصّه: “قولُه صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبّ لأخيه” أو قال: “لجاره ما يحبُّ لنفسه”. هكذا هو في مسلم لأخيه أو لجاره على الشك، يعني من الراوي شك الراوي أو النبي قال هذا أو هذا وكذا هو في مسند عبد بن حميد على الشك، وهو في البخاري وغيره: “لأخيه” من غير شك، يعني رواية البخاري لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه الراوي ما شك في اللفظ، قال العلماء رحمهم الله: معناه لا يؤمن الإيمان التّام، وإلا فأصلُ الإيمان يحصل لمن لم يكُن بهذه الصفة.ا.هـ يعني أصل الإيمان حصل ولو كان هذا الشخص لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير وهذه الخصلة قليل من المسلمين في أيامنا يتحلون بها ويتخلقون بها ان يحبوا لإخوانهم المؤمنين ما يحبون لأنفسهم من الخير هذا قليل من الناس من يفعله قد تجد واحد من مليون من يفعل هذا، فلذلك لا يقال فلانٌ مسلمٌ ولكنه ليس بمؤمن أو العكس، بل يقال فلان كاملُ الإيمان أو ناقص الإيمان لأن الإيمان يزيدُ وينقص. هذا تعبير الأشاعرة يعني ليس الأصل الذي يحصل به أصل الإيمان إنما المراد بأداء الطاعات واجتناب المحرمات يكمل الشخص أو ينقص إيمانه. فمَن ءامن بالله ورسوله وأدّى الواجباتِ واجتنب المحرماتِ فهذا مسلمٌ مؤمن وإيمانُه كامل، ومَن ترك بعض الواجبات كالصلوات الخمس أو ارتكب بعض المحرّمات كأكل الربا وشرب الخمر فهذا مسلم مؤمن وإيمانه ناقص.
ولا نكفره إذا كان ترك الصلوات كسلا هذا يقال فيه مسلم عاصٍ ولا يقال فيه كافر هذا قول الجمهور وهذا الذي يوافق ما جاء في الأحاديث ظاهرها أن النبي قال عليه الصلاة والسلام عن الصلوات الخمس ومن لم يأت بهن بتمامهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة يعني هو تحت المشيئة فهذا لا يقال في الكافر إن شاء أدخله الجنة لأن الله أخبر أن من مات على الكفر يدخل النار مخلدا فيها أبدا. قال النووي في شرح مسلم بابُ بيان نُقصان الإيمان بالمعاصي ما نصّه: “في الباب قولُه صلى الله عليه وسلم: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. يعني لا يكون كامل الإيمان إذا زنى والزنى لا يخرج من الملة نحن لسنا كالخوارج ولا كالمرجئة في هذه المسألة الخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة أما المرجئة يقولون لا يعذب عاصي على الذنوب فهذا وهذا نحن لا نقول به أهل السنة يقولون المسلم العاصي إن مات من غير توبة إن شاء الله عذبه وإن شاء عفا عنه هذا الزاني لا يكون كامل الإيمان، ولا يسرقُ السارق حين يسرق وهو مؤمن، لا يكون كامل الإيمان إذا سرق ولا يشربُ الخمر حين يشربُها وهو مؤمن” الحديثَ، هذا الحديثُ ممّا اختَلف العلماء في معناه، فالقول الصحيح الذي قاله المحققون إنّ معناه لا يَفعل هذه المعاصي وهو كاملُ الإيمان، يعني لا يكون على الإيمان الكامل إذا فعل هذه المعاصي وهذا من الألفاظ التي تُطلق على نفيِ الشىء ويُراد نفيُ كمالِه ومُختارِه كما يقال: لا علمَ إلا ما نفَع، يوجد علوم غير نافعة ولكن كمال العلم العلم الممدوح الذي ينفع. و: لا مال إلا الإبل. ويوجد غير الإبل من المال لكن هذا لأن العرب كانوا يعتبرون الإبل أعلى الأموال. و: لا عيش إلا عيشُ الآخرة، يعني العيش الكامل هو الذي يكون في الأخرة في النعيم في الجنة الله يدخلنا الجنة بسلام. وإنما تأوّلناه على ما ذكرناه لحديثِ أبي ذر وغيره: “مَن قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق”، وحديثِ عُبادة بن الصامت الصحيحِ المشهور أنهم بايعوه صلى الله عليه وسلم على أن لا يسرقوا ولا يزنُوا ولا يعصُوا في معروف إلى ءاخره، هذه المبايعة التي تمت كان فيها التزام أشياء وامتناع عن أشياء عاهدوه ومن جملة ذلك ان لا يسرقوا ولا يزنوا. ثم قال لهم صلى الله عليه وسلم: “فمَن وفَى منكم فأجرُه على الله، يعني من وفى ما عاهد يعني التزم وطبق العهد ومَن فعل شيئًا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفّارته، لأنه أحيانا بعض المعاصي يقام على فاعلها الحد فإن أقيم عليه الحد كفارة يعني لا يعذب عليها في الآخرة ومَن فعل ولم يعاقبْ فهو إلى الله تعالى يعني إن مات من غير توبة وهو مرتكب للكبائر دون الكفر إن شاء عفا عنه وإن شاء عذّبه”، هذا نقوله في المسلم العاصي وجملة هؤلاء العصاة الذين ماتوا من غير توبة تقول هم قسمان قسم لا بد أن يعذب وقسم لابد أن يعفوا الله عنه لما جاء في الأحاديث والقرآن فهذان الحديثانِ معَ نظائرهما في الصحيح معَ قول الله عزّ وجلّ:” إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ” [سورة النساء]، إن الله لا يغفر أن يشرك به لمن مات عليه على الشرك ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء أي لمن مات عليه يعني ولم يتب مات من غير توبة من العصاة مع إجماع أهل الحق على أنّ الزانيَ والسارق والقاتل وغيرَهم من أصحاب الكبائر غيرِ الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمانِ إن تابوا سقطتْ عقوبتُهم، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وإن ماتوا مُصرّين على الكبائر كانوا في المشيئةِ فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهمُ الجنّة أولاً، وإن شاء عذّبهم ثمّ أدخلهم الجنّة، وكلُّ هذه الأدلةِ تَضطرُّنا إلى تأويل هذا الحديث وشِبْهِه، ثم إنّ هذا التأويلَ ظاهرٌ سائغ في اللغة مستعملٌ فيها كثير” انتهى كلام النووي. يعني هذا اللفظ الذي ورد في هذا الحديث وأشباهه هذا مستعمل في لغة العرب، قوله صلى الله عليه وسلم: بِكِتَابِكَ الَّذي أنْزَلْتَ (قيل: الإضافة في كتابك للعهد: أي القرآن بقرينة المقام، قال ملا علي القاري: وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ الْحَاثُّ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْبَهِيَّةِ وَسَائِرِ الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ وَالْحَالَاتِ السَّنِيَّةِ، والمعنى أنزلته على رسولك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والإيمان بالقرآن يتضمن الإيمان بجميع كتب الله المنزلة.
فالكتاب إذًا يجوز أن يراد به القرآن ويجوز أن يراد به الجنس فيشمل سائر الكتب السماوية المنزلة على أنبياء الله تعالى، فإنه يجب الإيمان بكل الكتب المنزلة على بعض الأنبياء. الكُتب السّماوِيّة دعت كلها إلى دين الإسلام، الّذي هو الدّينُ السّماويُّ الوحيد. إن أشهر الكتب السماوية التي أنزلها الله تبارك وتعالى على أنبيائه هي: القرءان الكريم، التوراة، الإنجيل، الزبور. الكتاب الوحيد الذي لم يحرف هو القرآن الكريم. ورد في حديث رواه ابن حبان في صحيحه، وكذا رواه ابن مَرْدَوَيْه وعبدُ بن حُمَيْد وابن عساكر كما ذكر ذلك السيوطي في الدر المنثور، والقرطبي في التفسير، كلهم عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم كم كتابا أنزل الله ؟ قال: « مائةَ كتاب، وأربعةَ كتب، أُنزلَ على شيث خمسون صحيفة، وأنزل على أَخنُوخ (إدريس) ثلاثون صحيفة، وأنزل على إبراهيم عشرُ صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان » المجموع مائةُ كتاب وأربعةُ كتب سماوية)، وبنبيِّك الَّذي أرْسلتَ (أي: أرسلته لكافة الناس بشيراً ونذيراً، ويجوز أن يكون المراد من النبي الجنس. ويجبُ الإيمانُ برسل الله من كان منهم نبياً غيرَ رسول ومن كان رسولاً نبياً، وليعلم أن النبي هو: من أوحي إليهِ بشرعِ من قبلهُ أما الرسولُ فهو: من أوحي إليه بشرعٍ جديد، وكلٌ مأمورٌ بالتبليغ وقد غلط بعضهم فقال: إن النبي غيرُ مأمورٍ بالتبليغِ وهذا غلطٌ شنيع لأنه لو لم يكن مأموراً بالتبليغ فأي معنى لرسالتهِ؟ قال الله تعلى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمني ألقى الشيطان في أمنيته) هذا صريح في إرسالهما حقا، وأول الأنبياء والرسل هو ءادم عليه السلام والدليلُ على أنه كان نبياً قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران آية 33] وقد غلط بعضُ الناسِ وظنوا أن أول الرسل على الإطلاق هو نوحٌ وأوردوا لذلك حديثاً إن نوحاً هو أول رسل الله إلى أهلِ الأرضِ وهذا الحديث معناه: أن نوحاً عليه السلام هو أول من أرسله الله إلى أقوامٍ مختلفين لأنه قبل ذلك كان الناس أمة واحدة أي كلُهم على الإسلام وذلك في زمن ءادم وشيث وإدريس وحصل الكفر أول مرة بعد إدريس فكان نوحٌ أول من أرسل إلى الكفار، والجاهلية الأولى ما بين وفاة إدريس إلى بعثة نوح وكانت ألف سنة. وقد جاء كلُ الأنبياء بدين واحدٍ هو الإسلام قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية 85] وقال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّـهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّـهِ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾)، فَإِنَّكَ إنْ مِتَّ (بكسر الميم وضمها كما قرىء بهما في السبع، ﻣﻦ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ (ﻣﺎﺕ ) ﻳﺠﻮﺯ ﻓﻲ ﻣﻀﺎﺭﻋﻪ ﺍﻟﺘﺜﻠﻴﺚ ﻓﻨﻘﻮﻝ: ماتَ يَمُوتُ وَيَمِيْتُ وَيَمَاتُ، وقد جمعها بعضهم بقوله:
مَنْ مَنَعَتْ زَوْجَتُهُ مِنْهُ الْمَبِيتَ
مَاتَ يَمُوتُ وَيَمَاتُ وَيَمِيتُ
مِنْ لَيْلَتِكَ (مع اعتقاد مضمون هذا الكلام الذي أتيت به) مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ (أي: على الإيمان الذي فطر الله عليه عباده قال تعالى: {فطرَتَ الله ِالتي فطر الناس عليها} (الروم: 30) أما (حَدِيثُ) “مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُوْلَدُ إِلَّا يُوْلَدُ علَى الفِطْرَةِ” مَعْنَى الحَدِيثِ أنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِ دِيْنِ الإِسْلَامِ مُتَهَيِّأً لأَنَّهُ كَانَ عَرَفَ الإِسْلَامَ لَمَّا أُخْرِجَتِ الأَرْوَاحُ مِن ظَهْرِ ءَادَم، اللهُ جَمَعَهُم فِي ظَهْرِ ءَادَمَ ثُمَّ أُخْرِجُوا وَرَكَّبَ فِيهِم عُقُولاً وَسُئِلُوا ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ كُلُّ الأَرْوَاحِ قَالَتْ: “لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ” ثُمَّ نَسِيَتْ لَمَّا رُكِّبَتْ فِي الأَجْسَامِ، (فَيَبْقَى الشَّخْصُ علَى هذَا) إِلَى أَنْ يَعُودَ يَسْمَعُ الإِسْلَامَ مِن أَبَوَيْهِ أَو غَيْرِهِمَا فَيَعُودُ يَتَذَكَّرُ، أَوْ يَسْمَعُ الكُفْرَ مِن أَبَوَيْهِ أَو مِنْ غَيْرِهِمَا فَيَعْتَقِدُهُ، لَيْسَ مَعْنَاهُ لَمَّا وُلِدَ يَكُونُ عَارِفًا بِتَفَاصِيلِ الإِسْلَامِ. اللهُ صَوَّرَ كُلَّ الأَرْوَاحِ بِصُوَرٍ صَغِيرَةٍ وَرَكَّبَ فِيهِمُ المَعْرِفَةَ وَعَرَفُوا أَنَّ اللهَ خَالِقُهُم، ثُمَّ لَمَّا دَخَلَ الرُّوْحُ فِي الجَسَدِ لَا يَذْكُرُونَ شَيْئًا مِن ذَلِك ثُمَّ يَتَعَلَّمُونَ مِن وَالِدَيْهِم أَو مِن غَيْرِهِم. فَمَن سَمِعَ الإِسْلَامَ مِن أَبَوَيْهِ وَغَيْرِهِمَا فَاعْتَقَدَهُ فَيَكُونُ عَلَى مُوْجَبِ الإِسْلامِ الذِي كَانَتْ عَلَيْهِ الرُّوْحُ)، وإنْ أصْبحْتَ (أي أصبحتَ حيًّا) أصَبْتَ خيْرًا (أي: أجراً عظيماً وثواباً جزيلاً.)” وفي رواية في الصَّحيحين عن الْبرَاء قَالَ: قَالَ لي (ولا تعارض أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الذِّكْرَ لأُسَيدِ بنِ حضير مرة وللبراء بن عازب مرة أخرى) رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “إذَا أتَيْتَ مَضْجعَكَ (أي: مكان اضطجاعك) فَتَوَضَّأْ (وهذا أمر ندب) وُضُوءَكَ للصَّلَاةِ (: فتوضأ وضوءك للصلاة: أي إن كنت على غير وضوء ، وإنما ندب الوضوء عند النوم لأنه قد تقبض روحه في نومه فيكون قد خَتم عمله بالوضوء، وليكون أصدقُ لرؤياه وأبعدُ عن تلاعب الشيطان به في منامه)، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ (أي على جانبك) الأيْمَنِ (وهو من السنن) (قال ابن علان: وذلك لشرف الأيمن،: لأنه يمنع الاستغراق في النوم لقلق القلب فيسرع في الإفاقة ليتهجد أو ليذكر الله تعالى بخلاف الاضطجاع على الشق الأيسر) وقُلْ: وذَكَر نحْوَه (أي بمعناه) ثُمَّ قَالَ وَاجْعَلْهُنَّ آخرَ ما تَقُولُ (أي: من الدعوات)”. (وفي الحديث بيان ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من أمر التوكل على الله عز وجل، وكان هذا دأبَ الصالحين والأولياء المقبولين، فقد روي أن أَبا حَمْزَةَ الْخُرَاسَانِيُّ وكَانَ مِنْ كِبَارِ الْعُبَّادِ سَمِعَ أَنَّ أُنَاسًا بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَلَّا يَسْأَلُوا أَحَدًا شَيْئًا، الْحَدِيثَ، فَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: رَبِّ! إِنَّ هَؤُلَاءِ عَاهَدُوا نَبِيَّكَ إِذْ رَأَوْهُ، وَأَنَا أُعَاهِدُكَ أَلَّا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، قَالَ: فَخَرَجَ حَاجًّا مِنَ الشَّامِ يُرِيدُ مَكَّةَ فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ مِنَ اللَّيْلِ إِذْ سَقَطَ فِي بِئْرٍ عَلَى حَاشِيَةِ الطَّرِيقِ، فَلَمَّا حَلَّ فِي قَعْرِهِ قَالَ: أَسْتَغِيثُ لَعَلَّ أَحَدًا يَسْمَعُنِي. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الَّذِي عَاهَدْتُهُ يَرَانِي وَيَسْمَعُنِي، وَاللَّهِ! لَا تَكَلَّمْتُ بِحَرْفٍ لِلْبَشَرِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا إِذْ مَرَّ بِذَلِكَ الْبِئْرِ نَفَرٌ، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَلَى حَاشِيَةِ الطَّرِيقِ قَالُوا: إِنَّهُ لَيَنْبَغِي سَدُّ هَذَا الْبِئْرِ، ثُمَّ قَطَعُوا خَشَبًا وَنَصَبُوهَا عَلَى فَمِ الْبِئْرِ وَغَطَّوْهَا بِالتُّرَابِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: هَذِهِ مَهْلَكَةٌ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ! لَا أَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ عَاهَدْتَ مَنْ يَرَاكَ؟ فَسَكَتَ وَتَوَكَّلَ، ثُمَّ اسْتَنَدَ فِي قَعْرِ الْبِئْرِ مُفَكِّرًا فِي أَمْرِهِ، فَإِذَا بِالتُّرَابِ يَقَعُ عَلَيْهِ، وَالْخَشَبِ يُرْفَعُ عَنْهُ، وَسَمِعَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مِنْ يَقُولُ: هَاتِ يَدَكَ! قَالَ: فَأَعْطَيْتُهُ يَدِي فَأَقَلَّنِي فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى فَمِ الْبِئْرِ، فَخَرَجْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَسَمِعْتُ هَاتِفًا يقول: كيف رأيت ثمرة التوكل، وأنشد:
نَهَانِي حَيَائِي مِنْكَ أَنْ أَكْشِفَ الْهَوَى
فَأَغْنَيْتَنِي بِالْعِلْمِ مِنْكَ عَنِ الْكَشْفِ
تَلَطَّفْتَ فِي أَمْرِي فَأَبْدَيْتَ شَاهِدِي
إِلَى غَائِبِي وَاللُّطْفُ يُدْرَكُ بِاللُّطْفِ