الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَحْكَمَ بِحِكْمَتِهِ مَا فَطَرَ وَبَنَى، وَأَمَرَنَا بطاعتِه لا لِحاجَةٍ بَلْ لَنَا، يَغْفِرُ الْخَطَايَا لِمَنْ أَسَاء وَجَنَا، وَيُجْزِلُ الْعَطَايَا لِمَنْ كَانَ مُحْسِنًا، بَيَّنَ لِقَاصِدِيهِ سَبِيلا وَسُنَنًا، وَوَهَبَ لِعَابِدِيهِ جَزِيلا يُقْتَنَى، وَأَثَابَ حَامِدِيهِ أَلَذَّ مَا يُجْتَنَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أَحْمَدُهُ مُسِرًّا لِلْحَمْدِ وَمُعْلِنًا، وَأُصَلِّي وأسلم عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الذي أسس قواعد الدين وبنى، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الْمُتَخَلِّلِ بِالْعَبَا رَاضِيًا بِالْعَنَا، وَهُوَ الَّذِي أُريدَ بِقَوْلِهِ تعالى﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وَعَلَى عُمَرَ الْمُجِدِّ فِي عِمَارَةِ الإِسْلامِ فَمَا وَنَى، وَعَلَى عُثْمَانَ الصابر فنال الجنة ثمنا، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي إِذَا مدحناه فَالْفَخْرُ لَنَا. أما بعد:
الحديث
فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثَّامِنُ: عنْ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق رضي اللَّه عنه عبدِ اللَّه بنِ عثمانَ بنِ عامِرِ بنِ عمروِ بنِ كعبِ بنِ سعدِ بْنِ تَيْمِ بْن مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْن لُؤيِّ بْنِ غَالِب الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ رضي اللَّه عنه وهُو وأبُوهُ وَأُمَّهُ صحابَةٌ، رضي اللَّه عنهم قَالَ: نظرتُ إِلَى أقْدَامِ المُشْرِكِينَ ونَحنُ في الْغَارِ وهُمْ علَى رُؤُوسِنا فقلتُ: يَا رسولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أحَدَهمْ نَظرَ تَحتَ قَدميْهِ لأبصرَنا فَقَالَ: “مَا ظَنُّك يَا أَبا بكرٍ باثْنْينِ اللَّهُ ثالثُهْما”. متفقٌ عَلَيهِ.
الشرح
الْثامنُ (أي الحديث الثامن من باب اليقين والتوكل وهو الحديث الحادي والثمانون من كتاب رياض الصالحين): عنْ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق رضي اللَّه عنه عبدِ اللَّه بنِ عثمانَ بنِ عامِرِ بنِ عمروِ بنِ كعبِ بنِ سعدِ بْنِ تَيْمِ بْن مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْن لُؤيِّ بْنِ غَالِب الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ رضي اللَّه عنه وهُو وأبُوهُ وَأُمَّهُ صحابَةٌ، رضي اللَّه عنهم (وردَ عنْ بعضِ السلفِ قولُهم: بذكرِ الصالحينَ تنزلُ البركاتُ. وهَا نحنُ نذكرُ أفضلَ الصالحينَ وأفضلَ البشرِ بعدَ الأنبياءِ سيدَنا ومولانَا وصاحبَ نبيِّنا والمناضلَ عنْ دينِ اللهِ تعالى وقامعَ المرتدينَ والمنافقينَ ومَنْ ثبَّتَ اللهُ بهِ دعائمَ الدينِ بعدَ فَقْدِ نبيِّنا ﷺ مِنْ بينِ البشرِ، نذكرُ الصدِّيقَ الأكبرَ أبا بكرِ ابنَ أبي قحافةَ رضيَ اللهُ عنهُ وأرضاهُ ونفعَنَا بذكرِه وحشرَنَا بزمرَتِه معَ نبيِّنا صلواتُ ربِّي وسلامُه عليهِ يومَ لَا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلَّا مَنْ أتَى اللهَ بقلبٍ سليمٍ، فنقولُ متوَكِّلِيْنَ علَى اللهِ الجليلِ مخلصينَ القلوبَ لَهُ سبحانَهُ، سائلينَهُ مددَ الصالحينَ وبركاتِهِمْ واللُّحُوقَ بِهِمْ وبركائِبِهِمْ، ءامينَ:
هو أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ السَّابِقُ إِلَى التَّصْدِيقِ، الْمُلَقَّبُ بِالْعَتِيقِ، الْمُؤَيَّدُ مِنَ اللهِ بِالتَّوْفِيقِ، صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَضَرِ وَالْأَسْفَارِ، وَرَفِيقُهُ الشَّفِيقُ فِي جَمِيعِ الْأَطْوَارِ، وَضَجِيعُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الرَّوْضَةِ الْمَحْفُوفَةِ بِالْأَنْوَارِ، الْمَخْصُوصُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ بِمَفْخَرٍ فَاقَ بِهِ كَافَّةَ الْأَخْيَارِ، وَعَامَّةَ الْأَبْرَارِ، وَبَقِيَ لَهُ شَرَفُهُ عَلَى كُرُورِ الْأَعْصَارِ، وَلَمْ يَسْمُ إِلَى ذُرْوَتِهِ هِمَمُ أُولِي الْأَيْدِ وَالْأَبْصَارِ، حَيْثُ يَقُولُ عَالِمُ الْأَسْرَارِ: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْآثَارِ، وَمَشْهُورِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ وَالْأَخْبَارِ الَّتِي غَدَتْ كَالشَّمْسِ فِي الِانْتِشَارِ، وَفَضَلَ كُلَّ مَنْ فَاضَلَ، وَفَاقَ كُلَّ مَنْ جَادَلَ وَنَاضَلَ، وَنَزَلَ فِيهِ: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} [الحديد: 10].
تَوَحَّدَ الصِّدِّيقُ فِي الْأَحْوَالِ بِالتَّحْقِيقِ، وَاخْتَارَ الِاخْتِيَارَ مِنَ اللهِ حِينَ دَعَاهُ إِلَى الطَّرِيقِ، فَتَجَرَّدَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، وَانْتَصَبَ فِي قِيَامِ التَّوْحِيدِ لِلتَّهَدُّفِ وَالْأَغْرَاضِ، صَارَ لِلْمِحَنِ هَدَفًا، وَلِلْبَلَاءِ غَرَضًا، وَزَهَدَ فِيمَا عَزَّ لَهُ جَوْهَرًا كَانَ أَوْ عَرَضًا. ولم يتفق لأحد من الصحابة ما اتفق له من إسلام أبويه وبنيه وبعض بنيهم وصحبة الجميع (رضي الله عنهم) أسلم لما دعاه إلى الإسلام ولم يتلعثم ولم يتردد. وهو أول من أسلم من الرجال الأحرار البالغين بلا خلاف، وتأخر إسلام أبيه إلى يوم الفتح ويكفيك في فضله قوله: «إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوةُ الإسلام ومودتُه» رواه البخاري وفضائله كثيرة ومناقبه شهيرة، رُوي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائةُ حديث واثنانِ وأربعون حديثاً، اتفقا على ستة أحاديث منها، وانفرد البخاري بأحد عشر ومسلم بواحد.
توفي رضي الله تعالى عنه بين المغرب والعشاء من ليلة الثلاثاء لثمانٍ بَقينَ من شهر جمادى الأولى سنة ثلاثَ عشرَةَ عن ثلاثٍ وستين سنة، وحمل على السرير الذي كان ينام عليه النبي، وصلى عليه عمربن الخطاب تجاه المنبر النبوي وكبر عليه أربعاً، ودفن بجانب قبر النبيّ. رضي الله عنه وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. ولست بما نقلتُ وذكرتُ أجمعُ مدحَ أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لا، بل هو إشارةٌ لطيفة أرتجي بها شفاعةَ الصدِّيق يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وكيف أجمعُ فضائلَه ومناقبَه ومن الذي يحصي نجوم السماء أو يحيط بحبات رمال الأرض) قَالَ (رضي الله عنه): نظرتُ إِلَى أقْدَامِ المُشْرِكِينَ (الذين خرجوا يقصون أثر النبيّ لما هاجر ويلتمسون محله الذي هو فيه) ونَحنُ في الْغَارِ (هو ثُقب في الجبل عظيمٌ كالكهف، وهو الغار المذكور في قوله تعالى {إذ هما في الغار} قال قتادة: هو غار في جبلٍ بمكة يقال له ثور. واختلف في التفاضل بينه وبين غار حراء، فقال الفيروزآبادي: إن غار ثور أفضل لأن الله تعالى ذكره في القرآن وحمى فيه سيد ولد عدنان. وقال بعض المتأخرين: غار حراء أفضل لأنه اختاره للتعبد وفيه بدء الوحي)، (وجبل ثور، يقع جنوب جبل المسجد الحرام ويشرف على حي الهجرة، ويعتبر من الجبال المعروفة نظرا لما يتمتع به من مكانة تاريخية إسلامية حيث يوجد فيه الغار الذي اختبأ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، من كفار مكة الذين أرادوا قتله ومنه هاجر هو وصاحبه سرا إلى المدينة المنورة. ويقال إن سبب تسمية جبل ثور بهذا الاسم أنه كان يعرف بجبل أطحل، ولكن حين سكنه ثور بن عبد مناف نسب إليه، ويقال أيضا إنه يشبه ثورا مستقبلا الجنوب. هو جبل مستدير الشكل نسبيا له عشر قمم مدببة ويصل ارتفاع أعلاه إلى 755 مترا وتبلغ مساحته عشرة كيلومترات مربعة. ويشهد غار ثور، الذي يبعد 4 كيلومترات عن الحرم الشريف إقبالا من المعتمرين، الذين يحرصون على الصعود إلى قمة الجبل لمشاهدة الغار الذي اختبأ فيه الرسول حين الهجرة إلى المدينة المنورة، والغار هو عبارة عن صخرة مجوّفة يصل طولها إلى 1.25 متراً، وله فتحتان إحداهما من جهة الشّرق، والأخرى من جهة الغرب) وهُمْ علَى رُؤُوسِنا (في طلبنا فأعماهم الله وكيف تبصر الشمسَ مقلةٌ عمياءُ) فقلتُ: يَا رسولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أحَدَهمْ نَظرَ تَحتَ قَدميْهِ لأبصرَنا (قال ابن علان: أي: من خلال أغصان الشجر وبيت العنكبوت التي كانت على باب الغار الذي دخلا منه وهو الباب الضيق، أما الباب المتسع فإنما شقّ له لما قال له الصديق: لو ولجوا علينا الغار ما كنا نصنع؟ فقال: كنا نخرج من هاهنا، وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر ولم يكن فيه شقّ، فانفتح فيه للحين باب بقدرة الله تعالى) فَقَالَ: “مَا ظَنُّك (أي: ما تظن) يَا أَبا بكرٍ باثْنْينِ اللَّهُ ثالثُهْما (بالنصر والمعونة والكِلاءة والحفظ أيصيبهما ضيم؟ وهذا استفهام تقريري، وفيه تسكين لما حصل للصديق حينئذٍ من الاضطراب، فَمَعِيَّةُ اللَّهِ الْمَذْكُورَةُ فِى الْقُرْءَانِ ليستْ معيةً بِالْحِسِّ وَالْجِهَاتِ فقدْ تَأْتِى بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْكِلاءَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّبِيدِىُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ النَّحْلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، وتأتي علَى معنَى الإحاطةِ بالعلمِ فَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ أَىِ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ وَالنُّصْرَةُ وَالْكِلاءَةُ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَعِيَّةِ اللهِ مَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْجِسْمِيَّةِ وَلَيْسَ الْمَعْنِيُّ بِهَا الْحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَىْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْحُلُولُ أَوِ الِاتِّصَالُ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ بِالْمَسَافَةِ).
ومن الإلحاد فى صفات الله وأسمائه أن يُقالَ إنَّ اللهَ جالسٌ لا كجلوسنا أو إنَّ اللهَ جسم لا كالأجسام
لأنَّ دلالةَ الجسمِ والجلوسِ على التركيبِ فِى هذا دلالةٌ بيِّنةٌ على النقصِ والحاجةِ ولازمُ المذهبِ إذا كان بيِّنًا فهو عندئذٍ مذهبٌ
ولذلك قال الشيخُ محمد عِلِيش فِى شرحِهِ على خليلٍ إنَّ اعتقادَ جسميةَ اللهِ وتحيُّزَهُ يستلزمُ نسبةَ الحدوثِ والاحتياجِ إليه استلزامًا بيِّنًا فهو يستلزمُ الكفرَ استلزامًا بيِّنًا اهـ
فلا ينفعُهُ قولُهُ جالسٌ لا كجلوسنا) أىْ لأنَّ الإتيانَ بعبارةِ لا كجلوسِنا بعد قولِ جالسٍ لا يَنْفِى إثباتَهُ للجلوسِ ولا يَخرج بكلمة جالس عن معناها الذي فيه نسبة النقص إلى الله كما لو قال قائل نائم لا كنومنا جائعٌ لا كجوعنا خائفٌ لا كخوفِنا ضعيفٌ لا كضعفِنا مُرتَجِفٌ لا كارتجافِنا طويلٌ لا كطولِنا عريضٌ لا كعَرْضِنا مُجَوَّفٌ لا كتجويفنا مركَّبٌ لا كتركيبِنا وهكذا
يحكم على هذا القائل نائم لا كنومنا بأنه كفر مع أنه قال لا كنومنا لأنه أثبت النقص وكذلك الذي يقول الله جالس لا كجلوسنا أثبت النقص لله أثبت وصف الأجسام لله. وكذلك عبارةُ لا كجلوسنا لا تفيدُ شيئًا فِى نَفْىِ الضلالِ عمَّن ينسُبُ الجلوسَ إلى الله تعالى. وعلى مثلِ هذا يجرِى الحكمُ فى حقِّ من يزعم أنَّ اللهَ جسمٌ لو قال لا كالأجسام هذا نسب إلى الله النقص تصريحًا نسب إلى الله صفة الخلق
فإنَّ الجسمَ هو المركَّبُ من جزءَينِ أو أكثرَ بحيثُ يكونُ له أبعادٌ ثلاثةٌ طولٌ وعرضٌ وعُمْقٌ إذا قيل جسم الجسم معناه مركب هل يعقل هل يتصور جسم إلا أن يتصور معه حجم وإلا أن يتصور معه صورة فلا ينفك هذا عن هذا
ولذلك قال التقِىُّ السُّبكِىُّ ومَن أطلق أىْ على اللهِ القعودَ وقال إنه لم يُرِدْ صفاتِ الأجسامِ قال شيئًا لم تشهدْ له به اللغةُ فيكونُ باطلًا وهو كالمُقِرِّ بالتجسيمِ المُنكِرِ له فيُؤاخَذُ بإقرارِهِ ولا يُفيدُهُ إنكارُهُ اهـ ولم يَنقلْ فيه خلافًا ونقله عنه الزبيدىُّ فِى شرح الإحياء وأقرَّه.
وقال المُتوَلِّى فِى الغُنْيَةِ البارِئُ تعالى ليس بجسمٍ وذهبتِ الكرَّاميَّةُ إلى أنَّ اللهَ تعالى جسمٌ والدليلُ على فسادِ قولِهِم أنَّ الجسم فى اللغة بمعنى التأليف واجتماع الأجزاء والدليل عليه أنه نقول عند زيادةِ الأجزاءِ وكثرةِ التأليفِ جسيمٌ وأَجْسَمُ كما يقال عند زيادةِ العِلمِ عليمٌ وأعلمُ وقال تعالى وزادَهُ بسطةً فِى العِلم والجسم فلما كان وصفُ المبالغة بزيادةِ التأليفِ دلَّ على أنَّ أصلَ الاسمِ للتأليف
وأنا أعجب من هؤلاء الذين يقولون من قال الله جسم هناك قول بعدم تكفيره أما من قال النبى كان أسود نكفره لأنه وصفه بغير صفته وهذا جهل به. أما وصف الرب بغير صفته لا يكون جهلاً به ولا يكون كفرًا. لما لا يكون قاعدة متينة ويتكلم الإنسان بما لا يحسن هيك بيصير
والأشعرى يكفّر المجسم كما قال في النوادر وما قال بعدم تكفيره لا هو ولا أحد من أصحابه قال الزركشي في تشنيف المسامع الأشعرى كفَّرَ من قال الله جسم لا كالأجسام قال ونقل عن الأشعرية أنه يفسق قال الزركشي وهذا النقل عن الأشعرية غير صحيح اهـ إنما الصحيح أنه يكفر.
وحصل هذا الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الهجرة والتي سأذكر تلخيصا لأهم أحداثها فأقول: لمَّا اشتدَّ على المسلمين الأذى أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بعضَ أصحابِهِ بالهجرةِ إلَى الحبشةِ وكانَ ﷺ قدْ لَقِيَ فِي الموسمِ نَفَرًا مِنْ أهلِ يثربَ مِنَ الخزرجِ فَدَعَاهُمْ إلَى الإسلامِ فأسلموا ثمَّ ازدادَ عددُهُمْ فِي العامِ التالي فلمَّا انصرفُوا بعثَ معَهُم بعضَ أصحابِهِ ﷺ لتعليمِ مَنْ أسلمَ مِنْ أهلِ يثربَ القرآنَ ودعوةِ مَنْ لمْ يُسْلِمْ منهمْ بعدُ إلَى الإسلامِ فلمَّا كَثُرَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ بيثربَ أمرَ اللهُ المسلمينَ بالهجرةِ إليهَا فهاجروا إليهَا أرسالًا جماعةً بعدَ جماعةٍ كمَا قالَ ﷺ لأصحابِهِ: ((إِنَّ اللهَ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُوْنَ بِهَا)). ثُمَّ جاءَ أمرُ اللهِ تعالَى لنبيِّهِ ﷺ بالهجرةِ إلَى يثربَ أمرَهُ اللهُ تعالَى بِتَرْكِ مكةَ محلِّ ولادَتِهِ ﷺ التي كانتْ أحبَّ البلادِ إليهِ فامتَثَلَ لأمرِ اللهِ وهاجرَ متحمِّلًا الْمَشَاقَّ فِي سفرِهِ طاعةً للهِ تعالَى لَا خوفًا مِنَ المشركينَ وجبنًا فإنَّهُ ﷺ كانَ أشجعَ الناسِ ولَا يأسًا مِنْ واقعِ الحالِ ولَا حبًّا فِي الشهرةِ والجاهِ والسلطانِ، فقدْ كانَ ﷺ أزهدَ الناسِ فِي هذهِ الدنيَا الفانيةِ. وقدْ أخبرَ النبيُّ ﷺ الصحابةَ بمكانِ هجرَتِهِمْ إلَى المدينةِ المنورةِ فقدْ روَى البخاريُّ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ للمسلمينَ: (إِنِّي أُرِيْتُ دَارَ هجرَتِكُمْ، ذاتَ نخلٍ بينَ لَابَتَيْنِ)، فهاجرَ مَنْ هاجرَ قِبَلَ المدينةِ، ورجعَ عامةُ مَنْ كانَ بأرضِ الحبشةِ إلَى المدينةِ، وتَجَهَّزَ أبو بكرٍ قِبَلَ المدينةِ، فقالَ لهُ ﷺ كمَا فِي البخاريِّ: ((عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي))، فقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: وهلْ ترجو ذلكَ؟ بأبي أنتَ! قالَ: نعمْ، فَحَبَسَ أبو بكرٍ نَفسَهُ علَى رسولِ اللهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ وعَلَفَ راحلتينِ أربعةَ أشهرٍ لِيَخْرُجَا عليهِمَا.
فَلَمَّا رأتْ قريشٌ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قدْ صارَ لهُ أصحابٌ مِنْ غيرِهِمْ بغيرِ بلدِهِمْ، ورَأَوْا خروجَ أصحابِهِ مِنَ المهاجرينَ إليهِمْ، عَرَفُوا أنَّهُمْ قدْ نَزَلُوا دارًا وأصابُوا جوارًا وَمَنَعَةً، فخافُوا خروجَ رسولِ اللهِ ﷺ، وعرفُوا أنَّهُ قدْ أجمعَ لحربِهِمْ، فاجتَمَعُوا لهُ فِي دارِ النَّدوةِ- وهيَ دارُ قصيِّ بنِ كلابٍ التي كانتْ قريشٌ لَا تقضِي أمرًا إلَّا فيهَا- يَتَشَاوَرُوْنَ فيهَا مَا يَصْنَعُوْنَ فِي أمرِ النبيِّ ﷺ حينَ خافُوْهُ. فاجتمعُوا لذلكَ، فشاركهُمْ إبليسُ لعنَهُ اللهُ فِي هيئةِ شيخٍ نجديٍّ، واتفقوا على أن يجمعوا من كل قبيلة شابًّا قويا فيجتمعوا على النبي صلى الله عليه وسلم فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل، وتفرَّقَ القومُ علَى ذلكَ وهُمْ مُجْمِعُوْنَ لهُ. فأتَى جبريلُ رسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: لَا تَبِتْ هذِهِ الليلةَ علَى فِرَاشِكَ الذي كنتَ تَبِيْتُ عليهِ، وأَخْبَرَهُ بِمَكْرِ القومِ وإِذْنِ اللهِ تعالَى لهُ بالخروجِ. فلمَّا كانتِ العتمةُ مِنَ الليلِ اجتَمَعُوا علَى بابِهِ يرصدُونَهُ متَى ينامُ فَيَثِبُوْنَ عليهِ، فلمَّا رأَى رسولُ اللهِ ﷺ مكانَهُمْ قالَ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ: «نَمْ عَلَى فِرَاشِيْ وَتَسَجَّ بِبُرْدِي هَذَا الْحَضْرَمِيِّ الأَخْضَرِ فَنَمْ فِيْهِ فِإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ شَيءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ»، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ ينامُ فِي بردِهِ ذلكَ إذَا نامَ، فلمَّا اجتمَعُوا أخذَ اللهُ عزَّ وجلَّ عَلَى أبصارِهِمْ عنهُ فلَا يَرَوْنَهُ فخرج وجعلَ يَذْرِيْ ذلكَ الترابَ على رؤوسِهِمْ وهوَ يتلو هذهِ الآياتِ: ((يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)) إلَى قولِهِ تعالَى: ((فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)) [يس: 1- 9] فلمْ يَبْقَ منهُمْ رجلٌ إلَّا وقدْ وَضَعَ رسولُ اللهِ ﷺ علَى رأسِهِ ترابًا، ثمَّ انصَرَفَ إلَى حيثُ أرادَ أنْ يَذْهَبَ. فأتَاهُمْ آتٍ مِمَّنْ لمْ يكنْ معهُمْ فقالَ: «مَا تنتظرونَ هَهُنَا»؟ قالوا: «محمدًا»، قالَ: «خَيَّبكُمُ اللهُ، قدْ واللهِ خَرَجَ عليكمْ محمدٌ ثمَّ مَا تركَ منكُمْ رجلًا إلَّا وقدْ وضعَ علَى رأسِهِ ترابًا وانطلقَ لحاجَتِهِ أفمَا ترونَ مَا بكم»؟ قالَ: «فوضعَ كلُّ رجلٍ منهُمْ يَدَهُ علَى رأسِهِ فإذَا عليهِ ترابٌ»، ثمَّ جعلُوا يَتَطَلَّعُونَ فَيَرَوْنَ عليًّا علَى الفراشِ متسجِّيًا بِبُرْدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيقولونَ: واللهِ إنَّ هذَا لِمُحَمَّدٍ. فَلَمْ يزالوا كذلكَ حتَّى أصبحوا. فقامَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ مِنَ الفراشِ، فقالوا: «واللهِ لقدْ صَدَقَنَا الذي كانَ حَدَّثَنَاهُ». وَفِي ذلكَ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ فِي سورةِ الأنفالِ: ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ))، فأمَّا المكرُ مِنَ الخلقِ فهوَ خبثٌ وخداعٌ لإيصالِ الضررِ إلَى الغيرِ باستعمالِ حيلةٍ وأمَّا مِنَ اللهِ فهوَ غيرُ ذلكَ، إنَّمَا هوَ مجازاةُ الكافرينَ بالعقوبةِ مِنْ حيثُ لَا يدرونَ، وبعبارةٍ أخرَى: إنَّ اللهَ أقوَى فِي إيصالِ الضررِ إلَى الماكرينَ مِنْ كلِّ ماكرٍ جزاءً لَهُم علَى مكرِهِمْ، أمَّا المكرُ بمعنى الاحتيالِ فهوَ مستحيلٌ علَى اللهِ، قالَ القرطبيُّ فِي تفسِيرِهِ: والمكرُ مِنَ اللهِ هوَ جزاؤُهُمْ بالعذابِ علَى مكرِهِمْ مِنْ حيثُ لَا يشعرونَ.
وبعدَ ذلكَ خرجَ النبيُّ ﷺ لدارِ أبي بكرٍ ليخبِرَهُ أنَّ اللهَ تعالَى أوحَى لَهُ بالهجرةِ إلَى المدينةِ وأنَّهُ سيكونُ رفيقَهُ فِي الهجرةِ. وَخَرَجَ ﷺ بعدَ ذلكَ معَ صاحبِهِ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ تعالَى عنهُ فِي طريقِ الهجرةِ مِنْ طريقِ الساحلِ وكانَ خروجُهُ ﷺ فِي شهرِ صفرٍ ودخولُهُ المدينةَ المنورةَ فِي شهرِ ربيعٍ الأولِ.
ثمَّ لحقَ رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكرٍ بغارٍ فِي جبلِ ثَورٍ، فكَمَنَا (أي مَكَثَا فيهِ مُخْتَفِيَيْنِ) فيهِ ثلاثَ ليالٍ، يبيتُ عندَهُمَا عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ وهوَ غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ (أيْ حَاذِقٌ فَطِنٌ) لَقِنٌ (أيْ سريعُ الفَهمِ حَسَنُ التَّلَقِّي لِمَا يَسْمَعُهُ وعَلِمَهُ)، فَيُدْلِجُ (أي يخرجُ وقتَ السَّحَرِ مُنْصَرِفًا إلَى مكةَ) مِنْ عندِهِمَا بسَحَرٍ، فيُصبحُ معَ قريشٍ بمكةَ كبائتٍ، فلا يَسمعُ أمرًا (أي يُدَبَّرُ بِشَأْنِهِمَا ويُمْكَرُ بِهِ لَهُمَا وَيُسَبِّبُ لَهُمَا الشرَّ والأذَى) بهِ إلَّا وَعاهُ (أي حَفِظَهُ) حتَّى يأتيَهُمَا بخبرِ ذلكَ حينَ يَختلطُ الظلامُ، ويرعى عليهمَا عامرُ بنُ فُهَيرةَ مَولى أبي بكرٍ ناقةً لهُ، يفعلُ ذلكَ في كلِّ ليلةٍ مِنْ تلكَ الليالي الثلاثِ. واستأجرَ رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكرٍ رجُلًا مِنْ بني الدِّيلِ، وهو من بني عبدِ بن عدِي هاديًا خِرِّيتًاـ والخرِّيتُ الماهرُ بالهدايةِ ـ وهوَ على دينِ كفارِ قريشٍ، فأمِناهُ، فدَفَعَا إليهِ راحِلَتَيْهِمَا، وواعدَاهُ غارَ ثَورٍ بعدَ ثلاثِ ليالٍ براحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثلاثٍ، وانطلقَ معَهُمَا عامرُ بنُ فَهيرةَ والدَّليلُ، فأخذَ بهمْ طريقَ السواحلِ.
وفِي حديثٍ عندَ البيهقيِّ فِي حالِ أبِي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ لَمَّا خَرَجَ هوَ ورسولُ اللهِ ﷺ إلَى الغارِ، جعلَ أبو بكرٍ يمشي مرَّةً أمامَ النبيِّ ﷺ، ومرةً خلفَهُ ومرَّةً عنْ يمينِهِ ومرةً عنْ شمالِهِ، فسأَلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ عنْ ذلكَ، فقالَ: «يَا رسولَ اللهِ أذكرُ الرَّصَدَ فأكونُ أمامَكَ وأذكرُ الطَّلَبَ فأكونُ خلفَكَ، ومرةً عنْ يمينِكَ ومرةً عنْ يسارِكَ لا آمَنُ عليكَ، فلمَّا انتهينَا إلَى فمِ الغارِ قالَ أبو بكرٍ: والذي بعَثَكَ بالحقِّ لَا تَدْخُلُهُ حتَّى أدخُلَهُ قبلَكَ، فإنْ كانَ فيهِ شيءٌ نزلَ بي قبلَكَ» فدَخَلَهُ فجعلَ يلتَمِسُ بيدِهِ، فجعَلَ كلمَا دخلَ جحرًا قامَ إلَى ثوبِهِ فشقَّهُ ثمَّ أَلْقَمَهُ الجحرَ حتَّى فعلَ ذلكَ بثوبِهِ أجمعَ: فبقيَ جحرٌ فوضعَ عَقِبَيْهِ عليهِ، ثم دخلَ رسولُ اللهِ ﷺ فَجَعَلَتِ الحَيَّاتُ يَلْسَعْنَ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ وجَعَلَتْ دموعُهُ تنحدِرُ. فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل أبا بكر معي في الجنة.
وروَى ابنُ مَرْدَوَيْهِ عنْ جُنْدُبِ بنِ سفيانَ قالَ: «لَمَّا انطلقَ أبو بكرٍ معَ رسولِ اللهِ ﷺ إلَى الغارِ قالَ أبو بكرٍ: يَا رسولَ اللهِ لَا تدخلُ الغارَ حتَّى أَسْتَبْرِئَهُ. فَدَخَلَ أبو بكرٍ الغارَ فأصابَ يدَهُ شيءٌ فجعلَ يمسحُ الدمَ عنْ إصبعِهِ ويقولُ: هلْ أنتِ إلَّا أُصبعٌ دميتِ … وفِي سبيلِ اللهِ مَا لقيتِ
وللهِ درُّ البوصيريِّ حيثُ قالَ:
ويحَ قومٍ جَفَوا نَبِيًّا بِأَرْضٍ
أَلِفَتْهُ ضِبَابُهَا وَالظِّبَاءُ
وَسَلَوْهُ وَحَنَّ جِذْعٌ إِلَيْهِ
وَقَلَوْهُ وَرَدَّهُ الغُرَبَاءُ
أَخْرَجُوْهُ مِنْهَا وَآوَاهُ غَارٌ
وَحَمَتْهُ حَمَامَةٌ وَرْقَاءُ
وَكَفَتْهُ بِنَسْجِهَا عَنْكَبُوْتٌ
مَا كَفَتْهُ الْحَمَامَةُ الْحَصْدَاءُ
وَحَيْثُ قَالَ:
فَالصِّدْقُ فِي الغَارِ وَالصِّدِّيْقُ لَمْ يَرِمَا
وَهُمْ يَقُوْلُوْنَ مَا بِالغَارِ مِنْ أَرِمِ
ظَنُّوا الحَمَامَ وَظَنُّوا العَنْكَبُوْتَ عَلَى
خَيْرِ البّرِيَّةِ لَمْ تَنْسُجْ وَلَمْ تَحُمِ
وِقَايَةُ اللهِ أَغْنَتْ عَنْ مُضَاعَفَةٍ
مِنَ الدُّرُوْعِ وَعَنْ عَالٍ مِنَ الأُطُمِ
وقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: «وتَبِعَنَا سراقةُ بنُ مالكٍ ونحنُ فِي جَلَدٍ (أرضٍ صلبةٍ) مِنَ الأرضِ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ هذا الطلبُ قد لَحِقَنَا. قالَ: «لَا تَحزَنْ إِنَّ اللهَ معَنَا». فلمَّا دنَا منَّا وكانَ بينَنَا وبينَهُ قدرُ رمحٍ أوْ رمحينِ أو ثلاثةٍ قلتُ: هذَا الطلبُ قدْ لَحِقَنَا وبَكَيْتُ. قالَ ﷺ: «مَا يُبْكِيْكَ»؟ قلتُ: «أمَا واللهِ مَا علَى نفسي أبكي ولكنِّي أبكي عليكَ». فدعَا عليهِ رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: «اللهم اكْفِنَاهُ بِمَا شئتَ». قالَ: فساخَتْ بهِ فرسُهُ فِي الأرضِ إلَى بطنِهَا فوثَبَ عنهَا، ثمَّ قالَ: يَا محمدُ قدْ عَلِمْتُ أنَّ هذَا عمَلُكَ فادعُ اللهَ أنْ يُنْجيَنِي مِمَّا أنَا فيهِ، فوَاللهِ لأُعْمِيَنَّ علَى مَنْ ورَائِيْ مِنَ الطلبِ، ودعَا لهُ رسولُ اللهِ ﷺ. فانطلقَ راجعًا إلَى أصحابِهِ لَا يَلْقَى أحدًا إلَّا قالَ: قدْ كُفِيْتُمْ مَا هَهُنَا، ولَا يَلْقَى أحدًا إلَّا ردَّهُ، وَوَفَى لنَا. قالَ سراقةُ: فخرجتُ وأنَا أحبُّ الناسِ فِي تحصيلِهِمَا ورجعتُ وأنَا أحبُّ النَّاسِ فِي أنْ لَا يعلمَ بهِمَا أحدٌ. وقدْ وَعَدَهُ النبيُّ ﷺ بسواري كسرَى فَأخذهُمَا فِي خلافةِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ. وقال سراقة بن مالك
ابَا حَكَمٍ وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا
لأَمْرِ جَوَادِيَ إِذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهُ
عَلِمْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا
رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهُ
عَلَيْكَ بِكَفِّ الْقَوْمِ عَنْهُ فَإِنَّنِي
أَرَى أَمْرَهُ يَوْمًا سَتَبْدُو مَعَالِمُهُ
بِأَمْرٍ يَوَدُّ النَّاسُ فِيهِ بِأَسْرِهِمْ
بِأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ طُرًّا يُسَالِمُهُ
مروا على خيمة أم معبد وهي على طريقهم مختبئة بفناء خيمتها تسقي المارة من الماء واللبن، “بمرصد” بفتح الميم والمرصد الموضع الذي يرصد فيه أي يقعد فيه ليرصد من يمر عليه في الطريق، ونظر النبي “عندها شاة” قال: ما هذه؟ قالت: “شاة أضر الجهد بها وما فيها قوى” بضم القاف جمع قوة أي ليس بها قوة “تشتد” بها حتى تلحق الغنم ترعى معهم قال: “هل بها من لبن”، قالت: هي أجهد من ذلك “فمسح النبي منها” ظهرها والضرع وسمَّى ودعا “فحلبت ما قد كفاهم وسعًا” بضم الواو أي ما تحتمله طاقتهم من الري، وحلب النبي بعد ذلك إناء ءاخر ثانيًا “وترك ذاك” الإناء “عندها” مملوءًا وسافر بعد أن بايعها على الإسلام واستمرت تلك البركة فيها، ثم لما رحلوا جاء زوجها أكثم بن الجون يسوق غنمًا أعنزًا عجافًا فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين ولا حلوب في البيت؟ قالت: مر بنا رجل مبارك من حاله كذا، قال: صفيه، قالت: رجل ظاهر الوضاءة أي البهجة والجمال أبلج الوجه أي مشرقه نيره ، قال البراء بن عازب: ما رأيت من ذي لمةٍ في حُلة حمراء أحسن منه، رواه مسلم وأبو داود [1]، وقال أبو هريرة: كان أحسن الناس صفة وأجملَهم، رواه الحسن بن الضحاك في شمائله، وقال ابن عباس: لم يقم مع شمس قط إلا غلب ضوؤه ضوء الشمس ولم يقم مع سراج إلا غلب ضوؤه ضوء السراج رواه ابن الجوزي، وقال أنس: كل شيء حسن فقد رأيته فما رأيت أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن عساكر،
حسن الخَلْق لم تَعبه ثَجلة بفتح الخاء وسكون اللام وتَعِبه بفتح الفوقية وكسر العين أي لم يوجد في بدنه شيء يعاب به ثجلة ولا غيرها والثجلة بفتح المثلثة وسكون الجيم عظم البطن مع استرخاء أسفله ولم تُزر ، بضم أوله وسكون الزاي والإزراء الاحتقار والاستخفاف بالشيء أي لم يحتقر ولم يستخف به به “صعلة” بفتح الصاد وسكون العين المهملتين صغر الرأس وهو أيضًا الرقة والنحول في البدن وسيمٌ أي ومن صفاته الوسم وهو الحسن والوضاءة قسيمٌ أي ومن صفاته أنه قسيم والقسامة الحسن
في عينيه دعجٌ وفي أشفاره اهدابه وطفٌ انعطاف من طولها وفي عنقه سطعٌ وهو طول العنق وارتفاعه وفي صوته صحلٌ، بفتح الصاد والحاء المهملتين وهو غلظ في الصوت أي بحة وفي لحيته كثافة، أحور أكحل أقرن أي يتصل أحد الحاجبين بالآخر شديد سواد الشعر بحسب ما يبدو للناظر من بعد أو بغير تأمل وأما القريب المتامل فيبصر بين حاجبيه فاصلاً لطيفًا ، إن صمت فعليه الوقار أي الحلم والرزانة، وإن تكلم سما وعلاه البهاء أي علا بكلامه على من حوله من جلسائه ، أجمل الناس أي من رءاه من بعد رءاه أجمل من كل أحد وأبهاه من بعيد، والبهاء حسن الهيئة وأحسنه وأجمله من قريب، حلو النطق، فصلٌ أي كلامه بيّن ظاهر يفصل بين الحق والباطل لا هَزَرٌ ولا نزرٌ، أي ليس كلامه بقليل لا يفهم ولا بكثير يمل، كأن منطقه خرزات نظمن ينحدرن، أي منطقه يشبه خرزات اللؤلؤ المنظوم إذا تحدرت من فيه وتساقطت ربعة لا بائنٌ من طول ولا تقتحمه عينٌ من قصر أي لا يزدريه من ينظره لقصر ولا يحتقره فيتجاوز عنه إلى رؤية غيره بل يهابه ويعظمه ، غصنٌ بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدًا، له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود بحاء مهملة أي مخدوم يسرعون طاعة له، محشود المحشود الذي يجتمع الناس حوله ليمتثلوا قوله ويقتدوا بأفعاله ، لا عابسٌ أي الكريه ولا مفتد، بفتح الفاء وكسر النون المشددة وهو الذي لا فائدة لكلامه لقلة عقله، فبهذه الأوصاف كلها عرّفته أم معبد لزوجها فقال: هذا والله صاحب قريش ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
كانَ المهاجرونَ والأنصارُ يَفِدُوْنَ إلَى قُباءٍ، وهوَ موضعُ بئرٍ على ثلاثةِ أميالٍ مِنَ المدينةِ، ينتظرونَ قدومَ رسولِ اللهِ ﷺ، وأقامَ المصطفَى ﷺ في قُباءٍ مدةً، وأسسَ فيهَا المسجدَ الذِي قالَ اللهُ فيهِ: [لَمَسْجدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى] {التوبة:108}، ولَحِقَهُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وكانَ تأخَّرَ ثلاثَ ليالٍ، لردِّ الودائعِ التي كانتْ عندَ المصطفَى ﷺ لأهلِهَا، فَلَمَّا جاءَ النبيُّ ﷺ مهاجرًا إلَى المدينةِ المنورةِ ونَزَلَ حينَ قَدِمَ تحتَ ظلِّ نخلةٍ غَربيَّ مكانِ مسجدِ قباءٍ فَلَمْ يُمَيّزِ الأنصارُ رسولَ اللهِ ﷺ مِنَ الصديقِ لأنَّهُمْ لمْ يَرَوْهُ مِنْ قبلُ حتَّى لَحِقَتْهُ الشمسُ فقامَ الصديقُ يُظَلِّلُهُ بردائِهِ فَعَرَفَ الأنصارُ حينئذٍ رسولَ اللهِ ﷺ مِنَ الصِّدِّيقِ.
فَلَمَّا كانَ يومُ قدومِهِ ﷺ، نَزَلَهَا بالسَّعْدِ والهَنَاءِ فِي يومِ الاثنينِ لثنتَي عشرةَ ليلةً خَلَتْ مِنْ شهرِ ربيعٍ الأولِ، وجاءَ المسلمونَ يُسَلِّمُوْنَ عليهِ. وهناكَ في المدينَةِ، هناكَ في طَيْبَةَ يَنْتَظِرُ المؤمنُونَ مِنْ مُهَاجِرينَ وَأَنْصَار بِلَهَفٍ وَشَوْقٍ وصولَ الحبيبِ يَوْمًا بَعْدٍ يومٍ وَيَتَوَافَدُونَ إلَى مَشَارِفِ المدينَةِ من ناحيَةِ طَرِيقِ مَكَّةَ، ينتظرون قدوم رسول الله ﷺ وَبَعْضُهُم يتَسَلَّقُ الأَشجارَ وَيَنْظُرُ إلَى بُعدٍ عَلَّهُ يَرَى أثرًا لِقُدومِ رَسُولِ اللهِ مُحمدٍ ﷺ، وذاتَ يومٍ وَالنَّاسُ فِي انتظارٍ بِلَهَفٍ وَشوقٍ وَقَدِ انتصَفَ النهارُ وَاشْتَدَّ الحرُّ تَوافَدُوا جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ وإذا بِرَجُلٍ يُنَادِي بأَعْلَى صَوْتِه هَا قَدْ جَاءَ مَنْ تَنْتَظِرُونَ يا أهلَ المدينةِ وَتكرُّ الجموعُ عَائِدَةً لاستِقْبَالِ الحبيبِ المصطفى ﷺ وَالْحُبُّ يَسْبِقُها وَلِسَانُ حَالِها يَقولُ:
طلَعَ البَـدْرُ عَلَيْنَـا
مِنْ ثَنِيَّـاتِ الوَدَاعِ
وَتَلَقَّى المسلِمُونَ مِنْ أَنْصَارٍ وَمُهَاجِرِينَ رسولَ اللهِ أَحْسَنَ استقبَال، فَخَرَجُوا في الطُّرُقِ وعلى السُّطوحِ مُبْتَهِجِينَ، وَانْتَشَرَ الخَدَمُ وَالصِّبيانُ في الطَّريقِ يَهْتِفونَ “اللهُ أكبر، جَاءَ رسولُ اللهِ ﷺ، جاءَ مُحمد”.
واستبشرَ المسلمونَ بقدومِ النبيِّ ﷺ حينَ وصلَ إلى يثربَ التي سمَّاهَا النبيُّ المدينةَ المنورةَ وءاخَى بينَ أهلِهَا والمهاجرينَ وسمَّى أهلَهَا الأنصارَ لأنَّهُمْ نصرُوا دينَ اللهِ تعالَى، وبهِ انطفأتْ فتنةٌ عظيمةٌ كانتْ بينَ قبيلتَي الأوسِ والخزرجِ بيثربَ بعدَ أنْ دامتْ سنواتٍ فصارَ المسلمونَ علَى قلبِ رجلٍ واحدٍ لَا يفرقُ بينَهُمْ طمعٌ ولَا دنيا ولَا يُبَاعِدُهُمْ حسدٌ ولَا ضغينةٌ حتَّى غَدَوا كالبنيانِ المرصوصِ يشدُّ بعضُهُمْ بعضًا، وقدْ نَصَرَ اللهُ نبيَّهُ ﷺ وأيَّدَهُ وكانَ وعدُ اللهِ حقًا، فهوَ القائلُ عزَّ وجلَّ: [إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] {غافر:51}.
اللهم اجعَلْ قُلوبَنَا عَامِرَةً بِحُبِّ وَتَعْظِيمِ وَإِجْلالِ حَبِيبِكَ محمدٍ ﷺ وَثَبِّتْنَا علَى هَدْيِهِ وَطَريقَتِهِ وأَعِدْ عَلَيْنَا الذكرَى بالخَيْرِ وَالبَرَكاتِ وَالْطُفْ بأُمَّةِ محمدٍ ﷺ.