الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة: قصة النور والمحن والانتصار

الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة - قصة النور والمحن والانتصار

المقدمة

الحمدُ للهِ الذي شرَّفَ المدينةَ بهجرةِ خيرِ البريةِ وضاعفَ الثوابَ لمن صلَّى بروضتِهِ العطرةِ الشذيةِ وأشهدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ الذي نَوَّرَ الكونَ بطلعَةِ حبيبِهِ البهيةِ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ جعلَ اللهُ هجرَتَهُ شمسًا أطلَعَهَا علَى الأمةِ الإسلاميةِ وتوالتْ علَى المدينةِ المنورةِ الآياتُ القرآنيةُ صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلهِ وأصحابِهِ الذينَ فازُوا باتِّبَاعِهِمْ لهُ بالسعادةِ السرمديةِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا: أمَّا بعدُ:

حال الناس عند البعثة النبوية

كانَ الناسُ قبلَ بعثةِ رسولِ اللهِ ﷺ في جاهليةٍ وشرٍّ وكانوا يعبدونَ أصنامًا همْ عمِلُوهَا وكانوا علَى الأخلاقِ الذميمةِ ولمْ يكنْ على وجهِ الأرضِ حينَ بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ مسلمٌ غيرُهُ، فأرسَلَهُ اللهُ للناسِ كافةً وأيدَهُ بالمعجزاتِ ليقيمَ الاعوجاجَ ويصلِحَ الفسادَ ويدعوَ إلَى عبادةِ اللهِ وحدَهُ ونبذِ عبادةِ الأصنامِ، ودعَا ﷺ إلى توحيدِ اللهِ وتنزيهِهِ عنْ مشابَهَةِ المخلوقاتِ فَعَلَّمَ التوحيدَ وعلَّمَ التنزيهَ وأنَّ اللهَ منزهٌ عنِ الجهةِ والمكانِ والصورةِ والهيئةِ والأعضاءِ والجسميةِ، وأنَّهُ سبحانَهُ يصطفي مِنْ عبادِهِ مَنْ يشاءُ مِنَ الرسلِ والنبيينَ فيرسِلُهُمْ إلَى الناسِ يبلغونَهُمْ ويبشرونَهُمْ وينذرونَهُمْ، وقدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنَ الكفرِ والكبائِرِ وصغائرِ الخسةِ والرذائلِ والسفاهاتِ.

فعندَمَا بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ أُمِرَ بالتبليغِ ولَا قتالَ بالسيفِ فِي أولِ الأمرِ فكانَ يدعو إلَى اللهِ جهرًا ويمرُّ بينَ العربِ المشركينَ حينَ كانُوا يجتمعونَ فِي الموسمِ مِنْ نواحٍ مختلفةٍ ويقولُ لَهُم: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُوْلُوْا لَا إلهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوْا)) ودعَا ﷺ إلَى العدلِ والإحسانِ ومكارمِ الأخلاقِ ونَهَى عنِ المنكرِ والبغيِ وقدْ دخلَ فِي الإسلامِ قومٌ خَلَصَتْ قلوبُهُمْ مِنْ أدرانِ التقليدِ الجاهليِّ والعصبيةِ النتنةِ وصَفَتْ نفوسُهُمْ لِمَا يدعوهُمْ إليهِ رسولُ اللهِ ﷺ فَعَضُّوا علَى مَا دعَاهُمْ إليهِ بالنواجذِ وثَبَتُوا علَى التوحيدِ وطريقِ الحقِّ. وبقيَ علَى الكفرِ أكثرُ الناسِ وصارُوا يؤذُونَهُ وأصحابَهُ فلمَّا اشتدَّ عليهمُ الأذى أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بعضَ أصحابِهِ بالهجرةِ إلَى الحبشةِ وكانَ ﷺ قدْ لَقِيَ فِي الموسمِ نَفَرًا مِنْ أهلِ يثربَ مِنَ الخزرجِ فَدَعَاهُمْ إلَى الإسلامِ فأسلموا ثمَّ ازدادَ عددُهُمْ فِي العامِ التالي فلمَّا انصرفُوا بعثَ معَهُم بعضَ أصحابِهِ ﷺ لتعليمِ مَنْ أسلمَ مِنْ أهلِ يثربَ القرآنَ ودعوةِ مَنْ لمْ يُسْلِمْ منهمْ بعدُ إلَى الإسلامِ فلمَّا كَثُرَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ بيثربَ أمرَ اللهُ المسلمينَ بالهجرةِ إليهَا فهاجروا إليهَا أرسالًا جماعةً بعدَ جماعةٍ كمَا قالَ ﷺ لأصحابِهِ: ((إِنَّ اللهَ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُوْنَ بِهَا)). 

ثُمَّ جاءَ أمرُ اللهِ تعالَى لنبيِّهِ ﷺ بالهجرةِ إلَى يثربَ أمرَهُ اللهُ تعالَى بِتَرْكِ مكةَ محلِّ ولادَتِهِ ﷺ التي كانتْ أحبَّ البلادِ إليهِ فامتَثَلَ لأمرِ اللهِ وهاجرَ متحمِّلًا الْمَشَاقَّ فِي سفرِهِ طاعةً للهِ تعالَى لَا خوفًا مِنَ المشركينَ وجبنًا فإنَّهُ ﷺ كانَ أشجعَ الناسِ ولَا يأسًا مِنْ واقعِ الحالِ ولَا حبًّا فِي الشهرةِ والجاهِ والسلطانِ، فقدْ كانَ ﷺ أزهدَ الناسِ فِي هذهِ الدنيَا الفانيةِ. 

بيان معنى الهجرة

الهَجْرُ: ضدُّ الوصلِ، يقالُ هَجَرَهُ هَجْرًا وهِجْرَانًا، إذَا قَاطَعَهُ وأَعْرَضَ عنهُ وتَرَكَهُ، والهِجْرَةُ الخروجُ مِنْ أرضٍ إلَى أرضٍ، والمهاجرونَ همُ الذينَ ذهبُوْا معَ النبيِّ ﷺ، وسُمِّيَ المهاجرونَ مهاجرينَ لأنَّهُمْ تركُوا ديارَهُمْ ومساكِنَهُمُ التي نشؤُوْا بهَا للهِ ولَحِقُوْا بدارٍ ليسَ لَهُمْ بهَا أهلٌ ولَا مالٌ حينَ هاجَرُوا إلَى المدينةِ، والْهِجْرَتَانِ هجرةٌ إلَى الحبشةِ وهجرةٌ إلَى المدينةِ، وإذَا أُطْلِقَتِ الهجرةُ انصَرَفَتْ إلَى الهجرةِ مِنْ مكةَ المكرمةِ إلَى المدينةِ المنورةِ.

محاربة المشركين للنبي ﷺ ولدعوته

منذُ أنْ أُمِرَ النبيُّ ﷺ بالصدعِ بكلمةِ الحقِّ ودعوةِ الناسِ إلَى توحيدِ اللهِ وعبادَتِهِ دونَ سواهُ وقفَتْ جحافِلُ الشركِ والوثنيةِ ضدَّ النبيِّ ﷺ ودعوَتِهِ وأتباعِهِ وعَمِلُوا علَى محاربةِ دعوَتِهِ الإسلاميةِ فأنزلُوا بالمسلمينَ سوءَ العذابِ وأذاقُوْهُمُ التنكيلَ والاضطهادَ فَعَمِلُوا علَى التكذيبِ لَهُم وعلَى التشنيعِ والتقبيحِ والسخريةِ والاستهزاءِ بهمْ وعَمِلُوا علَى التعذيبِ البدنيِّ البشعِ مِنْ إلباسِهِمْ دروعَ الحديدَ وإطفاءِ النارِ فِي أجسادِهِمْ وضربِهِمْ وجلدِهِمْ بالسياطِ وإيقافِهِمْ فِي الشمسِ المحرقةِ وَوَضْعِ الأحجارِ الثقيلةِ علَى صدورِهِمْ وغيرِ ذلكَ مِنْ أنواعِ التعذيبِ والتنكيلِ والمحاربةِ لِمَنْ آمنَ بالنبيِّ ﷺ حتَّى وصلَ الأمرُ إلَى القتلِ والعياذُ باللهِ تعالَى. 

مواقف وعبر من هجرة بعض الصحابة

أولُ مَنْ قَدِمَ المدينةَ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أبو سلمةَ بنُ عبدِ الأسدِ فقدْ هاجرَ إلَى المدينةِ قبلَ بيعةِ العقبةِ بسنةٍ، وقيلَ: أولُ المهاجرينَ مصعبُ بنُ عميرٍ فقدْ روَى البخاريُّ عنِ البراءِ بنِ عازبٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: أولُ مَنْ قَدِمَ علينَا مصعبُ بنُ عميرٍ وعبدُ اللهِ بنُ مكتومٍ ثمَّ قَدِمَ علينَا عمارُ بنُ ياسرٍ وبلالُ رضيَ اللهُ عنهُمْ.

ولنَا فِي ذلكَ عبرةٌ: فقدْ كانَ يقالُ عنْ مصعبِ بنِ عميرٍ قبلَ إسلامِهِ أنَّهُ أعطرُ فتًى فِي مكةَ وأكثرُهُمْ لينًا وركونًا لأمرِ الدنيَا، ولكنْ بعدَ الإسلامِ كانَ مبعوثَ رسولِ اللهِ ﷺ للمدينةِ لتعليمِ مَنْ أسلمَ القرآنَ الكريمَ، وصارَ تاركًا لكلِّ التَّرَفِ والنَّعيمِ وزهرةِ الحياةِ الدنيَا التي كانتْ بيدِهِ، وكانَ حاملَ لواءِ المهاجرينَ فِي أُحُدٍ وتوفيَ شهيدًا فِي أُحُدٍ وَوَقَفَ النبيُّ ﷺ عندَ جسدِهِ وهوَ مقتولٌ فِي أُحُدٍ وقرأَ الآيةَ مِنْ سورةِ الأحزابِ: ((مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ رِجَاْلٌ صَدَقُوْا مَاْ عَاْهَدُوْا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىْ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَاْ بَدَّلُوْا تَبْدِيْلًا)).

العبرة من قصة هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

روى ابنُ الأثيرِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قالَ: كانَ إسلامُ عمرَ فتحًا وكانتْ هجرَتُهُ نصرًا وكانتْ إمارَتُهُ رحمةً، ولقدْ رأيْتُنَا ومَا نَسْتَطيعُ أنْ نصليَ فِي البيتِ حتَّى أسلمَ عمرُ فلمَّا أسلمَ عمرُ قاتَلَهُم حتَّى تركونَا فَصَلَّيْنَا.

وروى ابنُ الأثيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: “مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ هَاجَرَ إِلا مُخْتَفِيًا، إِلا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَإِنَّهُ لَمَّا هَمَّ بِالْهِجْرَةِ تَقَلَّدَ سَيْفَهُ، وَتَنَكَّبَ قَوْسَهُ، وَانْتَضَى فِي يَدِهِ أَسْهُمًا، وَاخْتَصَرَ عَنْزَتَهُ، وَمَضَى قِبَلَ الْكَعْبَةِ، وَالْمَلأُ مِنْ قُرَيْشٍ بِفِنَائِهَا، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا مُتَمَكِّنًا، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ، فَصَلَّى مُتَمَكِّنًا، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى الْحِلْقِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ لَهُمْ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، لا يَرْغَمُ اللهُ إِلا هَذِهِ الْمَعَاطِسَ، مَنْ أَرَادَ أَنْ تَثْكُلَهُ أُمُّهُ، وَيُوتِمَ وَلَدَهُ، وَيُرْمِلَ زَوْجَتَهُ، فَلْيَلْقَنِي وَرَاءَ هَذَا الْوَادِي، قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا تَبِعَهُ أَحَدٌ إِلا قَوْمٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ عَلِمَهُمْ وَأَرْشَدَهُمْ وَمَضَى لِوَجْهِهِ “.

مِنَ العبرِ فِي ذلكَ: القوةُ فِي الحقِّ والثباتُ عليهِ والجهرُ بهِ وأنْ لَا يخافَ قائلُ الحقِّ فِي اللهِ لومةَ لائمٍ، والدفاعُ عنِ المستضعفينَ، وإظهارُ عزةِ المسلمِ وعدمُ الذلِّ للكافرينَ، ولنَا عبرةٌ أخرَى مِنْ ذلكَ وهيَ أنَّ مَنْ فتحَ اللهُ قلبَه للإيمانِ وجعلَه مِنْ أوليائِه وأهلِ طاعتِه يتغيرُ حالُهُ، فقدْ كانَ قبلَ الإسلامِ يعادي رسولَ اللهِ ﷺ ويعادي المسلمينَ وبعدَ أنْ فتحَ اللهُ قلبَه للإيمانِ تجدُه مِنْ أكبرِ المدافعينَ عنْ هذا الدينِ وتجري على يديهِ الكراماتُ فسبحانَ الفتاحِ العظيمِ، فَعمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه قبلَ الإسلامِ كانَ يجلدُ بعضَ المسلمينَ ممنْ آمنَ برسولِ اللهِ ﷺ ليصدَّهم عنْ دينِهِمُ، ولكنَّ اللهَ تعالى فتحَ قلبَه بنورِ الهدايةِ وشرحَ صدرَه للإيمانِ فكانَ بعدَ ذلكَ الفاروقَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ وهوَ أفضلُ وليٍّ فِي هذهِ الأمةِ بعدَ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُمَا.

أبو بكر يستأذن النبي ﷺ

روى البخاريُّ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ للمسلمينَ: (إِنِّي أُرِيْتُ دَارَ هجرَتِكُمْ، ذاتَ نخلٍ بينَ لَابَتَيْنِ)، فهاجرَ مَنْ هاجرَ قِبَلَ المدينةِ، ورجعَ عامةُ مَنْ كانَ بأرضِ الحبشةِ إلَى المدينةِ، وتَجَهَّزَ أبو بكرٍ قِبَلَ المدينةِ، فقالَ لهُ ﷺ كمَا فِي البخاريِّ: ((عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي))، فقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: وهلْ ترجو ذلكَ؟ بأبي أنتَ! قالَ: نعمْ، فَحَبَسَ أبو بكرٍ نَفسَهُ علَى رسولِ اللهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ وعَلَفَ راحلتينِ أربعةَ أشهرٍ لِيَخْرُجَا عليهِمَا.

ولنَا فِي ذلكَ عبرٌ منهَا: التسليمُ والانقيادُ لأمرِ اللهِ ورسولِهِ ﷺ وعدمُ التأخرِ فِي تنفيذِ أمرِهِ ﷺ، وعدمُ التأخرِ عنِ البذلِ فِي سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وانتقاءُ الصاحبِ الصالِحِ فِي السفرِ.

ما جاء في قصة خروج رسول الله ﷺ من مكة

لَمَّا رأتْ قريشٌ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قدْ صارَ لهُ أصحابٌ مِنْ غيرِهِمْ بغيرِ بلدِهِمْ، ورَأَوْا خروجَ أصحابِهِ مِنَ المهاجرينَ إليهِمْ، عَرَفُوا أنَّهُمْ قدْ نَزَلُوا دارًا وأصابُوا جوارًا وَمَنَعَةً، فخافُوا خروجَ رسولِ اللهِ ﷺ، وعرفُوا أنَّهُ قدْ أجمعَ لحربِهِمْ، فاجتَمَعُوا لهُ فِي دارِ النَّدوةِ- وهيَ دارُ قصيِّ بنِ كلابٍ التي كانتْ قريشٌ لَا تقضِي أمرًا إلَّا فيهَا- يَتَشَاوَرُوْنَ فيهَا مَا يَصْنَعُوْنَ فِي أمرِ النبيِّ ﷺ حينَ خافُوْهُ. فاجتمعُوا لذلكَ، وكانَ ذلكَ اليومُ يسمَّى يومَ الزَّحْمَةِ فاعتَرَضَهُمْ إبليسُ لعنَهُ اللهُ فِي هيئةِ شيخٍ نجديٍّ، فَوقَفَ علَى بابِ الدارِ، فلمَّا رَأَوْهُ واقِفًا علَى بابِهَا قالُوا: مَنِ الشّيخُ؟ قالَ: شيخٌ مِنْ أهلِ نجدٍ سمعَ بالذي اجتَمَعْتُمْ لهُ فَحَضَرَ مَعَكُمْ لِيَسْمَعَ مَا تقولونَ وعسَى ألَّا تَعْدَمُوا مِنْهُ رأيًا ولَا نُصْحًا. قالوا: أجلْ فَادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ، وقدِ اجتمعَ فيهَا رجالٌ مِنْ قريشٍ. فقالَ بعضُهُمْ لبعضٍ: إنَّ هذَا الرجلَ قدْ كانَ مِنْ أمرِهِ مَا قدْ رَأَيْتُمْ، وإنَّا واللهِ مَا نَأْمَنُهُ علَى الوثوبِ علينَا بِمَنْ قدِ اتَّبَعَهُ مِنْ غيرِنَا فَأَجْمِعُوا فيهِ رأيًا. قالَ: فَتَشَاوَرُوا ثمَّ قالَ قائلٌ منهُم: احبسوهُ فِي الحديدِ وأَغْلِقُوا عليهِ بابًا، ثُمَّ تربَّصُوا بهِ مَا أصابَ أشباهَهُ مِنَ الشعراءِ الذينَ كانُوا قبلَهُ ومَنْ مضَى منهُمْ مِنْ هذَا الموتِ حتَّى يصيبَهُ مَا أصابَهُمْ. فقالَ الشيخُ النجديُّ- لعنَهُ اللهُ-: لَا واللهِ مَا هذَا لكمْ برأيٍ، واللهِ لَوْ حَبَسْتُمُوْهُ كمَا تقولونَ لَيَخْرُجَنَّ أمرُهُ مِنْ وراءِ البابِ الذي أَغْلَقْتُمْ دونَهُ إلَى أصحابِهِ، فَلَأَوْشَكُوا أنْ يَثِبُوا عليكُمْ فَيَنْتَزِعُوْهُ مِنْ أيديكُمْ، ثُمَّ يُكَاثِرُوْكُمْ بهِ حتَّى يَغْلِبُوْكُمْ علَى أَمرِكُمْ، مَا هذَا لكمْ برأيٍ فانظُرُوا فِي غيرِهِ، فتَشَاوَرُوا ثمَّ قالَ قائلٌ منهُمْ، نُخْرِجُهُ مِنْ بينِ أَظْهُرِنَا فَنَنْفِيْهِ مِنْ بلادِنَا، فإذَا خرجَ عنَّا فواللهِ مَا نُبَالِي أينَ ذهبَ ولَا حيثُ وقعَ، إذَا غابَ عنَّا وفَرَغْنَا منهُ فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا. فقالَ الشيخُ النَّجديُّ لعنَهُ اللهُ: لَا واللهِ، مَا هذَا لكُمْ برأيٍ، ألمْ تَرَوا حُسْنَ حديثِهِ وحلاوةَ مَنْطِقِهِ وغَلَبَتَهُ قلوبَ الرجالِ بمَا يأتي بهِ؟ واللهِ لوْ فعلتُمْ ذلكَ مَا أَمِنْتُمْ أنْ يَحِلَّ علَى حيٍّ مِنَ العربِ فَيَغْلِبَ عليهِمْ بذلكَ مِنْ قولِهِ وحديثِهِ حتَّى يُتَابِعُوْهُ عليهِ، ثمَّ يسيرَ بهمْ إليكُمْ حتَّى يَطَأَكُمْ بهِمْ فِي بلادِكُمْ، فيأخذَ أمرَكُمْ مِنْ أيديكُمْ، ثمَّ يفعلَ بكُمْ مَا أرادَ، دَبِّرُوا فيهِ رأيًا غيرَ هذَا، فقالَ أبو جهلٍ بنُ هشامٍ لعَنَهُ اللهُ: واللهِ إنَّ لِي فيهِ لرأيًا مَا أراكُمْ وَقَعْتُمْ عليهِ بعدُ. قالُوا: ومَا هوَ يَا أبَا الحكمِ؟ قالَ: أرَى أنْ تأخذُوا مِنْ كلِّ قبيلةٍ فتًى شابًّا جَلْدًا نَسِيْبًا وَسِيْطًا، ثمَّ نعطي كلَّ فتًى منهُمْ سيفًا صارمًا، ثمَّ يَعْمَدُوا إليهِ بِأَجْمَعِهِمْ فيضرِبُوهُ بهَا ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فَيَقْتُلُوهُ فنستريحَ منهُ، فإنَّهم إنْ فعلُوا ذلكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي القبائلِ جميعًا، فَلَمْ يَقْدِرْ بنو عبدِ منافٍ علَى حربِ قومِهِمْ جميعًا، فَرَضُوا مِنَّا بالعَقْلِ فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ. فقالَ الشيخُ النجديُّ أخزاهُ اللهُ: القولُ مَا قالَ الرجلُ، هذَا الرأيُّ لَا أرَى غيرَهُ. وتفرَّقَ القومُ علَى ذلكَ وهُمْ مُجْمِعُوْنَ لهُ. فأتَى جبريلُ رسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: لَا تَبِتْ هذِهِ الليلةَ علَى فِرَاشِكَ الذي كنتَ تَبِيْتُ عليهِ، وأَخْبَرَهُ بِمَكْرِ القومِ وإِذْنِ اللهِ تعالَى لهُ بالخروجِ. فلمَّا كانتِ العتمةُ مِنَ الليلِ اجتَمَعُوا علَى بابِهِ يرصدُونَهُ متَى ينامُ فَيَثِبُوْنَ عليهِ، فلمَّا رأَى رسولُ اللهِ ﷺ مكانَهُمْ قالَ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ: «نَمْ عَلَى فِرَاشِيْ وَتَسَجَّ بِبُرْدِي هَذَا الْحَضْرَمِيِّ الأَخْضَرِ فَنَمْ فِيْهِ فِإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ شَيءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ»، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ ينامُ فِي بردِهِ ذلكَ إذَا نامَ، فلمَّا اجتمَعُوا قالَ أبو جهلٍ بنُ هشامٍ: إنَّ محمدًا يزعمُ أنَّكُمْ إنْ تابَعْتُمُوهُ علَى أَمْرِهِ كُنْتُمْ ملوكَ العربِ والعجمِ ثمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بعدِ موتِكُمْ، فَجُعِلَتْ لكُمْ جِنَانٌ كجِنَانِ الأردنِّ وإنْ أنتُمْ لمْ تفعَلُوا كانَ فيكُمْ ذبحٌ، ثمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بعدِ موتِكُمْ فَجُعِلَتْ لَكُمْ نارٌ تُحْرَقُوْنَ فيهَا، فَخَرَجَ عليهِمْ رسولُ اللهِ ﷺ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ ترابٍ فِي يدِهِ ثمَّ قالَ: «نَعَمْ أَنَا أَقُوْلُ ذَلِكَ وَأَنْتَ أَحَدُهُمْ»، وأخذَ اللهُ عزَّ وجلَّ عَلَى أبصارِهِمْ عنهُ فلَا يَرَوْنَهُ فجعلَ يَذْرِيْ ذلكَ الترابَ على رؤوسِهِمْ وهوَ يتلو هذهِ الآياتِ: ((يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)) إلَى قولِهِ تعالَى: ((فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)) [يس: 1- 9] فلمْ يَبْقَ منهُمْ رجلٌ إلَّا وقدْ وَضَعَ رسولُ اللهِ ﷺ علَى رأسِهِ ترابًا، ثمَّ انصَرَفَ إلَى حيثُ أرادَ أنْ يَذْهَبَ. فأتَاهُمْ آتٍ مِمَّنْ لمْ يكنْ معهُمْ فقالَ: «مَا تنتظرونَ هَهُنَا»؟ قالوا: «محمدًا»، قالَ: «خَيَّبكُمُ اللهُ، قدْ واللهِ خَرَجَ عليكمْ محمدٌ ثمَّ مَا تركَ منكُمْ رجلًا إلَّا وقدْ وضعَ علَى رأسِهِ ترابًا وانطلقَ لحاجَتِهِ أفمَا ترونَ مَا بكم»؟ قالَ: «فوضعَ كلُّ رجلٍ منهُمْ يَدَهُ علَى رأسِهِ فإذَا عليهِ ترابٌ»، ثمَّ جعلُوا يَتَطَلَّعُونَ فَيَرَوْنَ عليًّا علَى الفراشِ متسجِّيًا بِبُرْدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيقولونَ: واللهِ إنَّ هذَا لِمُحَمَّدٍ. فَلَمْ يزالوا كذلكَ حتَّى أصبحوا. فقامَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ مِنَ الفراشِ، فقالوا: «واللهِ لقدْ صَدَقَنَا الذي كانَ حَدَّثَنَاهُ». 

وَفِي ذلكَ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ فِي سورةِ الأنفالِ: ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ))، فأمَّا المكرُ مِنَ الخلقِ فهوَ خبثٌ وخداعٌ لإيصالِ الضررِ إلَى الغيرِ باستعمالِ حيلةٍ وأمَّا مِنَ اللهِ فهوَ غيرُ ذلكَ، إنَّمَا هوَ مجازاةُ الكافرينَ بالعقوبةِ مِنْ حيثُ لَا يدرونَ، وبعبارةٍ أخرَى: إنَّ اللهَ أقوَى فِي إيصالِ الضررِ إلَى الماكرينَ مِنْ كلِّ ماكرٍ جزاءً لَهُم علَى مكرِهِمْ، أمَّا المكرُ بمعنى الاحتيالِ فهوَ مستحيلٌ علَى اللهِ، قالَ القرطبيُّ فِي تفسِيرِهِ: والمكرُ مِنَ اللهِ هوَ جزاؤُهُمْ بالعذابِ علَى مكرِهِمْ مِنْ حيثُ لَا يشعرونَ.

روى البخاريُّ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا قالتْ: فبينَمَا نحنُ يومًا جُلوسٌ فِي بيتِ أبي بكرٍ فيِ نحرِ الظهيرةِ قالَ قائلٌ لأبي بكرٍ هذَا رسولُ اللهِ ﷺ مُتَقَنِّعًاـ فِي ساعةٍ لَمْ يكنْ يأتينَا فيهَاـ فقالَ أبو بكرٍ: فداءٌ لهُ أبي وأمي، واللهِ مَا جاءَ بهِ فِي هذهِ الساعةِ إِلَّا أمرٌ. قالتْ: فجاءَ رسولُ اللهِ ﷺ فاستَأْذَنَ، فأذِنَ لهُ، فدخلَ. فقالَ النبيُّ ﷺ لأبي بكرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ، فقالَ أبو بكرٍ: إنَّمَا همْ أهلُكَ بأبي أنتَ يَا رسولَ اللهِ، قالَ: فإنِّي قدْ أُذِنَ لِي فِي الخروجِ. فقالَ أبو بكرٍ: الصحبةَ بأبي أنتَ يَا رسولَ اللهِ. قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ.

العبرةُ مِنْ هذهِ القصةِ: تَكَالُبُ المشركينَ علَى الحقِّ وعلَى نبيِّ اللهِ ﷺ وأصحابِهِ، فإذَا عَلِمْنَا اجتمَاعَهُمْ وتَشَاوُرَهُمْ لِحَرْبِ الدعوةِ المحمديةِ وتَخْطِيْطَهُمْ لذلكَ فَنَحْنُ أَوْلَى بأنْ نجتمعَ للحقِّ ونتعاونَ عليهِ ونتشاورَ فيهِ ونأخذَ بآراءِ بعضِنَا البعضِ ونجتمعَ للدفاعِ عنِ الدعوةِ المحمديةِ ولَا يستعلي بعضُنَا علَى بعضٍ بلْ أنْ نكونَ علَى التطاوعِ والتشاورِ والتخطيطِ والأخذِ بالرأيِ الأصلحِ والأنفعِ لِهَذِهِ الدعوةِ وأنْ نكونَ يدًا واحدةً فِي حربِ الضلالِ وأعداءِ الدينِ، ونعلمُ مِنْ هذهِ القصةِ أنَّ أعداءَ الدينِ لَا يريدونَ انتصارَ الحقِّ ولَا ظهورَهُ ويخافونَ قُوَّتَهُ ولو كانَ أنصارُهُ قلةً، فَهُمْ يَرَوْنَهُمْ كثيرةً، ويخافونَ قُوَّتَهم، ونأخذُ عبرةً مِنْ هذهِ القصةِ أنَّهُ مهمَا حاولَ أعداءُ هذَا الدينِ إذلالَهُ وإنهاءَهُ فإنَّ اللهَ حافظٌ لهُ ومؤيدٌ أهلَهُ إذَا كانوا صادقينَ مخلصِيْنَ، بالنصرِ والعزةِ والتمكينِ فِي الأرضِ والثباتِ فِي وجهِ أعداءِ الحقِّ مهمَا كَثُرُوا، فَهُمْ يَنظرُونَ إلَى الأسبابِ الماديةِ والمتوكلُ علَى اللهِ لَا يلتفتُ إلَى عددٍ ولَا عتادٍ بلْ الذي يملَؤُ قلبَهُ هوَ التوكلُ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ وهذَا سيَنْصُرُهُ اللهُ علَى أعدائِهِ وسَيُمَكِّنُ لهُ فِي الأرضِ مهمَا كَثُرَ المحاربونَ لهُ، ونتعلمُ مِنْ هذهِ القصةِ أنَّ الصحابةَ يَفْدُوْنَ النبيَّ ﷺ بأنفسِهِمْ وأموالِهِمْ وبمَا يَقْدِرُوْنَ عليهِ، كمَا فعلَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ وكمَا فعلَ أبو بكرٍ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ.

دخول النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه الغار

بعدَ أنْ خرجَ رسولُ اللهِ ﷺ مِنْ بيتِهِ وأَعْمَى اللهُ بصرَ المشركينَ عنهُ وجاءَ أبا بكرٍ قالَ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ لرسولِ اللهِ ﷺ فخُذْ بأبي أنتَ يَا رسولَ اللهِ إحدَى راحلتيَّ هاتينِ. قالتْ عائشةُ: فجهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ (مِنَ الحَثِّ وَهُوَ الإسراعُ) الجهازِ (هُوَ مَا يُحتاجُ إليهِ فِي السفرِ)، وصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرةً (هيَ الزادُ التي تُصْنَعُ للمسافرِ) فِي جِرَابٍ (هوَ وعاءٌ يُحْفَظُ فيهِ الزادُ ونحوُهُ)، فقطَعَتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ قطعةً من نِطاقِهَا فربطَتْ بهِ علَى فمِ الجرابِ، فبذلكَ سُميتْ ذاتَ النطاقينِ. قالتْ: ثمَّ لحقَ رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكرٍ بغارٍ فِي جبلِ ثَورٍ، فكَمَنَا (أي مَكَثَا فيهِ مُخْتَفِيَيْنِ) فيهِ ثلاثَ ليالٍ، يبيتُ عندَهُمَا عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ وهوَ غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ (أيْ حَاذِقٌ فَطِنٌ) لَقِنٌ (أيْ سريعُ الفَهمِ حَسَنُ التَّلَقِّي لِمَا يَسْمَعُهُ وعَلِمَهُ)، فَيُدْلِجُ (أي يخرجُ وقتَ السَّحَرِ مُنْصَرِفًا إلَى مكةَ) مِنْ عندِهِمَا بسَحَرٍ، فيُصبحُ معَ قريشٍ بمكةَ كبائتٍ، فلا يَسمعُ أمرًا يُكتادانِ (أي يُدَبَّرُ بِشَأْنِهِمَا ويُمْكَرُ بِهِ لَهُمَا وَيُسَبِّبُ لَهُمَا الشرَّ والأذَى) بهِ إلَّا وَعاهُ (أي حَفِظَهُ) حتَّى يأتيَهُمَا بخبرِ ذلكَ حينَ يَختلطُ الظلامُ، ويرعى عليهمَا عامرُ بنُ فُهَيرةَ مَولى أبي بكرٍ ناقةً لهُ، يفعلُ ذلكَ في كلِّ ليلةٍ مِنْ تلكَ الليالي الثلاثِ. واستأجرَ رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكرٍ رجُلًا مِنْ بني الدِّيلِ، وهو من بني عبدِ بن عدِي هاديًا خِرِّيتًاـ والخرِّيتُ الماهرُ بالهدايةِ ـ وهوَ على دينِ كفارِ قريشٍ، فأمِناهُ، فدَفَعَا إليهِ راحِلَتَيْهِمَا، وواعدَاهُ غارَ ثَورٍ بعدَ ثلاثِ ليالٍ براحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثلاثٍ، وانطلقَ معَهُمَا عامرُ بنُ فَهيرةَ والدَّليلُ، فأخذَ بهمْ طريقَ السواحلِ.

وفِي حديثٍ عندَ البيهقيِّ فِي حالِ أبِي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ لَمَّا خَرَجَ هوَ ورسولُ اللهِ ﷺ إلَى الغارِ، جعلَ أبو بكرٍ يمشي مرَّةً أمامَ النبيِّ ﷺ، ومرةً خلفَهُ ومرَّةً عنْ يمينِهِ ومرةً عنْ شمالِهِ، فسأَلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ عنْ ذلكَ، فقالَ: «يَا رسولَ اللهِ أذكرُ الرَّصَدَ فأكونُ أمامَكَ وأذكرُ الطَّلَبَ فأكونُ خلفَكَ، ومرةً عنْ يمينِكَ ومرةً عنْ يسارِكَ لآمَنَ عليكَ، فلمَّا انتهينَا إلَى فمِ الغارِ قالَ أبو بكرٍ: والذي بعَثَكَ بالحقِّ لَا تَدْخُلُهُ حتَّى أدخُلَهُ قبلَكَ، فإنْ كانَ فيهِ شيءٌ نزلَ بي قبلَكَ» فدَخَلَهُ فجعلَ يلتَمِسُ بيدِهِ، فجعَلَ كلمَا دخلَ جحرًا قامَ إلَى ثوبِهِ فشقَّهُ ثمَّ أَلْقَمَهُ الجحرَ حتَّى فعلَ ذلكَ بثوبِهِ أجمعَ: فبقيَ جحرٌ فوضعَ عَقِبَيْهِ عليهِ، ثم دخلَ رسولُ اللهِ ﷺ فَجَعَلَتِ الحَيَّاتُ يَلْسَعْنَ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ وجَعَلَتْ دموعُهُ تنحدِرُ. وروَى ابنُ أبي شيبةَ وابنُ المنذرِ عنْ أبي بكرٍ أنَّهُمَا لَمَّا انتهيَا إلَى الغارِ إذَا جحرٌ فَأَلْقَمَهُ أبو بكرٍ رِجْلَيْهِ. قالَ: «يَا رسولَ اللهِ إنْ كانَ لَدْغَةٌ أوْ لَسْعَةٌ كانتْ بي» . وروَى ابنُ مَرْدَوَيْهِ عنْ جُنْدُبِ بنِ سفيانَ قالَ: «لَمَّا انطلقَ أبو بكرٍ معَ رسولِ اللهِ ﷺ إلَى الغارِ قالَ أبو بكرٍ: يَا رسولَ اللهِ لَا تدخلُ الغارَ حتَّى أَسْتَبْرِئَهُ. فَدَخَلَ أبو بكرٍ الغارَ فأصابَ يدَهُ شيءٌ فجعلَ يمسحُ الدمَ عنْ إصبعِهِ ويقولُ:

هلْ أنتِ إلَّا أصبعٌ دميتِ
وفِي سبيلِ اللهِ مَا لقيتِ

وروَى ابنُ سعدٍ وأبو نعيمٍ والبيهقيُّ وابنُ عساكرَ عنْ أبي مصعبٍ المكيِّ قالَ: «أدركتُ أنسَ بنَ مالكٍ، وزيدَ بنَ أرقم، والمغيرةَ بنَ شعبةَ يتحدثونَ إنَّ النبيَّ ﷺ ليلةَ الغارِ أمرَ شجرةً فَسَتَرَتْهُ، وبعثَ اللهُ العنكبوتَ فنسجَتْ مَا بَيْنَهُمَا فَسَتَرَتْ وَجْهَ رسولِ اللهِ ﷺ، وأمرَ اللهُ حمامَتَيْنِ وحشيَّتَيْنِ فَوَقَفَتَا فِي فَمِ الغارِ، وأقبلَ فِتْيَانُ قريشٍ مِنْ كلِّ بطنٍ بِعِصِيِّهِمْ وسُيُوْفِهِمْ، حتَّى إذَا كانوا مِنَ النبيِّ ﷺ علَى أربعينَ ذراعًا، جعلَ بعضُهُمْ ينظُرُ فِي الغارِ فَلَمْ يَرَ إلَّا حمامَتَيْنِ وَحشِيَّتَيْنِ بفمِ الغارِ، فرجعَ إلَى أصحابِهِ، فقالوا لهُ: مَا لكَ؟ قالَ: رأيتُ حمامتينِ وحشيتينِ فَعَرَفْتُ أنَّهُ ليسَ فيهِ أحدٌ، فسمعَ النبيُّ ﷺ مَا قالَ، فعرفَ أنَّ اللهَ قدْ دَرَأَ عنهُ بِهِمَا، وروَى الإمامُ أحمدُ والشيخانِ عنْ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: «قلتُ للنبيِّ ﷺ ونحنُ في الغارِ: لوْ أنَّ أحدَهُمْ نَظَرَ إلَى قَدَمِهِ لأَبْصَرَنَا تحتَ قدمَيْهِ» فقالَ: «مَا ظنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُمَا». معناهُ: ثالِثُهُمَا بالنصرِ والمعونةِ والحفظِ والتسديدِ، وقدْ قالَ تعالَى فِي محكمِ التنـزيلِ: ((إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) {التوبة:40}، فَمَعِيَّةُ اللَّهِ الْمَذْكُورَةُ فِى الْقُرْءَانِ ليستْ معيةً بِالْحِسِّ وَالْجِهَاتِ فقدْ تَأْتِى بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْكِلاءَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّبِيدِىُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ النَّحْلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، وتأتي علَى معنَى الإحاطةِ بالعلمِ فَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ أَىِ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ وَالنُّصْرَةُ وَالْكِلاءَةُ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَعِيَّةِ اللهِ مَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْجِسْمِيَّةِ وَلَيْسَ الْمَعْنِيُّ بِهَا الْحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَىْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْحُلُولُ أَوِ الِاتِّصَالُ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ بِالْمَسَافَةِ.

وللهِ درُّ البوصيريِّ حيثُ قالَ:

ويحَ قومٍ جَفَوا نَبِيًّا بِأَرْضٍ
أَلِفَتْهُ ضِبَابُهَا وَالظِّبَاءُ

وَسَلَوْهُ وَحَنَّ جِذْعٌ إِلَيْهِ
وَقَلَوْهُ وَرَدَّهُ الغُرَبَاءُ

أَخْرَجُوْهُ مِنْهَا وَآوَاهُ غَارٌ
وَحَمَتْهُ حَمَامَةٌ وَرْقَاءُ

وَكَفَتْهُ بِنَسْجِهَا عَنْكَبُوْتٌ
مَا كَفَتْهُ الْحَمَامَةُ الْحَصْدَاءُ

وَحَيْثُ قَالَ: 

فَالصِّدْقُ فِي الغَارِ وَالصِّدِّيْقُ لَمْ يَرِمَا
وَهُمْ يَقُوْلُوْنَ مَا بِالغَارِ مِنْ أَرِمِ

ظَنُّوا الحَمَامَ وَظَنُّوا العَنْكَبُوْتَ عَلَى
خَيْرِ البّرِيَّةِ لَمْ تَنْسُجْ وَلَمْ تَحُمِ

وِقَايَةُ اللهِ أَغْنَتْ عَنْ مُضَاعَفَةٍ
مِنَ الدُّرُوْعِ وَعَنْ عَالٍ مِنَ الأُطُمِ

ولنَا في ذلكَ عبرٌ: منهَا الإعانةُ على نصرةِ الحقِّ والدينِ كلٌ على ما يقدرُ عليهِ، بالمالِ أو بالبدنِ أو بالفكرِ، وأنَّ اللهَ يحفظُ دينَهُ ونبيَّهُ وينصرُ الحقَّ وأهلَهُ، ويعلي كلمةَ الحقِّ، فَمَنْ مَشَى فِي طريقِ نصرِ هذَا الدينِ فهوَ الرابحُ الفائزُ ومَنْ تَخَلَّفَ وقَصَّرَ فَهُوَ الخَاسِرُ.

قصة سراقة بن مالك

وقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: «وتَبِعَنَا سراقةُ بنُ مالكٍ ونحنُ فِي جَلَدٍ (أرضٍ صلبةٍ) مِنَ الأرضِ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ هذا الطلبُ قد لَحِقَنَا. قالَ: «لَا تَحزَنْ إِنَّ اللهَ معَنَا» . فلمَّا دنَا منَّا وكانَ بينَنَا وبينَهُ قدرُ رمحٍ أوْ رمحينِ أو ثلاثةٍ قلتُ: هذَا الطلبُ قدْ لَحِقَنَا وبَكَيْتُ. قالَ ﷺ: «مَا يُبْكِيْكَ»؟ قلتُ: «أمَا واللهِ مَا علَى نفسي أبكي ولكنِّي أبكي عليكَ» . فدعَا عليهِ رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: «اللهم اكْفِنَاهُ بِمَا شئتَ». قالَ: فساخَتْ بهِ فرسُهُ فِي الأرضِ إلَى بطنِهَا فوثَبَ عنهَا، ثمَّ قالَ: يَا محمدُ قدْ عَلِمْتُ أنَّ هذَا عمَلُكَ فادعُ اللهَ أنْ يُنْجيَنِي مِمَّا أنَا فيهِ، فوَاللهِ لأُعْمِيَنَّ علَى مَنْ ورَائِيْ مِنَ الطلبِ، ودعَا لهُ رسولُ اللهِ ﷺ. فانطلقَ راجعًا إلَى أصحابِهِ لَا يَلْقَى أحدًا إلَّا قالَ: قدْ كُفِيْتُمْ مَا هَهُنَا، ولَا يَلْقَى أحدًا إلَّا ردَّهُ، وَوَفَى لنَا. قالَ سراقةُ: فخرجتُ وأنَا أحبُّ الناسِ فِي تحصيلِهِمَا ورجعتُ وأنَا أحبُّ النَّاسِ فِي أنْ لَا يعلمَ بهِمَا أحدٌ. وقدْ وَعَدَهُ النبيُّ ﷺ بسواري كسرَى فَلَبِسَهُمَا فِي خلافةِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ.

العبرةُ مِنْ هذهِ القصةِ: أنَّ اللهَ تعالَى يحمي نبيَّهُ ويبلِّغُهُ مرادَهُ، وشدةُ التوكلِ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ والاطمئنانُ لذلكَ معَ انقطاعِ الأسبابِ الدنيويةِ فالنبيِّ ﷺ كانَ مطمئنًا مرتاحًا مسلِّمًا لأمرِ اللهِ، ويستفادُ مِنْ ذلكَ شدةُ الوفاءِ للنبيِّ ﷺ ولدينِهِ ولدعوتِهِ ﷺ، ويستفادُ أنَّ المسلمَ ينبغي أنْ يخافَ علَى الدينِ وعلَى الرسالةِ المحمديةِ ويحميهَا بمَا يستطيعُ كحَالِ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ، فقدْ كانَ عندَهُ شدةُ الحبِّ للنبيِّ ﷺ معَ الاستعدادِ لفدائِهِ ﷺ بروحِهِ، وفيهِ مِنْ أعلامِ النبوةِ التي ظهرتْ للرسولِ ﷺ.

قصة أم معبد وكلامها في وصف رسول الله ﷺ

مرَّ رسولُ اللهِ ﷺ وصاحبُهُ أبو بكرٍ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ فِي طريقِهِمْ إلَى المدينةِ المنورةِ علَى خيمةِ أمِّ معبدٍ واسمُها عاتكةُ بنتُ خالدٍ الخزاعيةُ ونظرَ النبيُّ ﷺ إلى شاةٍ عندَهَا وقالَ: «مَا هذهِ الشاةُ يا أمَّ معبدٍ»؟ قالتْ: شاةٌ خلَّفَهَا الجَهدُ عنِ الغنمِ. قالَ: «هلْ بهَا مِنْ لبنٍ» ؟ قالتْ: هيَ أجهدُ مِنْ ذلكَ. قالَ: «أَتَأْذَنِيْنَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا» ؟ قالتْ: بأبي أنتَ وأمي نعمْ إنْ رأيتَ بهَا حلبًا فاحلِبْهَا فواللهِ مَا ضرَبَهَا فحلٌ قطُّ فمسحَ النبيُّ ﷺ علَى ظهرِهَا وضَرْعِهَا وسَمَّى ودعَا، فحلَبَ منهَا مَا قدْ كفَاهُمْ وتَحْتَمِلُهُ طاقَتُهُمْ مِنَ الريِّ. وحلبَ إناءً آخرَ وترَكَهُ عندَهَا مملوءًا. تقولُ أمُّ معبدٍ بقيتِ الشاةُ التي مسحَ النبيُّ ﷺ ضَرْعَهَا حتَّى عامَ الرمادةِ زمنَ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ فِي السنةِ الثامنةَ عشرَةَ للهجرةِ، فلمَّا جاءَ زوجُهُا قالَ لَهَا مِنْ أينَ لكِ هذَا اللبن؟ قالتْ: إنَّهُ مرَّ بنَا رجلٌ مباركٌ مِنْ حالِهِ كذَا وكذَا، قالَ: صِفِيْهِ لي يَا أمَّ معبدٍ، قالتْ فِي وصفِهِ: ( ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ ) أي ظاهرُ الجمالِ، ( أَبْلَجُ الْوَجْهِ ) أي مشرقُ الوجهِ مضيئُوهُ، ( حَسَنُ الْخُلُقِ) (لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَة) الثجلةُ عِظَمُ البطنِ معَ استرخاءِ أسفلِهِ ( وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَة ) أي صِغَرُ الرأسِ ( وَسِيمٌ ) المشهورُ بالحُسْنِ كأنَّهُ صارَ الحُسْنُ لهُ سِمَةً ( قَسِيمٌ ) الحُسْنُ قِسْمَةُ الوجهِ، أي كلُّ موضعٍ منهُ أخذَ قسمًا مِنَ الجمالِ ( فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ ) اشتدَّ سوادُهَا وبياضُهَا واتَّسَعَتْ ( وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ ) أي طولٌ ( وَفِي صوَتِهِ صَحَلٌ ) أي شِبْهُ البُحَّةِ ( وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ ) أي طولُ العنقِ (وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ ) ( أَحْوَرُ ) اشتدَّ بياضُ عينيهِ معَ سوادِ سوادِهِمَا ( أَكْحَلُ ) أي ذو كُحْلٍ، اسودَّتْ أجفانُهُ خلقةً ( أَزَجُّ أَقْرَنُ) أَي مَقْرُونُ الحاجبينِ ( شَدِيدُ سَوَادِ الشّعَرِ ) ( إذَا صَمَتَ عَلَاهُ الْوَقَارُ ) أي الرزانةُ والحِلْمُ ( وَإِذَا تَكَلَّمَ عَلاهُ الْبَهَاءُ) مِنَ الحسنِ، الجلالُ والعظمةُ ( أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ وَأَحْسَنُهُ وَأَحْلاهُ مِنْ قَرِيبٍ حُلْوُ الْمَنْطِقِ ) (فصْلٌ لا نَزْرٌ وَلا هَذْرٌ) أي لا قليلٌ ولا كثيرٌ أي ليسَ بقليلٍ فيدلَّ على عِيِّ ولَا كثيرٍ فاسدٍ ( كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَنحدرنَ ) أي كلامُهُ محكمٌ بليغٌ (رَبْعَةٌ ) (لا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ ) أي لا تزدريهِ لقصرِهِ فتجاوزَهُ الَى غيرِهِ بلْ تَهَابُهُ وتَقْبَلُهُ (وَلا تَشْنَؤُهُ مِنْ طُولٍ ) أي لا يُبْغَضُ لفرطِ طولِهِ ( غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ فَهُوَ أَنْضَرُ الثّلاثَةِ مَنْظَرًا ) (وَأَحْسَنُهُمْ قَدًا )أي قامَةً ( لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ. إذَا قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ. وَاذَا أَمَرَ تَبَادَرُوا إلَى أَمْرِهِ ) (مَحْفُودٌ) أي مخدومٌ ( مَحْشُودٌ ) الذي يجتمعُ الناسُ حولَهُ (لا عَابِسٌ)( وَلا مُفْنِدٌ) المنسوبُ الَى الجهلِ وقلَّةِ العقلِ، المـُفْنِدُ أي لَا فائدةَ فِي كلامِهِ لكبَرٍ أصابَهُ.

فَقالَ أبو معبدٍ: هوَ واللهِ صاحبُ قريشٍ الذي ذُكِرَ لنَا مِنْ أمرِهِ وقدْ هَمَمْتُ أنْ أَصْحَبَهُ ولَأَفْعَلَنَّ إنْ وَجَدْتُ لذلكَ سبيلًا. وأصبحَ صوتٌ بمكةَ عالٍ يسمعونَ الصوتَ ولَا يَرَوْنَ صاحِبَهُ يقولُ:

جَزَى اللهُ ربُّ النَّاسِ خيرَ جزائِهِ
رفيقينِ حَلَّا خيمتَي أمِّ معبدِ 

همَا نزَلَا بالهدَى واغتَدَوا بهِ
فقدْ فازَ مَنْ أمْسَى رفيقَ محمدِ

فيَا لِقُصَيٍ مَا زَوَى اللهُ عنكُم
بهِ مِنْ فعالٍ لَا يُـجَارَى وسؤددِ

قالتْ أسماءُ: فلمَّا سمِعْنَاهُ عَرَفْنَا حيثُ وَجَّهَ رسولُ اللهِ ﷺ وأنَّ وَجْهَهُ إلَى المدينةِ.

وفيهَا معجزةٌ ظاهرةٌ للنبيِّ ﷺ.

رحيله إلى المدينة

كانَ المهاجرونَ والأنصارُ يَفِدُوْنَ إلَى قُباءٍ، وهوَ موضعُ بئرٍ على ثلاثةِ أميالٍ مِنَ المدينةِ، ينتظرونَ قدومَ رسولِ اللهِ ﷺ، فلمَّا كانَ يومُ قدومِهِ، نَزَلَهَا بالسَّعْدِ والهَنَاءِ فِي يومِ الاثنينِ لثنتَي عشرةَ ليلةً خَلَتْ مِنْ شهرِ ربيعٍ الأولِ، وجاءَ المسلمونَ يُسَلِّمُوْنَ عليهِ.

وأقامَ المصطفى ﷺ في قُباءٍ مدةً، وأسسَ فيها المسجدَ الذي قالَ اللهُ فيهِ: [لَمَسْجدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى] {التوبة:108}، ولَحِقَهُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وكانَ تأخَّرَ ثلاثَ ليالٍ، لردِّ الودائعِ التي كانتْ عندَ المصطفَى ﷺ لأهلِهَا، ثمَّ طَلَعَ رسولُ اللهِ مِنْ بينِ أظهُرِهِمْ، فرَكِبَ راحلَتَهُ ومشَوا حولَهَا، فأدْرَكَتْهُ الجمعةُ فِي بني سالمِ بنِ عوفٍ فَصَلَّاهَا.

وهناكَ في المدينَةِ، هناكَ في طَيْبَةَ يَنْتَظِرُ المؤمنُونَ مِنْ مُهَاجِرينَ وَأَنْصَار بِلَهَفٍ وَشَوْقٍ وصولَ الحبيبِ يَوْمًا بَعْدٍ يومٍ وَيَتَوَافَدُونَ إلَى مَشَارِفِ المدينَةِ من ناحيَةِ طَرِيقِ مَكَّةَ، ينتظرون قدوم رسول الله ﷺ وَبَعْضُهُم يتَسَلَّقُ الأَشجارَ وَيَنْظُرُ إلَى بُعدٍ عَلَّهُ يَرَى أثرًا لِقُدومِ رَسُولِ اللهِ مُحمدٍ ﷺ، وذاتَ يومٍ وَالنَّاسُ فِي انتظارٍ بِلَهَفٍ وَشوقٍ وَقَدِ انتصَفَ النهارُ وَاشْتَدَّ الحرُّ تَوافَدُوا جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ وإذا بِرَجُلٍ يُنَادِي بأَعْلَى صَوْتِه هَا قَدْ جَاءَ مَنْ تَنْتَظِرُونَ يا أهلَ المدينةِ وَتكرُّ الجموعُ عَائِدَةً لاستِقْبَالِ الحبيبِ المصطفى ﷺ وَالْحُبُّ يَسْبِقُها وَلِسَانُ حَالِها يَقولُ:

طلَعَ البَـدْرُ عَلَيْنَـا
مِنْ ثَنِيَّـاتِ الوَدَاعِ

وَتَلَقَّى المسلِمُونَ مِنْ أَنْصَارٍ وَمُهَاجِرِينَ رسولَ اللهِ أَحْسَنَ استقبَال، فَخَرَجُوا في الطُّرُقِ وعلى السُّطوحِ مُبْتَهِجِينَ، وَانْتَشَرَ الخَدَمُ وَالصِّبيانُ في الطَّريقِ يَهْتِفونَ “اللهُ أكبر، جَاءَ رسولُ اللهِ ﷺ، جاءَ مُحمد”.

وَلَمَّا ارتَحَلَ المصطفَى قاصدًا المدينةَ أتاهُ عتبانُ بنُ مالكٍ في رجالٍ مِنْ بني سالمٍ فأخذُوا خِطَامَ ناقَتِهِ فقالُوا: أقمْ عندَنَا فِي العَدَدِ والعدَّةِ والْمَنَعَةِ فقالَ: “خَلُّوا سبيلَهَا فإنَّهَا مأمورةٌ” فخلُّوهَا حتى إذا مَرَّتْ بدارِ بني ساعدَةَ اعتَرَضَهُ سعدُ بنُ عبادَةَ فِي رجالٍ فقالوا كالأولِ وأعادَ مثلَهُ، حتَّى إذَا وازَتْ دارَ بني الحارثِ بنِ الخزرجِ اعْتَرَضَهُ سعدُ بنُ الربيعِ وعبدُ اللهِ بنُ رواحَةَ فِي رجالٍ فقالوا مثلَهُ وأعادَ مثلَهُ، حتَّى إذَا مَرَّتْ بدارِ عديِ بنِ النجارِ وهُمْ أخوالُهُ اعترضَهُ سليطُ بنُ قيسٍ فِي رجالٍ فقالوا: هَلُمَّ إلَى أخوالِكَ إلَى العددِ والعدةِ والمنعَةِ قالَ: “خَلُّوا سبيلَهَا فإنَّهَا مأمورةٌ” حتَّى دانَتْ دارُ بني مالكِ بنِ النجارِ بَرَكَتْ ناقَتُهُ المأمورةُ أيِ التي أَمَرَهَا اللهُ تعالَى أنْ تبركَ بموضعِ المسجدِ أيْ مسجدِهِ عليهِ السلامُ وهوَ يومئذٍ مِرْبَدٌ (وهوَ الموضعُ الذي يجعلُ فيهِ التّمرُ ليُنَشَّفَ كالبيدرِ للحنطةِ) لغلامَيْنِ يتيمَيْنِ مِنْ بني مالكِ بنِ النجارِ فِي حجرِ معاذِ بنِ عفراءَ، فلمَّا بركَتْ وهوَ عليهَا لمْ ينزلْ وثبتَ فسارَتْ غيرَ بعيدٍ والمصطفى واضعٌ لَهَا زِمَامَهَا لَا يثنيهَا بهِ ثمَّ التفتَتْ خلفَهَا فرجعَتْ إلَى مبركِهَا الأولِ فبركَتْ بهِ ثمَّ تحلحَلَتْ ووضَعَتْ جرانَهَا فنزلَ عنهَا وذلكَ فِي وقتِ الظهيرةِ، فاحتملَ أبو أيوبٍ خالدُ بنُ زيدٍ مِنْ بني النجارِ رحلَهُ وأدخلَ ناقَتَهُ دارَهُ ونَزَلَ عندَهُ لكونِهِ مِنْ أخوالِ عبدِ المطلبِ ولَمَّا سألُوْهُ النزولَ عليهِمْ قالَ: “المرءُ مَعَ رحلِهِ“.

وقدْ جاءَ أنَّ أبا أيوبَ الأنصارِيَّ الصَّحابِيَّ الجَلِيلَ قالَ: “وَكُنَّا نَصْنَعُ لَهُ العَشَاءَ، ثُمَّ نَبْعَثُ بهِ إليهِ، فَإِذَا رَدَّ علينَا فَضْلَهُ تَيَمَّمْتُ، أي قَصَدْتُ، أَنَا وَأَمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يدَهُ، فأَكَلْنَا مِنْهُ نَبْتَغِي بِذَلِكَ البَرَكَة”. فهذَا يدلُّ على تَبَرُّكِ أبي أيوبَ وزَوجِه رضي اللهُ عنهُما بِآثارِ أصابِعِ رسولِ اللهِ في قَصْعَةِ الطَّعامِ التِي كانَ يأكُلُ منهَا الرسولُ الأعظَمُ ولَمْ يُنْكِرِ النبيُّ عليهِمَا ذلك وكانَ في هَذَا أَبْيَنُ البَيَانِ عَلَى جَوَازِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ ﷺ، وَأَنَّه أمرٌ مَشْرُوعٌ في الشريعَةِ الإسلاميَّةِ كمَا قالَ الأئمةُ الأَعْلام.

واستبشرَ المسلمونَ بقدومِ النبيِّ ﷺ حينَ وصلَ إلى يثربَ التي سمَّاهَا النبيُّ المدينةَ المنورةَ وءاخَى بينَ أهلِهَا والمهاجرينَ وسمَّى أهلَهَا الأنصارَ لأنَّهُمْ نصرُوا دينَ اللهِ تعالَى، وبهِ انطفأتْ فتنةٌ عظيمةٌ كانتْ بينَ قبيلتَي الأوسِ والخزرجِ بيثربَ بعدَ أنْ دامتْ سنواتٍ فصارَ المسلمونَ علَى قلبِ رجلٍ واحدٍ لَا يفرقُ بينَهُمْ طمعٌ ولَا دنيا ولَا يُبَاعِدُهُمْ حسدٌ ولَا ضغينةٌ حتَّى غَدَوا كالبنيانِ المرصوصِ يشدُّ بعضُهُمْ بعضًا، وقدْ نَصَرَ اللهُ نبيَّهُ ﷺ وأيَّدَهُ وكانَ وعدُ اللهِ حقًا، فهوَ القائلُ عزَّ وجلَّ: [إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] {غافر:51}.

فائدة في الأخوة في الدين تستفاد من فعل النبي ﷺ وأنه آخى بين المهاجرين والأنصار

وردَ فِي الحديثِ قالَ ﷺ: “وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا” معناهُ أَيُّها المُسْلمون، أَنْتُم كُلُّكم مُشْتَرِكُونَ بِشىء، كُلُّكُم عَلَى الإِيمان، فَكُونُوا فِيما بينَكُم  مُتآخِين. أَكُونُ مَعَهُ كما جاءَ فِى الحَدِيث كالجَسَدِ الواحِد، إِذا مَرِضَ مِنْهُ عُضُو تَداعَى لَهُ سائِرُ الأَعْضاءِ بِالسَّهَرِ والحُمّة. تَعاشَرُوا أَي تَعاشَرُوا مُعاشَرَةَ الإِخْوَة بِالْمَوَدَّة وَالرِّفْق وَالشَّفَقَة وَالْمُلاطَفَة والتعاون على الخَير بِصَفاءِ القُلُوب، بِالنَّصِيحَة بِكُلِّ حال وَكَأَنَّ النَبيّ يُنَبِّهُنا، وَهذا فِيهِ تَوْجِيه إِلَى أَنْ يَكُتَسِبَ المؤمِن مَحَبَّةَ أَخيهِ المؤْمِن. النبي يُوَجِّهُنا إِلَى بِهذا أَنَّهُ شىءٌ حَسَن. أَنْ تَسْعَى فِى الأَسْباب التي تُوقِعُ الموَدَّة بَيْنَكَ وبينَ أَخِيك.

قالَ زيدُ بنُ ثابتٍ: وأولُ هديةٍ دخلتُ بهَا أنا قَصْعَةُ مثرود (وهوَ مَا يُهشمُ مِنَ الخبزِ ويُبَلُّ بماءِ القِدْرِ وغيْرِهِ) فيهَا خبزٌ وسمنٌ ولبنٌ فقلتُ: أرسلتْ بهَا أمي فقالَ: “باركَ اللهُ فيكَ” ودعَا صحبَهُ فأكَلُوا، ثُمَّ جاءتْ قصعةُ سعدِ بنِ عبادةَ بثريدٍ وعراقِ لحمٍ وما كانَ مِنْ ليلةٍ إلَّا وعلَى بابِ المصطفَى الثلاثةُ والأربعةُ يحمِلُونَ طعامًا كثيرًا ثمَّ صارَ سعدُ بنُ عبادةَ يرسلُ إليهِ كلَّ يومٍ قصعةً، فأقامَ بدارِ أبي أيوبٍ حتَّى ابتَنَى مسجدَهُ الرحيبَ أيِ الواسعَ بعدَ شرائِهِ أرضَهُ، وقد سأل النبي ﷺ عنِ المكانِ الذي بركتْ فيهِ الناقةُ لِمَنْ هوَ فقالَ معاذُ بنُ عفراءَ: لسهلٍ وسهيلٍ ابني عمروٍ يتيمانِ لِي وأُرْضِيْهِمَا فيهِ، فَابتاعَهُ بعشرةِ دنانيرَ، وأمرَ أبا بكرٍ أنْ يُعْطِيَهُمَا إيَّاهَا، ثمَّ أَمَرَ بالنخلِ الذي فيهِ والغرقَدِ فَقُطِعَ، وباللَّبِنِ فَضُرِبَ، وكانَ فيهِ قبورُ جاهليةٍ فَنُبِشَتْ وغُيِّبَتِ العظامُ وسُوِّيَتِ الْحُفَرُ، وأُسِّسَ المسجدُ، وجُعِلَ طولُهُ مِمَّا يلي القبلةَ إلَى مؤخرِهِ مائةَ ذراعٍ وفِي الجانبينِ الآخرينِ مثلَ ذلكَ فهوَ مربعٌ، وجُعِلَ الأساسُ نحوَ ثلاثةِ أذرعٍ علَى الأرضِ بالحجارةِ، ثمَّ بَنَوْهُ باللَّبِنِ، وَجَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ ينقلُ مَعَهُمُ الحجارةَ ويقولُ: “اللهم لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشَ الآخِرَةِ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ” وقالَ قائلٌ:

لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ
لَذَاكَ مِنَّا عَمَلٌ مُضَلِّلُ

وقالَ عمارُ بنُ ياسرٍ: قَتَلُوني يَا رسولَ اللهِ، حمَّلُونِي فوقَ مَا يَتَحَمَّلُوْنَ، فقالَ: “إِنَّمَا تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ البَاغِيَةُ” أي الظالمةُ فَقُتِلَ بِصِفِّينَ.

وجَعَلَ قبلَتَهُ لبيتِ المقدسِ وجعلَ لهُ ثلاثةَ أبوابٍ بابًا في مؤخرِهِ وبابًا يقالُ لهُ بابُ الرحمةِ وهوَ الذي يُسَمَّى بابَ عاتكةَ والبابُ الثالثُ الذي يدخلُ منهُ المصطفى ﷺ وهوَ الذي يلي ءالَ عثمانَ، وجعلَتْ أعْمِدَتُهُ الجذوعَ وسقفُهُ الجريدَ. وَمِنَ الفوائِدِ الحسنةِ مَا ذكرَهُ بعضُ الفقهاءِ أنَّ موضعَ المسجدِ كانَ ابْتَاعَهُ تُبَّعٌ للمصطفَى قبلَ مَبْعَثَهُ بألفِ سنةٍ وأنَّهُ لمْ يَزَلْ عَلَى مُلْكِهِ مِنْ ذلكَ العهدِ.

ثمَّ إنَّهُ بنَى حولَهُ منازلَ أي مساكنَ لأهلِهِ أي نسائِهِ ومواليهِ. وبَعَثَ زيدَ بنَ حارثةَ وأبا رافعٍ إلَى مكةَ فقدِمَا عليهِ بفاطمةَ وأمِّ كلثومٍ ابنتيهِ وسودةَ زوجَتِهِ، وجَلَسَ أبو العاصِ ابنُ الربيعِ مَعَ بنتِهِ زينبَ، وخرجَ عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ مَعَهُمْ بعيالِ أبي بكرٍ وفيهِمْ عائشةُ فَقَدِمُوا المدينةَ فَأَنْزَلَهُمْ فِي بيتِ حارثةَ بنِ النعمانِ، كلُّ ذلكَ وهوَ فِي بيتِ أبِي أيوبٍ. وكانَ أصحابُهُ مِنَ المهاجرينَ والأنصارِ يَبْنُوْنَ مَسَاكِنَهُمْ حوالَيْهِ فِي ظلِّهِ أي فِي كَنَفِهِ، وإنَّ مِنَ الأنصارِ مَنْ تَرَكَ مَسْكَنَهُ البعيدَ وسَكَنَ بِقُرْبِهِ.

بعض القصص التي وردت مع بعض من هاجر إلى المدينة المنورة

وأخرجَ البيهقيُّ فِي دلائلِ النبوةِ، فِي بابٍ سمَّاهُ بابَ مَا جاءَ فِي الْمُهَاجِرَةِ إلَى النبيِّ ﷺ التي أحيَا اللهُ تعالَى بِدُعَائِهَا وَلَدَهَا بعدَ مَا مَاتَ: عنْ أنسٍ قالَ: عُدْنَا شابًّا مِنَ الأنصارِ (أي زرناهُ)، وعندَهُ أمٌّ لهُ عجوزٌ عمياءُ، قالَ: فَمَا بَرحْنَا أنْ فاضَ، يعني: ماتَ، ومَدَدْنَا علَى وَجْهِهِ الثوبَ، وقُلْنَا لأمِّهِ: يَا هذهِ احتَسِبِي مُصَابَكِ عندَ اللهِ، قالتْ: « أَمَاتَ ابْنِي ؟» قُلْتُ: نعمْ، قالتْ: « اللهم إنْ كنتَ تعلَمُ أنِّي هاجَرْتُ إليكَ وإلَى نبيِّكَ، رجاءَ أنْ تُعِيْنَنِي عندَ كلِّ شديدةٍ، فَلَا تَحْمِلْ عَلَيَّ هذهِ المصيبةَ اليومَ». قالَ أنسٌ: فواللهِ مَا بَرحَتْ حتَّى كُشِفَ الثوبُ عنْ وجهِهِ وطَعمَ وطَعِمْنَا مَعَهُ.اهـ وأخرجَهُ ابنُ عديٍّ وابنُ أبي الدنيَا وأبو نعيمٍ.

وَرَوَى ابنُ سعدٍ عنْ عثمانَ بنِ القاسمِ أنَّهُ قالَ: لَمَّا هَاجَرْتْ أمُّ أيمنَ، ( مِنْ مكةَ إلَى المدينةِ) أَمْسَتْ بالْمُنْصَرَفِ وَدُونَ الرَّوْحَاءِ، فَعَطِشَتْ، وليسَ مَعَهَا ماءٌ؛ وهيَ صائمةٌ، فَأَجْهَدَهَا العطشُ، فَدُلِّيَ علَيْهَا مِنَ السماءِ دَلْوٌ مِنْ ماءٍ بِرَشَاءٍ أبيضَ (الذي يُتَوَصَّلُ بهِ إلَى الماءِ)، فَأَخَذَتْهُ، فَشَرِبَتْهُ حتَّى ارتوتْ. فكانتْ تقولُ: مَا أصابَنِي بعدَ ذلكَ عطشٌ ولقدْ تَعَرَّضْتُ للعطشِ بالصومِ فِي الهواجرِ، فمَا عَطِشْتُ. وأَخْرَجَهُ ابنُ السكنِ مِنْ روايَةٍ أخرَى قالَ: خَرَجَتْ مهاجرةً مِنْ مكةَ إلَى المدينةِ وهِيَ ماشيةٌ ليسَ معهَا زادٌ. وقالَ فيهِ: فلمَّا غابتِ الشمسُ إذْ أنَا بإناءٍ مُعَلَّقٍ عندَ رأسِي، وقالتْ فيهِ: ولقدْ كنتُ بعدَ ذلكَ أصومُ فِي اليومِ الحارِّ ثمَّ أطوفُ فِي الشمسِ كيْ أعطشَ فمَا عَطِشْتُ بعد. اهـ

وفِي بعضِ الرواياتِ: فَكَادَتْ تموتُ مِنَ العطشِ، فلمَّا كانَ وقتُ الفطرِ وكانتْ صائمةً سَمِعَتْ حِسًّا عَلَى رأسِهَا، فَرَفَعَتْهُ، فَإِذَا دَلْوٌ، بِرَشَاءٍ أبيضَ معلَّقٍ، فَشَرِبْتُ منهُ حتَّى رَوِيْتُ، ومَا عَطِشْتْ بَقِيَّةَ عُمُرِهَا.اهـ

خاتمة

لـمَّا هاجرَ المصطفَى، طابتْ بهِ طيبةُ، وأضاءَ كلُّ مَا كانَ منهَا أسودُ، منذُ دَخَلَهَا، وسَرَى السرورُ إلَى القلوبِ بحلُوْلِهِ بهَا، وكانتْ مِنْ أوبإِ الأراضي، فزالَ عنهَا وباؤُهَا ببركةِ هذَا النبيِّ العظيمِ الجاهِ، ودعَا اللهَ قائلًا: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّل حُمَّاهَا إِلَىَ الْجُحْفَةِ. وقال: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا، وَاجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ. وقال: عَلَى أَنْقَابِ المدِيْنَةِ مَلائِكَةٌ لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلا الدَّجَّالُ

اللهم اجعَلْ قُلوبَنَا عَامِرَةً بِحُبِّ وَتَعْظِيمِ وَإِجْلالِ حَبِيبِكَ محمدٍ ﷺ وَثَبِّتْنَا علَى هَدْيِهِ وَطَريقَتِهِ وأَعِدْ عَلَيْنَا الذكرَى بالخَيْرِ وَالبَرَكاتِ وَالْطُفْ بأُمَّةِ محمدٍ ﷺ.