المقدمة
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ عُمُرَ الآدَمِيِّ سَفَرًا إِلَى الأُخْرَى طَوِيلا وَقَصِيرًا، فَسَارَ النَّاسُ بِبَضَائِعِ الأَعْمَالِ، فَرَبِحَ الْمُتَيَقِّظُونَ رِبْحًا كَثِيرًا، وَهَلَكَ الْمُفَرِّطُونَ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ عَادَ مِسْكِينًا فَقِيرًا، عَرَضَتْ لَهُمُ الشَّهَوَاتُ فِي بَرِّ الْبِرِّ فَصَارَ الْجَاهِلُ لَهَا أَسِيرًا، فَافترَسَهُ سَبُعُ الْهَوَى فَأهلَكَهُ، فَلَقِيَ هَوْنًا وَتَغْيِيرًا، وَكَمْ حَثَّهُ الشَّرْعُ عَلَى الْجِدِّ، كبيرًا كانَ أَمْ صغيرًا، ((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوْرًا))، أَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ جَعَلَ حَمْدَهُ مِصْبَاحًا منيرًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ محمدٍ الْمَبْعُوثِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَعَلَى خَلِيفَتِهِ أَبِي بَكرٍ مَنْ ثَبَتَ عَلَى الحَقِّ ثَبَاتًا كَبِيرًا، وَعَلَى عُمَرَ الذِي نَشَرَ اللهُ بِسَبَبِهِ فِي شَرقِ البِلَادِ وَغَربِهَا خَيرًا كَثِيرًا، وَعَلَى عُثمَانَ الشَّهِيدِ الَّذِي كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا يَسِيرًا، وَعَلَى عَلِيٍّ مَنْ رَزَقَهُ اللهُ العِلمَ وَالشَّجَاعَةَ وَالقَضَاءَ وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَرَزَقَنَا حُسْنَ اتِّبَاعِهِ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، أَمَّا بَعْدُ:
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾، ذمَّ الشرعُ الركضَ وراءَ الدنيا علَى الوجهِ المذمومِ المخالفِ للشرعِ واتِّبَاعَ الشهواتِ فيهَا ونسيانَ الموتِ، ورغَّبَ فِي الآخرةِ والعملِ لَهَا فقالَ تعالَى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾، وما ذلكَ إلَّا لأنَّها دارُ عبورٍ وفتورٍ والآخرةُ دارُ القرارِ وهيَ المستقرُّ، وقد قال سيدُنَا عيسى عليهِ الصلاةُ والسلامُ للحوارينَ عنِ الدنيا: ((الدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ فَاعْبُرُوْهَا وَلَا تَعْمُرُوْهَا))، إنَّه وصفٌ بليغٌ للدنيا وهوَ أنَّها قنطرةٌ أي هيَ كالجسرِ فإنَّ الواحدَ منَّا إذا أرادَ أنْ يُعَمِّرَ بيتًا فإنَّه لا يختارُ الجسرَ ليبنيَ عليهِ البيتَ بلْ يجعلُ الجسرَ محلًّا يعبرُ عليهِ ولا يستقرُّ عليهِ، وهذَا بمعنَى مَا أوصَى بهِ نبيُّنَا ﷺ ابنَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُمَا حيثُ قالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبِي وَقَالَ: ((كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: ((إذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِك لِمَرَضِك، وَمِنْ حَيَاتِك لِمَوْتِك)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. معناهُ ليكنْ أملُكَ قصيرًا فِي هذهِ الدنيَا ولَا تُطِلْ أَمَلَكَ فَتُأَخِّرَ العملَ الصالحَ وَهوَ كمَا قالَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ: (اعمَلْ لدُنْيَاكَ كأنَّكَ تَعِيشُ أبدًا، واعمَلْ لآخِرَتِكَ كأنَّكَ تَمُوتُ غَدًا).
قالَ الحافظُ أبو الفرجِ ابنُ الجوزيِّ: يَا عَجَبًا كَيْفَ أَنِسَ بِالدُّنْيَا مُفَارِقُهَا، وَأَمِنَ النَّارَ وَارِدُهَا، كَيْفَ يَغْفَلُ مَنْ لا يُغْفَلُ عَنْهُ، كَيْفَ يَفْرَحُ بِالدُّنْيَا مَنْ يَوْمُهُ يَهْدِمُ شَهْرَهُ، وَشَهْرُهُ يَهْدِمُ سَنَتَهُ وَسَنَتُهُ تَهْدِمُ عُمْرَهُ، كَيْفَ يَلْهُو مَنْ يَقُودُهُ عُمْرُهُ إِلَى أَجَلِهِ وَحَيَاتُهُ إِلَى مَوْتِهِ. إِخْوَانِي: الدُّنْيَا فِي إِدْبَارٍ، وَأَهْلُهَا مِنْهَا فِي اسْتِكْثَارٍ، وَالزَّارِعُ فِيهَا غَيْرَ التُّقَى لا يَحْصُدُ إِلا النَّدَمَ.
قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ بَيْتَانِ: بَيْتٌ شَاهِدٌ وَبَيْتٌ غَائِبٌ، فَلا يُلْهِيَنَّكَ بَيْتُكَ الْحَاضِرُ الَّذِي فِيهِ عُمْرُكَ قَلِيلٌ عَنْ بَيْتِكَ الْغَائِبِ الَّذِي عُمْرُكَ فِيهِ طَوِيلٌ.
فَمَنْ عَرَفَ قِيمَةَ العُمُرِ لَم يُفَرِّطْ فِيهِ، فَليَنْظُرِ الشَّابُّ فِي حِرَاسَةِ بِضَاعَتِهِ، وَلْيَنْتَبِهِ الكَهْلُ بِقَدرِ استِطَاعَتِهِ، وَلْيَتَزَوَّدِ الشَّيخُ لِلَّحَاقِ بِجَمَاعَتِهِ، وَلْيَنظُرِ الهَرِمُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ سَاعَتِهِ.
وَقَدْ قالَ بعضُ الفقهاءِ لبعضِ المقصِّرينَ:
قَطَعْتَ شُهُوْرَ العَامِ لَهْوًا وَغَفْلَةً … وَلَمْ تَحْتَرِمْ فِيْمَا أَتَيْتَ الْمُحَرَّمَا
فَلَا رَجَبًا وَافَيْتَ فِيْهِ بِحَقِّهِ … وَلَا صُمْتَ شَهْرَ الصَّوْمِ صَوْمًا مُتَمَّمَا
وَلَا فِي لَيَالِيْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ الذِي … مَضَى كُنْتَ قَوَّامًا وَلَا كُنْتَ مُحْرِمَا
فَهَلْ لَكَ أَنْ تَمْحُوْ الذُّنُوبَ بِعَبْرَةٍ … وَتَبْكِي عَلَيْهَا حَسْرَةً وَتَنَدُّمَا
وَتَسْتَقْبِلَ العَامَ الجَدِيْدَ بِتَوْبَةٍ … لَعَلَّكَ أَنْ تَمْحُوْ بِهَا مَا تَقَدَّمَا
أحبابي: إنَّنَا فِي آخِرِ هَذَا العَامِ، وَمَعَ بِدَايَةِ عَامٍ جَدِيدٍ حَرِيٌ أَنْ يُجَدِّدَ المُسلِمُ التَّوبَةَ وَالثَّبَاتَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَتَركِ مَا حَرَّمَ اللهُ مِنَ الأَقوَالِ وَالأَفعَالِ، وَلْنَأْخُذْ مَعَ بِدَايَةِ العَامِ الجَدِيدِ المَوعِظَةَ أَنَّ العُمُرَ أَعوَامٌ وَسَنَواتٌ وَأَيَّامٌ وَسَاعَاتٌ، وَالمُؤمِنُونَ المُتَّقُونَ فِي كُلِّ زَمَنٍ وَحِينٍ لَا يَزدَادُونَ بِالأَعوَامِ إِلَّا خَيرًا وَبِرًّا وَتَقوًى، وَلَا تَمُرُّ بِهِمُ السُّنُونُ إِلَّا وَهُمْ مَقْبِلُونَ لِلخَيرَاتِ وَفِي اغتنامٍ للصّالحاتِ وتركٍ لِمَا نهَى اللهُ عنْهُ، وَهُمْ فِي كُلِّ هَذَا مُسرِعُونَ، فَفِي القرآنِ العظيمِ تذكرةٌ للمؤمنينَ وهيَ قولُه تعالَى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، فَلْيَكُنِ الوَاحِدُ عَلَى حَذَرٍ مِنْ تَضيِيعِ الأَعمَارِ سُدًى،
إنَّ فِي ذهابِ عامٍ وحلولِ آخَر موعِظةً وتذكيرًا بأنَّ هذهِ الدنيَا لا تبقَى على حالٍ ولا تصفُو لأحدٍ كاذِبةُ الأماني، المرءُ منها علَى خطَرٍ، جديدُها يَبلَي وأيَّامُها معدودةٌ، والآجالُ فيها مكتوبةٌ هي بمثابةِ ظلٍّ زائلٍ، أو كأحلامِ النائِم، فاحذرِ الغفلةَ فيها، قالَ اللهُ تعالَى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا).
قالَ بعضُ السَّلفِ: كُلُّ يومٍ يعيشُ فيه المؤمنُ غنيمةٌ. الأعمالُ بالخواتيمِ؛ مَنْ أصلَحَ فيمَا بَقِيَ غُفِرَ لَهُ مَا مَضَى، وَمَنْ أَسَاءَ فِيمَا بَقِيَ أُخِذَ بِمَا بَقِيَ ومَا مَضَى. وَمَا مَضَى مِنَ العُمُرِ وَإِنْ طَالَتْ أَوقَاتُهُ فَقَد ذَهَبَتْ لَذَّاتُهُ وَبَقِيَتْ تَبِعَاتُه، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِذَا جَاءَ المَوتُ وَمِيقَاتُه؛ قَالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}. تَلَا بعضُ السَّلفِ هذهِ الآيةَ وبكَى، وقالَ: إذا جاءَ الموتُ لم يُغنِ عنِ المرءِ ما كانَ فيهِ مِنَ اللذَّةِ والنعيمِ. وفي هذَا المعنَى ما أنشدَهُ أبو العتاهيةِ للرشيدِ حينَ بنَى قصرَه واستدعَى إليهِ جلساءَه، ثم قالَ لهُ: ما تقولُ فيمَا نحنُ فيهِ؟ فأنشَدَهُ هذهِ الأبياتَ:
عِشْ ما بدا لكَ سالمًا … في ظِلِّ شَاهِقَةِ القُصُورِ
يَسْعَى عليكَ بما اشْتَهَيْـ … ـتَ لَدَى الرَّواحِ وفي البُكُورِ
فإذا النُّفوسُ تَقَعْقَعَتْ … في ضِيقِ حَشْرَجةِ الصُّدورِ
فهناكَ تَعْلَمُ مُوقِنًا … ما كنْتَ إلَّا في غُرورِ
وَإِنَّنَا فِي يَومِنَا هَذَا فِي بِدَايَةِ العَامِ الهِجرِيِّ، نَتَذَكَّرُ سِيرَةَ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ، فَهِيَ سِيرَةٌ مِلؤُهَا الدُّرُوسُ وَالعِبَرُ، وَمَحَطَّاتُ حَيَاتِهِ ﷺ هِيَ بِمَثَابَةِ نِبرَاسٍ يُضِيءُ طَرِيقَ السَّالِكِينَ وَدَربَهُم فِي كُلِّ الأَيَّامِ وَالأَزمَانِ، وَخُصُوصًا فِي زَمَانِ غُربَةِ الإِسلَامِ، زَمَانِنَا هَذَا الَّذِي نَعِيشُهُ، هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ حَدِيثُهُ ﷺ الَّذِي يَروِيهِ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَدَأَ الإِسلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلغُرَبَاءِ»، فَكَمَا كَانَ الإِسلَامُ غَرِيبًا فِي زَمَانِكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّنَا نَرَاهُ غَرِيبًا فِي أَيَّامِنَا وَأَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ غُرَبَاءُ، مَن يَتَكَلَّمُ بِعَقِيدَتِكَ وَيَنشُرُ أَخلَاقَكَ الفَاضِلَةَ صَارَ غَرِيبًا فِي هَذَا الزَّمَانِ.
هَا هِيَ سَنَةٌ هِجرِيَّةٌ أُخرَى تَمُرُّ عَلَى أُمَّةِ الإِسلَامِ وَقَدِ انتَشَرَ مَن يُحَارِبُ هَذِهِ الأُمَّةَ وَكَثُرَ، وَزَادَ مَن يُرِيقُ دِمَاءَ المُسلِمِينَ بِغَيرِ حَقٍّ وَيَستَبِيحُ بِلَادَهُمْ، وَهَذَا مَا نُشَاهِدُهُ غَربًا وَشَرقًا، وَصَارَت تَعَالِيمُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَالغَرِيبَةِ بَينَ النَّاسِ ابتَعَدَ عَنهَا أَكثَرُ النَّاسِ إِلَّا مَن ثَبَّتَهُ اللهُ عَلَى نَهجِ حَبِيبِهِ المُصطَفَى ﷺ.
فِي بِدَايَةِ هَذَا العَامِ الهِجرِيِّ لَا نَقدِرُ إِلَّا أَن نَغرِفَ مِن مَعِينِ سِيرَةِ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ، وَنَلتَفِتَ إِلَى حَدَثٍ عَظِيمٍ قَلَبَ مَسَارَ التَّارِيخِ وَغَيَّرَ مَجرَى الدَّعوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، بَزَغَ فِيهِ فَجرُ دِينِ الإِسلَامِ لِيُضِيءَ فِي أَقَلَّ مِن رُبُعِ قَرنٍ بَعدَهُ مَشَارِقَ الأَرضِ وَمَغَارِبَهَا، هَذَا الحَدَثُ العَظِيمُ هُوَ حَدَثُ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ، الحَدَثُ الَّذِي اختَارَهُ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لِيَبدَأَ مِنهُ التَّأرِيخَ الإِسلَامِيَّ، حَتَّى صَارَ يُسَمَّى التَّارِيخَ الهِجرِيَّ، إِيذَانًا وَتَذكَارًا لِهِجرَةِ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ، مَا أَعظَمَهُ مِن حَدَثٍ وَمَا أَكبَرَهَا مِن وَاقِعَةٍ، أَعَزَّ اللهُ بِهَا الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذَلَّ بِهَا الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ.
لَيسَتِ الهِجرَةُ النَّبَوِيَّةُ وَسِيلَةَ رَاحَةٍ فِي الدُّنيَا، وَلَا حِيلَةً لِلِاستِجمَامِ مِن عَنَاءٍ دُنيَوِيٍّ طَالَ صَبرُهُ عَلَيهِ، وَلَا هِيَ فُرصَةٌ لِلتَّروِيحِ عَنِ النَّفسِ بِالسَّيرِ فِي الأَرضِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى عَوَالِمَ جَدِيدَةٍ لَم تُتَح لَهُ فُرصَةُ الِاطِّلَاعِ عَلَيهَا، وَلَكِنَّهَا فِي الحَقِيقَةِ تَارِيخُ أُمَّةٍ وَتَارِيخٌ مُشرِقٍ، إِنَّهَاحَدَثٌ لَيسَ كَأَيِّ حَدَثٍ وَرِحلَةٌ عَظِيمَةٌ مِن وَقَائِعِ الإِسلَامِ، هَذِهِ الرِّحلَةُ الَّتِي قَادَهَا سَيِّدُ النَّاسِ زَينُ الخَلَائِقِ، خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، زَينُ المُرسَلِينَ، إِمَامُ المُتَّقِينَ، حَبِيبُ المَحبُوبِ، بُغيَةُ المَطلُوبِ، إِمَامُ الأَبرَارِ، وَقَائِدُ الأَخيَارِ وَسَيِّدُ مَن مَشَى وَعَاشَ فِي هَذِهِ الدَّارِ.
وقد صدق من قال
تَرِبتْ يداي إذا حُرِمتُك شافعاً
و مُنعتُ حوضَكَ أيّها المختار
إي يا ابن عبدالله ما بلغَ الهوى
منك الذي يرجو و لا الشّعراءُ
كم غادر الشّعراءُ من نظمٍ و كم
راحوا على طُرقِ البيانِ و جاؤوا
و تظلُّ في كلّ القلوبِ محمّداً
الصّمتُ فيكم والكلامُ سَواءُ
صلني فوا فقري اذا لم ترضَ
عن وصلي وترضى القبةُ الخضراءُ
و إذا قريشٌ لم تسعكَ بيوتُها
فالشِّعبُ قلبي و الفدا الأحشاءُ
يا أمّ معبدَ ليت قلبي خيمةٌ
لتدوسَه بنعالها النّزلاءُ
وَالصَّاحِبُ لَيسَ كَكُلِّ صَاحِبٍ، رَفِيقُ الدَّربِ لَم يَكُن كَأَيِّ رَفِيقٍ، هُوَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ السَّابِقُ إِلَى التَّصدِيقِ، المُلَقَّبُ بِالعَتِيقِ، المُؤَيَّدُ مِنَ اللهِ بِالتَّوفِيقِ، صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الحَضَرِ وَالأَسفَارِ، وَرَفِيقُهُ الشَّفِيقُ فِي جَمِيعِ الأَطوَارِ، وَضَجِيعُهُ بَعدَ المَوتِ فِي الرَّوضَةِ المَحفُوفَةِ بِالأَنوَارِ، المَخصُوصُ فِي الذِّكرِ الحَكِيمِ بِمَفخَرٍ فَاقَ بِهِ كَافَّةَ الأَخيَارِ، وَعَامَّةَ الأَبرَارِ، وَبَقِيَ لَهُ شَرَفُهُ عَلَى كُرُورِ الأَعصَارِ، وَلَم يَسمُ إِلَى ذُروَتِهِ هِمَمُ أُولِي الأَيدِ وَالأَبصَارِ، حَيثُ يَقُولُ عَالِمُ الأَسرَارِ: ﴿ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ﴾، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ وَالآثَارِ، وَمَشهُورِ النُّصُوصِ الوَارِدَةِ فِيهِ وَالأَخبَارِ الَّتِي غَدَت كَالشَّمسِ فِي الِانتِشَارِ، وَفَضَلَ كُلَّ مَن فَاضَلَ، وَفَاقَ كُلَّ مَن جَادَلَ وَنَاضَلَ، وَنَزَلَ فِيهِ: ﴿لَا يَستَوِي مِنكُم مَن أَنفَقَ مِن قَبلِ الفَتحِ وَقَاتَلَ﴾، فَتَجَرَّدَ مِنَ الأَموَالِ وَالأَعرَاضِ، صَارَ لِلمِحَنِ هَدَفًا، وَلِلبَلَاءِ غَرَضًا، وَزَهِدَ فِيمَا عَزَّ لَهُ جَوهَرًا كَانَ أَو عَرَضًا، رَضِيَ اللهُ عَن أَبِي بَكرٍ وَجَزَاهُ اللهُ عَنِ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزَاءِ.
يَا أَحبَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ هِجرَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ هِيَ الهِجرَةُ الحَقِيقِيَّةُ، هَا هِي قَد كَرَّتِ الأَيَّامُ.. وَاستَدَارَ العَامُ.. وَلَاحَت فِي الأُفُقِ خُيُوطُ الذَّهَبِ.. وَأَشرَقَ وَهَجُ ذِكرَى البُشرَى بِهِجرَةِ المُصطَفَى الحَبِيبِ ﷺ، مِن مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ أُمِّ القُرَى إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ الزَّهرَاءِ، إِيذَانًا بِعَهدٍ جَدِيدٍ، أَوَّلُهُ العَزِيمَةُ وَالصَّبرُ، وَآخِرُهُ التَّمكِينُ وَالنَّصرُ.
وَقَد وَدَّعَنَا عِيدُ الأَضحَى الغَالِي.. وَسَلَّمَنَا لِمُنَاسَبَةٍ عَزِيزَةٍ ثَانِيَةٍ، هِيَ الهِجرَةُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ.. رِحلَةُ النُّورِ الَّتِي نُسِجَ مِن قَبَسِ ضَوئِهَا سَنَاءُ شَمسِ الدَّولَةِ الإِسلَامِيَّةِ العَلِيَّةِ، الَّتِي سَادَت وَشَادَت أَعظَمَ حَضَارَةٍ عَرَفَهَا التَّارِيخُ الإِنسَانِيُّ..
وَالهِجرَةُ هِجرَتَانِ: هِجرَةٌ جَسَدِيَّةٌ.. فُرِضَت زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ المُعَظَّمَةِ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ. وَهِجرَةٌ رُوحِيَّةٌ.. مِن ذُلِّ المَعصِيَةِ إِلَى عِزِّ الطَّاعَةِ، تَبقَى مُلزِمَةً لَنَا مَا بَقِيَ النَّيِّرَانِ، وَتَعَاقَبَ الجَدِيدَانِ…
وَالهِجرَةُ كَانَتِ دَائِمًا سَعيًا نَحوَ الأَفضَلِ، وَخُرُوجًا مِن مَأزِقٍ حَلَّ وَبَلَاءٍ نَزَلَ، وَلَم تَكُن يَومًا هُرُوبَ الجُبنِ مِنَ المُوَاجَهَةِ، وَلَا طَلَبًا لِرَاحَةِ بَالٍ وَدُنيَا مُؤثَرَةٍ… أَبَدًا… إِنَّمَا كَانَت بِأَمرٍ مِنَ اللهِ أَحكَمِ الحَاكِمِينَ، وَعَمَلًا بِتَحقِيقِ أَسبَابِ النَّصرِ وَعَنَاصِرِ التَّمكِينِ، وَحُصُولِ المَنَعَةِ، وَاشتِدَادِ العَضُدِ، لِتَحدِيدِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ المُلَائِمَينِ لِمُقَارَعَةِ العَدُوِّ، وَتَثبِيتِ حُكمِ اللهِ فِي الأَرضِ، وَرَفعِ رَايَةِ الفَوزِ وَالعِزِّ فَوقَ الهَامَاتِ: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”.
نَعَم، هِيَ كَلِمَةُ التَّوحِيدِ، وَفِيهَا عِزُّ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، فِيهَا التَّمكِينُ بِإِذنِ اللهِ، وَلِحَامِلِهَا العِزَّةُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ﴾،
مُحَمَّدٌ حَبِيبُنَا وَسَيِّدُنَا وَقَائِدُنَا وَقُدوَتُنَا رَسُولُ اللهِ وَسَيِّدُ خَلقِ اللهِ ﷺ، هَاجَرَ نَبِيُّنَا الكَرِيمُ بِنَفسِهِ وَمَعَ صَاحِبِهِ لِتَبلِيغِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، لِنَشرِ هَذِهِ العَقِيدَةِ، عَقِيدَةِ العِزِّ وَالتَّمكِينِ، عَقِيدَةِ التَّوحِيدِ الَّتِي جَاءَ بِهَا كُلُّ الأَنبِيَاءِ وَجَدَّدَ القَائِدُ مُحَمَّدٌ الدَّعوَةَ إِلَيهَا بَعدَ انقِطَاعِهَا بَينَ البَشَرِ عَلَى وَجهِ الأَرضِ، هِيَ العَقِيدَةُ الَّتِي تَمَكَّنَت فِي قَلبِ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ، فَنَشَرَهَا وَهَاجَرَ لِتَبلِيغِهَا، عَقِيدَةٌ مِلؤُهَا تَعظِيمُ اللهِ وَتَنزِيهُ اللهِ عَنِ النَّقَائِصِ، عَقِيدَةٌ فِيهَا بَيَانُ أَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ خَالِقُ العِبَادِ وَأَعمَالِهِم، خَالِقُ الخَيرِ وَخَالِقُ الشَّرِّ وَخَالِقُّ كُلِّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَي لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، فَهُوَ خَالِقُ المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالسَّمَاءِ وَالعَرشِ وَالكُرسِيِّ وَالجِهَاتِ السِّتِّ وَخَالِقُ الإِنسِ وَالجَانِّ لَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ مِن خَلقِهِ، لَا يَحوِيهِ مَكَانٌ وَلَا جِهَةٌ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، لَيسَ جِسمًا وَلَا يُوصَفُ بِصِفَاتِ الأَجسَامِ، لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، هَذِهِ العَقِيدَةُ الَّتِي هَاجَرَ نَبِيُّنَا لِتَبلِيغِهَا، هَذِهِ العَقِيدَةُ الَّتِي نَشَرَهَا بَعدَ النَّبِيِّ ﷺ أَصحَابُهُ فِي شَرقِ البِلَادِ وَغَربِهَا، هَذِهِ العَقِيدَةُ الَّتِي فِيهَا تَعظِيمُ خَالِقِنَا عَزَّ وَجَلَّ، هَذِهِ العَقِيدَةُ الَّتِي نَسأَلُ اللهَ أَن يُحيِيَنَا عَلَيهَا وَيُمِيتَنَا عَلَيهَا.
فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلهِجرَةِ فِي غَزوَةِ تَبُوكَ عَلَى التَّحدِيدِ حَثَّ القَائِدُ الأَكرَمُ ﷺ أَصحَابَهُ عَلَى البَذلِ وَالعَطَاءِ وَالتَّجَهُّزِ لِحَربِ الرُّومِ فِي آخِرِ غَزوَةٍ غَزَاهَا بِنَفسِهِ الشَّرِيفَةِ، فَتَقَاعَسَ مَن تَقَاعَسَ وَتَبَاطَأَ مَن تَبَاطَأَ حُبًّا لِهَذِهِ الدُّنيَا وَتَمَسُّكًا بِهَا فَنَزَلَ قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي نَتلُوهُ فِي مِثلِ أَيَّامِنَا هَذِهِ: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللهُ﴾.. أَي إِن تَقَاعَستُم عَن نُصرَتِهِ، وَتَأَخَّرتُم لِتَلبِيَةِ أَمرِهِ لَكُم بِالخُرُوجِ إِلَى تَبُوكَ فَاللهُ نَاصِرُهُ، وَنِعمَ النَّاصِرُ وَالمَنصُورُ، إِي وَاللهِ نَصَرَهُ رَبُّهُ وَهُوَ أَصدَقُ القَائِلِينَ، ﴿وَمَن أَصدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، وَعَدَ نَبِيَّهُ بِالنَّصرِ فَنَصَرَهُ، وَهَذِهِ الآيَةُ فِيهَا إِثبَاتُ أَنَّ الهِجرَةَ النَّبَوِيَّةَ كَانَ نَصرًا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، نَصَرَهُ اللهُ بِخَيطِ العَنكَبُوتِ، نَصَرَهُ بِحَمَامَتَينِ وَحشِيَّتَينِ، مَا أَعظَمَهُ مِن نَصرٍ، لَم تَقدِر عَلَى صَدِّهِ جَحَافِلُ المُشرِكِينَ، بِعَدَدِهِم وَعُدَّتِهِم، لَم يَقدِرُوا صَدَّ خَيطِ العَنكَبُوتِ، وَرَحِمَ اللهُ القَائِلَ:
أَيُّهَا المَدَّعِي الفخَارَ دَعِ الفَخـ … ـرَ لِذِي الكِبرِيَاءِ وَالجبَروتِ
نِسجُ دَاوُودَ لَم يَفدِ صَاحِبَ الغَا … رِ وَكَانَ الفخَارُ لِلعَنكَبُوتِ
الهِجرَةُ عِزٌّ وفَوزٌ لِمَن كَانَ اللهُ مَعَهُ، وَإِن كَانَ حِينَهَا مِنَ العَدَدِ فِي قِلَّةٍ، وَالعَدُوُّ فِي كَثرَةٍ، فَاللهُ مُتَوَكِّلٌ بِنَصرِهِ وَإِظهَارِهِ، فَقَد أَيَّدَهُ اللهُ بِجُنُودٍ رَآهَا الرَّاؤُونَ وَمِنهَا: الشَّجَرَةُ وَالحَمَامَتَانِ وَعُشُّهُمَا وَالعَنكَبُوتُ وَخُيُوطُهَا… وَبِجُنُودٍ لَم يَرَهَا أَحَدٌ رَأيَ العَينِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ.. اللهُ أَعلَمُ بِهَا، وَهُمُ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ كَانُوا الظَّهِيرَ وَالنَّصِيرَ.. حَفِظَهُ رَبُّهُ مِن شَرِّ الجَاهِلِيِّينَ.. فِي غَارٍ صَغِيرٍ.. بِأَوهَى البُيُوتِ، خُيُوطِ عَنكَبُوتٍ.. كَانَت أَكثَرَ أَثَرًا مِن سَيفٍ مُجَرَّدٍ، وَرُمحٍ سَمهَرِيٍّ، وَدِرعً مَسرُودٍ.. وَنَجَا النَّبِيُّ وَصَاحِبُهُ الأَمِينُ..
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَا أَحبَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ، إِنَّ دُرُوسَ الهِجرَةِ عَظِيمَةٌ وَعِبَرَهَا كَثِيرَةٌ، مَكَرَ بِهِ المُشرِكُونَ فَرَدَّ اللهُ كَيدَهُم وَأَوهَنَ قُوَّتَهُم، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَإِذ يَمكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثبِتُوكَ أَو يَقتُلُوكَ أَو يُخرِجُوكَ وَيَمكُرُونَ وَيَمكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيرُ المَاكِرِينَ﴾، فَأَمَّا المَكرُ مِنَ الخَلقِ فَهُوَ خُبثٌ وَخِدَاعٌ لِإِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الغَيرِ بِاستِعمَالِ حِيلَةٍ وَأَمَّا مِنَ اللهِ فَهُوَ غَيرُ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ مُجَازَاةُ الكَافِرِينَ بِالعُقُوبَةِ مِن حَيثُ لَا يَدرُونَ، وَبِعِبَارَةٍ أُخرَى: إِنَّ اللهَ أَقوَى فِي إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى المَاكِرِينَ مِن كُلِّ مَاكِرٍ جَزَاءً لَهُم عَلَى مَكرِهِم، أَمَّا المَكرُ بِمَعنَى الِاحتِيَالِ فَهُوَ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ، قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: وَالمَكرُ مِنَ اللهِ هُوَ جَزَاؤُهُم بِالعَذَابِ عَلَى مَكرِهِم مِن حَيثُ لَا يَشعُرُونَ.
﴿ثانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾، هَا هِيَ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَذكُرُ مَوقِفًا عَظِيمًا وَلَفتَةً رَائِعَةً مِن لَفتَاتِ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ، هُمَا فِي الغَارِ، هَنِيئًا لِهَذَا الغَارِ الَّذِي حَوَى مُحَمَّدًا ﷺ وَصَاحِبَهُ الصِّدِّيقَ أَبَا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ، أَيُّ أَنوَارٍ وَأَيُّ بَرَكَاتٍ وَأَيُّ أَسرَارٍ حَوَاهَا هَذَا الغَارُ تِلكَ اللَّيَالِيَ، هَذَا الغَارُ الَّذِي أَبقَى اللهُ لَهُ ذِكرًا لِحُلُولِ الحَبِيبِ المُصطَفَى فِيهِ، هَذَا الغَارُ الَّذِي عَرَفنَاهُ مَحَطَّةً غَرَّاءَ فِي تَارِيخِ الدَّعوَةِ الإِسلَامِيَّةِ، هَذَا الغَارُ الَّذِي نَذكُرُهُ كُلَّمَا قَرَأنَا هَذِهِ الآيَةَ، هَذَا الغَارُ الَّذِي شَعَّتِ الأَنوَارُ مِنهُ فَمَلَأَت أَقَاصِيَ البِلَادِ، هَذَا الغَارُ الَّذِي تَشَرَّفَ بِمُكثِ سَيِّدِ السَّادَاتِ وَمَعدِنِ السَّعَادَاتِ عَلَيهِ أَفضَلُ الصَّلَوَاتِ وَالتَّسلِيمِ، هُوَ وَصَاحِبُهُ فِيهِ.
وَيَا تُرَى ….. مَا هُوَ الحَدِيثُ الَّذِي جَرَى بَينَهُمَا فِي تِلكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ، مَاذَا كُنتَ تَقُولُ يَا أَبَا بَكرٍ لِحَبِيبِكَ وَحَبِيبِنَا ﷺ، مِن كُلِّ الخِطَابِ وَالحَدِيثِ وَالحِوَارِ الَّذِي جَرَى بَينَ أَعظَمِ رَجُلَينِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ لَم يَذكُرِ القُرآنُ الكَرِيمُ إِلَّا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، نَعَم يَا أَحبَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ، لَا تَحزَن يَا أَبَا بَكرٍ، فَاللهُ مَعَنَا، أَي يَحفَظُنَا وَيَعلَمُ حَالَنَا، ﴿لَا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، يَدفَعُ عَنَّا الأَذَى وَيَنصُرُنَا.. يَرفَعُنَا عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَا يَخذُلُنَا.. يُؤَيِّدُنَا وَيَمُدُّنَا وَيَكلَؤُنَا.. ﴿لَا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، كَلِمَةٌ صَارَت نِبرَاسًا فِي التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ.. ثَبَّتَت قَلبَ الصَّاحِبِ الخَائِفِ عَلَى دِينِ اللهِ.. وَعَلَى رَسُولِ اللهِ.. ﴿لَا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، لَا تَحزَنُوا يَا أَتبَاعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاللهُ حَافِظٌ دَعوَةَ نَبِيِّهِ الكَرِيمِ ﷺ، لَا تَحزَنُوا فَاللهُ يَنصُرُ مَن نَصَرَ الدِّينَ، لَا تَحزَنُوا مَهمَا اشتَدَّ بِنَا البَلَاءُ وَالكَربُ وَالهَمُّ وَالغَمُّ وَتَدَاعَتِ الأُمَمُ عَلَى أُمَّةِ حَبِيبِكُم مُحَمَّدٍ ﷺ فَاللهُ مَعَنَا أَي حَافِظُنَا وَيَعلَمُ أَحوَالَنَا وَيَنصُرُنَا كَمَا نَصَرَ نَبِيَّهُ ﷺ.
بَعدَ أَن ثَبَّتَ قَلبَ أَبِي بَكرٍ وَحَثَّهُ عَلَى الِاطمِئنَانِ وَقُوَّةِ اليَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ فَهُوَ الحَفِيظُ سُبحَانَهُ، جَاءَتِ البِشَارَةُ، وَجَاءَتِ النَّتِيجَةُ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا﴾، أَنزَلَ اللهُ السَّكِينَةَ عَلَى قَلبِ أَبِي بَكرٍ حَتَّى اطمَئَنَّ، وَأَمَّا قَلبُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ أَثبَتُ القُلُوبِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَأَكثَرُهَا اطمِئنَانًا بِوَعدِ اللهِ وَنَصرِهِ، أَيَّدَهُمُ اللهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا، لَم تَرَوهَا يَا مَن تَقَاعَستُم عَن نَصرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾، ﴿وَمَا يَعلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكرَى لِلبَشَرِ﴾، فَاللهُ تَعَالَى يَنصُرُ مَن يَشَاءُ بِمَا يَشَاءُ، فَكَيفَ إِذَا كَانَ المُستَغِيثُ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، أَيَّدَهُ اللهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلَى، أَي دِينَهُم بَاطِلٌ لَا يَظهَرُ عَلَى دِينِ الحَقِّ، وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا، أَي دِينُ اللهِ هُوَ المُنتَصِرُ وَهُوَ العَزِيزُ وَهُوَ العَظِيمُ، وَهُوَ الَّذِي يَعلُو وَلَا يُعلَى عَلَيهِ.
ثُمَّ بَعدَ قِصَّةِ الغَارِ يُكمِلُ الحَبِيبُ المُصطَفَى مَعَ صَاحِبِهِ الصِّدِّيقِ إِلَى يَثرِبَ الَّتِي أُنِيرَت بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَفِي كُلِّ خَطوَةٍ خَطَاهَا النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَرسٌ لِلأَجيَالِ مَا زَالَت فُصُولُهُ تُقرَأُ. فِي إِثرِهِ كَانَ الطَّلَبُ، وَأَمَامَهُ كَانَ الرَّصَدُ، وَمَعَهُ صَاحِبُهُ الَّذِي كَانَ مُستَعِدًّا فِي أَيِّ لَحظَةٍ لِفِدَائِهِ بِنَفسِهِ.. مَقتَلُ أَبِي بَكرٍ خَسَارَةُ فَردٍ وَاحِدٍ مَعَ أَفضَلِيَّتِهِ وَأَهَمِّيَّتِهِ، وَمَقتَلُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ خَسَارَةُ أُمَّةٍ.
تَكَادُ تَكُونُ الهِجرَةُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ أَهَمَّ حَدَثٍ بَعدَ المَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ يَهتَمُّ بِهِ المُسلِمُونَ مِن قَدِيمِ الزَّمَانِ بِالِاحتِفَالِ وَالِاحتِفَاءِ وَالشُّرُوحَاتِ وَالتَّأَمُّلَاتِ،
الهِجرَةُ بَابُ الِانتِصَارَاتِ الإِسلَامِيَّةِ: بَدرٌ الكُبرَى، الخَندَقُ، فَتحُ مَكَّةَ… وَعُنوَانُ كُلِّ مَكرُمَةٍ، وَصِفَةُ الصَّحَابَةِ أَهلِ مَكَّةَ وَقَد مَدَحَهُمُ اللهُ بِهَا، وَهُمُ الَّذِينَ خَلَّفُوا وَرَاءَ ظُهُورِهِم بَلَدَهُم وَأَموَالَهُم وَارتَحَلُوا فِي أَرضِ اللهِ الوَاسِعَةِ، لِيَكُونُوا مَعَ نَبِيِّهِم فِي تَأسِيسٍ مَتِينٍ لِدَولَةِ الإِسلَامِ.
الهِجرَةُ حَلٌّ إِلَٰهِيٌّ لِتَأيِيدِ رَسُولِهِ ﷺ.. فَقَد فَعَلَتِ الهِجرَتَانِ الحَبَشِيَّتَانِ فِعلَهُمَا المَطلُوبَ، وَرَفَعَت مَعنَوِيَّاتِ المُسلِمِينَ، وَأَعطَتِ الدَّعوَةَ الإِسلَامِيَّةَ زَخَمًا، وَأَربَكَت حِسَابَ جَاهِلِيِّي قُرَيشٍ، وَأَلَّبَت كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَلَيهِم لَومًا وَتَبكِيتًا.. وَكَانَتِ المَدِينَةُ حَلًّا مِثَالِيًّا بَعدَ أَن صَيَّرَهَا اللهُ أَرضًا خَصبَةً لِاستِقبَالِ صَاحِبِ الدَّعوَةِ وَأَتبَاعِهِ.
وَهُنَاكَ فِي المَدِينَةِ، هُنَاكَ فِي طَيبَةَ يَنتَظِرُ المُؤمِنُونَ مِن مُهَاجِرِينَ وَأَنصَارٍ بِلَهَفٍ وَشَوقٍ وُصُولَ الحَبِيبِ يَومًا بَعدٍ يَومٍ وَيَتَوَافَدُونَ إلَى مَشَارِفِ المَدِينَةِ مِن نَاحِيَةِ طَرِيقِ مَكَّةَ، يَنتَظِرُونَ قُدُومَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَعضُهُم يَتَسَلَّقُ الأَشجَارَ وَيَنظُرُ إلَى بُعدٍ عَلَّهُ يَرَى أَثَرًا لِقُدُومِ رَسُولِ اللهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَذَاتَ يَومٍ وَالنَّاسُ فِي انتِظَارٍ بِلَهَفٍ وَشَوقٍ وَقَدِ انتَصَفَ النَّهَارُ وَاشتَدَّ الحَرُّ تَوَافَدُوا جَمَاعَةً بَعدَ جَمَاعَةٍ وَإِذَا بِرَجُلٍ يُنَادِي بِأَعلَى صَوتِهِ: هَا قَد جَاءَ مَن تَنتَظِرُونَ يَا أَهلَ المَدِينَةِ، وَتَكِرُّ الجُمُوعُ عَائِدَةً لِاستِقبَالِ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ وَالحُبُّ يَسبِقُهَا وَلِسَانُ حَالِهَا يُنَادِي بِأُنشُودَةِ الإِسلَامِ الأُولَى:
طَلَعَ البَدرُ عَلَينَا *** مِن ثَنِيَّاتِ الوَدَاع
وَجَبَ الشُّكرُ عَلَينَا *** مَا دَعَا للهِ دَاع
أَيُّهَا المَبعُوثُ فِينَا *** جِئتَ بِالأَمرِ المُطَاع
جِئتَ شَرَّفتَ المَدِينَة *** مَرحَبًا يَا خَيرَ دَاع
لَفَّتِ الدُّنيَا، وَدَخَلَتِ القُلُوبَ، وَرَدَّدَهَا الصِّغَارُ، وَتَنَافَسُ المُنشِدُونَ عَلَى أَنغَامِ أَلحَانِهَا، وَأَطرَبَتِ الوَالِهِينَ،
وَتَلَقَّى المُسلِمُونَ مِن أَنصَارٍ وَمُهَاجِرِينَ رَسُولَ اللهِ أَحسَنَ استِقبَالٍ، فَخَرَجُوا فِي الطُّرُقِ وَعَلَى السُّطُوحِ مُبتَهِجِينَ، وَانتَشَرَ الخَدَمُ وَالصِّبيَانُ فِي الطَّرِيقِ يَهتِفُونَ “اللهُ أَكبَرُ، جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، جَاءَ مُحَمَّدٌ”.
لَمَّا هَاجَرَ المُصطَفَى، طَابَت بِهِ طَيبَةُ، وَأَضَاءَ كُلُّ مَا كَانَ مِنهَا أَسوَدُ، مُنذُ دَخَلَهَا، وَسَرَى السُّرُورُ إِلَى القُلُوبِ بِحُلُولِهِ بِهَا، وَكَانَت مِن أَوبَإِ الأَرَاضِي، فَزَالَ عَنهَا وَبَاؤُهَا بِبَرَكَةِ هَذَا النَّبِيِّ العَظِيمِ الجَاهِ، وَدَعَا اللهَ قَائِلًا: «اللهم حَبِّب إِلَينَا المَدِينَةَ كَمَا حَبَّبتَ مَكَّةَ أَو أَشَدَّ، وَصَحِّحهَا، وَبَارِك لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّل حُمَّاهَا إِلَىَ الجُحفَةِ». وَقَالَ: «اللهم بَارِك لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا، وَاجعَل مَعَ البَرَكَةِ بَرَكَتَينِ». وَقَالَ: «عَلَى أَنقَابِ المدِينَةِ مَلائِكَةٌ لا يَدخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلا الدَّجَّالُ».
إِنَّ الهِجرَةَ كِتَابٌ مَفتُوحٌ، كُلَّمَا قُرِئَ تَضَوَّعَت مِنهُ الطُّيُوبُ دُرُوسًا لِلأُمَّةِ غَالِيَاتٍ…
تَأَمَّلُوا فِي كُلِّ تَفصِيلٍ فِي قِصَّةِ الهِجرَةِ، وَعَلِّمُوهَا أَولَادَكُم، وَجَدِّدُوا مَعَانِيَ الهِجرَةِ فِي شَرَايِينِ الأُمَّةِ، وَأَعلِنُوهَا لِلمَلَإِ:
لَستَ مُجرَّدَ ذِكرَى.. يَا صَاحِبَ الهِجرَةِ.. أَنتَ مُتَنَفَّسُ الحَيَاةِ.
اللهم اجعَل قُلُوبَنَا عَامِرَةً بِحُبِّ وَتَعظِيمِ وَإِجلَالِ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَثَبِّتنَا علَى هَديِهِ وَطَرِيقَتِهِ وَأَعِد عَلَينَا الذِّكرَى بِالخَيرِ وَالبَرَكاتِ وَالطُف بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى صَاحِبِ الذِّكرَى العَطِرَةِ… وَرَضِيَ اللهُ عَنِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ… وَكُلَّ عَامٍ وَالأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ وَالإِسلَامِيَّةُ بِخَيرٍ وَطُمَأنِينَةٍ وَوِئَامٍ وَقُوَّةٍ.