الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الذي شرَّفَ المدينةَ بهجرةِ خيرِ البريةِ، وضاعفَ الثوابَ لمن صلَّى بروضتِهِ العطرةِ الشذيةِ، وأشهدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ الذي نَوَّرَ الكونَ بطلعَةِ حبيبِهِ البهيةِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ جعلَ اللهُ هجرَتَهُ شمسًا أطلَعَهَا علَى الأمةِ الإسلاميةِ، وتوالتْ علَى المدينةِ المنورةِ الآياتُ القرآنيةُ، صلَّى اللهُ على محمدٍ وعلَى ءالهِ وأصحابِهِ الذينَ فازُوا باتِّبَاعِهِمْ لهُ بالسعادةِ السرمديةِ، أَمَّا بَعْدُ أَيُّها الأَحِبَّةُ فَأُوصِيكُمْ ونَفْسِيَ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظيمِ القائِلِ في سورةِ التوبةِ: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. إخوةَ الإيمانِ كانَ الناسُ قبلَ بعثةِ رسولِ اللهِ ﷺ في جاهليةٍ وشرٍّ وكانوا يعبدونَ أصنامًا همْ عمِلُوهَا وكانوا علَى الأخلاقِ الذميمةِ ولمْ يكنْ على وجهِ الأرضِ حينَ بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ مسلمٌ غيرُهُ، فأرسَلَهُ اللهُ للناسِ كافةً وأيدَهُ بالمعجزاتِ ليقيمَ الاعوجاجَ ويصلِحَ الفسادَ ويدعوَ إلَى عبادةِ اللهِ وحدَهُ ونبذِ عبادةِ الأصنامِ، ودعَا ﷺ إلى توحيدِ اللهِ وتنزيهِهِ عنْ مشابَهَةِ المخلوقاتِ فَعَلَّمَ التوحيدَ وعلَّمَ التنزيهَ وأنَّهُ سبحانَهُ يصطفي مِنْ عبادِهِ مَنْ يشاءُ مِنَ الرسلِ والنبيينَ فيرسِلُهُمْ إلَى الناسِ يبلغونَهُمْ ويبشرونَهُمْ وينذرونَهُمْ، وقدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنَ الكفرِ والكبائِرِ وصغائرِ الخسةِ والرذائلِ والسفاهاتِ. ودعَا ﷺ إلَى العدلِ والإحسانِ ومكارمِ الأخلاقِ ونَهَى عنِ المنكرِ والبغيِ وصارَ المشركون يؤذُونَهُ وأصحابَهُ، وكانَ ﷺ قدْ لَقِيَ فِي الموسمِ نَفَرًا مِنْ أهلِ يثربَ مِنَ الخزرجِ فَدَعَاهُمْ إلَى الإسلامِ فأسلموا ثمَّ ازدادَ عددُهُمْ فِي العامِ التالي فلمَّا انصرفُوا بعثَ معَهُم بعضَ أصحابِهِ ﷺ لتعليمِ مَنْ أسلمَ مِنْ أهلِ يثربَ القرآنَ ودعوةِ مَنْ لمْ يُسْلِمْ منهمْ بعدُ إلَى الإسلامِ فلمَّا كَثُرَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ بيثربَ أمرَ اللهُ المسلمينَ بالهجرةِ إليهَا فهاجروا إليهَا أرسالًا جماعةً بعدَ جماعةٍ كمَا قالَ ﷺ لأصحابِهِ: “إِنَّ اللهَ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُوْنَ بِهَا“. ثُمَّ جاءَ أمرُ اللهِ تعالَى لنبيِّهِ ﷺ بالهجرةِ إلَى يثربَ أمرَهُ اللهُ تعالَى بِتَرْكِ مكةَ محلِّ ولادَتِهِ ﷺ التي كانتْ أحبَّ البلادِ إليهِ فامتَثَلَ لأمرِ اللهِ وهاجرَ متحمِّلًا الْمَشَاقَّ فِي سفرِهِ طاعةً للهِ تعالَى لَا خوفًا مِنَ المشركينَ وجبنًا فإنَّهُ ﷺ كانَ أشجعَ الناسِ ولَا يأسًا مِنْ واقعِ الحالِ ولَا حبًّا فِي الشهرةِ والجاهِ والسلطانِ، فقدْ كانَ ﷺ أزهدَ الناسِ فِي هذهِ الدنيَا الفانيةِ. وهوَ الذي صَبَرَ على إيذاءِ المشركينَ أيَّما صَبْرٍ، وَلَكِنَّهُ مؤيَّدٌ بنَصْرِ اللهِ المُبِينِ فقدْ ثبَتَ كمَا أمَرَهُ الله، ثَبَتَ ثباتًا يتضاءَل أمامَه ثبَاتُ الجبالِ الراسياتِ. فَلَمَّا رأتْ قريشٌ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قدْ صارَ لهُ أصحابٌ مِنْ غيرِهِمْ بغيرِ بلدِهِمْ، ورَأَوْا خروجَ أصحابِهِ مِنَ المهاجرينَ إليهِمْ، عَرَفُوا أنَّهُمْ قدْ نَزَلُوا دارًا وأصابُوا جوارًا وَمَنَعَةً، فخافُوا خروجَ رسولِ اللهِ ﷺ، وعرفُوا أنَّهُ قدْ أجمعَ لحربِهِمْ، فاجتمعوا للكيد برسول الله ﷺ وبدينه، وَفِي ذلكَ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ فِي سورةِ الأنفالِ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، معناه: إنَّ اللهَ أقوَى فِي إيصالِ الضررِ إلَى الماكرينَ مِنْ كلِّ ماكرٍ جزاءً لَهُم علَى مكرِهِمْ، أمَّا المكرُ بمعنى الاحتيالِ فهوَ مستحيلٌ علَى اللهِ، قالَ القرطبيُّ فِي تفسِيرِهِ: والمكرُ مِنَ اللهِ هوَ جزاؤُهُمْ بالعذابِ علَى مكرِهِمْ مِنْ حيثُ لَا يشعرونَ.
عباد الله: خَرَجَ ﷺ بعدَ ذلكَ معَ صاحبِهِ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ تعالَى عنهُ فِي طريقِ الهجرةِ مِنْ طريقِ الساحلِ. وفِي حديثٍ عندَ البيهقيِّ فِي حالِ أبِي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ لَمَّا خَرَجَ هوَ ورسولُ اللهِ ﷺ إلَى الغارِ، جعلَ أبو بكرٍ يمشي مرَّةً أمامَ النبيِّ ﷺ، ومرةً خلفَهُ ومرَّةً عنْ يمينِهِ ومرةً عنْ شمالِهِ، فسأَلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ عنْ ذلكَ، فقالَ: «يَا رسولَ اللهِ أذكرُ الرَّصَدَ فأكونُ أمامَكَ وأذكرُ الطَّلَبَ فأكونُ خلفَكَ، ومرةً عنْ يمينِكَ ومرةً عنْ يسارِكَ لا آمَنُ عليكَ، فلمَّا انتهينَا إلَى فمِ الغارِ قالَ أبو بكرٍ: والذي بعَثَكَ بالحقِّ لَا تَدْخُلُهُ حتَّى أدخُلَهُ قبلَكَ، فإنْ كانَ فيهِ شيءٌ نزلَ بي قبلَكَ» فدَخَلَهُ فجعلَ يلتَمِسُ بيدِهِ، فجعَلَ كلمَا دخلَ جحرًا قامَ إلَى ثوبِهِ فشقَّهُ ثمَّ أَلْقَمَهُ الجحرَ حتَّى فعلَ ذلكَ بثوبِهِ أجمعَ: فبقيَ جحرٌ فوضعَ عَقِبَيْهِ عليهِ، ثم دخلَ رسولُ اللهِ ﷺ فَجَعَلَتِ الحَيَّاتُ يَلْسَعْنَ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ وجَعَلَتْ دموعُهُ تنحدِرُ.
عباد الله: روَى الشيخانِ عنْ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: «قلتُ للنبيِّ ﷺ ونحنُ في الغارِ: لوْ أنَّ أحدَهُمْ نَظَرَ إلَى قَدَمِهِ لأَبْصَرَنَا تحتَ قدمَيْهِ» فقالَ: «مَا ظنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُمَا». معناهُ: ثالِثُهُمَا بالنصرِ والمعونةِ والحفظِ، وقدْ قالَ تعالَى فِي سورة التوبة: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾، فَمَعِيَّةُ اللَّهِ الْمَذْكُورَةُ في الْقُرْءَانِ ليستْ معيةً بِالْحِسِّ وَالْجِهَاتِ، وتأتي علَى معنَى الإحاطةِ بالعلمِ فاللهُ منزَّهٌ عن مشابهة المخلوقات، لا ينحل في شيء ولا ينحل منه شيء وليس كمثله شيء. عباد الله: إنَّنَا إذْ ننظرُ إلَى حالِ الأمةِ الإسلاميةِ فِي هذهِ الأيامِ ونَتَذَكَّرُ هجرةَ النبيِّ ﷺ لَيَثْبُتُ فِي قلوبِنَا الأملُ بنصرِ اللهِ وفرجِه على المسلمين. ورحم الله البوصيريَّ حيثُ قالَ:
ويحَ قومٍ جَفَوا نَبِيًّا بِأَرْضٍ … أَلِفَتْهُ ضِبَابُهَا وَالظِّبَاءُ
وَسَلَوْهُ وَحَنَّ جِذْعٌ إِلَيْهِ … وَقَلَوْهُ وَرَدَّهُ الغُرَبَاءُ
أَخْرَجُوْهُ مِنْهَا وَآوَاهُ غَارٌ … وَحَمَتْهُ حَمَامَةٌ وَرْقَاءُ
وَكَفَتْهُ بِنَسْجِهَا عَنْكَبُوْتٌ … مَا كَفَتْهُ الْحَمَامَةُ الْحَصْدَاءُ
أقُولُ قَولي هذَا وأسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيْمَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله والفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوه. أمَّا بعدُ إخوة الإيمان: هناكَ في المدينَةِ، هناكَ في طَيْبَةَ يَنْتَظِرُ المؤمنُونَ مِنْ مُهَاجِرينَ وَأَنْصَار بِلَهَفٍ وَشَوْقٍ وصولَ الحبيبِ يَوْمًا بَعْدَ يومٍ وَيَتَوَافَدُونَ إلَى مَشَارِفِ المدينَةِ من ناحيَةِ طَرِيقِ مَكَّةَ، ينتظرون قدوم رسول الله ﷺ وَبَعْضُهُم يتَسَلَّقُ الأَشجارَ وَيَنْظُرُ إلَى بُعدٍ عَلَّهُ يَرَى أثرًا لِقُدومِ رَسُولِ اللهِ مُحمدٍ ﷺ، وذاتَ يومٍ وَالنَّاسُ فِي انتظارٍ بِلَهَفٍ وَشوقٍ وَقَدِ انتصَفَ النهارُ وَاشْتَدَّ الحرُّ تَوافَدُوا جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ وإذا بِرَجُلٍ يُنَادِي بأَعْلَى صَوْتِه هَا قَدْ جَاءَ مَنْ تَنْتَظِرُونَ يا أهلَ المدينةِ وَتكرُّ الجموعُ عَائِدَةً لاستِقْبَالِ الحبيبِ المصطفى ﷺ وَالْحُبُّ يَسْبِقُها وَلِسَانُ حَالِها يَقولُ: طلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا… مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ
واستبشرَ المسلمونَ بقدومِ النبيِّ ﷺ حينَ وصلَ إلى يثربَ التي سمَّاهَا النبيُّ المدينةَ المنورةَ وءاخَى بينَ أهلِهَا والمهاجرينَ وسمَّى أهلَهَا الأنصارَ لأنَّهُمْ نصرُوا دينَ اللهِ تعالَى، وبهِ انطفأتْ فتنةٌ عظيمةٌ كانتْ بينَ قبيلتَي الأوسِ والخزرجِ بيثربَ بعدَ أنْ دامتْ سنواتٍ فصارَ المسلمونَ علَى قلبِ رجلٍ واحدٍ لَا يفرقُ بينَهُمْ طمعٌ ولَا دنيا ولَا يُبَاعِدُهُمْ حسدٌ ولَا ضغينةٌ حتَّى غَدَوا كالبنيانِ المرصوصِ يشدُّ بعضُهُمْ بعضًا، وقدْ نَصَرَ اللهُ نبيَّهُ ﷺ وأيَّدَهُ وكانَ وعدُ اللهِ حقًا، فهوَ القائلُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ {غافر:51}.
واعلموا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أمركم بأمرٍ عظيمٍ قد أمركم بالصلاةِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) لبيكَ اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ اتقوا اللهَ عبادَ اللهِ إنِّي داعٍ لعلها تكونُ ساعةَ إجابةٍ: اللهمَّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ ، اللهمَّ عليكَ بمنْ يكيدُونَ للإسلامِ والمسلمينَ اللهمَّ خذهُمْ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ يا ربَّ العالمينَ اللهمَّ أَرِحِ البلادَ والعبادَ مِن شرِّ أعداءِ الدينِ اللهمَّ وَحِّدْ صفوفَ المسلمينَ اللهمَّ اجمعْ كلمةَ المسلمينَ اللهمَّ احقنْ دماءَ المسلمينَ في فلسطينَ وفي سائر بلادِ المسلمينَ اللهمَّ اجعلْ هذا البلدَ ءامنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ اللهمَّ ءامنَّا في أوطانِنَا يا ربَّ العالمينَ اللهمَّ وفقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ ولذكرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ وأقمِ الصلاةَ.
ماشاء الله ماشاء الله بارك الله فيكم وجزاكم الله خير الجزاء