الحمدُ للهِ الذي شرَّفَ المدينةَ بهجرةِ خيرِ البريةِ وضاعفَ الثوابَ لمن صلَّى بروضتِهِ العطرةِ الشذيةِ وأشهدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ الذي نَوَّرَ الكونَ بطلعَةِ حبيبِهِ البهيةِ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ جعلَ اللهُ هجرَتَهُ شمسًا أطلَعَهَا علَى الأمةِ الإسلاميةِ وتوالتْ علَى المدينةِ المنورةِ الآياتُ القرآنيةُ صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى ءالهِ وأصحابِهِ الذينَ فازُوا باتِّبَاعِهِمْ لهُ بالسعادةِ السرمديةِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا أمَّا بعدُ:
الحال عند البعثة النبوية
عندَمَا بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ أُمِرَ بالتبليغِ ولَا قتالَ بالسيفِ فِي أولِ الأمرِ فكانَ يدعو إلَى اللهِ جهرًا ويمرُّ بينَ العربِ المشركينَ حينَ كانُوا يجتمعونَ فِي الموسمِ مِنْ نواحٍ مختلفةٍ ويقولُ لَهُم: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُوْلُوْا لَا إلهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوْا” ودعَا ﷺ إلَى العدلِ والإحسانِ ومكارمِ الأخلاقِ ونَهَى عنِ المنكرِ والبغيِ وقدْ دخلَ فِي الإسلامِ قومٌ خَلَصَتْ قلوبُهُمْ مِنْ أدرانِ التقليدِ الجاهليِّ والعصبيةِ النتنةِ وصَفَتْ نفوسُهُمْ لِمَا يدعوهُمْ إليهِ رسولُ اللهِ ﷺ فَعَضُّوا علَى مَا دعَاهُمْ إليهِ بالنواجذِ وثَبَتُوا علَى التوحيدِ وطريقِ الحقِّ. وبقيَ علَى الكفرِ أكثرُ الناسِ وصارُوا يؤذُونَهُ وأصحابَهُ فلمَّا اشتدَّ عليهمُ الأذى أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بعضَ أصحابِهِ بالهجرةِ إلَى الحبشةِ وكانَ ﷺ قدْ لَقِيَ فِي الموسمِ نَفَرًا مِنْ أهلِ يثربَ مِنَ الخزرجِ فَدَعَاهُمْ إلَى الإسلامِ فأسلموا ثمَّ ازدادَ عددُهُمْ فِي العامِ التالي فلمَّا انصرفُوا بعثَ معَهُم بعضَ أصحابِهِ ﷺ لتعليمِ مَنْ أسلمَ مِنْ أهلِ يثربَ القرءانَ ودعوةِ مَنْ لمْ يُسْلِمْ منهمْ بعدُ إلَى الإسلامِ فلمَّا كَثُرَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ بيثربَ أمرَ اللهُ المسلمينَ بالهجرةِ إليهَا فهاجروا إليهَا أرسالًا جماعةً بعدَ جماعةٍ كمَا قالَ ﷺ لأصحابِهِ: “إِنَّ اللهَ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُوْنَ بِهَا“.
الأمر بالهجرة
ثُمَّ جاءَ أمرُ اللهِ تعالَى لنبيِّهِ ﷺ بالهجرةِ إلَى يثربَ أمرَهُ اللهُ تعالَى بِتَرْكِ مكةَ محلِّ ولادَتِهِ ﷺ التي كانتْ أحبَّ البلادِ إليهِ فامتَثَلَ لأمرِ اللهِ وهاجرَ متحمِّلًا الْمَشَاقَّ فِي سفرِهِ طاعةً للهِ تعالَى لَا خوفًا مِنَ المشركينَ وجبنًا فإنَّهُ ﷺ كانَ أشجعَ الناسِ ولَا يأسًا مِنْ واقعِ الحالِ ولَا حبًّا فِي الشهرةِ والجاهِ والسلطانِ، فقدْ كانَ ﷺ أزهدَ الناسِ فِي هذهِ الدنيَا الفانيةِ.
معنى الهجرة
الهَجْرُ: ضدُّ الوصلِ، يقالُ هَجَرَهُ هَجْرًا وهِجْرَانًا، إذَا قَاطَعَهُ وأَعْرَضَ عنهُ وتَرَكَهُ، والهِجْرَةُ الخروجُ مِنْ أرضٍ إلَى أرضٍ، والمهاجرونَ همُ الذينَ ذهبُوْا معَ النبيِّ ﷺ، وسُمِّيَ المهاجرونَ مهاجرينَ لأنَّهُمْ تركُوا ديارَهُمْ ومساكِنَهُمُ التي نشؤُوْا بهَا للهِ ولَحِقُوْا بدارٍ ليسَ لَهُمْ بهَا أهلٌ ولَا مالٌ حينَ هاجَرُوا إلَى المدينةِ، والْهِجْرَتَانِ هجرةٌ إلَى الحبشةِ وهجرةٌ إلَى المدينةِ، وإذَا أُطْلِقَتِ الهجرةُ انصَرَفَتْ إلَى الهجرةِ مِنْ مكةَ المكرمةِ إلَى المدينةِ المنورةِ.
إخبار النبي أصحابه بمكان هجرتهم
وقدْ أخبرَ النبيُّ ﷺ الصحابةَ بمكانِ هجرَتِهِمْ إلَى المدينةِ المنورةِ فقدْ روَى البخاريُّ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ للمسلمينَ: “إِنِّي أُرِيْتُ دَارَ هجرَتِكُمْ، ذاتَ نخلٍ بينَ لَابَتَيْنِ“، فهاجرَ مَنْ هاجرَ قِبَلَ المدينةِ، ورجعَ عامةُ مَنْ كانَ بأرضِ الحبشةِ إلَى المدينةِ، وتَجَهَّزَ أبو بكرٍ قِبَلَ المدينةِ، فقالَ لهُ ﷺ كمَا فِي البخاريِّ: “عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي“، فقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: وهلْ ترجو ذلكَ؟ بأبي أنتَ! قالَ: “نعمْ”، فَحَبَسَ أبو بكرٍ نَفسَهُ علَى رسولِ اللهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ وعَلَفَ راحلتينِ أربعةَ أشهرٍ لِيَخْرُجَا عليهِمَا.
أول من قدم المدينة من الصحابة
أولُ مَنْ قَدِمَ المدينةَ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أبو سلمةَ بنُ عبدِ الأسدِ فقدْ هاجرَ إلَى المدينةِ قبلَ بيعةِ العقبةِ بسنةٍ، وقيلَ: أولُ المهاجرينَ مصعبُ بنُ عميرٍ فقدْ روَى البخاريُّ عنِ البراءِ بنِ عازبٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: أولُ مَنْ قَدِمَ علينَا مصعبُ بنُ عميرٍ وعبدُ اللهِ بنُ مكتومٍ ثمَّ قَدِمَ علينَا عمارُ بنُ ياسرٍ وبلالُ رضيَ اللهُ عنهُمْ. وَمصعبُ بنُ عميرٍ كانَ يقالُ عنهُ قبلَ إسلامِهِ أنَّهُ أعطرُ فتًى فِي مكةَ وأكثرُهُمْ لينًا وركونًا لأمرِ الدنيَا، ولكنْ بعدَ الإسلامِ كانَ مبعوثَ رسولِ اللهِ ﷺ للمدينةِ لتعليمِ مَنْ أسلمَ القرآنَ الكريمَ، وصارَ تاركًا لكلِّ التَّرَفِ والنَّعيمِ وزهرةِ الحياةِ الدنيَا التي كانتْ بيدِهِ، وكانَ حاملَ لواءِ المهاجرينَ فِي أُحُدٍ وتوفيَ شهيدًا فِي أُحُدٍ وَوَقَفَ النبيُّ ﷺ عندَ جسدِهِ وهوَ مقتولٌ فِي أُحُدٍ وقرأَ الآيةَ مِنْ سورةِ الأحزابِ: {مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ رِجَاْلٌ صَدَقُوْا مَاْ عَاْهَدُوْا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىْ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَاْ بَدَّلُوْا تَبْدِيْلًا}.
حال قريش عندما علموا بهجرة الصحابة ومكرهم بهم
لَمَّا رأتْ قريشٌ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قدْ صارَ لهُ أصحابٌ مِنْ غيرِهِمْ بغيرِ بلدِهِمْ، ورَأَوْا خروجَ أصحابِهِ مِنَ المهاجرينَ إليهِمْ، عَرَفُوا أنَّهُمْ قدْ نَزَلُوا دارًا وأصابُوا جوارًا وَمَنَعَةً، فخافُوا خروجَ رسولِ اللهِ ﷺ، وعرفُوا أنَّهُ قدْ أجمعَ لحربِهِمْ، فاجتَمَعُوا لهُ فِي دارِ النَّدوةِ -وهيَ دارُ قصيِّ بنِ كلابٍ التي كانتْ قريشٌ لَا تقضِي أمرًا إلَّا فيهَا- يَتَشَاوَرُوْنَ فيهَا مَا يَصْنَعُوْنَ فِي أمرِ النبيِّ ﷺ حينَ خافُوْهُ. فاجتمعُوا لذلكَ، وكانَ ذلكَ اليومُ يسمَّى يومَ الزَّحْمَةِ فاعتَرَضَهُمْ إبليسُ لعنَهُ اللهُ فِي هيئةِ شيخٍ نجديٍّ، فَوقَفَ علَى بابِ الدارِ، فلمَّا رَأَوْهُ واقِفًا علَى بابِهَا قالُوا: مَنِ الشّيخُ؟ قالَ: شيخٌ مِنْ أهلِ نجدٍ سمعَ بالذي اجتَمَعْتُمْ لهُ فَحَضَرَ مَعَكُمْ لِيَسْمَعَ مَا تقولونَ وعسَى ألَّا تَعْدَمُوا مِنْهُ رأيًا ولَا نُصْحًا. قالوا: أجلْ فَادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ، وقدِ اجتمعَ فيهَا رجالٌ مِنْ قريشٍ. فقالَ بعضُهُمْ لبعضٍ: إنَّ هذَا الرجلَ قدْ كانَ مِنْ أمرِهِ مَا قدْ رَأَيْتُمْ، وإنَّا واللهِ مَا نَأْمَنُهُ علَى الوثوبِ علينَا بِمَنْ قدِ اتَّبَعَهُ مِنْ غيرِنَا فَأَجْمِعُوا فيهِ رأيًا. قالَ: فَتَشَاوَرُوا ثمَّ قالَ قائلٌ منهُم: احبسوهُ فِي الحديدِ وأَغْلِقُوا عليهِ بابًا، ثُمَّ تربَّصُوا بهِ مَا أصابَ أشباهَهُ مِنَ الشعراءِ الذينَ كانُوا قبلَهُ ومَنْ مضَى منهُمْ مِنْ هذَا الموتِ حتَّى يصيبَهُ مَا أصابَهُمْ. فقالَ الشيخُ النجديُّ- لعنَهُ اللهُ-: لَا واللهِ مَا هذَا لكمْ برأيٍ، واللهِ لَوْ حَبَسْتُمُوْهُ كمَا تقولونَ لَيَخْرُجَنَّ أمرُهُ مِنْ وراءِ البابِ الذي أَغْلَقْتُمْ دونَهُ إلَى أصحابِهِ، فَلَأَوْشَكُوا أنْ يَثِبُوا عليكُمْ فَيَنْتَزِعُوْهُ مِنْ أيديكُمْ، ثُمَّ يُكَاثِرُوْكُمْ بهِ حتَّى يَغْلِبُوْكُمْ علَى أَمرِكُمْ، مَا هذَا لكمْ برأيٍ فانظُرُوا فِي غيرِهِ، فتَشَاوَرُوا ثمَّ قالَ قائلٌ منهُمْ، نُخْرِجُهُ مِنْ بينِ أَظْهُرِنَا فَنَنْفِيْهِ مِنْ بلادِنَا، فإذَا خرجَ عنَّا فواللهِ مَا نُبَالِي أينَ ذهبَ ولَا حيثُ وقعَ، إذَا غابَ عنَّا وفَرَغْنَا منهُ فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا. فقالَ الشيخُ النَّجديُّ لعنَهُ اللهُ: لَا واللهِ، مَا هذَا لكُمْ برأيٍ، ألمْ تَرَوا حُسْنَ حديثِهِ وحلاوةَ مَنْطِقِهِ وغَلَبَتَهُ قلوبَ الرجالِ بمَا يأتي بهِ؟ واللهِ لوْ فعلتُمْ ذلكَ مَا أَمِنْتُمْ أنْ يَحِلَّ علَى حيٍّ مِنَ العربِ فَيَغْلِبَ عليهِمْ بذلكَ مِنْ قولِهِ وحديثِهِ حتَّى يُتَابِعُوْهُ عليهِ، ثمَّ يسيرَ بهمْ إليكُمْ حتَّى يَطَأَكُمْ بهِمْ فِي بلادِكُمْ، فيأخذَ أمرَكُمْ مِنْ أيديكُمْ، ثمَّ يفعلَ بكُمْ مَا أرادَ، دَبِّرُوا فيهِ رأيًا غيرَ هذَا، فقالَ أبو جهلٍ بنُ هشامٍ لعَنَهُ اللهُ: واللهِ إنَّ لِي فيهِ لرأيًا مَا أراكُمْ وَقَعْتُمْ عليهِ بعدُ. قالُوا: ومَا هوَ يَا أبَا الحكمِ؟ قالَ: أرَى أنْ تأخذُوا مِنْ كلِّ قبيلةٍ فتًى شابًّا جَلْدًا نَسِيْبًا وَسِيْطًا، ثمَّ نعطي كلَّ فتًى منهُمْ سيفًا صارمًا، ثمَّ يَعْمَدُوا إليهِ بِأَجْمَعِهِمْ فيضرِبُوهُ بهَا ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فَيَقْتُلُوهُ فنستريحَ منهُ، فإنَّهم إنْ فعلُوا ذلكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي القبائلِ جميعًا، فَلَمْ يَقْدِرْ بنو عبدِ منافٍ علَى حربِ قومِهِمْ جميعًا، فَرَضُوا مِنَّا بالعَقْلِ فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ. فقالَ الشيخُ النجديُّ أخزاهُ اللهُ: القولُ مَا قالَ الرجلُ، هذَا الرأيُّ لَا أرَى غيرَهُ. وتفرَّقَ القومُ علَى ذلكَ وهُمْ مُجْمِعُوْنَ لهُ. فأتَى جبريلُ رسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: لَا تَبِتْ هذِهِ الليلةَ علَى فِرَاشِكَ الذي كنتَ تَبِيْتُ عليهِ، وأَخْبَرَهُ بِمَكْرِ القومِ وإِذْنِ اللهِ تعالَى لهُ بالخروجِ. فلمَّا كانتِ العتمةُ مِنَ الليلِ اجتَمَعُوا علَى بابِهِ يرصدُونَهُ متَى ينامُ فَيَثِبُوْنَ عليهِ، فلمَّا رأَى رسولُ اللهِ ﷺ مكانَهُمْ قالَ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ: “نَمْ عَلَى فِرَاشِيْ وَتَسَجَّ بِبُرْدِي هَذَا الْحَضْرَمِيِّ الأَخْضَرِ فَنَمْ فِيْهِ فِإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ شَىءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ“، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ ينامُ فِي بردِهِ ذلكَ إذَا نامَ، فلمَّا اجتمَعُوا قالَ أبو جهلٍ بنُ هشامٍ: إنَّ محمدًا يزعمُ أنَّكُمْ إنْ تابَعْتُمُوهُ علَى أَمْرِهِ كُنْتُمْ ملوكَ العربِ والعجمِ ثمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بعدِ موتِكُمْ، فَجُعِلَتْ لكُمْ جِنَانٌ كجِنَانِ الأردنِّ وإنْ أنتُمْ لمْ تفعَلُوا كانَ فيكُمْ ذبحٌ، ثمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بعدِ موتِكُمْ فَجُعِلَتْ لَكُمْ نارٌ تُحْرَقُوْنَ فيهَا، فَخَرَجَ عليهِمْ رسولُ اللهِ ﷺ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ ترابٍ فِي يدِهِ ثمَّ قالَ: “نَعَمْ أَنَا أَقُوْلُ ذَلِكَ وَأَنْتَ أَحَدُهُمْ“، وأخذَ اللهُ عزَّ وجلَّ عَلَى أبصارِهِمْ عنهُ فلَا يَرَوْنَهُ فجعلَ يَذْرِيْ ذلكَ الترابَ على رؤوسِهِمْ وهوَ يتلو هذهِ الآياتِ: {يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} إلَى قولِهِ تعالَى: {فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} [يس: 1- 9] فلمْ يَبْقَ منهُمْ رجلٌ إلَّا وقدْ وَضَعَ رسولُ اللهِ ﷺ علَى رأسِهِ ترابًا، ثمَّ انصَرَفَ إلَى حيثُ أرادَ أنْ يَذْهَبَ. فأتَاهُمْ ءاتٍ مِمَّنْ لمْ يكنْ معهُمْ فقالَ: مَا تنتظرونَ هَهُنَا؟ قالوا: محمدًا، قالَ: خَيَّبكُمُ اللهُ، قدْ واللهِ خَرَجَ عليكمْ محمدٌ ثمَّ مَا تركَ منكُمْ رجلًا إلَّا وقدْ وضعَ علَى رأسِهِ ترابًا وانطلقَ لحاجَتِهِ أفمَا ترونَ مَا بكم؟ قالَ: فوضعَ كلُّ رجلٍ منهُمْ يَدَهُ علَى رأسِهِ فإذَا عليهِ ترابٌ، ثمَّ جعلُوا يَتَطَلَّعُونَ فَيَرَوْنَ عليًّا علَى الفراشِ متسجِّيًا بِبُرْدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيقولونَ: واللهِ إنَّ هذَا لِمُحَمَّدٍ. فَلَمْ يزالوا كذلكَ حتَّى أصبحوا. فقامَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ مِنَ الفراشِ، فقالوا: واللهِ لقدْ صَدَقَنَا الذي كانَ حَدَّثَنَاهُ.
وَفِي ذلكَ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ فِي سورةِ الأنفالِ: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، فأمَّا المكرُ مِنَ الخلقِ فهوَ خبثٌ وخداعٌ لإيصالِ الضررِ إلَى الغيرِ باستعمالِ حيلةٍ وأمَّا مِنَ اللهِ فهوَ غيرُ ذلكَ، إنَّمَا هوَ مجازاةُ الكافرينَ بالعقوبةِ مِنْ حيثُ لَا يدرونَ، وبعبارةٍ أخرَى: إنَّ اللهَ أقوَى فِي إيصالِ الضررِ إلَى الماكرينَ مِنْ كلِّ ماكرٍ جزاءً لَهُم علَى مكرِهِمْ، أمَّا المكرُ بمعنى الاحتيالِ فهوَ مستحيلٌ علَى اللهِ، قالَ القرطبيُّ فِي تفسِيرِهِ: (والمكرُ مِنَ اللهِ هوَ جزاؤُهُمْ بالعذابِ علَى مكرِهِمْ مِنْ حيثُ لَا يشعرونَ).
خروج النبي ﷺ للهجرة
وبعدَ ذلكَ خرجَ النبيُّ ﷺ لدارِ أبي بكرٍ ليخبِرَهُ أنَّ اللهَ تعالَى أوحَى لَهُ بالهجرةِ إلَى المدينةِ وأنَّهُ سيكونُ رفيقَهُ فِي الهجرةِ، فقدْ روَى البخاريُّ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا قالتْ: فبينَمَا نحنُ يومًا جُلوسٌ فِي بيتِ أبي بكرٍ فيِ نحرِ الظهيرةِ قالَ قائلٌ لأبي بكر رضي الله عنه:ٍ هذَا رسولُ اللهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا ـفِي ساعةٍ لَمْ يكنْ يأتينَا فيهَا فقالَ أبو بكرٍ: فداءٌ لهُ أبي وأمي، واللهِ مَا جاءَ بهِ فِي هذهِ الساعةِ إِلَّا أمرٌ. قالتْ: فجاءَ رسولُ اللهِ ﷺ فاستَأْذَنَ، فأذِنَ لهُ، فدخلَ. فقالَ النبيُّ ﷺ لأبي بكرٍ: “أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ”، فقالَ أبو بكرٍ: إنَّمَا همْ أهلُكَ بأبي أنتَ يَا رسولَ اللهِ، قالَ: “فإنِّي قدْ أُذِنَ لِي فِي الخروجِ”. فقالَ أبو بكرٍ: الصحابةَ بأبي أنتَ يَا رسولَ اللهِ. قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: “نَعَمْ”.
وَخَرَجَ ﷺ بعدَ ذلكَ معَ صاحبِهِ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ تعالَى عنهُ فِي طريقِ الهجرةِ مِنْ طريقِ الساحلِ وكانَ خروجُهُ ﷺ فِي شهرِ صفرٍ ودخولُهُ المدينةَ المنورةَ فِي شهرِ ربيعٍ الأولِ.
بعد خروج النبي وصاحبه
بعدَ أنْ خرجَ رسولُ اللهِ ﷺ مِنْ بيتِهِ وأَعْمَى اللهُ بصرَ المشركينَ عنهُ وجاءَ أبا بكرٍ قالَ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ لرسولِ اللهِ ﷺ: فخُذْ بأبي أنتَ يَا رسولَ اللهِ إحدَى راحلتيَّ هاتينِ. قالتْ عائشةُ رضي الله عنها: فجهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ (مِنَ الحَثِّ وَهُوَ الإسراعُ) الجهازِ (هُوَ مَا يُحتاجُ إليهِ فِي السفرِ)، وصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرةً (هيَ الزادُ التي تُصْنَعُ للمسافرِ) فِي جِرَابٍ (هوَ وعاءٌ يُحْفَظُ فيهِ الزادُ ونحوُهُ)، فقطَعَتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ قطعةً من نِطاقِهَا فربطَتْ بهِ علَى فمِ الجرابِ، فبذلكَ سُميتْ ذاتَ النطاقينِ. قالتْ: ثمَّ لحقَ رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكرٍ بغارٍ فِي جبلِ ثَورٍ، فكَمَنَا (أي مَكَثَا فيهِ مُخْتَفِيَيْنِ) فيهِ ثلاثَ ليالٍ، يبيتُ عندَهُمَا عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ وهوَ غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ (أيْ حَاذِقٌ فَطِنٌ) لَقِنٌ (أيْ سريعُ الفَهمِ حَسَنُ التَّلَقِّي لِمَا يَسْمَعُهُ وعَلِمَهُ)، فَيُدْلِجُ (أي يخرجُ وقتَ السَّحَرِ مُنْصَرِفًا إلَى مكةَ) مِنْ عندِهِمَا بسَحَرٍ، فيُصبحُ معَ قريشٍ بمكةَ كبائتٍ، فلا يَسمعُ أمرًا يُكتادانِ (أي يُدَبَّرُ بِشَأْنِهِمَا ويُمْكَرُ بِهِ لَهُمَا وَيُسَبِّبُ لَهُمَا الشرَّ والأذَى) بهِ إلَّا وَعاهُ (أي حَفِظَهُ) حتَّى يأتيَهُمَا بخبرِ ذلكَ حينَ يَختلطُ الظلامُ، ويرعى عليهمَا عامرُ بنُ فُهَيرةَ مَولى أبي بكرٍ ناقةً لهُ، يفعلُ ذلكَ في كلِّ ليلةٍ مِنْ تلكَ الليالي الثلاثِ. واستأجرَ رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكرٍ رجُلًا مِنْ بني الدِّيلِ، وهو من بني عبدِ بن عدِي هاديًا خِرِّيتًاـ والخرِّيتُ الماهرُ بالهدايةِ ـ وهوَ على دينِ كفارِ قريشٍ، فأمِناهُ، فدَفَعَا إليهِ راحِلَتَيْهِمَا، وواعدَاهُ غارَ ثَورٍ بعدَ ثلاثِ ليالٍ براحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثلاثٍ، وانطلقَ معَهُمَا عامرُ بنُ فَهيرةَ والدَّليلُ، فأخذَ بهمْ طريقَ السواحلِ.
دخولهما الغار
وفِي حديثٍ عندَ البيهقيِّ فِي حالِ أبِي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ لَمَّا خَرَجَ هوَ ورسولُ اللهِ ﷺ إلَى الغارِ، جعلَ أبو بكرٍ يمشي مرَّةً أمامَ النبيِّ ﷺ، ومرةً خلفَهُ ومرَّةً عنْ يمينِهِ ومرةً عنْ شمالِهِ، فسأَلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ عنْ ذلكَ، فقالَ: (يَا رسولَ اللهِ أذكرُ الرَّصَدَ فأكونُ أمامَكَ وأذكرُ الطَّلَبَ فأكونُ خلفَكَ، ومرةً عنْ يمينِكَ ومرةً عنْ يسارِكَ لآمَنَ عليكَ، فلمَّا انتهينَا إلَى فمِ الغارِ) قالَ أبو بكرٍ: (والذي بعَثَكَ بالحقِّ لَا تَدْخُلُهُ حتَّى أدخُلَهُ قبلَكَ، فإنْ كانَ فيهِ شىءٌ نزلَ بي قبلَكَ) فدَخَلَهُ فجعلَ يلتَمِسُ بيدِهِ، فجعَلَ كلمَا دخلَ جحرًا قامَ إلَى ثوبِهِ فشقَّهُ ثمَّ أَلْقَمَهُ الجحرَ حتَّى فعلَ ذلكَ بثوبِهِ أجمعَ: فبقيَ جحرٌ فوضعَ عَقِبَيْهِ عليهِ، ثم دخلَ رسولُ اللهِ ﷺ فَجَعَلَتِ الحَيَّاتُ يَلْسَعْنَ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ وجَعَلَتْ دموعُهُ تنحدِرُ. وروَى ابنُ أبي شيبةَ وابنُ المنذرِ عنْ أبي بكرٍ أنَّهُمَا لَمَّا انتهيَا إلَى الغارِ إذَا جحرٌ فَأَلْقَمَهُ أبو بكرٍ رِجْلَيْهِ. قالَ: (يَا رسولَ اللهِ إنْ كانَ لَدْغَةٌ أوْ لَسْعَةٌ كانتْ بي). وروَى ابنُ مَرْدَوَيْهِ عنْ جُنْدُبِ بنِ سفيانَ قالَ: لَمَّا انطلقَ أبو بكرٍ معَ رسولِ اللهِ ﷺ إلَى الغارِ قالَ أبو بكرٍ: (يَا رسولَ اللهِ لَا تدخلُ الغارَ حتَّى أَسْتَبْرِئَهُ) فَدَخَلَ أبو بكرٍ الغارَ فأصابَ يدَهُ شىءٌ فجعلَ يمسحُ الدمَ عنْ إصبعِهِ ويقولُ:
هلْ أنتِ إلَّا أصبعٌ دميتِ … وفِي سبيلِ اللهِ مَا لقيتِ
وروَى ابنُ سعدٍ وأبو نعيمٍ والبيهقيُّ وابنُ عساكرَ عنْ أبي مصعبٍ المكيِّ قالَ: (أدركتُ أنسَ بنَ مالكٍ، وزيدَ بنَ أرقم، والمغيرةَ بنَ شعبةَ يتحدثونَ إنَّ النبيَّ ﷺ ليلةَ الغارِ أمرَ شجرةً فَسَتَرَتْهُ، وبعثَ اللهُ العنكبوتَ فنسجَتْ مَا بَيْنَهُمَا فَسَتَرَتْ وَجْهَ رسولِ اللهِ ﷺ، وأمرَ اللهُ حمامَتَيْنِ وحشيَّتَيْنِ فَوَقَفَتَا فِي فَمِ الغارِ، وأقبلَ فِتْيَانُ قريشٍ مِنْ كلِّ بطنٍ بِعِصِيِّهِمْ وسُيُوْفِهِمْ، حتَّى إذَا كانوا مِنَ النبيِّ ﷺ علَى أربعينَ ذراعًا، جعلَ بعضُهُمْ ينظُرُ فِي الغارِ فَلَمْ يَرَ إلَّا حمامَتَيْنِ وَحشِيَّتَيْنِ بفمِ الغارِ، فرجعَ إلَى أصحابِهِ، فقالوا لهُ: مَا لكَ؟ قالَ: رأيتُ حمامتينِ وحشيتينِ فَعَرَفْتُ أنَّهُ ليسَ فيهِ أحدٌ، فسمعَ النبيُّ ﷺ مَا قالَ، فعرفَ أنَّ اللهَ قدْ دَرَأَ عنهُ بِهِمَا، وروَى الإمامُ أحمدُ والشيخانِ عنْ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: (قلتُ للنبيِّ ﷺ ونحنُ في الغارِ: لوْ أنَّ أحدَهُمْ نَظَرَ إلَى قَدَمِهِ لأَبْصَرَنَا تحتَ قدمَيْهِ) فقالَ: “مَا ظنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُمَا“. معناهُ: ثالِثُهُمَا بالنصرِ والمعونةِ والحفظِ والتسديدِ، وقدْ قالَ تعالَى فِي محكمِ التنـزيلِ: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:40]، فَمَعِيَّةُ اللَّهِ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْءَانِ ليستْ معيةً بِالْحِسِّ وَالْجِهَاتِ فقدْ تَأْتِى بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْكِلاءَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّبِيدِي، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا}، وتأتي علَى معنَى الإحاطةِ بالعلمِ فَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ أَي الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ وَالنُّصْرَةُ وَالْكِلاءَةُ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَعِيَّةِ اللهِ مَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْجِسْمِيَّةِ وَلَيْسَ الْمَعْنِيُّ بِهَا الْحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَي مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْحُلُولُ أَوِ الِاتِّصَالُ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ بِالْمَسَافَةِ.
وللهِ درُّ البوصيريِّ حيثُ قالَ:
ويحَ قومٍ جَفَوا نَبِيًّا بِأَرْضٍ … أَلِفَتْهُ ضِبَابُهَا وَالظِّبَاءُ
وَسَلَوْهُ وَحَنَّ جِذْعٌ إِلَيْهِ … وَقَلَوْهُ وَرَدَّهُ الغُرَبَاءُ
أَخْرَجُوْهُ مِنْهَا وَآوَاهُ غَارٌ … وَحَمَتْهُ حَمَامَةٌ وَرْقَاءُ
وَكَفَتْهُ بِنَسْجِهَا عَنْكَبُوْتٌ … مَا كَفَتْهُ الْحَمَامَةُ الْحَصْدَاءُ
وَحَيْثُ قَالَ:
فَالصِّدْقُ فِي الغَارِ وَالصِّدِّيْقُ لَمْ يَرِمَا … وَهُمْ يَقُوْلُوْنَ مَا بِالغَارِ مِنْ أَرِمِ
ظَنُّوا الحَمَامَ وَظَنُّوا العَنْكَبُوْتَ عَلَى … خَيْرِ البّرِيَّةِ لَمْ تَنْسُجْ وَلَمْ تَحُمِ
وِقَايَةُ اللهِ أَغْنَتْ عَنْ مُضَاعَفَةٍ … مِنَ الدُّرُوْعِ وَعَنْ عَالٍ مِنَ الأُطُمِ
انتظار الصحابة نبيهم ﷺ ونزوله قباء
كانَ المهاجرونَ والأنصارُ يَفِدُوْنَ إلَى قُباءٍ، وهوَ موضعُ بئرٍ على ثلاثةِ أميالٍ مِنَ المدينةِ، ينتظرونَ قدومَ رسولِ اللهِ ﷺ، وأقامَ المصطفَى ﷺ في قُباءٍ مدةً، وأسسَ فيهَا المسجدَ الذِي قالَ اللهُ فيهِ: {لَمَسْجدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} [التوبة:108]، ولَحِقَهُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وكانَ تأخَّرَ ثلاثَ ليالٍ، لردِّ الودائعِ التي كانتْ عندَ المصطفَى ﷺ لأهلِهَا، فَلَمَّا جاءَ النبيُّ ﷺ مهاجرًا إلَى المدينةِ المنورةِ نَزَلَ فِي منزلِ كلثومِ بنِ الهرمِ مِنْ بني عمروِ بنِ عوفٍ (وهوَ الذِي نَزَلَ فيهِ قولُه تعالَى فِي سورةِ التوبةِ: {فِيْهِ رِجَاْلٌ يُحِبُّوْنَ أَنْ يَتَطَهَّرُوْا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِيْنَ}) ، وأخذَ ﷺ جريدةً فأسَّسَ مسجدَ قباءٍ، وهوَ أولُ مسجدٍ بناهُ النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ بالمدينةِ المنورةِ، ونَزَلَ فِي شأنِهِ قولُهُ تعالَى فِي سورةِ التوبةِ: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} وقدِ اشتركَ رسولُ اللهِ ﷺ معَ أصحابِهِ فِي بنائِهِ فكانَ يأخذُ الحجرَ أوِ الصخرةَ حتَّى يَهْصِرَهُ الحجرُ (أي يميلَهُ) فيصيبُ الترابُ بَطْنَهُ فيأتي الرجلُ ويقولُ: بأبي أنتَ وأمي يَا رسولَ اللهِ أعطنِي أكْفِكَ فيقولُ: “لَاْ خُذْ مِثْلَهُ“. وَإنَّ منطقةَ قباءٍ هيَ أولُ منطقةٍ سكنَ فيهَا المهاجرونَ بعدَ قدومِهِمْ مِنْ مكةَ المكرمةِ وذلكَ بعدَ انتشارِ الإسلامِ فِي المدينةِ بعدَ بَيْعَتَي العَقَبَةِ ودعوةِ الأنصارِ للنبيِّ ﷺ للهجرةِ إليهمْ وتعهدِهِمْ بحمايتِهِ بمَا يَحْمُونَ بهِ نساءَهُمْ وأبناءَهُمْ. ونَزَلَ النبيُّ ﷺ حينَ قَدِمَ تحتَ ظلِّ نخلةٍ غَربيَّ مكانِ مسجدِ قباءٍ فَلَمْ يُمَيّزِ الأنصارُ رسولَ اللهِ ﷺ مِنَ الصديقِ لأنَّهُمْ لمْ يَرَوْهُ مِنْ قبلُ حتَّى لَحِقَتْهُ الشمسُ فقامَ الصديقُ يُظَلِّلُهُ بردائِهِ فَعَرَفَ الأنصارُ حينئذٍ رسولَ اللهِ ﷺ مِنَ الصِّدِّيقِ.
فَلَمَّا كانَ يومُ قدومِهِ ﷺ، نَزَلَهَا بالسَّعْدِ والهَنَاءِ فِي يومِ الاثنينِ لثنتَي عشرةَ ليلةً خَلَتْ مِنْ شهرِ ربيعٍ الأولِ، وجاءَ المسلمونَ يُسَلِّمُوْنَ عليهِ.
حرارة اللقاء في المدينة
وهناكَ في المدينَةِ، هناكَ في طَيْبَةَ يَنْتَظِرُ المؤمنُونَ مِنْ مُهَاجِرينَ وَأَنْصَار بِلَهَفٍ وَشَوْقٍ وصولَ الحبيبِ يَوْمًا بَعْدٍ يومٍ وَيَتَوَافَدُونَ إلَى مَشَارِفِ المدينَةِ من ناحيَةِ طَرِيقِ مَكَّةَ، ينتظرون قدوم رسول الله ﷺ وَبَعْضُهُم يتَسَلَّقُ الأَشجارَ وَيَنْظُرُ إلَى بُعدٍ عَلَّهُ يَرَى أثرًا لِقُدومِ رَسُولِ اللهِ مُحمدٍ ﷺ، وذاتَ يومٍ وَالنَّاسُ فِي انتظارٍ بِلَهَفٍ وَشوقٍ وَقَدِ انتصَفَ النهارُ وَاشْتَدَّ الحرُّ تَوافَدُوا جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ وإذا بِرَجُلٍ يُنَادِي بأَعْلَى صَوْتِه هَا قَدْ جَاءَ مَنْ تَنْتَظِرُونَ يا أهلَ المدينةِ وَتكرُّ الجموعُ عَائِدَةً لاستِقْبَالِ الحبيبِ المصطفى ﷺ وَالْحُبُّ يَسْبِقُها وَلِسَانُ حَالِها يَقول:
طلَعَ البَـدْرُ عَلَيْنَـا مِنْ ثَنِيَّـاتِ الوَدَاعِ
وَتَلَقَّى المسلِمُونَ مِنْ أَنْصَارٍ وَمُهَاجِرِينَ رسولَ اللهِ أَحْسَنَ استقبَال، فَخَرَجُوا في الطُّرُقِ وعلى السُّطوحِ مُبْتَهِجِينَ، وَانْتَشَرَ الخَدَمُ وَالصِّبيانُ في الطَّريقِ يَهْتِفونَ (اللهُ أكبر، جَاءَ رسولُ اللهِ ﷺ، جاءَ مُحمد).
خاتمةٌ
لـمَّا هاجرَ المصطفَى، طابتْ بهِ طيبةُ، وأضاءَ كلُّ مَا كانَ منهَا أسودُ، منذُ دَخَلَهَا، وسَرَى السرورُ إلَى القلوبِ بحلُوْلِهِ بهَا، وكانتْ مِنْ أوبإِ الأراضي، فزالَ عنهَا وباؤُهَا ببركةِ هذَا النبيِّ العظيمِ الجاهِ، ودعَا اللهَ قائلًا: “اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّل حُمَّاهَا إِلَىَ الْجُحْفَةِ”. وقال: “اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا، وَاجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ”. وقال: “عَلَى أَنْقَابِ المدِيْنَةِ مَلائِكَةٌ لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلا الدَّجَّالُ”.
اللهم اجعَلْ قُلوبَنَا عَامِرَةً بِحُبِّ وَتَعْظِيمِ وَإِجْلالِ حَبِيبِكَ محمدٍ ﷺ وَثَبِّتْنَا علَى هَدْيِهِ وَطَريقَتِهِ وأَعِدْ عَلَيْنَا الذكرَى بالخَيْرِ وَالبَرَكاتِ وَالْطُفْ بأُمَّةِ محمدٍ ﷺ.