المدينة المنورة

المدينة المنورة

حدود حرم المدينة المنورة

قال رسول الله ﷺ

المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث حدثا أو ءاوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين

رواه مسلم

وبين جبل عير وثور مسافة (15كم) تقريبا وهما حد الحرم في الطول جنوبا وشمالا، أما الجهة الشرقية والغربية فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إني أحرم ما بين لابتي المدينة” رواه مسلم.

اللابة: الأرض التي أُلبست الحجارة السود، وهناك لابة شرقي المدينة وأخرى غربها، واللابتان:

  1. الحرَّة الشرقية.
  2. الحرَّة الغربية 

الحرَّة الشرقية (حرَّة واقم قديما)

الحرَّة بفتح الحاء وتشديد الراء أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار والجمع حرار بالكسر. والحرَّة الشرقية تحد حرم المدينة شرقا وتنقسم هذه الحرَّة باعتبار المنازل الواقعة فيها قديما إلى خمس مناطق متجاورة فبزهرة شرقي قباء منازل بني نضير وبشمالها منازل بني قريظة وبشمالها منازل بني ظفر، وبشمالها جانِحًا إلى الشرق منازلُ بني عبد الأشهل وبها كان حصن واقم الذي سُمِّيَت به الحرَّة. وبشمالهم منازل بني حارثة إلى نهاية الحرَّة، تمتد هذه الحرَّة من شرقي البقيع بمائتي متر حتى قرب مهد الذهب بمسافة مائة وعشرين ميلا.

الحرَّة الغربية (حرة الوبرة قديما)

تحد حرم المدينة غربا، وتقع منازل بني سلمة بطرفها الشمالي الشرقي وبها مسجد القبلتين، وبطرفها الغربي قصر عروة بن الزبير وبئره ومزارعه، وبطرفها الجنوبي الغربي البساتين وقلعة قباء التي لا تزال شامخة. وكانت منازل بني قينقاع تمتد من هذا الطرف إلى قربان.

جبل عَيْر

 بفتح العين حدُ المدينة الجنوبي، وهو أكبر جبل بالمدينة بعد جبل أحد، يقع جنوب المدينة المنورة وشرقيّ وادي العقيق قرب ذي الحليفة (آبار علي)، ويبعد عن المسجد النبوي الشريف بحدود (8كم تقريبًا) ويبدو واضحا للناظر في هذه الجهة قرب منطقة عروة وهو صخرة سوداء، وسمي بجبل عير تشبيهًا له بظهر الحمار الممتد باستواء.

جبل ثور

يسميه الناس اليوم بجبل الدقاقات، وهو جبل أحمر صغير مُدَوَّر خَلْفَ جبل أحد من شماله وهو حَدُّ المدينة المنورة من الشمال ويبعد عن المسجد النبوي الشريف (8كم)، ويبعد عن جبل عَيْرٍ (15كم) وحَرَمُ المدينة بين هذين الجَبَلين.

فضائل المدينة المنورة

اعلم أيها المحب الكريم لسيد المرسلين أن مِنْ حُبِّهِ يَظْهَرُ حُبُّ المدينة التي تشرفت وتنورت بوجوده.

فأول زيارة لسيدنا رسول الله إلى المدينة كانت في صِباه وهو ابن ست سنين. أخذته أمه آمنة في زيارة ما.

ثم هاجر إليها وهو صاحب (53 سنة) في ربيع الأول الموافق على الظنِّ لشهر سبتمبر(622ر) وكان أعظم يوم بالمدينة مرض أبو بكر وبلال رضي الله عنهما بالحمى عند الهجرة فأخبرت السيدة عائشة الرسول صلى الله عليه وءاله وسلم فقال: “اللهم حَبِّب إلينا المدينة كحُبِّنَا مكة أو أشد حُبًّا، وصَحِّحْهَا وبارك في صَاعِها ومُدِّهَا وانقل حماها فاجعلها بالجحفة” رواه مسلم.

فإنَّ مدينةَ الرَّسولِ الكريم صلى الله عليه وسلم طَيبةَ الطيِّبةَ. مهبِطُ الوحي ومُتَنَزَّلُ جبريلَ الأمين على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهي مَأرِزُ الإيمان، وملتقى المهاجرين والأنصار، وموطن الذين تبوَّؤوا الدارَ والإيمان، وهي العاصمة الأولى للمسلمين، فيها عُقدت ألويةُ الجهاد في سبيل الله فانطلقت كتائبُ الحق لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومنها شعَّ النور، فأشرقت الأرض بنور الهداية، وهي دارُ هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إليها هاجر، وعاش فيها آخر حياته صلى الله عليه وسلم، وبها مات، وفيها دفن، ومنها يُبعث، وقبره أول القبور انشقاقًا عن صاحبه، ولا يُقطَعُ بمكان قبر أحد من الأنبياء سوى مكان قبره صلى الله عليه وسلم.

وهذه المدينة المباركة شرَّفها الله وفضَّلها، وجعلها خير البقاع بعد مكة على قول أكثر العلماء. ويدل لتفضيل مكة على المدينة قولُ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لمَّا أخرجه الكفار منها واتَّجه إلى المدينة مهاجرًا، قال مخاطبًا مكة: “واللهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ الله، وأحبُّ أرضِ اللهِ إلى الله، ولولا أنِّي أُخرِجْتُ مِنكِ ما خَرَجْتُ” رواه الترمذي.

احتواؤها قبرَ الرسول ﷺ

واعلم أنه عليه الصلاة والسلام وأحلى التسليم أفضل الخلائق وهكذا فالمكان الذي يحتوي جسده الشريف هو خير بقعة على الإطلاق.

وقد حرم الله على الأرض أن تأكل شيئا من أجساد الأنبياء عليهم السلام لعظمة قدرهم فما بالك بإمامهم وخاتمهم، وقد بشر رسول الله أهل المدينة عند توزيع الغنائم في غزوة الطائف قائلا: “أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار” رواه البخاري، فبكى القوم وقالوا: رضينا بالله ورسوله قسمًا وما أعظَمَها من قِسْمَةٍ أَخَذَها أهل المدينة.

حَرَمُ الرسول ﷺ

معلوم مما سبق أن النبي عليه الصلاة والسلام حَرَّمَ المدينة حيث قال: “حرم إبراهيم مكة وحرمت المدينة” رواه الطبراني.

دار الإيمان

إليها جاء الإسلام وآوت رسولَه ونَصَرَتْهُ، وفي الحديث كما ذكرنا قبل:

قال رسول الله ﷺ

الإيمان يَأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جُحْرِها

رواه البخاري

هي الطاهرة

قال رسول الله ﷺ

إنما المدينة كالكير تنفي خبثها

رواه الترمذي

فالخبيث لا يبقى فيها لطهارتها.

هي الحصينة

قال رسول الله ﷺ

رأيت كأني في درع حصينة فأولت الدرع الحصينة المدينة

فلا يدخلها المسيح الدجال ولا الطاعون.

هي الحبيبة

وهي الحبيبة للحديث “اللهم حبِّب إلينا المدينة…” الحديث رواه مسلم.

هي الشافية

قال رسول الله ﷺ

والذي نَفْسي بيده إن في غُبَارها شفاء من كل داء

وتَمْرُها فيه شفاءٌ من السقم وكذلك من السحر

تَضَاعُف البركة

دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتضاعف البركة في المدينة

قال رسول الله ﷺ

اللهم اجْعل بالمدينة ضعفي ما جَعَلَتْ بمكة من البركة

رواه البخاري

طلب رسول الله أن تضاعف البركة مرتين على ما هي عليه في مكة المكرمة وهو لا ينطق عن الهوى.

الناصعة والطيبة

فالمدينة تُبِينُ وتُظهِر المحاسن وتَطْرُدُ المساوئ وفي الحديث أنه لما أراد أعرابي ردّ حلفه والخروج من المدينة لمرض أصابه قال صلى الله عليه وسلم: “إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها” رواه الترمذي.

جعلَها الله حَرَمًا آمنًا

فمن فضائلِ هذه المدينةِ المباركة أنَّ الله تعالى جعلَها حَرَمًا آمنًا كما جعَل مكَّةَ حرمًا آمنًا، وقد جاء عن النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المدينةَ” رواه مسلم، والمقصودُ من هذا التحريم المضاف إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وإلى إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم هو إظهارُ التحريم، وإلاَّ فإنَّ التحريمَ من الله عزَّ وجلَّ، وهو الذي جعل هذا حرمًا، وجعل هذا حرمًا. واختصَّ اللهُ عزَّ وجلَّ هاتين البلدتين بهذه الصِّفة التي هي الحرمة دون سائر البلاد، ولم يأتِ دليلٌ ثابت يدلُّ على تحريمِ شىءٍ غير مكَّة والمدينة

سمَّاها النبي ﷺ طَيْبة وطَابة”

إنَّ من الفضائِلِ التي جاءت في شأن هذه المدينة المباركة أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، سمَّاها “طَيْبة” و”طَابة” بل إنه ثبت في صحيح مسلم أنَّ الله سمَّاها “طابة”، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الله سمَّى المدينةَ طابة” رواه مسلم وهذان اللَّفظان مشتقَّان من الطيب، ويدلاَّن على الطيب فهما لفظان طيِّبان، أُطْلِقا على بُقعةٍ طيِّبة.

الإيمانَ يَأزِرُ إليها

ومن فضائِلها أنَّ الإيمانَ يَأزِرُ إليها، كما قال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الإيمانَ ليأزِر إلى المدينةِ كما تأزِرُ الحيَّةُ إلى جُحْرِها” رواه البخاري. ومعنى ذلك أنَّ الإيمانَ يتَّجِه إليها ويكون فيها، والمسلمون يَؤُمُّونَها أي يَقصدونها، ويدفعُهم إلى ذلك الإيمانُ ومحبَّةُ هذه البُقعةِ المباركةِ التي حرَّمها الله عزَّ وجلَّ.

قريةٌ تَأكُلُ القُرى

ومن فضائلها ما جاء عن النبيّ عليه الصلاة والسلام أنَّهُ وصفها بأنَّها قريةٌ تَأكُلُ القُرى

قال رسول الله ﷺ

أُمِرْتُ بقريةٍ تأكلُ القُرَى يقولون لها: يَثْرِب، وهي المدينة

رواه البخاري

يعني أُمِر بِالهجرةِ إلى هذه القريةِ التي تأكلُ القُرى و”تأكُلُ القُرى” فُسِّرَ بأنَّها تنتصرُ عليها، وتكون الغلَبةُ لها على غيرِها من القُرى، وفُسِّرَ بأنَّها تُجْلبُ إليها الغنائم التي تحصلُ في الجهاد في سبيل الله، وتُنقلُ إليها، وكلٌّ من هذين الأمرين قد وَقَعَ وحصلَ، فحصلَ تَغَلُّبُ هذه المدينة على غيرها من المدن، بأن انطلقَ منها الهداةُ المُصْلِحون والغُزاةُ الفاتِحُون، وأخرجوا الناسَ من الظُّلمات إلى النُّور بإذنِ ربِّهم، فدخلَ الناسُ في دين الله عزَّ وجلَّ وكلُّ خيرٍ حصل لأهل الأرضِ فإنَّما خرجَ من هذه المدينة المباركة، مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكونُها تأكُلُ القُرى يصدُقُ على كون الانتصار لها على غيرِها من المدن، كما حصل ذلك في الصَّدرِ الأول، ومع الرَّعيل الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم  وأرضاهم وكذلك أيضًا قد حصل، فإنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر عن إنفاقِ كنوزِ كسرى وقيصر في سبيل الله عز وجل وقد حصل ذلك، فقد أُتِيَ بهذه الكنوز إلى هذه المدينة المباركة، وقُسِّمت على يد الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه.

المدينةُ خيرٌ لهُم لو كانوا يعلمون

ومن فضائلها أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حثَّ على الصبر على لأوَائِها وجَهْدِها

قال رسول الله ﷺ

المدينةُ خيرٌ لهُم لو كانوا يعلمون

رواه مسلم

قال ذلك في حقِّ الذين فكَّروا في الانتقال من المدينة إلى الأماكنِ التي فيها الرَّخاء، وسَعَة الرِّزق، وكثرة المال

قال رسول الله ﷺ

المدينةُ خيرٌ لهُم لو كانوا يعلمون، لا يَدَعُها أحدٌ رغبةً عنها إلا أبدلَ الله فيها من هو خيرٌ منه، ولا يثبُتُ أحدٌ على لأوَائِها وجَهدِها إلا كنتُ لهُ شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة

وهذا يدُلُّنا على فضْلِ هذه المدينة، وفضلِ الصَّبرِ على الشِّدة واللأوَاء والجَهد والضَّنْك إذا حصلَ لأحدٍ، فلا يكون ذلك دافعًا له إلى أن ينتقلَ منها إلى غيرِها يبحَثُ عن الرَّخَاءِ وعن سَعَةِ الرِّزق، بل يصبرُ على ما يحصلُ له فيها، وقد وُعِدَ بهذا الأجرِ العظيم والثوابِ الجزيلِ من الله سبحانه وتعالى.

عِظَمَ شأنِها

ومن فضائلها أنَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام بيَّن عِظَمَ شأنِها وخطورةَ الإحداثِ فيها عندما بيَّن حُرمَتها

قال رسول الله ﷺ

المدينةُ حَرَمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ، من أحدثَ فيها حَدَثًا أو آوى مُحْدِثًا فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يَقبَلُ الله منه صَرْفًا ولا عَدْلًا

رواه البخاري

دُّعاء النبي ﷺ لها بالبركة

ومن فضائلها ما جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من الدُّعاءِ لها بالبركة

قال رسول الله ﷺ

اللَّهُمَّ بارِك لنا في ثَمَرِنا، وبارِك لنا في مدينَتِنا، وبارِك لنا في صاعِنا، وبارِك لنا في مُدنّا

رواه مسلم

لا يدخُلُها الطَّاعونُ ولا الدَّجَّالُ

ومن فضائلها أنَّها لا يدخُلُها الطَّاعونُ ولا الدَّجَّالُ

قال رسول الله ﷺ

على أنقابِ المدينةِ ملائكةٌ، لا يدخُلُها الطَّاعونُ ولا الدَّجَّالُ

رواه البخاري

والأحاديثُ في فضلِ المدينة ِ كثيرةٌ جدًا، وهذا الذي ذكرتُ إنما هو جملةٌ منها مِمَّا في الصحيحين أو أحدِهما.