المقدمة
الحمد لله الذي ابتدأ الخلق بنعمائهِ، وتغمَّدهم بحُسْن آلائه، وشرح صَدر من أحَبَّ هُداه من أوليائهِ، وَطبعَ على قلبِ مَن لم يُرِدْ إرشادَه من أعدائه، وهو الذي لم يزل بصفاته وأسمائه، الذي لا يشتمل عليه زَمان، ولا يحيط به مكان، ثم خلق الأماكن وَالأزمان، فقدَّرَ أحْسَنَ تَقديرٍ، وَاخترعَ عن غير نَظيرٍ، لم يرْفَعِ السماواتِ بِعَمَدٍ، وَلم يستعِنْ عَليها بأحَدٍ، زَيَّنها للنَّاظرِين، وجَعلَ فيها رُجُومًا للشياطين، فتبارَكَ الله أحْسنُ الخالقين، وجَعَل القرآن إِمامًا للمتَّقينَ، وَهُدىً للمؤمنينَ، وَمَلْجأً للمتنازِعين، وحَاكِمًا بين المختلفين، أَحمدهُ حَمْدًا يَبْلُغُ رِضاه، ويُكافئ نَعماه، وأُؤمِن به إيمان مَن أَخْلَصَ عبَادتَه، واستشعَرَ طاعَتَه، وأتوكُّلُ عليهِ تَوكُّلَ مَنْ انقطَع إليهِ، ثقةً به، وَرغبةً فيما لدَيه. وَأَشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَه لا شريك له، شهادةَ مُعتَرفٍ له بالرُّبُوبية والتَّوحيد، مقرًا له بالعَظمة والتمجيد. وَأشْهد أن محمَّدًا عَبدُه ورسولهُ، اصْطفاه لنفْسه وَليًّا، وارتضاه لخلقِهِ نبيًّا، صلَّى الله عليه وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أَنْفَقَ وَما قَلَّلَ حَتَّى بَلَغ مقامًا عليًّا، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَانَ مُقَدَّمًا فِي الْجِدِّ جَرِيًّا، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَفِيفًا حَيِيًّا، وَعَلَى عَلِيٍّ أَشْجَعِ مَنْ حَمَلَ خَطِّيًّا، وعلى آلِهِ وأصْحابهِ ومن اتبعهم من الصالحين ومن كان تقيًّا، أما بعد:
فقد وصلنا في هذا الكتاب المبارك كتابِ رياض الصالحين إلى الحديث العشرين من باب في بيان كثرة طرق الخير، حيث قال الحافظ النووي رحمه الله ورضي عنه:
الحديث السادس والثلاثون بعد المائة
العِشرُونَ: وَعَنْهُ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَن يَنتَقِلُوا قُربَ المَسجِدِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُم: «إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنتَقِلُوا قُربَ المَسجِدِ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: «بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ، تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، ديَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ». رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ بِكُلِّ خُطوَةٍ دَرَجَةً». رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ أَيضًا بِمَعنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. وَ «بَنُو سَلِمَةَ» بِكَسرِ اللَّامِ: قَبِيلَةٌ مَعرُوفَةٌ مِنَ الأَنصَارِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَ «آثَارُهُمْ»: خُطَاهُم.
الشرح والتعليق على هذا الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله ورضي عنه: العِشرُونَ (أي الحديث العشرون من باب في بيان طرق الخير، وهو الحديث السادس والثلاثون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): وَعَنْهُ (أي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وعن أبيه) قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ (قال ابن منظور: بنو سَلِمَةَ: بطن من الأَنصار، وليس في العرب سَلِمَةُ غَيْرُهُمْ، بِكَسْرِ اللَّامِ، وَالنِّسْبَةِ إِليهم سَلِمِيٌّ.اهـ وقال الطيبي: كانت ديارهم على بعد من المسجد، وكانت المسافة تجهدهم في سواد الليل، وعند وقوع الأمطار، واشتداد البرد، فأرادوا أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة، فرغبهم فيما عند الله تعالى من الأجر على نقل الخطى إلي المسجد.اهـ وفي كتاب الصحاح: وسلمة بكسر اللام: اسم رجل.اهـ وقال العيني في شرح البخاري: وهم بطن كَبِير من الْأَنْصَار ثمَّ من الْخَزْرَج وَقَالَ الْقَزاز والجوهري وَلَيْسَ فِي الْعَرَب سَلِمَة غَيرهم (قلت) لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإِن ابْن مَاكُولَا والرشاطي وَابْن حبيب ذكرُوا جماعاتٍ غَيرَهم. وقال في القاموس: والسَّلِمَةُ، كفرِحَةٍ: الحِجارَةُ. قال: وأخْطَأَ الجَوْهَرِيُّ في قولِهِ: وليس سَلِمَةُ في العربِ غيرَ بَطْنِ الأَنْصَارِ. وسَلَمَةُ، محرَّكةً: أربعونَ صَحابيًا، وثلاثونَ محدِّثًا، أو زُهاؤُهُما.اهـ ومساكنهم كانت عند مسج القبلتين) أَن يَنتَقِلُوا قُربَ المَسجِدِ (أي مسجدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ثاني أفضل المساجد في هذه الأمة، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تُشَدّ إليها الرحال. أَسَّسَ المسجدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في المكان الذي بركت فيه ناقته المأمورة بعد ما اشترى أرضه المباركة. ومن أشهر معالم هذا المسجد المبارك في أيامنا هذه الحجرةُ النبوية الشريفة وهي المكان الذي دُفِن فيه سيد الخلائق عند وفاته. ومن أشهر معالم المسجد النبوي كذلك حاليًّا: القبة الخضراء الموجودة فوق الحجرة النبوية الطاهرة فقد بناها الملك منصور قلاوون أحد المماليك الذين حكموا مصر وذلك سنة (765) للهجرة المباركة. وتسمى أيضًا: القبة الفيحاء، وعُرِفت قديمًا بالزرقاء وبالبيضاء. وكذلك من معالم المسجد النبوي: المواجهة النبوية الشريفة وهي الموقع الذي يمر عليه الوفود المصلين الزائرين الداخلين من باب السلام للوقوف أمام الشباك العازل بين المسجد والقبر النبوي الشريف. وقد زخرفت بالقبلة المواتية للجدار أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن أشهر المعالم في تلك البقاع الشريفة الطاهرة الروضة الشريفة: وهو المكان الموجود على يَمين القبر الشريف ويمتد إلى المنبر والذي جاء في الحديث عند الإمام أحمد في مسنده: “منبري على تُرْعَة [أي بابٍ أو درجةٍ] من تُرَعِ الجنة، وما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة”.اهـ وفي الروضة الشريفة أسطوانة عائشة رضي الله عنها، والأسطوانة هي عَمود من أعمدة المسجد بالروضة النبوية الشريفة، يروى عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يصلي ويسجد في ذلك المكان، فمن استطاع السجود عند الأسطوانة فليفعل ذلك فإن ذلك فيه فضلٌ كثير لعله يصادف المكان الذي سجد فيه المصطفى سيد الخلق وصاحب الحوض الـمَوْرود والمقام المحمود. وعلى كل صادق أن يقتفي الآثار ويتتبع طريق ومسالك سيد الأبرار. وليعلم المحبُّ الكريم لسيد المرسلين أن مِنْ حُبِّهِ يَظْهَرُ حُبُّ المدينة التي تشرفت وتنورت بوجوده. وأول زيارة لسيدنا رسول الله إلى المدينة كانت في صِباه وهو ابن ست سنين. أخذته أمه آمنة في زيارة هناك. ثم هاجر إليها وهو صاحب (53 سنة) في ربيع الأول وكان أعظم يوم بالمدينة، ومرض أبو بكر وبلال رضي الله عنهما بالحمى عند الهجرة كما روى الشيخان فأخبرت السيدة عائشة الرسول صلى الله عليه وءاله وسلم فقال: “اللهم حَبِّب إلينا المدينة كحُبِّنَا مكة أو أشد حُبًّا، وصَحِّحْهَا وبارك في صَاعِها ومُدِّهَا وانقل حماها فاجعلها بالجحفة”.اهـ فصارت أطيب البقاع. وإن مدينةَ الرَّسولِ الكريم صلى الله عليه وسلم طَيبةَ الطيِّبةَ مهبِطُ الوحي ومُتَنَزَّلُ جبريلَ الأمين على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهي مَأرِزُ الإيمان، وملتقى المهاجرين والأنصار، وموطن الذين تبوَّؤوا الدارَ والإيمان، وهي العاصمة الأولى للمسلمين، فيها عُقدت ألويةُ الجهاد في سبيل الله فانطلقت كتائبُ الحق لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومنها شعَّ النور، فأشرقت الأرض بنور الهداية، وهي دارُ هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إليها هاجر، وعاش فيها آخرَ حياته صلى الله عليه وسلم، وبها مات، وفيها دفن، ومنها يُبعث، وقبره أول القبور انشقاقًا عن صاحبه، ولا يُقطَعُ بمكان قبر أحد من الأنبياء سوى مكان قبره صلى الله عليه وسلم. وهذه المدينة المباركة شرَّفها الله وفضَّلها، وجعلها خير البقاع بعد مكة على قول أكثر الفقهاء، ويدل لتفضيل مكة على المدينة قولُ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لمَّا أخرجه الكفار منها واتَّجه إلى المدينة مهاجرًا، قال مخاطبًا مكة كما روى الترمذي: “واللهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ الله، وأحبُّ أرضِ اللهِ إلى الله، ولولا أنِّي أُخرِجْتُ مِنكِ ما خَرَجْتُ”.اهـ) فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ (أي حالُ بني سلِمة أنهم يريدون الانتقال قرب المسجد النبوي) فَقَالَ لَهُم: «إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي (وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتتبع أحوال أهل المدينة ويتتبع أحوال أصحابه رضي الله عنهم وهذا من رأفته بهم وحرصه على أمر آخرتهم) أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنتَقِلُوا قُربَ المَسجِدِ؟» (هو المسجد النبوي أو مسجد النبي أو الحرم النبوي، أحد أكبر المساجد في الدنيا وثاني أقدس مسجد في الإسلام (بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة)، وهو المسجد الذي بناه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة بعد هجرته سنة 1هـ بجانب بيته بعد بناء مسجد قباء. وبعد التوسعة التي قام بها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز عام 91هـ وهو وقتها كان أميرا على المدينة قبل خلافته أدخل فيه حجرة عائشة (والمعروفة حاليًا بـ “الحجرة النبوية الشريفة” والمدفون فيها النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وبُنيت عليها القبة الخضراء التي تُعَدُّ من أبرز معالم المسجد النبوي. وكان المسلمون الأوائل من الأنصار قبل الهجرة النبوية يجتمعون ويصلّون في موضع في وسط المدينة المنورة (واسمها يومئذٍ “يثرب”)، حيث كان مصعب بن عمير (المبعوث من النبي صلى الله عليه وسلم في مكة) يصلي بهم ويعلمهم القرءان، ومن قَبلِهِ كان أسعد بن زُرارة يصلي بهم، وكانت الأرض التي يصلون عليها عبارة عن مربد (موقف الإبل ومحبسها) لغلامين يتيمين هما سهل وسهيل ابنا عمرو وكانا في حِجر أسعد بن زُرارة. وفي الهجرة النبوية عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم بركت ناقته في ذلك الموضع الذي كان الأنصار يصلون فيه، وقال: “هذا المنزل إن شاء الله “فدعا الغلامين بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله هبةً حتى ابتاعه منهما، ودفع ثمنَه أبو بكر، فأسس النبي صلى الله عليه وسلم المسجدَ في شهر ربيع الأول سنة 1هـ وكان طوله يومئذ ما يقارب 35 مترًا، وعرضه 30 مترا، فتكون مساحته 1050 مترًا مربعًا، وجعل للمسجد ثلاثة أبواب: باب الرحمة ويقال له باب عاتكة (في جهة الجنوب)، وباب عثمان ويسمى الآن باب جبريل الذي كان يدخل منه النبي محمد صلى الله عليه وسلم (في جهة الشرق)، وباب في المؤخرة (في جهة الجنوب) وجعل قبلة المسجد لبيت المقدس، ولما تحولت القبلة للكعبة في السنة 2 هـ سُدَّ الباب الذي كان في المؤخرة وفتح باب في مواجهته في الجهة الشمالية، وكذلك بنى بيتين لزوجتيه عائشة بنت أبي بكر وسودة بنت زمعة رضي الله عنهما. وبعد غزوة خيبر في شهر محرم سنة 7هـ وبسبب ازدياد أعداد المسلمين في المدينة نتيجة الهجرة إليها حتى ضاق المسجد النبوي بالمصلين، عندها قرر النبي صلى الله عليه وسلم زيادة مساحته، فزاد 20 مترًا في العرض و15 مترًا في الطول، فصارت مساحته 2500 مترًا مربعًا، وكان عثمان بن عفان هو من اشترى هذه الأرض وزيدت. وبقي المسجد على حده من الجهة الجنوبية، ومن الجهة الشمالية كان حده إلى ما ينتهي إليه البناء المجيدي المسقوف اليوم، ومن الجهة الغربية كان حده الأسطوانةَ الخامسةَ من المنبر مكتوب عليها” حدُّ مسجد النبي صلى الله عليه وسلم”، وكان ارتفاع سقفه تقريبًا 3.5 مترًا. ثم توالت الزيادات في عهد عمر بن الخطاب عام 17 هـ ثم في عهد الأمويين عام 88 هـ – 91 هـ ثم في عهد العباسيين عام 161 هـ – 165 هـ ثم في عهد المماليك عام 657 هـ وفي هذا العهد زِيدَ على المسجد زياداتٍ منها عام 705هـ – 706هـ ثم في عام 831 هـ ثم عام 853 هـ ثم في عام 881 هـ – 888 هـ ثم في عهد العثمانيين عام 923 هـ، ثم في عام 946 هـ، ثم في عام 974 هـ، ثم في عهد السلطان عبد المجيد الأول عام 1265 هـ – 1277 هـ. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسَّس مسجده على التقوى وقال: “صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام”. فعلى زائر هذا المسجد أن يتأدب بآدابه ويدخل بالرِجْلِ اليمنى ويقول: بسم الله والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم افتح لي أبواب رحمتك، أعوذُ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، ويمشي بالسكينة والوقار، ولا يجلس في مداخل المسجد والممرات، ويصلي تحية المسجد في الروضة الشريفة أو في أي ناحية من نواحي المسجد، ولا يتخطى رقاب الناس، ثم يصلي ويسلم على الرسول المُرسَل رحمة للعالمين، وصاحبيه أبي بكر وعمر، ولا يزاحم أثناء الدخول والخروج والسير للسلام على سيد الأنام، والأنسب أن يتخير الوقت المناسب في موسم الذِّرْوَة، ولا يرفع صوته بالصلاة والسلام. عند الهجرة النبوية المباركة، وحين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة من قباء، نزل عند بني سالم بن عوف، فصلى الجمعة في منازلهم، ثم سارت ناقته القَصْواء بين منازل قبائل الأنصار، وهم يتجاذبون خطامها لينزل النبي عندهم وهو يقول لهم: “دعوها فإنها مأمورة” حتى بركت الناقة في مربد لتجفيف التمر ليتيمين من قبيلة بني النجارة، سهل وسهيل بني عمرو، فنزل النبي واشترى الأرض، وبنى عليها مع أصحابه مسجده الشريف. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةٌ فِي مَسجِدِي هَذَا خَيرٌ مِن أَلفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسجِدَ الحَرَامَ».اهـ) فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: «بَنِي سَلِمَةَ (أي يا بني سلمة، فهو منادى حُذفت أداة النداء منه، فالعرب ببلاغة لغتهم يختصرون من الكلام ما يقدرون عليه بشرط أن لا ينقص المعنى ولا يختل الكلام، فمهما قدر العربي على الاختصار من الكلام يختصر، مع وضوح المعنى المراد، وهذا من بلاغة اللغة العربية وفصاحة أهلها، أحيانا تجد في اللغة العربية حرفا واحدا يعطي معنًى كاملا، تجد حرفا واحدا يكون من حيث الإعراب جملةً كاملة، كقول القائل: [قِ] فإن المعنى أمرٌ لك بالوقاية، وكقول القائل: [فِ] فإنه أمرٌ لك بالوفاء، وكقول القائل: [عِ] فإنه أمرٌ لك بالوعي بأن تعي أمرا، فهذه وإن كانت أحرفًا فإنها في لغة العرب جملٌ كاملة، عبارة عن فعل وفاعل وتعطي معنًى مفيدًا، وهذا الأسلوب الوارد في القرآن الكريم فقد جاء القرآن الكريم بهذا الأسلوب بكثرة، والأمثلة في هذا كثيرة جدا، قال تعالى: [وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا] والمقصود والجواب هو: لكان هذا القرآن، لكن العبارة واضحة بالنسبة لهؤلاء العرب المستمعين للقرآن الكريم، ويقول الله تعالى حكاية عن إخوة يوسف أنهم قالوا لأبيهم يعقوب عليه السلام: [وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا] والمقصود: اسأل أهل القرية واسأل من يقود العير ويركبها وأتى معنا من بلاد مصر ليخبرك الخبر الصادق الذي ذكرناه لك، ومثل ذلك قوله تعالى: [وَجَاءَ رَبُّكَ]، أي جاء أمره وثوابه كما قال ابن كثير: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ السَّمَّاكِ، عَنْ حَنْبَلٍ، أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ تَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22] أَنَّهُ جَاءَ ثَوَابُهُ. ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.اهـ وكذلك كقوله عليه الصلاة والسلام: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا. والمعنى تنزل رحمته كما روى الإمام النووي عن الإمام مالك رضي الله عنه)، دِيَارَكُمْ (أي الزموا دياركم، وابقَوا فيها ولا تنتقلوا بالقرب من المسجد حتى يبقى لكم الثواب الذي يُسَجَّل لكم بمجيئكم من بيوتكم إلى المسجد ورجوعكم إلى بيوتكم بعد انقضاء الصلوات) (وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: “دِيَارَكُمْ”: أسلوب من أساليب اللغة العربية وهو الإغراء، أي الحث على الشيء، هو: تنبيه المخاطب على أمر محمود ليفعله، يعني لو قال لك شخص: أباك أباك، فمعناه أطع أباك أو الزم أباك، ولو قال لك شخص: بيتَك بيتَك، فمعناه: الزم بيتَك، وهكذا)، تُكْتَبْ آثَارُكُمْ (أي يكتب الملكان بأمر الله عز وجل لكم ثواب هذه الآثار والخطى إلى المسجد، فإن الله لا يضيع عنده أجر من أحسن عملا، ولو كان هذا العمل قليلا صغيرا غيرَ مُجهِدٍ، وإن من تفكر بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا فإنه يزداد في الطاعات ولا يتقاعس عن الخيرات بل ويطرق أبواب الفضائل ولا يمل حتى يأتيه الأجل ويخرج من هذه الدنيا على حال مرضية حسنة، قال ابن الجوزي: إخواني تفكروا في الحشر والمعاد، وتذكروا حين تقوم الأشهاد: إن في القيامة لحسرات، وإن في الحشر لزفرات، وإن عند الصراط لعثرات، وإن عند الميزان لعبرات، وإن عند الميزان لعبرات، وإن الظلم يومئذ ظلمات، والكتب تحوي حتى النظرات، وإن الحسرة العظمى عند السيئات، فريق في الجنة يرتقون في الدرجات، وفريق في السعير يهبطون الدركات، وما بينك وبين هذا إلا أن يقال: فلان مات، وتقول: رب ارجعوني، فيقال: فات. لله در أقوام أطار ذكرُ النار عنهم النومَ، وأطال اشتياقَهم إلى الجنان الصومُ، فنحلت أجسادهم، وتغيرت ألوانهم، ولم يقبلوا على سماع العذل في حالهم واللوم، دافعوا أنفسهم عن شهوات الدنيا بغد واليوم، دخلوا أسواق الدنيا فما تعرضوا لشراء ولا سوم، تركوا الخوض في بحارها والعوم، ما وقفوا بالإشمام والروم، جدوا في الطاعة بالصلاة والصوم، هل عندكم من صفاتهم شيء يا قوم؟ قالت أم الربيع أم خثيم لولدها: يا بني ألا تنام؟ قال: يا أماه، من جن عليه الليل وهو يخاف الثبات حق له أن لا ينام. فلما رأت ما يلقي من السهر والبكا، قالت: يا بني لعلك قتلت قتيلًا، قال: نعم كأني قتلت قتيلا، قالت: ومن هذا القتيل حتى نسأل أهله فيغفرون، فوالله لو يعلمون ما تلقى من السهر والبكاء لرحموك، فقال: يا والدتي، هي نفسي كأنني قتلتها بالذنوب. وقيل لزيد بن مزيد: ما لنا لم نزل نراك باكيًا، وجلًا خائفًا، فقال: إن الله توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لبكيت حتى لا تجف لي عَبرة. وكان آمد الشامي يبكي وينتحب في المسجد حتى يعلو صوته وتسيل دموعه على الحصى، فأرسل إليه الأمير فقال له: إنك تفسد على المصلين صلاتهم بكثرة بكائك [أي تشغلهم عن صلاتهم فلا يأتون وقت حضورك]، وارتفاع صوتك، ولو أمسكت قليلا، فبكى ثم قال: إن حزن يوم القيامة أورثني دموعًا غزارًا فأنا أستريح إلى ذرها. وعوتب عطاء السلمي في كثرة البكاء، فقال: إني إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله تعالى، مثلت نفسي بينهم فكيف لنفس تُغَلُّ يدها وتسحبُ إلى النار ولا تبكي؟ وقيل لبعضهم: ارفق بنفسك، فقال: الرفق أطلب. وقال أسلم بن عبد الملك: صحبت رجلًا شهرين، وما رأيته نائمًا بليل ولا نهار، فقلت: ما لك لا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أَطَرنَ نومي، ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في أخرى)، ديَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ (وقال أهل التفسير والسير أن بني سلِمة هؤلاء نزلت فيهم الآية الكريمة من سورة يس: [إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ]، وفيها أَخْبَرَنَا تَعَالَى بِإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى رَدًّا عَلَى الْكَفَرَةِ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِذِكْرِهِ كَتْبَ الْآثَارِ، وإحصاء كل شي وَكُلِّ مَا يَصْنَعُهُ الْإِنْسَانُ. وَنَظِيرُهُ قوله:” عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ”: [الانفطار: 5] وقوله:” يُنَبَّأْ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ” [الْقِيَامَةِ: 13]، وَقَالَ:” اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ” [الحشر: 18]، قال القرطبي: فَآثَارُ الْمَرْءِ الَّتِي تَبْقَى وَتُذْكَرُ بَعْدَ الْإِنْسَانِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ يُجَازَى عَلَيْهَا: مِنْ أَثَرٍ حَسَنٍ، كَعِلْمٍ عَلَّمُوهُ، أَوْ كِتَابٍ صَنَّفُوهُ، أَوْ حَبِيسٍ احْتَبَسُوهُ، أَوْ بِنَاءٍ بَنَوْهُ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. أَوْ سَيِّئٍ كَوَظِيفَةٍ وَظَّفَهَا بَعْضُ الظُّلَّامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَسَكَّةٍ أَحْدَثَهَا فِيهَا تَخْسِيرُهُمْ، أَوْ شي أَحْدَثَهُ فِيهِ صَدٌّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ مِنْ أَلْحَانٍ وَمَلَاهٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ، أَوْ سيئة يستن بها. وقيل: هي آثار المشاءين إِلَى الْمَسَاجِدِ. وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَأَوَّلَ الْآيَةَ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ مَعْنَى:” وَآثَارُهُمْ” خُطَاهُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَوْلَى مَا قِيلَ فِيهِ، لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بَعِيدَةً عَنِ الْمَسْجِدِ. وَفِي الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:” يُكْتَبُ لَهُ بِرِجْلٍ حَسَنَةٌ وَتُحَطُّ عَنْهُ بِرِجْلٍ سَيِّئَةٌ ذَاهِبًا وراجعا إذ اخرج إِلَى الْمَسْجِدِ”. وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: مَشَيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْرَعْتُ، فَحَبَسَنِي فَلَمَّا انْقَضَتِ الصَّلَاةُ قَالَ: مَشَيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَسْرَعْتُ، فَحَبَسَنِي فَلَمَّا انْقَضَتِ الصَّلَاةُ قال:” أما علم أَنَّ الْآثَارَ تُكْتَبُ”. وقال القرطبي أيضا: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُفَسِّرَةِ لِمَعْنَى الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبُعْدَ مِنَ الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، فَلَوْ كَانَ بِجِوَارِ مَسْجِدٍ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَهُ إِلَى الْأَبْعَدِ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يُجَاوِزُ الْمُحْدَثَ إِلَى الْقَدِيمِ. وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ: الْأَبْعَدُ فَالْأَبْعَدُ مِنَ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا. وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ هَذَا، وَقَالَ: لَا يَدَعُ مَسْجِدًا قُرْبَهُ وَيَأْتِي غَيْرَهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَفِي تَخَطِّي مَسْجِدِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ قَوْلَانِ. وَخَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:” صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ [من التجمع، أي يصلى فيه الجمعة] فيه بخمسمائة صلاة)». رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ بِكُلِّ خُطوَةٍ دَرَجَةً». رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ أَيضًا بِمَعنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. وَ «بَنُو سَلِمَةَ» بِكَسرِ اللَّامِ: قَبِيلَةٌ مَعرُوفَةٌ مِنَ الأَنصَارِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَ «آثَارُهُمْ»: خُطَاهُم.
الحديث السابع والثلاثون بعد المائة: ترجمة أُبي بن كعب
عن أبي المنذِر أُبيِّ بنِ كَعْب رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لا أعْلَمُ رَجلًا أبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ، فَقيلَ لَهُ أَوْ فَقُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ في الظَلْمَاء وفي الرَّمْضَاء؟ فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أنَّ مَنْزِلي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ، إنِّي أريدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمشَايَ إِلَى المَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أهْلِي، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذلِكَ كُلَّهُ». رواه مسلم. وفي رواية: «إنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ». «الرَّمْضَاءُ»: الأرْضُ التي أصابها الحر الشديد.
الشرح والتعليق على هذا الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله ورضي عنه: الحادي والعِشرُونَ (أي الحديث الحادي والعشرون من باب في بيان طرق الخير، وهو الحديث السابع والثلاثون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عن أبي المنذِر أُبيِّ بنِ كَعْب رضي الله عنه (قال أبو نعيم في ترجمته: وَمِنْهُمُ الْمُنَبِّئُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْغَامِضِ الصَّعْبِ، وَالْمُذَرِّي إِذَا سَمَا مِنَ الشَّوْقِ وَالْكَرْبِ، سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.اهـ هو أُبَيُّ بنُ كَعْبِ بنِ قَيْسِ بنِ عُبَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ ابْنِ زَيْدِ بنِ مُعَاوِيَةَ بنِ عَمْرِو بنِ مَالِكِ بنِ النَّجَّارِ. سَيِّدُ القُرَّاءِ، أَبُو مُنْذِرٍ الأَنْصَارِيُّ، النَّجَّارِيُّ، المَدَنِيُّ، المُقْرِئُ، البَدْرِيُّ. وَيُكْنَى أَيْضاً: أَبَا الطُّفَيْلِ. شَهِدَ العَقَبَةَ، وَبَدْراً، وَجَمَعَ القُرْآنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ عليه السلام وَحَفِظَ عَنْهُ عِلْماً مُبَارَكاً، وَكَانَ رَأْساً فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ رضي الله عنه. حَدَّثَ عَنْهُ: بَنُوْهُ؛ مُحَمَّدٌ، وَالطُّفَيْلُ، وَعَبْدُ اللهِ، وَأَنَسُ بنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وغيرهم، عَنْ عِيْسَى بنِ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ أُبَيٌّ رَجُلاً دَحْدَاحاً – يَعْنِي رَبْعَةً – لَيْسَ بِالطَّوِيْلِ، وَلَا بِالقَصِيْرِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ بنِ سَهْلٍ، قَالَ: كَانَ أُبَيٌّ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ. وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: (إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ القُرْآنَ). وَفِي لَفْظٍ: (أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ القُرْآنَ) قَالَ: آلله سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: (نَعَمْ) قَالَ: وَذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ العَالَمِيْنَ؟ قَالَ: (نَعَمْ) فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ.اهـ وَلَمَّا سَأَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُبَيّاً عَنْ: (أَيِّ آيَةٍ فِي القُرْآنِ أَعْظَمُ؟) فَقَالَ أُبَيٌّ: {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الحَيُّ القَيُّوْمُ} ضَرَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ: (لِيَهْنِكَ العِلْمُ أَبَا المُنْذِرِ). قَالَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ كما في البخاري: جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُم مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، أَحَدُ عُمُوْمَتِي.اهـ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أُبَيٌّ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: إِنِّي تَلَقَّيْتُ القُرْآنَ مِمَّنْ تَلَقَّاهُ مِنْ جِبْرِيْلَ عليه السلام وَهُوَ رَطْبٌ. رواه أحمد. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ عُمَرُ: أَقْضَانَا عَلِيٌّ، وَأَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قِرَاءةِ أُبَيٍّ. وَهُوَ يَقُوْلُ: لَا أَدَعُ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}. رواه البخاري. وَرَوَى: أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَقْرَأُ أُمَّتِي أُبَيٌّ). رواه الترمذي. وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ، قَالَ: قَالَ أُبَيٌّ: يَا رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم! مَا جَزَاءُ الحُمَّى؟ قَالَ: (تُجْرِي الحَسَنَاتِ عَلَى صَاحِبِهَا) فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُمَّىً لَا تَمْنَعُنِي خُرُوْجاً فِي سَبِيْلِكَ. فَلَمْ يُمْسِ أُبَيٌّ قَطُّ إِلَاّ وَبِهِ الحُمَّى. رواه أحمد. قَالَ أَبُو نَضْرَةَ العَبْدِيُّ: قَالَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ جَابِرٌ، أَوْ جُوَيْبِرٌ: طَلَبْتُ حَاجَةً إِلَى عُمَرَ، وَإِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ أَبْيَضُ الثِّيَابِ وَالشَّعْرِ، فَقَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا فِيْهَا بَلَاغُنَا وَزَادُنَا إِلَى الآخِرَةِ، وَفِيْهَا أَعْمَالُنَا الَّتِي نُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ؟ قَالَ: هَذَا سَيِّدُ المُسْلِمِيْنَ؛ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ. قَالَ مُغِيْرَةُ بنُ مُسلمٍ: عَنِ الرَّبِيْعِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: أَوْصِنِي. قَالَ: اتَّخِذْ كِتَابَ اللهِ إِمَاماً، وَارْضَ بِهِ قَاضِياً وَحَكَماً، فَإِنَّهُ الَّذِي اسْتَخْلَفَ فِيْكُم رَسُوْلُكُم، شَفِيْعٌ مُطَاعٌ، وَشَاهِدٌ لَا يُتَّهَمُ، فِيْهِ ذِكْرُكُم وَذِكْرُ مَنْ قَبْلَكُم، وَحَكَمُ مَا بَيْنَكُم، وَخَبَرُكُم، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُم. رواه أبو نعيم. وروي أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ بِالجَابِيَةِ، فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ القُرْآنِ، فَلْيَأْتِ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الفَرَائِضِ، فَلْيَأْتِ زَيْداً، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الفِقْهِ، فَلْيَأْتِ مُعَاذاً، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ المَالِ، فَلْيَأْتِنِي، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَنِي خَازِناً وَقَاسِماً.اهـ وروى البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو مَرْفُوْعاً: (اسْتَقْرِئُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ، وَأُبَيٍّ، وَمُعَاذٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ).اهـ وقال عُتَيُّ بنُ ضَمْرَةَ: رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِيْنَةِ يَمُوْجُوْنَ فِي سِكَكِهِم. فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُم: مَا أَنْتَ مِنْ أَهْلِ البَلَدِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ اليَوْمَ سَيِّدُ المُسْلِمِيْنَ؛ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ. وروي عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي المُهَلَّبِ، عَنْ أُبَيٍّ، قَالَ: إِنَّا لَنَقْرَؤُهُ فِي ثَمَانِ لَيَالٍ – يَعْنِي القُرْآنَ. وروي عَنِ الحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِم عِشْرِيْنَ رَكْعَةً. وَلأُبَيٍّ فِي الكُتُبِ السِّتَّةِ: نَيِّفٌ وَسِتُّوْنَ حَدِيْثاً. وقيل إنه مات في خلافة عثمان. لَهُ عِنْدَ بَقِيِّ بنِ مَخْلَدٍ: مَائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَسِتُّوْنَ حَدِيْثاً، مِنْهَا فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: ثَلَاثَةُ أَحَادِيْثَ. وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِثَلَاثَةٍ، وَمُسْلِمٌ بِسَبْعَةٍ) قَالَ: كَانَ رَجُلٌ (قال ابن علان: لم أقف على من سماه) لا أعْلَمُ رَجلًا أبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ (أي باعتبار داره)، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ (أي لا تفوته) صَلاةٌ (أي في المسجد كما يدل عليه السياق)، فَقيلَ لَهُ أَوْ فَقُلْتُ لَهُ (القائل هو أبيّ): لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ في الظَلْمَاء (فيقيك من أذى الحشرات المنتشرة في أوّل الظلمة) وفي الرَّمْضَاء؟ (فِي الْقَامُوسِ: رَمِضَ يَوْمُنَا كَفَرِحَ: اشْتَدَّ حَرُّهُ، وَقَدَمُهُ احْتَرَقَتْ مِنَ الرَّمْضَاءِ لِلْأَرْضِ الشَّدِيدَةِ الْحَرَارَةِ، وَسُمِّيَ شَهْرُ رَمَضَانَ بِهِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ سَمَّوْهَا بِالْأَزْمِنَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا، فَرَافَقَ زَمَنَ الْحَرِّ، أَوْ مِنْ رَمِضَ الصَّائِمُ: اشْتَدَّ حَرُّ جَوْفِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَحْرِقُ الذُّنُوبَ) فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي (أي يفرحني) أنَّ مَنْزِلي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ، إنِّي أريدُ (أي أقصد) أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمشَايَ إِلَى المَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أهْلِي (أي أجرهما أو يكتبان هما فيضاعف أجرهما)، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم (أي فبلغ ذلك النبيّ فقال مخاطبًا له): «قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذلِكَ كُلَّهُ» (أي ما ذكرت من أجر المشي والرجوع) (قال النووي: فِيهِ إِثْبَاتُ الثَّوَابِ فِي الْخُطَا فِي الرُّجُوعِ مِنَ الصَّلَاةِ كَمَا يَثْبُتُ فِي الذَّهَابِ). رواه مسلم. وفي رواية: «إنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ». «الرَّمْضَاءُ»: الأرْضُ التي أصابها الحر الشديد.
أجوبة فقهية حول قطع شجرة الرضوان وطهارة المرأة من الحيض
لم قطع سيدنا عمر شجرة الرضوان؟
الجواب: سيّدُنا عُمر قطَع شجَرةَ الرِّضْوان خَوفَ أن يَعبُدَها النّاسُ فِيما بَعدُ وليسَ لأنّ الصّلاةَ تَحتَها وذِكرَ اللهِ تَحتَها حرام، والدّليل على عدَم حُرمَةِ الجُلُوس تَحتَها وكُلّ مَوضِع نزَل فيهِ الرّسولُ حَديثُ ابنِ حِبّان أنّ عبدَ الله بنَ عُمر كانَ يَنزِلُ تَحتَ شجَرةٍ سَمُرَة، وكانَ يَسقِيها الماءَ حتى لا تَيبَس وما أنكَر علَيه أحَدٌ مِنَ الصّحابةِ، وأيُّ مَانع إذا إنسانٌ قصَد مشَاهِدَ الأولياءِ ليَذكُرَ اللهَ هناك، ولِمَ قالَ جِبريل للرّسول في سَيرِهما إلى بيت المقدِس انزِلْ هنا حَيثُ وُلِدَ عيسى فصَلِّ رَكعتَين، فالتّبَرُّك بمشَاهِد الأولياء وءاثارِهم جَائزٌ فلو كانَ الأمر كما يقول بعض الجفاة ما كانَ جِبريلُ يَقول للرّسول في ثلاثِ أمَاكِنَ انزل هنا فَصَلّ. وهَذا صَحِيحٌ رواه البيهقي وغَيرُه. البَيهقي رواه في كتاب دلائلِ النّبوة. أمّا حَدِيثُ أبي واقِدٍ اللَّيثيّ أنّ الرّسولَ علَيه السّلام كانَ في سفَرٍ فلَمّا وصَلُوا إلى ذاتِ أنْوَاطٍ وهي شجرة كانت معروفة عند قريش والأعراب ممن حولهم في الجاهلية، كانوا ينوطون بِها سلاحهم، أي يعلِّقونه بِها، ويعكفون حولها. فكانت قريش وبعض العرب يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها فقال بعضُ الصّحَابةِ يا رَسُولَ الله اجعَلْ لنَا ذاتَ أنْواطٍ كما أنّ لهم ذات أنوَاط، فقال (تُرِيدُون أن تَكُونوا كالذي قيلَ لموسى اجعَل لنا ءالهةً) فلا ينطَبِق على هذا، ذاكَ مَكانٌ كانتِ الجاهليّة تَقصِدُه لأعمالها الخبيثةِ فكَيفَ تَجعَلُ مشَاهِدَ الأولياء التي جعَل اللهُ فيها البركةَ كأماكِن الجاهلِيّة الذين كانوا مُشركِينَ بالله لا يؤمِنُونَ بالله وباليَوم الآخِر فكَيف تُسَاوُون بينَ الموَحِّدِين والمشركين.
كيف تتأكد المرأة شرعا أن دم الحيض انقطع عنها؟
الجواب: الانقطاع يُعْرَفُ بأن تكون بحيثُ لو أدخلتِ القُطنةَ فرجَها خَرَجت بيضاء وليس شرطًا أن تنظر كل ساعة لتتأكد من نقائها،
قال النووي في المجموع: روى مالك في الموطأ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، مَوْلَاةِ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِا الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَ. هذا لفظ الموطأ وذكره البخاري في صحيحه تعليقًا بصيغة جزم فصح هذا اللفظ عن عائشة رضي الله عنها والدرجة خرقة أو قطنة أو نحو ذلك تدخله المرأة فرجها ثم تخرجه لتنظر هل بقي شىء من أثر الحيض أم لا.اﻫ ولذلك (قال مالك ليس على المرأة أن تقوم قبل الفجر فتنظر في طهرها، وليس هذا من عمل الناس، ولم يكن للناس ذلك الزمان مصابيح).