خطبة الجمعة | التحذير من الغِش والاحتكار

خطبة مؤثرة عن الغش والاحتكار في الإسلام، تبين خطورتهما وأثرهما على المجتمع، مع الأدلة من القرآن والسنة والتحذير من أكل أموال الناس بالباطل.

إنَّ الحَمدَ للهِ نَحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشْكرُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنَا ومن سيئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هادِيَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلـهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ وأشهد أنّ محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هادِيًا ومُبَشّرًا ونَذيرًا، بَلَّغَ الرِّسالَةَ وأَدَّى الأمانَةَ ونَصَحَ الأمَّةَ فجَزَاهُ اللهُ عنَّا خَيْرَ ما جَزَى نبِيًّا مِنْ أَنبِيائِهِ، اللهم صَلِّ وسَلِّمْ وأَنْعِمْ وَأَكْرِمْ علَى سيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وعلَى ءالِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرين. 

أمّا بَعْدُ عبادَ اللهِ، فإنّي أوصيكُمْ ونفسيَ بِتَقوى اللهِ فاتَّقوهُ، فإنَّ اللهَ تعالَى يقولُ فِي سورةِ النورِ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إخوةَ الإيمانِ لقدْ جعلَ اللهُ تعالَى التوبةَ مِنْ كلِّ الذنوبِ مِنْ أسبابِ الفلاحِ فِي الدنيا والآخرةِ، وإنَّ كثرةَ المعاصي دليلٌ على الخسرانِ المبينِ فِي الدارينِ، أخي المؤمنَ هلَّا هيّأتَ الزادَ ليومِ المعادِ؟ هلَّا تزوّدتَ مِنْ هذهِ الدنيا الزائلةِ الفانيةِ للآخرةِ الباقيةِ؟ فألزِمْ نفسَكَ طاعةَ ربِّكَ، واجتنبْ مَا حرَّمَهُ عليكَ، واستَعِذْ باللهِ مِنْ قَلبٍ لَا يَخْشَعُ، ومِنْ عينٍ لا تَدْمَعُ، وَمِن نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، واستَعِذْ باللهِ مِنَ المحرّماتِ، منَ المعاصي، واعلَمْ أنَّ المعاصيَ لها شُؤمٌ والعياذُ باللهِ. 

عبادَ اللهِ: إنَّ مِنَ المعاصي التي انتشرَتْ وشاعَتْ في مجتمعاتِنا فِي هذهِ الأيامِ ونجدُ شؤمَها بينَ الناسِ التصرفَ فِي الأموالِ العامةِ والخاصةِ بالباطلِ والغِشَّ فِي المعاملاتِ الماليةِ وإنَّها واللهِ مَهْلَكَةٌ عظيمةٌ، فقدْ روَى البخاريُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ ‌رِجَالًا ‌يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فمِنْ هنا يُعلَمُ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جعلَ التعديَ علَى أموالِ الناسِ وأكلَها دونَ وجهِ حقٍّ مِنَ المحرماتِ المنهيِّ عنهَا، وَبِالمُقَابِلِ جَعَلَ اللهُ لِمَنْ يَتَعَامَلُ بِالأَمْوَالِ مَعَ النَّاسِ بِأَمَانَةٍ مَكَانَةً عَظِيمَةً لَا يُدْرِكُهَا أَيُّ شَخْصٍ فَقَدْ رَوَى التِّرمِذِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «‌التَّاجِرُ ‌الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ»، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَجْلِ مَا يَلْقَاهُ مِنْ مُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ وَهَوَاهُ وَقَهْرِهَا عَلَى إِجْرَاءِ الْعُقُودِ عَلَى الطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ. ففي الحديثِ بِشَارَةٌ لِمَنْ تَعَاطَى التِّجَارَةَ وَاتَّقَى اللَّهَ بِتَجَنُّبِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْغِشِّ وَالْتَزَمَ الصِّدْقَ فِي وَصْفِهِ لِبِضَاعَتِهِ وَسِلْعَتِهِ بِأَنَّهُ مِنَ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذَابِ الأَلِيمِ، فَالتَّاجِرُ الصَّدُوقُ إِخوَةَ الإِيمَانِ لَهُ مَرتَبَةٌ عَالِيَةٌ رَفِيعَةٌ فِي الإِسلَامِ، وَهَذِهِ دَعوَةٌ لِكُلِّ التُجَّارِ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ فِي تِجَارَاتِهِم وَفِي أَموَالِ النَّاسِ، وَلَنَا فِي بَعضِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ مِثَالٌ يُقتَدَى بِهِ، فَهَذَا عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ وَهَذَا عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ وَغَيرُهُمْ مِمَّنِ اتَّقُوا اللهَ فَبَارَكَ اللهُ لَهُمْ بِأَموَالِهِم.

عبادَ اللهِ: لَقدْ حرَّمَ الشرعُ الغِشَّ فِي المعاملاتِ الماليةِ كالبيعِ والشراءِ فقدْ روَى مسلمٌ فِي صحيحِه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مرَّ عَلى بائعٍ يبيعُ طعامًا، فَأدْخَلَ يدهُ في الطعامِ، فَنالَتْ أصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: مَا هَذَا يا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ أصَابتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ (أي نزلَ عليهِ المطرُ) قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتِّى يَراهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (أَيْ لَيسَ عَلَى طَرِيقَتِنَا الكَامِلَةِ)، فمَنْ أخذَ مالَ امرئٍ مسلمٍ بأيِّ معاملةٍ حرَّمَها الشرعُ فقدْ خالَفَ أَمْرَ اللهِ وأَمْرَ نبيِّهِ الكريمِ ﷺ.

إخوةَ الإيمانِ وَإنَّ مِنْ صورِ المحرماتِ التي أهلَكَتْ كثيرًا مِنَ الناسِ أيضًا في هذهِ الأيامِ الاحتكارَ، فإنه يَحْرُمُ أَنْ يَشْتَرِىَ الإِنْسَانُ الطَّعَامَ أَيِ الْقُوتَ أَيْ مَا يَعِيشُ بِهِ الناسُ حَتَّى لَو كانَ تَمْرًا أَو زَبِيبًا وَنَحْوَهُمَا وَقْتَ الْغَلاءِ وَالْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِيَحْبِسَهُ وَيَبِيعَهُ بِأَغْلَى مِنْ ذَلِكَ أَي بِثَمَنٍ زَائِدٍ عِنْدَ اشْتِدَادِ حَاجَةِ أَهْلِ بلدٍ إِلَيْهِ لِأَنَّ النَّاسَ يَنْضَرُّونَ، هُمْ يَحْتَاجُونَ لِهَذَا الطَّعَامِ وَهُوَ يَقْطَعُ عَنْهُمْ حَاجَاتِهِمْ، وَهَذَا يُسَمَّى الِاحْتِكَارَ، فليتَّقِ اللهَ كلٌّ منَّا فقدْ رَوَى مسلمٌ عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال: «‌لَا ‌يَحْتَكِرُ ‌إِلَّا خَاطِئٌ». 

نسأل الله أن يغْفِرَ لَنَا وَيَرحَمَنَا وَيَعْفُوَ عَنَّا إِنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. هذا وأسْتَغْفِرُ الله لي ولَكُم.

الخطبةُ الثانيةُ

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسنَا ومِنْ سيئاتِ أعمالنَا وأصلي وأسلمُ على سيدِنَا محمدٍ وءالِهِ وصحبِهِ عبادَ اللهِ أوصيكمْ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ وطاعتِهِ وأحذِّرُكُم ونفسيَ مِنْ عصيانِهِ ومخالفةِ أمرِهِ: أمَّا بعدُ: إخوةَ الإيمانِ: توبوا إلى اللهِ واعزِموا في قلوبِكم أنَّكمْ لَا ترجعونَ إلى معصيتِهِ مِنْ قبلِ الفواتِ فإنَّ الموتَ يأتي بغتَةً استعدُّوا ليومِ القيامةِ.. ليومِ التغابنِ.. ليومِ الحاقةِ… ليومِ الطامةِ… ليومِ الصيحةِ… ليومِ الزلزلةِ… ليومِ القارعةِ.. ليومٍ تُنسَفُ فيهِ الجبالُ وتُسَجَّرُ فيهِ البحارُ.. اذكروا ذلكَ اليومَ… يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لنَفْسٍ شيئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للهِ، يا اللهُ ارحمنَا يا رحيمُ تبْ علينَا واستُرْ عيوبَنَا وسامحنَا يا اللهُ عفوَكَ يا اللهُ.

عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ قد أمرَكُم بأمرٍ عظيمٍ أمرَكُم بالصلاةِ على نبيِّه الكريم فقالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لبَّيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنَّكَ حميدٌ مجيد.

اللهم اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات. اللهم اجعَلْنا مِنَ البارِّينَ بوالدِينا الواصِلينَ لأرحامِنا. اللهم احفظ بلادنا ورجالها ونساءها وأطفالها يا رب العالمين، اللهم فرِّجِ الكربَ عنِ الأقصى يا ربَّ العالمين. اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمِنًا مطمئِنًّا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمين. اللهم وفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِما فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمين. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغيِ يعظُكُم لعلَّكُم تذكَّرون وأقِمِ الصلاة.