بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
ما هو الحكم الشرعي للتشاغل عن صلاة الجمعة ببيع أو نحوه عند اقتراب وقتها؟
الجواب
قَد وَرَدَ الشَّرعُ الحَنِيفُ بِفَضلِ صَلَاةِ الجُمُعَةِ وَخُصُوصًا فَضلِ التَّبكِيرِ إِلَيهَا مِن أَوَّلِ يَومِ الجُمُعَةِ بَعدَ الفَجرِ، فَهُوَ مِنَ السُّنَنِ المُؤَكَّدَةِ لِمُرِيدِ الجُمُعَةِ، فَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن تَوَضَّأَ فَأَحسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الجُمعَةَ (أَي لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ) فَاستَمَعَ وَأَنصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَينَهُ وَبَين الجُمُعَةِ وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ».
وَرَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَومُ الجُمُعَةِ وَقَفَتِ المَلائِكَةُ عَلَى بَابِ المَسجِدِ يَكتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهدِي (يَذبَحُ) بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهدِي بَقَرَةً ثُمَّ كَبشًا ثُمَّ دَجَاجَةً ثُمَّ بَيضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوا صُحُفَهُم وَيَستَمِعُونَ الذِّكرَ».
بِجَانِبِ هَذَا الفَضلِ الوَارِدِ لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ وَالتَّبكِيرِ إِلَيهَا يَحرُمُ أَيضًا البَيعُ وَالشِّرَاءُ وَنَحوُ ذَلِكَ مِنَ التَّشَاغُلِ المُؤَخِّرِ عَن صَلَاةِ الجُمُعَةِ بَعدَ الأَذَانِ الثَّانِي، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا إِلَىٰ ذِكرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيعَ ذَٰلِكُم خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلَمُونَ﴾، [سورة الجمعة: 9]، أَيِ اترُكُوا البَيعَ وَانشَغِلُوا بِالصَّلَاةِ، وَسَنَذكُرُ فِي هَذَا المَقَالِ الحُكمَ بِالتَّفصِيلِ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
حكم الانشغال عن صلاة الجمعة بالبيع والتجارة
يَحرُمُ عَلَى مَن تَلزَمُهُ الجُمُعَةُ التَّشَاغُلُ عَنهَا بِبَيعٍ وَنَحوِهِ مِن عُقُودٍ وَصَنَائِعَ وَغَيرِهَا مِمَّا فِيهِ تَشَاغُلٌ عَنِ السَّعيِ إِلَى الجُمُعَةِ، كَالإِجَارَةِ، وَكَأَن يَهَبَهُ مَالًا لِيَهَبَهُ فِي مُقَابِلِهِ غَرَضًا بَعدَ الأَذَانِ الثَّانِي، أَمَّا التَّشَاغُلُ بَينَ الأَذَانِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي فَهُوَ مَكرُوهٌ وَلَيسَ حَرَامًا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا إِلَىٰ ذِكرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيعَ ذَٰلِكُم خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلَمُونَ﴾، [سورة الجمعة: 9]، أَيِ اُترُكُوا البَيعَ وَانشَغِلُوا بِصَلَاةِ الجُمُعَةِ، وَالأَمرُ لِلوُجُوبِ فَيَحرُمُ الفِعلُ، وَقِيسَ بِالبَيعِ غَيرُهُ مِمَّا ذُكِرَ.
وَالحُرمَةُ المَذكُورَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي حَقِّ مَن جَلَسَ لَهُ فِي غَيرِ المَسجِدِ، أَمَّا إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ فَقَامَ قَاصِدًا الجُمُعَةَ فَبَاعَ فِي طَرِيقِهِ أَو قَعَدَ فِي الجَامِعِ وَبَاعَ فَلَا يَحرُمُ، لَكِنَّ البَيعَ فِي المَسجِدِ مَكرُوهٌ، وَكَذَلِكَ لَو رَكِبَ الشَّخصُ سَيَّارَةَ الأُجرَةِ لِلذَّهَابِ لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ يَجُوزُ، لِأَنَّ هَذَا لَيسَ فِيهِ تَشَاغُلٌ عَنهَا، بَل هُوَ مِنَ السَّعيِ لَهَا.
وَلَو تَبَايَعَ اثنَانِ أَحَدُهُمَا تَلزَمُهُ الجُمُعَةُ دُونَ الآخَرِ، كَامرَأَةٍ تَبِيعُ فِي دُكَّانٍ بَاعَت رَجُلًا تَلزَمُهُ الجُمُعَةُ، أَثِمَ الَّذِي لَا تَلزَمُهُ الجُمُعَةُ أَيضًا وَهُوَ المَرأَةُ فِي هَذَا المِثَالِ، لِأَنَّ المَرأَةَ أَعَانَتِ الرَّجُلَ عَلَى الحَرَامِ، وَقِيلَ لَا يَحرُمُ لَكِن يُكرَهُ، أَمَّا لَو تَبَايَعَ اثنَانِ لَا تَلزَمُهُمَا الجُمُعَةُ كَامرَأَتَينِ لَم يَحرُم وَلَم يُكرَه.
هل البيع في وقت صلاة الجمعة صحيح شرعا؟
إِذَا تَشَاغَلَ مَن تَلزَمُهُ الجُمُعَةُ عَنِ الجُمُعَةِ بِبَيعٍ أَو عَقدٍ غَيرِهِ فَحُكمُ هَذَا البَيعِ أَنَّهُ حَرَامٌ وَلَكِنَّهُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ أَي يَنتَقِلُ بِهِ المِلكُ، لِأَنَّ المَنعَ مِنهُ لِمَعنًى خَارِجٍ عَنهُ وَهُوَ التَّشَاغُلُ لَا لِنَفسِ البَيعِ.
ما الفرق بين صحة البيع وحرمته؟
إِذَا قَالَ السَّادَةُ الشَّافِعِيَّةُ: (لَم يَصِحَّ البَيعُ)، فَالمَعنَى أَنَّ المُعَامَلَةَ فَاسِدَةٌ، فَالبَيعُ حَرَامٌ وَالعَقدُ لَم يَنعَقِد، فَإِذَا بَاعَ شَخصٌ سَيَّارَتَهُ بِعَقدٍ فَاسِدٍ (بِأَن دَخَلَ شَرطٌ فَاسِدٌ مَثَلًا) فَإِنَّ البَيعَ لَم يَصِحَّ وَالمَالَ الَّذِي أَخَذَهُ مُقَابِلَ البَيعِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ وَيَجِبُ رَدُّهُ إِلَى مَن دَفَعَهُ.
أَمَّا إِذَا قَالُوا: (صَحَّ البَيعُ لَكِن مَعَ الحُرمَةِ)، فَهَذَا يَعنِي أَنَّ المَالَ دَخَلَ فِي مِلكِ البَائِعِ وَالمَبِيعَ دَخَلَ فِي مِلكِ المُشتَرِي وَيَجُوزُ لَهُمَا التَّصَرُّفُ فِيهِ، لَكِن يَتَحَمَّلَانِ أَو أَحَدُهُمَا مَعصِيَةً بِسَبَبِ هَذَا البَيعِ، فَمَثَلًا: فِي مَسأَلَتِنَا، البَيعُ بَعدَ الأَذَانِ الثَّانِي يَومَ الجُمُعَةِ حَرَامٌ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَذَرُوا البَيعَ﴾، لَكِنَّهُ صَحِيحٌ، بِمَعنَى أَنَّ المَالَ يَدخُلُ فِي مِلكِ البَائِعِ وَالمَبِيعَ يَدخُلُ فِي مِلكِ المُشتَرِي، لَكِن يَتَحَمَّلَانِ أَو أَحَدُهُمَا مَعصِيَةً بِسَبَبِ التَّشَاغُلِ عَنِ الجُمُعَةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا.
نصائح مهمة في الذهاب لصلاة الجمعة: المشي والسكينة
يُسَنُّ الذَّهَابُ إِلَى الجُمُعَةِ مِن طَرِيقٍ طَوِيلٍ مَاشِيًا بِسَكِينَةٍ لَا رَاكِبًا إلَيهَا، وَيُسَنُّ الرُّجُوعُ مِن طَرِيقٍ آخَرَ قَصِيرٍ مَاشِيًا أَو رَاكِبًا، كَمَا فِي العِيدِ فِي الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ.
وَقَد كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يَفعَلُ ذَلِكَ كَمَا وَرَدَ فِي خَبَرٍ رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ، وَرَوَى الشَّيخَانِ عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَتَيتُمُ الصَّلَاةَ فَلَا تَأتُوهَا وَأَنتُم تَسعَونَ (أَي تُسرِعُونَ) وَأتُوهَا وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ».
وَهَذَا هُوَ المُرَادِ مِن قَوله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا إِلَىٰ ذِكرِ اللَّهِ﴾، [سورة الجمعة: 9]، أَيِ امضُوا إِلَيهَا بِتَركِ كُلِّ مَا يَشغَلُ عَنِ الجُمُعَةِ فَورًا وَالذَّهَابِ إِلَيهَا وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، وَلَيسَ المُرَادُ الإِسرَاعَ وَالرُّكُوبَ فِي المَشيِ، فَهُنَاكَ فَرقٌ بَينَ أَن يُسرِعَ إِلَى الجُمُعَةِ بِجَسَدِهِ بِرُكُوبٍ أَو رَكضٍ (وَلَيسَ هَذَا هُوَ المُرَادَ مِنَ الآيَةِ) وَبَينَ الإِسرَاعِ إِلَى تَركِ التَّشَاغُلِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَى الصَّلَاةِ (وَهَذَا هُوَ مَقصُودُ الآيَةِ)، فَلَا يَتَعَارَضُ قَولُهُ ﷺ: «فَلَا تَأتُوهَا وَأَنتُم تَسعَونَ» مَعَ قَولِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الآيَةِ: ﴿فَاسعَوا إِلَىٰ ذِكرِ اللَّهِ﴾.
أَمَّا لَو تَرَكَ التَّبكِيرَ إِلَى صَلَاةِ الجُمُعَةِ أَوِ رَكِبَ وَتَرَكَ المَشيَ إِلَيهَا لِعُذرٍ فِي الحَالَتَينِ، كَأَن يَشُقَّ عَلَيهِ البُكُورُ أَوِ الذَّهَابُ مِن طَرِيقٍ طَوِيلٍ أَوِ المَشيُ أَو يَضِيقَ الوَقتُ فَالأَولَى تَركُ ذَلِكَ وَالرُّكُوبُ وَالإِسرَاعُ، وَقَالَ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: يَجِبُ الإِسرَاعُ إذَا لَم تُدرَكِ الجُمُعَةُ إلَّا بِهِ.
الخاتمة
أَخِي المُسلِمَ: بَعدَ هَذَا الفَضلِ المَذكُورِ فِي التَّبكِيرِ إِلَى الجُمُعَةِ وَبَعدَ أَن عَرَفتَ حُكمَ التَّشَاغُلِ عَنهَا احرِص أَخِي المُسلِمَ عَلَى أَن تُبَكِّرَ قَدرَ مَا تَستَطِيعُ إِلَى الصَّلَاةِ مِن أَوَّلِ اليَومِ، وَاحرِص عَلَى أَن تَتَبَّعَ كُلَّ السُّنَنِ وَالفَضَائِلِ الوَارِدَةِ يَومَ الجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَومُ عِيدٍ وَعِبَادَةٍ لِلمُسلِمِينَ، وَلَا تَفتَح دُكَّانَكَ أَو غَيرَهُ وَقتَ الصَّلَاةِ فَالآخِرَةَ خَيرٌ مِنَ التِّجَارَةِ وَخَيرٌ مِن بَعضِ الدَّنَانِيرِ الَّتِي سَتَكسَبُهَا فِي هَذَا الوَقتِ القَصِيرِ، وَعَذَابُ اللهِ تَعَالَى لِلعَاصِي شَدِيدٌ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ.
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
- فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- المَجمُوعِ شَرحِ المُهَذَّبِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- رَوضَةِ الطَّالِبِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.