الخطبة الأولى
الحمد لله فالقِ الحبِّ والنوى، وخالقِ العبدِ وما نوى، المُطَّلِعِ على باطنِ الضميرِ وما حوى، بمشيئتِه رشَدَ من رَشدَ وغَوى من غَوى، وبإرادَتِهِ فَسَد من فَسَد واستَوى من استَوى، صرَفَ من شاءَ إلى الهدى ومن شاءَ إلى الهَوَى أحمدُهُ تعالى على صرفِ الهَمِّ والجَوَى. وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهد أن سيدَنا وحبيبَنا محمدًا عبدُه ورسولُه ﷺ، من هاجرَ من مكّةَ إلى المدينةِ منفّذًا لأمرِ ربّهِ لا سوى ، اللهم صلِّ وسلم وأنعمْ وأكرمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه عددَ ما عَطِشَ إنسانٌ وارتَوَى. عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ”. وضع نُصْبَ عينيكَ أخي المسلم قولَ اللهِ تعالى:”أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى”(العلق:14).
إخوةَ الإيمانِ والإسلام: في السنةِ الثالثةَ عشرَةَ من البعثةِ؛ حيث كان عمرُه ﷺ ثلاثًا وخمسينَ سنة، وبعدَ أن مكثَ ﷺ في مكةَ المكرمةِ ثلاثَ عشرةَ سنة يدعو إلى دينِ اللهِ ودين الأنبياء جميعِهم الإسلام، أي قبلَ ألفٍ وأربعمِائة وأربعٍ وأربعين سنةً تقريبا، أمرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّه مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بالهجرةِ من مكةَ المكرمة إلى المدينةِ المنورةِ.
فقد نزل الوحيُ إخوة الإيمانِ على النبيِّ ﷺ وقد عمّ الكفرُ وانتشر، فقام ﷺ يدعو إلى توحيدِ اللهِ تعالى، وأن اللهَ تعالى خالقُ كلِّ شيء، وأنه سبحانه وتعالى لا يُشبِهُ شيئا، وقام صلى اللهُ عليه وسلم بنشرِ الهدى والخير، وقام عليه الصلاةُ والسلام يأمرُ بالمعروفِ وينهى عن المنكرِ، وقام ﷺ يدعو إلى الجنةِ وإلى مكارمِ الأخلاقِ، وإلى التواضعِ والأمانةِ والصدقِ وإلى احترامِ الكبيرِ ورحمةِ الصغيرِ، وإلى أن تعاملَ الخالةُ بمنزلةِ الأمِّ()، وأن يعاملَ الأخُ الكبيرُ بمنزلةِ الأب()، وغيرِ ذلك من مكارمِ الأخلاقِ ومحاسِنِها، ولكنَّ الشيطانَ والكافرينَ من أتباعِهِ لا يعجبهم ذلك، فلما بدأ دين الإسلامِ بالانتشارِ قاموا بالتآمرِ على رسولِ اللهِ ﷺ ومحاربتِه والكيدِ له لقتلِه، ولكنّه ﷺ مؤيدٌ من اللهِ محفوظٌ، لكنّه ﷺ قوتُه على الحقِّ وثباتُه على الحقِّ أثبتُ من الجبالِ الراسيةِ، فكانت النتيجةُ تحمّلَ الصعابِ والمشقّات، فينزلُ أمينُ اللهِ على الوحيِ جبريلُ عليه السلام ويخبرُ النبيَّ ﷺ أن الكفارَ اجتمعوا على قتلِهِ ويخبرُه بأن اللهَ تعالى يأمرُهُ وأصحابَه أن يهاجروا من مكةَ إلى المدينةِ المنورة، وأن لا يبيتَ تلك الليلةَ على فراشِهِ، فأمرَ النبيُّ ﷺ سيدَنا عليا رضي الله عنه أن يبيتَ في فراشِهِ وأن يتسجّى ببردِهِ الأخضر، وأنه لن يصِلَ إليه شيءٌ يكرهه، فنام البطلُ الشجاعُ سيدُنا عليٌّ رضي الله عنه في فراشِ النبيِّ ﷺ، وخرج رسولُ اللهِ ﷺ عليهم وأخذ حَفْنةَ ترابٍ، فلم يرَوْهُ، فجعل ينثُرُ ذلك الترابَ على رؤوسِهم، وهو يتلو سورةَ يس إلى قولِه تعالى: “وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ”(9) وذلك تنفيذا لأمرِ اللهِ تعالى لا غير، ولم تكن جُبنًا ولا هروبًا؛ فقد أوتي ﷺ قوة أربعين رجلًا من الأشدّاء()، فنفّذ أمرَ اللهِ تعالى بالخروجِ من أحبّ البلادِ إليه مكةَ وطنِه، فخرجَ وصاحبُه أبو بكر رضي الله عنه معه، فلما وصلا إلى غارِ ثَورٍ قال الصِّدِّيقُ أبو بكرٍ رضي الله عنه : واللهِ لا تدخلُهُ حتى أدْخلَه قبلكَ، فإن كان فيه شيءٌ أصابني دُونَكَ ، فدخلَ فوجدَ في جانبِه ثُقوبًا ، فَشَقَّ إِزارَه، وسدَّها به، فبقيَ منها اثنان ، فسدّهما برِجْليه ، ثم دخلَ النبيُّ ﷺ، وَوَضع رأْسه في حِجره ونام ، فلُدِغَ أبو بكر في رِجْله من الجُحر، ولم يتحرَّكْ مخافةَ أن ينتبه النبيُّ ﷺ، ثم بكى فسقطت دُمُوعُه على وجهِ النبيِّ ﷺ، فقال : ما لك يا أبا بكر؟ قال: لُدِغتُ فِداك، فمسح ﷺ له بِرِيقِهِ الطَّاهِرِ فَشُفِيَ بإذنِ اللهِ تعالى(). وقد كان الكفارُ عندئذٍ وصلوا إلى الغارِ، فقال سيدُنا أبو بكرٍ رضي الله عنه لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا، فَقَالَ رسول الله: “مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا”() ومعنى “ثالثُهما” أي بالنصرِ والمعونةِ والحفظِ والتسديدِ. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: “إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”(سورةالتوبة:40).وانتبه جيدا أخي المسلم لقولِهِ تعالى:” إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ” فالمراد به سيدُنا أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه بإجماعِ العلماءِ، وقولِه تعالى:” إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا”معناهُ كما أوّله الإمامُ البخاريُّ في صحيحه أي ناصرنا، فلا شكَّ أن سيدَنا أبا بكرٍ الصديق منصورٌ ومؤيدٌ ومحفوظٌ من اللهِ تعالى بنصّ القرءانِ الكريمِ رغْمَ أنفِ الحاقدينَ والحاسدين.
إخوة الإسلام: ثم خرج النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ وصاحبُه من الغارِ وسارا حتى وصلا المدينةَ المنورةَ واستبشرَ المسلمونَ بقُدومِ النبيِّ ﷺ حين وصلَ إلى يَثْرِبَ التي سمّاها النبيُّ المدينةَ المنورةَ وءاخى بينَ أهلِها والمهاجرين وسَمّى أهلَها بالأنصارِ لأنهم نصروا دينَ اللهِ تعالى، ثم بنى مسجدَه الشريفَ ومساكنَه فيها، وبه ﷺ انطفأتْ فتنةٌ عظيمةٌ كانت بين قبيلتي الأوسِ والخزْرجِ بيثربَ بعد أن دامتْ سنوات، فصارَ المسلمون على قلبِ رجلٍ واحدٍ لا يُفرِّقُ بينهم طَمعٌ ولا دنيا ولا يباعدُهم حسدٌ ولا ضغينةٌ حتى غدَوا كالبنيانِ المرصوصِ يشدُّ بعضُهم بعضًا، وقد نصر اللهُ نبيَّه وأيّدَهُ وكان وعدَ اللهِ حقًا، فهو القائلُ عزَّ وجل: “إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ” (سورة غافر:51) نسألُ اللهَ تعالى أن يوحدَ كلمةَ المسلمين على الحقِّ وأن ينصرَنا على من عادانا، إنه على كلِّ شيءٍ قديرُ وبعبادِهِ لطيف خبير، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: فإنَّ الهجرةَ ليست قصّةً نسمعُها وحسب؛ بل فيها من العبرِ لنا ما فيها، ولا شكّ أن المؤمنَ يتمنى لو كان في زمنِهِ صلى الله عليه وسلم لينفّذَ أمرَ اللهِ تعالى فيهاجرَ من مكةَ إلى المدينةِ، ولكن يا أخي المسلم روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن السيدةِ الطاهرةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَ:“لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ” أي بعد فتح مكةَ، ولكن يجبُ عليك أخي المسلمَ أن تهاجرَ من ذلِّ الذُّنوبِ والمعاصِي إلى عزِّ الحسناتِ والطاعة ، فقد قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: “المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدهِ والمُهاجِرُ مَن هَجرَ ما نَهى اللهُ عنه” رواهُ البُخاريُّ. نسألُ اللهَ تعالى أن يغفرَ لنا ذنوبَنا، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:“إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ،اللهم ثبت أقدامَنا على الصراط المستقيم يوم تَزِلُّ الأقدامُ في النار، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.