الحَمدُ للَّهِ الَّذِي أَحكَمَ بِحِكمَتِهِ مَا فَطَرَ وَبَنَى، وَأَمَرَنَا بِطَاعَتِهِ لَا لِحَاجَةٍ بَل لَنَا، يَغفِرُ الخَطَايَا لِمَن أَسَاءَ وَجَنَا، وَيُجزِلُ العَطَايَا لِمَن كَانَ مُحسِنًا، بَيَّنَ لِقَاصِدِيهِ سَبِيلًا وَسُنَنًا، وَوَهَبَ لِعَابِدِيهِ جَزِيلًا يُقتَنَى، وَأَثَابَ حَامِدِيهِ أَلَذَّ مَا يُجتَنَى، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنَا﴾، أَحمَدُهُ مُسِرًّا لِلحَمدِ وَمُعلِنًا، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي أَسَّسَ قَوَاعِدَ الدِّينِ وَبَنَى، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ المُتَخَلِّلِ بِالعَبَا رَاضِيًا بِالعَنَا، وَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ بِقَولِ اللهِ ﴿ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾، وَعَلَى عُمَرَ المُجِدِّ فِي عِمَارَةِ الإِسلَامِ فَمَا وَنَى، وَعَلَى عُثمَانَ الصَّابِرِ فَنَالَ الجَنَّةَ ثَمَنًا، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي إِذَا مَدَحنَاهُ فَالفَخرُ لَنَا، أَمَّا بَعدُ:
حالُ الناسِ عندَ البعثةِ النبويةِ:
كانَ الناسُ قبلَ بعثةِ رسولِ اللهِ ﷺ في جاهليةٍ وشرٍّ وكانوا يعبدونَ أصنامًا همْ عمِلُوهَا وكانوا علَى الأخلاقِ الذميمةِ ولمْ يكنْ على وجهِ الأرضِ حينَ بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ مسلمٌ غيرُهُ، فأرسَلَهُ اللهُ للناسِ كافةً وأيدَهُ بالمعجزاتِ ليقيمَ الاعوجاجَ ويصلِحَ الفسادَ ويدعوَ إلَى عبادةِ اللهِ وحدَهُ ونبذِ عبادةِ الأصنامِ، ودعَا ﷺ إلى توحيدِ اللهِ وتنزيهِهِ عنْ مشابَهَةِ المخلوقاتِ فَعَلَّمَ التوحيدَ وعلَّمَ التنزيهَ وأنَّ اللهَ منزهٌ عنِ الجهةِ والمكانِ والصورةِ والهيئةِ والأعضاءِ والجسميةِ، وأنَّهُ سبحانَهُ يصطفي مِنْ عبادِهِ مَنْ يشاءُ مِنَ الرسلِ والنبيينَ فيرسِلُهُمْ إلَى الناسِ يبلغونَهُمْ ويبشرونَهُمْ وينذرونَهُمْ، وقدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنَ الكفرِ والكبائِرِ وصغائرِ الخسةِ والرذائلِ والسفاهاتِ.
فعندَمَا بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ أُمِرَ بالتبليغِ ولَا قتالَ بالسيفِ فِي أولِ الأمرِ فكانَ يدعو إلَى اللهِ جهرًا ويمرُّ بينَ العربِ المشركينَ حينَ كانُوا يجتمعونَ فِي الموسمِ مِنْ نواحٍ مختلفةٍ ويقولُ لَهُم: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُوْلُوْا لَا إلهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوْا)) ودعَا ﷺ إلَى العدلِ والإحسانِ ومكارمِ الأخلاقِ ونَهَى عنِ المنكرِ والبغيِ وقدْ دخلَ فِي الإسلامِ قومٌ خَلَصَتْ قلوبُهُمْ مِنْ أدرانِ التقليدِ الجاهليِّ والعصبيةِ النتنةِ وصَفَتْ نفوسُهُمْ لِمَا يدعوهُمْ إليهِ رسولُ اللهِ ﷺ فَعَضُّوا علَى مَا دعَاهُمْ إليهِ بالنواجذِ وثَبَتُوا علَى التوحيدِ وطريقِ الحقِّ. وبقيَ علَى الكفرِ أكثرُ الناسِ وصارُوا يؤذُونَهُ وأصحابَهُ فلمَّا اشتدَّ عليهمُ الأذى أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بعضَ أصحابِهِ بالهجرةِ إلَى الحبشةِ وكانَ ﷺ قدْ لَقِيَ فِي الموسمِ نَفَرًا مِنْ أهلِ يثربَ مِنَ الخزرجِ فَدَعَاهُمْ إلَى الإسلامِ فأسلموا ثمَّ ازدادَ عددُهُمْ فِي العامِ التالي فلمَّا انصرفُوا بعثَ معَهُم بعضَ أصحابِهِ ﷺ لتعليمِ مَنْ أسلمَ مِنْ أهلِ يثربَ القرآنَ ودعوةِ مَنْ لمْ يُسْلِمْ منهمْ بعدُ إلَى الإسلامِ فلمَّا كَثُرَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ بيثربَ أمرَ اللهُ المسلمينَ بالهجرةِ إليهَا فهاجروا إليهَا أرسالًا جماعةً بعدَ جماعةٍ كمَا قالَ ﷺ لأصحابِهِ:
((إِنَّ اللهَ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُوْنَ بِهَا)).
ثُمَّ جاءَ أمرُ اللهِ تعالَى لنبيِّهِ ﷺ بالهجرةِ إلَى يثربَ أمرَهُ اللهُ تعالَى بِتَرْكِ مكةَ محلِّ ولادَتِهِ ﷺ التي كانتْ أحبَّ البلادِ إليهِ فامتَثَلَ لأمرِ اللهِ وهاجرَ متحمِّلًا الْمَشَاقَّ فِي سفرِهِ طاعةً للهِ تعالَى لَا خوفًا مِنَ المشركينَ وجبنًا فإنَّهُ ﷺ كانَ أشجعَ الناسِ ولَا يأسًا مِنْ واقعِ الحالِ ولَا حبًّا فِي الشهرةِ والجاهِ والسلطانِ، فقدْ كانَ ﷺ أزهدَ الناسِ فِي هذهِ الدنيَا الفانيةِ.
محاربةُ المشركينَ للنبيِّ ﷺ ولدعوَتِهِ:
منذُ أنْ أُمِرَ النبيُّ ﷺ بالصدعِ بكلمةِ الحقِّ ودعوةِ الناسِ إلَى توحيدِ اللهِ وعبادَتِهِ دونَ سواهُ وقفَتْ جحافِلُ الشركِ والوثنيةِ ضدَّ النبيِّ ﷺ ودعوَتِهِ وأتباعِهِ وعَمِلُوا علَى محاربةِ دعوَتِهِ الإسلاميةِ فأنزلُوا بالمسلمينَ سوءَ العذابِ وأذاقُوْهُمُ التنكيلَ والاضطهادَ فَعَمِلُوا علَى التكذيبِ لَهُم وعلَى التشنيعِ والتقبيحِ والسخريةِ والاستهزاءِ بهمْ وعَمِلُوا علَى التعذيبِ البدنيِّ البشعِ مِنْ إلباسِهِمْ دروعَ الحديدَ وإطفاءِ النارِ فِي أجسادِهِمْ وضربِهِمْ وجلدِهِمْ بالسياطِ وإيقافِهِمْ فِي الشمسِ المحرقةِ وَوَضْعِ الأحجارِ الثقيلةِ علَى صدورِهِمْ وغيرِ ذلكَ مِنْ أنواعِ التعذيبِ والتنكيلِ والمحاربةِ لِمَنْ آمنَ بالنبيِّ ﷺ حتَّى وصلَ الأمرُ إلَى القتلِ والعياذُ باللهِ تعالَى.
مواقفُ وعبرٌ مِنْ هجرةِ بعضِ الصحابةِ:
العبرةُ منْ قصةِ هجرةِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ:
روى ابنُ الأثيرِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قالَ: كانَ إسلامُ عمرَ فتحًا وكانتْ هجرَتُهُ نصرًا وكانتْ إمارَتُهُ رحمةً، ولقدْ رأيْتُنَا ومَا نَسْتَطيعُ أنْ نصليَ فِي البيتِ حتَّى أسلمَ عمرُ فلمَّا أسلمَ عمرُ قاتَلَهُم حتَّى تركونَا فَصَلَّيْنَا.
وروى ابنُ الأثيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: ” مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ هَاجَرَ إِلا مُخْتَفِيًا، إِلا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَإِنَّهُ لَمَّا هَمَّ بِالْهِجْرَةِ تَقَلَّدَ سَيْفَهُ، وَتَنَكَّبَ قَوْسَهُ، وَانْتَضَى فِي يَدِهِ أَسْهُمًا، وَاخْتَصَرَ عَنْزَتَهُ، وَمَضَى قِبَلَ الْكَعْبَةِ، وَالْمَلأُ مِنْ قُرَيْشٍ بِفِنَائِهَا، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا مُتَمَكِّنًا، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ، فَصَلَّى مُتَمَكِّنًا، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى الْحِلْقِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ لَهُمْ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، لا يَرْغَمُ اللهُ إِلا هَذِهِ الْمَعَاطِسَ، مَنْ أَرَادَ أَنْ تَثْكُلَهُ أُمُّهُ، وَيُوتِمَ وَلَدَهُ، وَيُرْمِلَ زَوْجَتَهُ، فَلْيَلْقَنِي وَرَاءَ هَذَا الْوَادِي، قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا تَبِعَهُ أَحَدٌ إِلا قَوْمٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ عَلِمَهُمْ وَأَرْشَدَهُمْ وَمَضَى لِوَجْهِهِ”.
أبو بكرٍ يستأذنُ النبيَّ ﷺ:
روى البخاريُّ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ للمسلمينَ: (إِنِّي أُرِيْتُ دَارَ هجرَتِكُمْ، ذاتَ نخلٍ بينَ لَابَتَيْنِ)، فهاجرَ مَنْ هاجرَ قِبَلَ المدينةِ، ورجعَ عامةُ مَنْ كانَ بأرضِ الحبشةِ إلَى المدينةِ، وتَجَهَّزَ أبو بكرٍ قِبَلَ المدينةِ، فقالَ لهُ ﷺ كمَا فِي البخاريِّ: ((عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي))، فقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: وهلْ ترجو ذلكَ؟ بأبي أنتَ! قالَ: نعمْ، فَحَبَسَ أبو بكرٍ نَفسَهُ علَى رسولِ اللهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ وعَلَفَ راحلتينِ أربعةَ أشهرٍ لِيَخْرُجَا عليهِمَا.
مَا جاءَ فِي قصةِ خروجِ رسولِ اللهِ ﷺ مِنْ مكةَ:
لَمَّا رأتْ قريشٌ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قدْ صارَ لهُ أصحابٌ مِنْ غيرِهِمْ بغيرِ بلدِهِمْ، ورَأَوْا خروجَ أصحابِهِ مِنَ المهاجرينَ إليهِمْ، عَرَفُوا أنَّهُمْ قدْ نَزَلُوا دارًا وأصابُوا جوارًا وَمَنَعَةً، فخافُوا خروجَ رسولِ اللهِ ﷺ، وعرفُوا أنَّهُ قدْ أجمعَ لحربِهِمْ، فاجتَمَعُوا لهُ فِي دارِ النَّدوةِ- وهيَ دارُ قصيِّ بنِ كلابٍ التي كانتْ قريشٌ لَا تقضِي أمرًا إلَّا فيهَا- يَتَشَاوَرُوْنَ فيهَا مَا يَصْنَعُوْنَ فِي أمرِ النبيِّ ﷺ حينَ خافُوْهُ. فاجتمعُوا لذلكَ، وكانَ ذلكَ اليومُ يسمَّى يومَ الزَّحْمَةِ فاعتَرَضَهُمْ إبليسُ لعنَهُ اللهُ فِي هيئةِ شيخٍ نجديٍّ، فَوقَفَ علَى بابِ الدارِ، فلمَّا رَأَوْهُ واقِفًا علَى بابِهَا قالُوا: مَنِ الشّيخُ؟ قالَ: شيخٌ مِنْ أهلِ نجدٍ سمعَ بالذي اجتَمَعْتُمْ لهُ فَحَضَرَ مَعَكُمْ لِيَسْمَعَ مَا تقولونَ وعسَى ألَّا تَعْدَمُوا مِنْهُ رأيًا ولَا نُصْحًا. قالوا: أجلْ فَادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ، وقدِ اجتمعَ فيهَا رجالٌ مِنْ قريشٍ.
فقالَ بعضُهُمْ لبعضٍ: إنَّ هذَا الرجلَ قدْ كانَ مِنْ أمرِهِ مَا قدْ رَأَيْتُمْ، وإنَّا واللهِ مَا نَأْمَنُهُ علَى الوثوبِ علينَا بِمَنْ قدِ اتَّبَعَهُ مِنْ غيرِنَا فَأَجْمِعُوا فيهِ رأيًا. قالَ: فَتَشَاوَرُوا ثمَّ قالَ قائلٌ منهُم: احبسوهُ فِي الحديدِ وأَغْلِقُوا عليهِ بابًا، ثُمَّ تربَّصُوا بهِ مَا أصابَ أشباهَهُ مِنَ الشعراءِ الذينَ كانُوا قبلَهُ ومَنْ مضَى منهُمْ مِنْ هذَا الموتِ حتَّى يصيبَهُ مَا أصابَهُمْ. فقالَ الشيخُ النجديُّ- لعنَهُ اللهُ-: لَا واللهِ مَا هذَا لكمْ برأيٍ، واللهِ لَوْ حَبَسْتُمُوْهُ كمَا تقولونَ لَيَخْرُجَنَّ أمرُهُ مِنْ وراءِ البابِ الذي أَغْلَقْتُمْ دونَهُ إلَى أصحابِهِ، فَلَأَوْشَكُوا أنْ يَثِبُوا عليكُمْ فَيَنْتَزِعُوْهُ مِنْ أيديكُمْ، ثُمَّ يُكَاثِرُوْكُمْ بهِ حتَّى يَغْلِبُوْكُمْ علَى أَمرِكُمْ، مَا هذَا لكمْ برأيٍ فانظُرُوا فِي غيرِهِ، فتَشَاوَرُوا ثمَّ قالَ قائلٌ منهُمْ، نُخْرِجُهُ مِنْ بينِ أَظْهُرِنَا فَنَنْفِيْهِ مِنْ بلادِنَا، فإذَا خرجَ عنَّا فواللهِ مَا نُبَالِي أينَ ذهبَ ولَا حيثُ وقعَ، إذَا غابَ عنَّا وفَرَغْنَا منهُ فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا. فقالَ الشيخُ النَّجديُّ لعنَهُ اللهُ: لَا واللهِ، مَا هذَا لكُمْ برأيٍ، ألمْ تَرَوا حُسْنَ حديثِهِ وحلاوةَ مَنْطِقِهِ وغَلَبَتَهُ قلوبَ الرجالِ بمَا يأتي بهِ؟ واللهِ لوْ فعلتُمْ ذلكَ مَا أَمِنْتُمْ أنْ يَحِلَّ علَى حيٍّ مِنَ العربِ فَيَغْلِبَ عليهِمْ بذلكَ مِنْ قولِهِ وحديثِهِ حتَّى يُتَابِعُوْهُ عليهِ، ثمَّ يسيرَ بهمْ إليكُمْ حتَّى يَطَأَكُمْ بهِمْ فِي بلادِكُمْ، فيأخذَ أمرَكُمْ مِنْ أيديكُمْ، ثمَّ يفعلَ بكُمْ مَا أرادَ، دَبِّرُوا فيهِ رأيًا غيرَ هذَا، فقالَ أبو جهلٍ بنُ هشامٍ لعَنَهُ اللهُ: واللهِ إنَّ لِي فيهِ لرأيًا مَا أراكُمْ وَقَعْتُمْ عليهِ بعدُ. قالُوا: ومَا هوَ يَا أبَا الحكمِ؟ قالَ: أرَى أنْ تأخذُوا مِنْ كلِّ قبيلةٍ فتًى شابًّا جَلْدًا نَسِيْبًا وَسِيْطًا، ثمَّ نعطي كلَّ فتًى منهُمْ سيفًا صارمًا، ثمَّ يَعْمَدُوا إليهِ بِأَجْمَعِهِمْ فيضرِبُوهُ بهَا ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فَيَقْتُلُوهُ فنستريحَ منهُ، فإنَّهم إنْ فعلُوا ذلكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي القبائلِ جميعًا، فَلَمْ يَقْدِرْ بنو عبدِ منافٍ علَى حربِ قومِهِمْ جميعًا، فَرَضُوا مِنَّا بالعَقْلِ فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ. فقالَ الشيخُ النجديُّ أخزاهُ اللهُ: القولُ مَا قالَ الرجلُ، هذَا الرأيُّ لَا أرَى غيرَهُ. وتفرَّقَ القومُ علَى ذلكَ وهُمْ مُجْمِعُوْنَ لهُ. فأتَى جبريلُ رسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: لَا تَبِتْ هذِهِ الليلةَ علَى فِرَاشِكَ الذي كنتَ تَبِيْتُ عليهِ، وأَخْبَرَهُ بِمَكْرِ القومِ وإِذْنِ اللهِ تعالَى لهُ بالخروجِ. فلمَّا كانتِ العتمةُ مِنَ الليلِ اجتَمَعُوا علَى بابِهِ يرصدُونَهُ متَى ينامُ فَيَثِبُوْنَ عليهِ، فلمَّا رأَى رسولُ اللهِ ﷺ مكانَهُمْ قالَ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ: «نَمْ عَلَى فِرَاشِيْ وَتَسَجَّ بِبُرْدِي هَذَا الْحَضْرَمِيِّ الأَخْضَرِ فَنَمْ فِيْهِ فِإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ شَيءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ»، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ ينامُ فِي بردِهِ ذلكَ إذَا نامَ.
فلمَّا اجتمَعُوا قالَ أبو جهلٍ بنُ هشامٍ: إنَّ محمدًا يزعمُ أنَّكُمْ إنْ تابَعْتُمُوهُ علَى أَمْرِهِ كُنْتُمْ ملوكَ العربِ والعجمِ ثمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بعدِ موتِكُمْ، فَجُعِلَتْ لكُمْ جِنَانٌ كجِنَانِ الأردنِّ وإنْ أنتُمْ لمْ تفعَلُوا كانَ فيكُمْ ذبحٌ، ثمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بعدِ موتِكُمْ فَجُعِلَتْ لَكُمْ نارٌ تُحْرَقُوْنَ فيهَا، فَخَرَجَ عليهِمْ رسولُ اللهِ ﷺ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ ترابٍ فِي يدِهِ ثمَّ قالَ: «نَعَمْ أَنَا أَقُوْلُ ذَلِكَ وَأَنْتَ أَحَدُهُمْ»، وأخذَ اللهُ عزَّ وجلَّ عَلَى أبصارِهِمْ عنهُ فلَا يَرَوْنَهُ فجعلَ يَذْرِيْ ذلكَ الترابَ على رؤوسِهِمْ وهوَ يتلو هذهِ الآياتِ: ((يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)) إلَى قولِهِ تعالَى: ((فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)) [يس: 1- 9] فلمْ يَبْقَ منهُمْ رجلٌ إلَّا وقدْ وَضَعَ رسولُ اللهِ ﷺ علَى رأسِهِ ترابًا، ثمَّ انصَرَفَ إلَى حيثُ أرادَ أنْ يَذْهَبَ. فأتَاهُمْ آتٍ مِمَّنْ لمْ يكنْ معهُمْ فقالَ: «مَا تنتظرونَ هَهُنَا»؟ قالوا: «محمدًا»، قالَ: «خَيَّبكُمُ اللهُ، قدْ واللهِ خَرَجَ عليكمْ محمدٌ ثمَّ مَا تركَ منكُمْ رجلًا إلَّا وقدْ وضعَ علَى رأسِهِ ترابًا وانطلقَ لحاجَتِهِ أفمَا ترونَ مَا بكم»؟ قالَ: «فوضعَ كلُّ رجلٍ منهُمْ يَدَهُ علَى رأسِهِ فإذَا عليهِ ترابٌ»، ثمَّ جعلُوا يَتَطَلَّعُونَ فَيَرَوْنَ عليًّا علَى الفراشِ متسجِّيًا بِبُرْدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيقولونَ: واللهِ إنَّ هذَا لِمُحَمَّدٍ. فَلَمْ يزالوا كذلكَ حتَّى أصبحوا. فقامَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ مِنَ الفراشِ، فقالوا: «واللهِ لقدْ صَدَقَنَا الذي كانَ حَدَّثَنَاهُ».
وَفِي ذلكَ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ فِي سورةِ الأنفالِ: ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ))، فأمَّا المكرُ مِنَ الخلقِ فهوَ خبثٌ وخداعٌ لإيصالِ الضررِ إلَى الغيرِ باستعمالِ حيلةٍ وأمَّا مِنَ اللهِ فهوَ غيرُ ذلكَ، إنَّمَا هوَ مجازاةُ الكافرينَ بالعقوبةِ مِنْ حيثُ لَا يدرونَ، وبعبارةٍ أخرَى: إنَّ اللهَ أقوَى فِي إيصالِ الضررِ إلَى الماكرينَ مِنْ كلِّ ماكرٍ جزاءً لَهُم علَى مكرِهِمْ، أمَّا المكرُ بمعنى الاحتيالِ فهوَ مستحيلٌ علَى اللهِ، قالَ القرطبيُّ فِي تفسِيرِهِ: والمكرُ مِنَ اللهِ هوَ جزاؤُهُمْ بالعذابِ علَى مكرِهِمْ مِنْ حيثُ لَا يشعرونَ.
روى البخاريُّ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا قالتْ: فبينَمَا نحنُ يومًا جُلوسٌ فِي بيتِ أبي بكرٍ فيِ نحرِ الظهيرةِ قالَ قائلٌ لأبي بكرٍ هذَا رسولُ اللهِ ﷺ مُتَقَنِّعًاـ فِي ساعةٍ لَمْ يكنْ يأتينَا فيهَاـ فقالَ أبو بكرٍ: فداءٌ لهُ أبي وأمي، واللهِ مَا جاءَ بهِ فِي هذهِ الساعةِ إِلَّا أمرٌ. قالتْ: فجاءَ رسولُ اللهِ ﷺ فاستَأْذَنَ، فأذِنَ لهُ، فدخلَ. فقالَ النبيُّ ﷺ لأبي بكرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ، فقالَ أبو بكرٍ: إنَّمَا همْ أهلُكَ بأبي أنتَ يَا رسولَ اللهِ، قالَ: فإنِّي قدْ أُذِنَ لِي فِي الخروجِ. فقالَ أبو بكرٍ: الصحبةَ بأبي أنتَ يَا رسولَ اللهِ. قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ.
دخولُ النبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ الغارَ:
وفِي حديثٍ عندَ البيهقيِّ فِي حالِ أبِي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ لَمَّا خَرَجَ هوَ ورسولُ اللهِ ﷺ إلَى الغارِ، جعلَ أبو بكرٍ يمشي مرَّةً أمامَ النبيِّ ﷺ، ومرةً خلفَهُ ومرَّةً عنْ يمينِهِ ومرةً عنْ شمالِهِ، فسأَلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ عنْ ذلكَ، فقالَ: «يَا رسولَ اللهِ أذكرُ الرَّصَدَ فأكونُ أمامَكَ وأذكرُ الطَّلَبَ فأكونُ خلفَكَ، ومرةً عنْ يمينِكَ ومرةً عنْ يسارِكَ لآمَنَ عليكَ، فلمَّا انتهينَا إلَى فمِ الغارِ قالَ أبو بكرٍ: والذي بعَثَكَ بالحقِّ لَا تَدْخُلُهُ حتَّى أدخُلَهُ قبلَكَ، فإنْ كانَ فيهِ شيءٌ نزلَ بي قبلَكَ» فدَخَلَهُ فجعلَ يلتَمِسُ بيدِهِ، فجعَلَ كلمَا دخلَ جحرًا قامَ إلَى ثوبِهِ فشقَّهُ ثمَّ أَلْقَمَهُ الجحرَ حتَّى فعلَ ذلكَ بثوبِهِ أجمعَ: فبقيَ جحرٌ فوضعَ عَقِبَيْهِ عليهِ، ثم دخلَ رسولُ اللهِ ﷺ فَجَعَلَتِ الحَيَّاتُ يَلْسَعْنَ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ وجَعَلَتْ دموعُهُ تنحدِرُ.
ولما دخل أبو بكرٍ الغارَ فأصابَ يدَهُ شيءٌ فجعلَ يمسحُ الدمَ عنْ إصبعِهِ ويقولُ:
هلْ أنتِ إلَّا أُصبُعٌ دميتِ … وفِي سبيلِ اللهِ مَا لقيتِ
وروَى ابنُ سعدٍ وأبو نعيمٍ والبيهقيُّ وابنُ عساكرَ عنْ أبي مصعبٍ المكيِّ قالَ: «أدركتُ أنسَ بنَ مالكٍ، وزيدَ بنَ أرقم، والمغيرةَ بنَ شعبةَ يتحدثونَ إنَّ النبيَّ ﷺ ليلةَ الغارِ أمرَ شجرةً فَسَتَرَتْهُ، وبعثَ اللهُ العنكبوتَ فنسجَتْ مَا بَيْنَهُمَا فَسَتَرَتْ وَجْهَ رسولِ اللهِ ﷺ، وأمرَ اللهُ حمامَتَيْنِ وحشيَّتَيْنِ فَوَقَفَتَا فِي فَمِ الغارِ، وأقبلَ فِتْيَانُ قريشٍ مِنْ كلِّ بطنٍ بِعِصِيِّهِمْ وسُيُوْفِهِمْ، حتَّى إذَا كانوا مِنَ النبيِّ ﷺ علَى أربعينَ ذراعًا، جعلَ بعضُهُمْ ينظُرُ فِي الغارِ فَلَمْ يَرَ إلَّا حمامَتَيْنِ وَحشِيَّتَيْنِ بفمِ الغارِ، فرجعَ إلَى أصحابِهِ، فقالوا لهُ: مَا لكَ؟ قالَ: رأيتُ حمامتينِ وحشيتينِ فَعَرَفْتُ أنَّهُ ليسَ فيهِ أحدٌ، فسمعَ النبيُّ ﷺ مَا قالَ، فعرفَ أنَّ اللهَ قدْ دَرَأَ عنهُ بِهِمَا،
وروَى الإمامُ أحمدُ والشيخانِ عنْ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: «قلتُ للنبيِّ ﷺ ونحنُ في الغارِ: لوْ أنَّ أحدَهُمْ نَظَرَ إلَى قَدَمِهِ لأَبْصَرَنَا تحتَ قدمَيْهِ» فقالَ: «مَا ظنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُمَا». معناهُ: ثالِثُهُمَا بالنصرِ والمعونةِ والحفظِ والتسديدِ، وقدْ قالَ تعالَى فِي محكمِ التنـزيلِ: ((إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) {التوبة:40}، فَمَعِيَّةُ اللَّهِ الْمَذْكُورَةُ فِى الْقُرْءَانِ ليستْ معيةً بِالْحِسِّ وَالْجِهَاتِ فقدْ تَأْتِى بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْكِلاءَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّبِيدِىُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ النَّحْلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، وتأتي علَى معنَى الإحاطةِ بالعلمِ فَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ أَىِ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ وَالنُّصْرَةُ وَالْكِلاءَةُ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَعِيَّةِ اللهِ مَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْجِسْمِيَّةِ وَلَيْسَ الْمَعْنِيُّ بِهَا الْحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَىْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْحُلُولُ أَوِ الِاتِّصَالُ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ بِالْمَسَافَةِ.
هَنِيئًا لِهَذَا الغَارِ الَّذِي حَوَى مُحَمَّدًا ﷺ وَصَاحِبَهُ الصِّدِّيقَ أَبَا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ.أَيُّ أَنوَارٍ وَأَيُّ بَرَكَاتٍ وَأَيُّ أَسرَارٍ حَوَاهَا هَذَا الغَارُ تِلكَ اللَّيَالِيَ! هَذَا الغَارُ الَّذِي أَبقَى اللهُ لَهُ ذِكرًا لِحُلُولِ الحَبِيبِ المُصطَفَى فِيهِ، هَذَا الغَارُ الَّذِي شَعَّت الأَنوَارُ مِنهُ فَمَلَأَت أَقَاصِيَ البِلَادِ.
لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا: نِبرَاسُ التَّوَكُّلِ
﴿لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾
نَعَم يَا أَحبَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ، لَا تَحزَن يَا أَبَا بَكرٍ فَاللهُ مَعَنَا أَي يَحفَظُنَا وَيَعلَمُ حَالَنَا وَيَدفَعُ عَنَّا الأَذَى وَيَنصُرُنَا وَيَرفَعُنَا وَلَا يَخذُلُنَا.
كَلِمَةٌ صَارَت نِبرَاسًا فِي اليَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ ثَبَّتَت قَلبَ الصَّاحِبِ الخَائِفِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ، وَهَذِهِ الكَلِمَةُ وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ عَلَى حَبِيبِنَا ﷺ فِي تِلْكَ الأَعْوَامِ وَالسِّنِينَ إِلَّا أَنَّهَا تَصْلُحُ لِكُلِّ مُتَّبِعٍ لِنَهْجِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكُلُّ مَنِ اتَّبَعَ مُحَمَّدًا ﷺ حَقَّ الِاتِّبَاعِ، نَقُولُ لَهُ ﴿لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾، مَنْ كَانَ مُخْلِصًا فِي نَشْرِ الدَّعْوَةِ وَنَصْرِ الدِّينِ نَقُولُ لَهُ: ﴿لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾، مَنْ تَكَالَبَ عَلَيهِ النَّاسُ بِأَذَاهُمْ وَهُوَ عَلَى نَهْجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَقُولُ لَهُ: ﴿لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾، مَنْ كَثُرَتْ عَلَيهِ المَصَائِبُ وَالبَلَايَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى النَّهْجِ نَقُولُ لَهُ: ﴿لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾، فَهَذِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ نَقْرَأُهَا وَنَمُرُّ عَلَيهَا إِنَّمَا هِيَ نِبْرَاسٌ وَشِعَارٌ وَدُرُوسٌ وَكِتَابٌ يُكْتَبُ فِي قُوَّةِ اليَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَحُسْنِ الأَمَلِ مَعَ صِدْقِ العَزِيمَةِ وَصَفَاءِ النِّيَّةِ وَرُسُوخِ العَقِيدَةِ فِي قَلْبِ المُؤمِنِ.
فَطِيبُوا نَفْسًا يَا أَتْبَاعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَا تَحزَنُوا يَا أَحَبْابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاللهُ حَافِظٌ دَعوَةَ نَبِيِّهِ الكَرِيمِ ﷺ. لَا تَحزَنُوا مَهمَا اشتَدَّ البَلَاءُ وَتَدَاعَت الأُمَمُ عَلَى أُمَّةِ حَبِيبِكُم ﷺ فَاللهُ مَعَنَا حَافِظُنَا وَيَعلَمُ أَحوَالَنَا.
قصةُ سراقةَ بنِ مالكٍ:
وقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: «وتَبِعَنَا سراقةُ بنُ مالكٍ ونحنُ فِي جَلَدٍ (أرضٍ صلبةٍ) مِنَ الأرضِ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ هذا الطلبُ قد لَحِقَنَا. قالَ: «لَا تَحزَنْ إِنَّ اللهَ معَنَا». فلمَّا دنَا منَّا وكانَ بينَنَا وبينَهُ قدرُ رمحٍ أوْ رمحينِ أو ثلاثةٍ قلتُ: هذَا الطلبُ قدْ لَحِقَنَا وبَكَيْتُ. قالَ ﷺ: «مَا يُبْكِيْكَ»؟ قلتُ: «أمَا واللهِ مَا علَى نفسي أبكي ولكنِّي أبكي عليكَ». فدعَا عليهِ رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: «اللهم اكْفِنَاهُ بِمَا شئتَ». قالَ: فساخَتْ بهِ فرسُهُ فِي الأرضِ إلَى بطنِهَا فوثَبَ عنهَا، ثمَّ قالَ: يَا محمدُ قدْ عَلِمْتُ أنَّ هذَا عمَلُكَ فادعُ اللهَ أنْ يُنْجيَنِي مِمَّا أنَا فيهِ، فوَاللهِ لأُعْمِيَنَّ علَى مَنْ ورَائِيْ مِنَ الطلبِ، ودعَا لهُ رسولُ اللهِ ﷺ. فانطلقَ راجعًا إلَى أصحابِهِ لَا يَلْقَى أحدًا إلَّا ردَّهُ، وَوَفَى لنَا. قالَ سراقةُ: فخرجتُ وأنَا أحبُّ الناسِ فِي تحصيلِهِمَا ورجعتُ وأنَا أحبُّ النَّاسِ فِي أنْ لَا يعلمَ بهِمَا أحدٌ.
وقال أبو جهل بن هشام فيما يزعمون حين سمع بسراقة بن مالك، وما يذكر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما رأى من أمر الفرس حين أصابه ما أصابه، وتخوف أبو جهل سراقة أن يسلم حين رأى ما رأى فقال:
بني مدلج إني أخاف سفيهكم سراقة مستغو لنصر محمد
عليكم به لا يفرقن جموعكم فتصبح شتى بعد عز وسؤدد
قال سراقة
أبا حكم والله لو كنت شاهدا لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه
عجبت ولم تشكك بأن محمدا نبي ببرهان فمن ذا يقاومه
عليك بكف القوم عنه فإنني أرى امره يوما ستبدو معالمه
بأمر يود الناس فيه باسرهم لو أن جميع الناس طرا تسالمه
رحيلُهُ إلَى المدينةِ:
كانَ المهاجرونَ والأنصارُ يَفِدُوْنَ إلَى قُباءٍ، وهوَ موضعُ بئرٍ على ثلاثةِ أميالٍ مِنَ المدينةِ، ينتظرونَ قدومَ رسولِ اللهِ ﷺ، فلمَّا كانَ يومُ قدومِهِ، نَزَلَهَا بالسَّعْدِ والهَنَاءِ فِي يومِ الاثنينِ لثنتَي عشرةَ ليلةً خَلَتْ مِنْ شهرِ ربيعٍ الأولِ، وجاءَ المسلمونَ يُسَلِّمُوْنَ عليهِ.
وأقامَ المصطفى ﷺ في قُباءٍ مدةً، وأسسَ فيها المسجدَ الذي قالَ اللهُ فيهِ: [لَمَسْجدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى] {التوبة:108}،
وهناكَ في المدينَةِ، هناكَ في طَيْبَةَ يَنْتَظِرُ المؤمنُونَ مِنْ مُهَاجِرينَ وَأَنْصَار بِلَهَفٍ وَشَوْقٍ وصولَ الحبيبِ يَوْمًا بَعْدٍ يومٍ وَيَتَوَافَدُونَ إلَى مَشَارِفِ المدينَةِ من ناحيَةِ طَرِيقِ مَكَّةَ، ينتظرون قدوم رسول الله ﷺ وَبَعْضُهُم يتَسَلَّقُ الأَشجارَ وَيَنْظُرُ إلَى بُعدٍ عَلَّهُ يَرَى أثرًا لِقُدومِ رَسُولِ اللهِ مُحمدٍ ﷺ، وذاتَ يومٍ وَالنَّاسُ فِي انتظارٍ بِلَهَفٍ وَشوقٍ وَقَدِ انتصَفَ النهارُ وَاشْتَدَّ الحرُّ تَوافَدُوا جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ وإذا بِرَجُلٍ يُنَادِي بأَعْلَى صَوْتِه هَا قَدْ جَاءَ مَنْ تَنْتَظِرُونَ يا أهلَ المدينةِ وَتكرُّ الجموعُ عَائِدَةً لاستِقْبَالِ الحبيبِ المصطفى ﷺ وَالْحُبُّ يَسْبِقُها وَلِسَانُ حَالِها يَقولُ:
طلَعَ البَـدْرُ عَلَيْنَـا مِنْ ثَنِيَّـاتِ الوَدَاعِ
وَتَلَقَّى المسلِمُونَ مِنْ أَنْصَارٍ وَمُهَاجِرِينَ رسولَ اللهِ أَحْسَنَ استقبَال، فَخَرَجُوا في الطُّرُقِ وعلى السُّطوحِ مُبْتَهِجِينَ، وَانْتَشَرَ الخَدَمُ وَالصِّبيانُ في الطَّريقِ يَهْتِفونَ “اللهُ أكبر، جَاءَ رسولُ اللهِ ﷺ، جاءَ مُحمد”.
واستبشرَ المسلمونَ بقدومِ النبيِّ ﷺ حينَ وصلَ إلى يثربَ التي سمَّاهَا النبيُّ المدينةَ المنورةَ وءاخَى بينَ أهلِهَا والمهاجرينَ وسمَّى أهلَهَا الأنصارَ لأنَّهُمْ نصرُوا دينَ اللهِ تعالَى، وبهِ انطفأتْ فتنةٌ عظيمةٌ كانتْ بينَ قبيلتَي الأوسِ والخزرجِ بيثربَ بعدَ أنْ دامتْ سنواتٍ فصارَ المسلمونَ علَى قلبِ رجلٍ واحدٍ لَا يفرقُ بينَهُمْ طمعٌ ولَا دنيا ولَا يُبَاعِدُهُمْ حسدٌ ولَا ضغينةٌ حتَّى غَدَوا كالبنيانِ المرصوصِ يشدُّ بعضُهُمْ بعضًا، وقدْ نَصَرَ اللهُ نبيَّهُ ﷺ وأيَّدَهُ وكانَ وعدُ اللهِ حقًا، فهوَ القائلُ عزَّ وجلَّ: [إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] {غافر:51}.
بعضُ القصصِ التي وردتْ معَ بعضِ مَنْ هاجَرَ إلَى المدينةِ المنورةِ:
وأخرجَ البيهقيُّ فِي دلائلِ النبوةِ، فِي بابٍ سمَّاهُ بابَ مَا جاءَ فِي الْمُهَاجِرَةِ إلَى النبيِّ ﷺ التي أحيَا اللهُ تعالَى بِدُعَائِهَا وَلَدَهَا بعدَ مَا مَاتَ: عنْ أنسٍ قالَ: عُدْنَا شابًّا مِنَ الأنصارِ (أي زرناهُ)، وعندَهُ أمٌّ لهُ عجوزٌ عمياءُ، قالَ: فَمَا بَرحْنَا أنْ فاضَ، يعني: ماتَ، ومَدَدْنَا علَى وَجْهِهِ الثوبَ، وقُلْنَا لأمِّهِ: يَا هذهِ احتَسِبِي مُصَابَكِ عندَ اللهِ، قالتْ: « أَمَاتَ ابْنِي ؟» قُلْتُ: نعمْ، قالتْ: « اللهم إنْ كنتَ تعلَمُ أنِّي هاجَرْتُ إليكَ وإلَى نبيِّكَ، رجاءَ أنْ تُعِيْنَنِي عندَ كلِّ شديدةٍ، فَلَا تَحْمِلْ عَلَيَّ هذهِ المصيبةَ اليومَ». قالَ أنسٌ: فواللهِ مَا بَرحَتْ حتَّى كُشِفَ الثوبُ عنْ وجهِهِ وطَعمَ وطَعِمْنَا مَعَهُ.اهـ وأخرجَهُ ابنُ عديٍّ وابنُ أبي الدنيَا وأبو نعيمٍ.
وَرَوَى ابنُ سعدٍ عنْ عثمانَ بنِ القاسمِ أنَّهُ قالَ: لَمَّا هَاجَرْتْ أمُّ أيمنَ، ( مِنْ مكةَ إلَى المدينةِ) أَمْسَتْ بالْمُنْصَرَفِ وَدُونَ الرَّوْحَاءِ، فَعَطِشَتْ، وليسَ مَعَهَا ماءٌ؛ وهيَ صائمةٌ، فَأَجْهَدَهَا العطشُ، فَدُلِّيَ علَيْهَا مِنَ السماءِ دَلْوٌ مِنْ ماءٍ بِرَشَاءٍ أبيضَ (الذي يُتَوَصَّلُ بهِ إلَى الماءِ)، فَأَخَذَتْهُ، فَشَرِبَتْهُ حتَّى ارتوتْ. فكانتْ تقولُ: مَا أصابَنِي بعدَ ذلكَ عطشٌ ولقدْ تَعَرَّضْتُ للعطشِ بالصومِ فِي الهواجرِ، فمَا عَطِشْتُ.
خاتمةٌ:
لـمَّا هاجرَ المصطفَى، طابتْ بهِ طيبةُ، وأضاءَ كلُّ مَا كانَ منهَا أسودُ، منذُ دَخَلَهَا، وسَرَى السرورُ إلَى القلوبِ بحلُوْلِهِ بهَا، وكانتْ مِنْ أوبإِ الأراضي، فزالَ عنهَا وباؤُهَا ببركةِ هذَا النبيِّ العظيمِ الجاهِ، ودعَا اللهَ قائلًا: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّل حُمَّاهَا إِلَىَ الْجُحْفَةِ. وقال: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا، وَاجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ. وقال: عَلَى أَنْقَابِ المدِيْنَةِ مَلائِكَةٌ لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلا الدَّجَّالُ.
اللهم اجعَلْ قُلوبَنَا عَامِرَةً بِحُبِّ وَتَعْظِيمِ وَإِجْلالِ حَبِيبِكَ محمدٍ ﷺ وَثَبِّتْنَا علَى هَدْيِهِ وَطَريقَتِهِ وأَعِدْ عَلَيْنَا الذكرَى بالخَيْرِ وَالبَرَكاتِ وَالْطُفْ بأُمَّةِ محمدٍ ﷺ.