الْحَمْدُ للَّهِ مُوَفِّرِ الثَّوَابِ لِلأَحْبَابِ وَمُكْمِلِ الأَجْرِ، وَبَاعِثِ ظَلامِ اللَّيْلِ يَنْسَخُهُ نُورُ الْفَجْرِ، الْمُحِيطِ عِلْمًا بِخَائِنَةِ الأَعْيُنِ وَخَافِيَةِ الصَّدْرِ، وَمُعَلِّمِ الإِنْسَانِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَلَمْ يَدْرِ، الْمُتَعَالِي عَنْ دَرَكِ خَوَاطِرِ النَّفْسِ وَهَوَاجِسِ الْفِكْرِ، الْمُوَالِي رِزْقَهُ حتى النَّمْلَ فِي الرَّمْلِ وَالْفَرْخَ فِي الْوَكْرِ، جَلَّ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِي الْحَوَادِثِ عَلَى مُرُورِ الدَّهْرِ، وَتَقَدَّسَ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ بَاطِنُ السِّرِّ وَظَاهِرُ الْجَهْرِ، ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أَحْصَى عَدَدَ الرَّمْلِ فِي الْفَيَافِي وَالنَّمْلَ فِي الْقَفْرِ، وَشَاءَ فَأَجْرَى كَمَا شَاءَ تَقْدِيرَ الإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، أَغْنَى وَأَفْقَرَ فَبِإِرَادَاتِهِ وُقُوعُ الْغِنَاءِ وَالْفَقْرِ، وأَبْصَرَ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ دَبِيبُ الذَّرِّ فِي الْبَرِّ، وَسَمِعَ فَلَمْ يَعْزُبْ عَنْ سَمْعِهِ دُعَاءُ الْمُضْطَرِّ فِي السِّرِّ، وَقَدَرَ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى مُعِينٍ يَمُدُّهُ بِالنَّصْرِ، فَهُوَ الَّذِي هَدَانَا إِلَيْهِ بِوَاضِحِ الدَّلِيلِ وَسَلِيمِ السِّرِّ. وَأَشْهَدُ بِتَوْحِيدِهِ شَهَادَةَ مُخْلِصٍ فِي مُعْتَقَدِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي نَبَعَ الماء مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ يَدِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَفِيقِهِ فِي شَدَائِدِهِ، وَعَلَى عُمَرَ كَهْفِ الإِسْلامِ وَعَضُدِهِ، وَعَلَى عُثْمَانَ ذي النورينِ المتصدق بمالِه، وَعَلَى عَلِيٍّ كَافِي الْحُرُوبِ وَشُجْعَانِهَا بِمُفْرَدِهِ. أما بعد:
الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وأما الأحاديث، فالأول: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَومٍ، إذْ طَلَعَ عَلَينا رَجُلٌ شَديدُ بَياضِ الثِّيابِ، شَديدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عَلَيهِ أثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيهِ إِلَى رُكْبتَيهِ، وَوَضعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ، وَقالَ: يَا مُحَمَّدُ، أخْبرني عَنِ الإسلامِ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «الإسلامُ: أَنْ تَشْهدَ أَنْ لا إلهَ إلاَّ الله وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ الله، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيتَ إن اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبيلًا». قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقهُ! قَالَ: فَأَخْبرنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: «أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِر، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ: صَدقتَ. قَالَ: فأَخْبرني عَنِ الإحْسَانِ. قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: فَأَخْبِرنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ». قَالَ: فأخبِرني عَنْ أَمَاراتِهَا. قَالَ: «أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وأنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في البُنْيَانِ». ثُمَّ انْطَلقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ ورسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: «فإِنَّهُ جِبْريلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينكُمْ». رواه مسلم.
ومعنى «تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا» أيْ سَيِّدَتَهَا؛ ومعناهُ: أَنْ تَكْثُرَ السَّراري حَتَّى تَلِدَ الأَمَةُ السُّرِّيَّةُ بِنْتًا لِسَيِّدِهَا وبنْتُ السَّيِّدِ في مَعنَى السَّيِّدِ وَقيلَ غَيْرُ ذلِكَ. وَ«العَالَةَ»: الفُقَراءَ. وقولُهُ: «مَلِيًّا» أَيْ زَمَنًا طَويلًا وَكانَ ذلِكَ ثَلاثًا. ((وهذا الحديث من أعظم الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم يحوي ذِكر قواعد الدين وفيه ذِكْر العبادات، وبيان الأكمل في أمر الإيمان والإسلام،وسنتكلم عنه في أكثر من حلقة لعظمة وكثرة الفوائد المستفادة منه)). وذكر النووي رحمه الله حديث عمر بن الخطاب- رضي الله عنه – هذا الحديث العظيم، الذي قال فيه النبي صلي الله عليه وسلم لعمر في آخره: ((أتدري من السائل)) قال: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) إذا ديننا في هذا الحديث؛ لأنه مشتمل على كل الدين، على الإسلام، والإيمان، والإحسان.
الشرح
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وأما الأحاديث، فالأول (أي الأول في باب المراقبة والستون من كتاب رياض الصالحين): عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (هو سيدنا وصاحب نبينا وخليفة المسليمن الثاني وأول من لقب بأمير المؤمنين من الخلفاء تكلمنا في ترجمته وأفردنا لذلك في رمضان حلقاتٍ عديدةً، ولكن أكتفي بالقول هنا بما قال فيه أبو نعيم وغيره حيث قال في ترجمة الفاروق رضي الله عنه: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثَانِيَ الْقَوْمِ، الْفَارُوقُ، ذُو الْمَقَامِ الثَّابِتِ الْمَأْنُوقِ، أَعْلَنَ اللهُ تَعَالَى بِهِ دَعْوَةَ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، وَفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْفَصْلِ وَالْهَزْلِ، وَأَيَّدَ بِمَا قَوَّاهُ بِهِ مِنْ لَوَامِعِ الطَّوْلِ، وَمَهَّدَ لَهُ مِنْ مَنَائِحِ الْفَضْلِ شَوَاهِدَ التَّوْحِيدِ، وَبَدَّدَ بِهِ مَوَادَّ التَّنْدِيدِ، فَظَهَرَتِ الدَّعْوَةُ، وَرَسَخَتِ الْكَلِمَةُ، فَجَمَعَ اللهُ تَعَالَى بِمَا مَنَحَهُ مِنَ الصَّوْلَةِ مَا نَشَأَتْ لَهُمْ مِنَ الدَّوْلَةِ، فَعَلَتْ بِالتَّوْحِيدِ أَصْوَاتُهُمْ بَعْدَ تَخَافُتٍ، وَتَثَبَّتُوا فِي أَحْوَالِهِمْ بَعْدَ تَهَافُتٍ، غَلَبَ كَيَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَا أَلْزَمَ قَلْبَهُ مِنْ حَقِّ الْيَقِينِ، لَا يَلْتَفِتُ إِلَى كَثْرَتِهِمْ وَتَوَاطِيهِمْ، وَلَا يَكْتَرِثُ لِمُمَانَعَتِهِمْ وَتَعَاطِيهِمْ، اتِّكَالًا عَلَى مَنْ هُوَ مُنْشِئِهُمْ وَكَافِيهِمْ، وَاسْتِنْصَارًا بِمَنْ هُوَ قَاصِمُهُمْ وَشَانِيهِمْ، مُحْتَمِلًا لِكَثِيْرٍ مِمَّا احْتَمَلَ الرَّسُولُ، وَمُصْطَبِرًا عَلَى الْمَكَارِهِ لِمَا يُؤْمَلُ مِنَ الْوُصُولِ، وَمُفَارِقًا لِمَنِ اخْتَارَ التَّنْعِيمَ وَالتَّرْفِيهَ، وَمُعَانِقًا لِمَا كُلِّفَ مِنَ التَّشَمُّرِ وَالتَّوْجِيهِ، الْمَخْصُوصُ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ بِالْمُعَارَضَةِ لِلْمُبْطِلِينَ، وَالْمُوافَقَةِ فِي الْأَحْكَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، السَّكِينَةُ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ، وَالْحَقُّ يُجْرِي الْحِكْمَةَ عَنْ بَيَانِهِ، كَانَ لِلْحَقِّ مَائِلًا، وَبِالْحَقِّ صَائِلًا، وَلِلْأَثْقَالِ حَامِلًا، وَلَمْ يَخَفْ دُونَ اللهِ طَائِلًا. فَإِذَا ذُكِرَتِ الشِّدَّةُ فِي الحَقِّ ذُكِرَ، وَإِنْ ذُكِرَ العَدْلُ ذُكِرَ، وَإِنْ ذُكِرَ التَّوَاضُعُ ذُكِرَ، وَإِنْ ذُكِرَتِ الرَّحْمَةُ بِالْمَسَاكِيْنِ فَهُوَ مَثَل، وَإِذَا ذُكِرَتِ الفُتُوْحَاتُ ذُكِرَ، وَإِذَا ذُكِرَ الخَيْرُ ذُكِرَ، عُمَرُ الخَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِذَا شِئْتُمْ أَنْ يَطِيبَ الْمَجْلِسُ فَعَلَيْكُمْ بِذِكْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: بَيْنَما (بينما كبينا ظرفا زمان، فيهما معنى المفاجأة ومعنى الشرط، ولذا استدعيا جوابًا، وأصلهما “بينَ” التي هي ظرف بمعنى وسط دخلت عليها ما الكافَّة عن الجرّ) نَحْنُ (أَي فِي أَوقاتٍ كُنّا فِيها حاضِرينَ عِنْدَ رَسوُلِ الله صلى الله عليه وسلم) جُلُوسٌ (جمع جالس، وَفِى بَعْضِ الرِّواياتِ الأُخْرَى قالُوا: “كُنَّا إِذا جَلَسْنا مَعَ النَّبِيّ عَلَيْهِ الصلاةُ والسّلام لَمْ يَتَمَيَّز عَنّا“. النَّبِيّ ما كانَ يتَمَيَّزُ عَنْ أَصْحابِهِ فِى جِلْسَتِهِ. فَكانَ يَأْتِي الغَريب عِنْدَ الرّسُول وَلا يَعْرِفُهُ أَيُّ واحِد النبيّ، “فَعَمِلْنا لَهُ دُكّانًا“، دُكّانا يَعْنِى مَكانًا مُرْتَفِع عَنِ البَقِيّة يَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَصارَ الغَريبُ إِذا دَخَل، يَعْرِفُ أَنَّ هذا هُوَ رَسُولُ اللهِ ) عِنْدَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ (“ذات” مُؤَنَّثُ “ذُو” نَقُولُ: “ذُو عِلْمٍ” وللأُنْثَى نَقُولُ: “ذاتُ عِلْمٍ”) يَومٍ (هذا لِيُبَيِّن أَنَّ مَقْصِدَهُ باليّوم يَومٌ مُعَيَّن وَليسَ مُطْلَقَ الزَّمان. يَعْنِى باخْتِصار: “ذَاتَ يَوْمٍ” يَعْنِى فِى ساعَةٍ مِنْ يَوْم وساعة ليس مَعناها ٦۰ دقيقَة، بَلْ مُدَّة مِنَ الوَقْت مِنْ يَوم. “ساعَة” فِى الأَصْل عِنْدَ العَرَب مُدَّة مِنَ الوَقْت. يُقالُ عن ثلاث ثَوانِي ساعَة وَعَن رُبع دَقيقَة ساعَة. الآن اتَّفَقَ الناس بينَ بَعْضِهِم أَنَّ٦۰ دقيقَة ساعَة وَلكِنْ هذا ليسَ الذي فِى اللُّغَة. فَإِذًا، بينَما نحْنُ ذاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسوُلِ الله ، “ذاتَ يَوْمٍ” أَيْ فِى ساعَةٍ مِنْ يَوْم، فِى وَقْتٍ مِنْ يَوْمٍ مِنَ الأَيّام. واليَوْمُ مِنَ الفَجرِ إِلَى المغرِب)، إذْ (هذه تُسَمَّى فِى اللغَةِ العَرَبِيّةِ إِذِ الفُجائِيَّة لِبَيانِ أَنَّهُم وَهُم جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ فاجَأَهُم دُخُولُ شَخْصٍ، لا يَعْرِفُونَهُ مِنْ ذِي قَبْل) طَلَعَ عَلَينا (هو مستعار من طلعت الشمس لا يذكر إلا فيما له شأن، وَعَبَّرَ سيدُنا عُمَرُ بنَ الخَطّابِ فِى حَدِيثِهِ هذا بِقَوْلِهِ: “طَلَعَ”، وَلَمْ يَقُل “دَخَلَ”. “إِذْ طَلَعَ” لِبَيانِ أَنَّ بُرُوزَ هذا الشّخص وَدُخُولَ هذا الشخْص كانَ كَطُلُوعِ الشّمْسِ مِنْ مَشْرِقِها لِما عَلَيْهِ مِنَ الأَنْوارِ والبَهاء والحُسُن والجمال، فَعَبَّرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وأَرْضاه بِلَفْظَةِ “طَلَعَ”، وَلَمْ يُعَبِّر بَغَيرِها مِنِ الأَفْعال كَقَوْلِهِ مَثَلًا “إِذْ دَخَلَ”. كانَ يَصِحُّ أَنْ يَقُول: “إِذْ دَخَلَ” لَكِنَّهُ عَبَّرَ بِـ”طَلَعَ” للإِشارَة عَلَى حُسْنِ جَمالِ هذا الدّاخِلِ وَهُوَ فِى الحَقِيقَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السلام، جاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ مُتَشَكِّلًا بِهَيْئَةِ رَجُل) رَجُلٌ (والمعنى: وقت حضورنا في أشرف مجلس فاجأنا طلوع ذلك الرجل، والمَقصُودُ بالرَّجُل هُنا شَخْصٌ فِى صُورَةِ رَجُل، أَيْ فِى هَيْأَةِ رَجُل لأَنَّهُ كَما سيَظْهَر بَعْدَ ذلِك، هذا جِبريل) (فِى الحَقِيقَةِ يَجُوزُ أَنْ يَتَشَكَّلَ الملائِكَةُ بِصُوَرِ الرِّجال مِنْ غَيرِ أَنْ تُرَكَّبَ فِيهِمُ الشَّهْوَة وَمِنْ غَيرِ أَنْ يَكُونَ لَهُم مَخْرَجُ بَوْلٍ وَلا مَخْرَجُ غائِط. الصُّورَةُ صُورَةٌ بَشَرِيّة، الهَيْئَةُ الخارِجِيّة هَيْئَةٌ بَشَرِيَّة مِنْ غَيرِ ءالَةِ مَخْرَجِ البَوْل، ءالَةِ الذُّكُورَة وَمِنْ غَيرِ مَخْرَجِ غائِط. وَهذا جائِز، كَما فِى حَدِيثِنا هذا. حَدِيثُنا هذا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الملائِكَةَ يَتَشَكَّلُون بِصُوَرِ الرِّجال وَلا يَتَشَكَّلُ الملائِكَة بِصُوَرِ الإِناث لأَنَّ اللهَ تعالى عَصَمَهُم وَحَفِظَهُم مِنْ هَذا. قالَ تعالى فِى القرءان ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ [سورة النجم:27] مَعناهُ الملائِكَةُ ليسُوا إِناثًا حَقِيقَةً ولا ذُكُورًا حَقِيقَةً لَكِنْ قَدْ يَتَشَكَّلُونَ بِصُوَرِ الذُّكُورِ كَما بَيَّنّا وَلا يَجُوزُ أَنْ يَتَشَكَّلُوا بِصُوَرِ الإِناث، فالملائِكَةُ لَيْسُوا إِناثًا، لِذا ما يُصَوِّرُهُ بَعْضُ النّاس فِى زَمانِنا عِنْدَ تَصْوِيرِهِم لِبَعْضِ المجَسَّمات مِنْ طِين أَوْ مِنْ حَدِيد أَوْ مِنْ خَشَب أَوْ مِنْ نُحاس، يُصَوِّرُونَ هَيْئَةَ أُنْثَى لَها أَجْنِحَة يُوهِمُونَ النّاسَ أَنَّ هذِهِ الصُّورَة هِيَ صُورَةُ الْمَلائِكَة! اللهُ تعالى عَصَمَهُم مِنْ هذا. قال اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَيْضًا ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾[سورة الزخرف:19] هذه ﴿وَجَعَلُوا﴾ مَعناهُ رَدٌّ عَلَى الذينَ زَعَمُوا هذا مِنْ أَهْلِ الجاهِلِية. أَهْلُ الجاهِلِيّةِ كانُوا يَقُولُونَ والعِياذُ بالله الملائِكَةُ بَناتُ الله!! جَعَلُوا الملائِكَةَ إِناثًا وَنَسَبُوهُنَّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالبُنُوَّة والعِياذُ باللهِ تعالى! وهذا ضَلالٌ مُبِين. اللهُ تعالى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ البُنُوَّة، يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَد. لا ذَكَرٌ وَلا أُنْثَى. ﴿لَمْ يَلِد وَلَمْ يُولَد ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ فَقَوْلُ الله تعالى ﴿وَجَعَلُوا المَلائكةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ أَيْ سَمَّوْهُم إِناثا. ﴿جَعَلُوا﴾ هُنا مَعْناهُ سَمَّوْا، باتِّفاقِ المفَسِّرِين. لِماذا نَقُولُ ذلِك؟ لأَنَّ كَلِمَةَ “جَعَلَ” جاءَت فِى القُرءان بِمَعْنَى خَلَقَ، وجاءَت هٰهُنا لا بِمَعْنَى خَلَقَ بَلْ بِمَعْنَى سَمَّوْا. لِماذا؟ قالُوا لأَنَّ كلِمَةَ “جَعَلَ” إِذا تَعَدَّت إِلَى مَفْعُولٍ واحِد، كانَ مَعْناها خَلَقَ، كَما قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ ﴿وَجَعَل الظُّلُماتِ وَالنُّور﴾ ما مَعْنَى “جَعَلَ” هٰهُنا؟ خَلَقَ. لماذا؟ لأَنَّها تَعَدَّت إِلَى مَفْعُولٍ واحِد: الظُّلمات والنُّور. “نور” عَطْف عَلى “الظُّلُمات”. أَمّا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلّ ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ هُنا وَجَعَلُوا تَعَدَّت إِلَى مَفْعُولَيْنِ اثْنَين: الملائِكَةَ مَفْعُول أَوَّل وَإِناثا مَفْعُولٌ ثانٍ. فَبِما أَنَّها تَعَدَّت إِلَى مَفْعُولَيْنِ، قالَ عُلَماءُ التَّفْسِير: فَقَد تَأْتِي بِمَعْنَى التّسْمِيَة. “جَعَلَ” مَعناها سَمّى فَهُنا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلّ ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ أَيْ سَمَّوْهُم إِناثا. فَلِذلِك هذه الآيَةُ فِى مَقامِ الرَّدِّ عَلَى الذينَ زَعَمُوا أَنَّ الملائِكَةَ إِناث، وهذا دَليلٌ واضِحٌ لأَهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَة عَلَى أَنَّ الملائِكَةَ لا يَتَشَكَّلُونَ بِصُوَرِ الإِناث. فَإِنْ تَشَكَّلُوا بِصُوَرِ الذُّكُور لا تَكُونُ لَهُم ءالَةُ الذُّكُورَة، لا مَخْرَجُ البَوْلِ وَلا مَخْرَجُ الغائِط. وَهُم فِى حَقِيقَةِ خِلْقَتِهِم أَجْسامٌ نُورانِيّة، أَجْسام لَطِيفَة، لا تَنْضَبِطُ باليَدّ وَلَهُم أَرْواح وَأَرْواحُهُم أَلْطَفُ مِنْ أَجْسامِهِم. يَعْنِى قَدْ يَكُونُ الْمَلَكُ فِى الْمَجْلِسِ مِنْ مَجالِسِ أَهْلِ العِلْم مَثَلًا، لا يُحِسُّ الإِنْسانُ بِهِم وَبِوُجُودِهِم لِكَوْنِهِم أَجْسامٌ لَطِيفَة. أَمّا الهَواء مَثَلًا، قَدْ نُحِسُّ بِهِ، قَدْ يَأْتِينا هَواءٌ بارِد وَقَدْ يَأْتِينا هَواءٌ حارّ فَنُحِسُّ بِهذا وَنُحِسُّ بِهذا) (رَجُلٌ لأَنَّ صُورَتَهُ الخارِجِيّة صُورَةُ رَجُل، وَفِى بادِئِ الأَمْر، سيِّدُنا عُمر بنُ الخَطّاب لَمْ يَعْرِف أَنَّ هذا الرّجُلَ الدّاخِلَ عَلَيْهِم هُوَ جِبْرِيل، إِنّما عَرَفَ بعْدَ أَيّامٍ. بَعْدَ أَيّامٍ، حَدَّثَهُ الرّسُولُ بِأَنَّ الدّاخِلَ عَلَيْهِم وَالسّائِلَ لِهذه الأَسْئِلَة عَنِ الإِسْلامِ والإِيمان والإِحْسان وَعَنِ السّاعَةِ وَأَماراتِها إِنّما هُوَ جِبْرِيل وَمَجِيئُهُ كانَ لِيُعَلِّمَ النّاسَ أُمُورَ دِينِهِم. فَلِذلِكَ سيِدُنا عُمرُ فِى بادِئِ الحَدِيثِ ذَكَرَ فُقال: “إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ” وَلَمْ يَقُل جِبْرِيل لأَنَّهُ جاءَ مُتَشَكِّلًا بِصُورَةِ رَجُل) (قالَ العُلَماء: “جِبْرِيل رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جاءَ مُعَلِّمًا النّاس بِحالِهِ كَما بِمَقالِهِ” هذه المَرَّة، جِبريل جاءَ إِلَى النبيّ عَلَيْهِ الصلاة السلام حَتّى يَسْأَلَهُ حَتّى يَتَعَلَّمَ الناسُ مِنْهُ فَلَمّا جاءَ إِلَيْه، جاءَ أَوَّلًا بِصُورَةِ رَجُلٍ شاب، شَدِيدُ سَوادِ الشَّعَر) شَديدُ بَياضِ الثِّيابِ (وَشِدَّةُ بَياضِ ثِيابِ هذا الرَّجُل للإِشارَةِ إِلَى نَظافَتِها ولِذلِكَ قالَ أَهْلُ العِلْمِ: يُفْهَم مِنْ هذا الكُلام: يُسْتَحَبُّ لِطالِبِ العِلْمِ أَنْ يَلْبَسَ الثِّيابَ النَّظِيفَةَ، لأَنَّ النّظافَةَ فِى الثَّوْبِ وَالبَدَن شىءٌ يُحِبُّهُ اللهُ عزّ وَجَلّ وَيُثِيبُ عَلَيْهِ صاحِبَهُ إِنْ قَصَدَ بِها مَقاصِدَ حَسَنَة وَلا سيّما طالِبُ العِلْم، لأَنَّ جِبْرِيلَ فِى الظّاهِر دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ كَهَيْئَةِ المتَعَلِّم بِدَليلِ أَنَّهُ هُوَ الذي بادَرَ إِلَى سُؤالِ رَسُولِ الله هذه الأَسْئِلَة وَجِبريلُ يَعْرِفُ أَجْوِبَةَ هَذه الأَسْئِلَة إِنّما سأَلَ الرّسُول هذه الأَسْئِلَةَ لِيَسْمَعَ الصَّحابَةُ الجالِسُونَ فِى مَجْلِسِ رَسُولِ الله فَيَنْتَفِعُونَ بالسُّؤال والجواب، فَهَيئَةُ جِبريلَ فِى سُؤالِهِ وَدُخُولِهِ هِيَ هَيئةُ مُتَعَلِّم وَإِنْ كانَ يَعْرِفُ هَذه الأَجْوِبَةَ على هذه الأَسْئِلَة فَلِذلِك، طالِبُ العِلْمِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ البَياض وَغَيرُ طالِبِ العِلْمِ أَيْضًا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ البياض لأَنَّ الرسول قال: “إِلْبَسُوا مِنْ ثِيابِكُمُ البَياضَ وَكَفِّنُوا بِها مَوْتاكُم” فَلُبْسُ الثَّوْبِ الأَبْيَضِ مُسْتَحَبٌّ وَفِيهِ أَجْرٌ وَثواب، فَإِذا أضَافَ إِلَى كَوْنِهِ أَبْيَضا أَنْ كانَ نَظِيفًا، فَهذا زِيادَةٌ فِى الخَيْر فعلى المسْلِمِ أَنْ يَكُونَ عَلَى هيئةٍ حَسَنةٍ (عَلَى نَظافَةٍ) فِى الثَّوْبِ وَفِى البَدَن لأَنَّ المسْلِمَ يَنْبغِي أَنْ يَكُونَ فِى مُجْتَمَعِهِ بارِزًا ظاهِرًا، لإِظْهارِ عَظِيمِ ما عَلَيْهِ مِنْ دِينِ الإِسْلام، لا يُؤْذِي الناسَ لا بِرِيحِ ثَوْبِهِ وَلا بِرِيحِ بَدَنِهِ) (كانَ سيِدُنا عُمَر يَقُول: “إِنِّي أُحِبُّ لِلْقارِئِ أَنْ يَكُونَ أَبْيَضَ الثَّوْب“. القارِئ أَي صاحِب العِلْم، مَنْ كانَ عِنْدَهُ عِلْم أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ أَبْيَض الثّوب، أَنْ يَكونَ ثَوْبُهُ أَبيَض. مِمّا يَدُلُّ عَلَى ذلِكَ أَيْضًا فِعْلُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السّلام، فَإِنَّهُ جاءَ بِهذا الثَّوْب إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم)، شَديدُ سَوَادِ الشَّعَرِ (هذا الرَّجُلُ كانَ شَدِيدَ سَوادِ الشَّعَر للإِشارَةِ إِلَى مَسْأَلَةِ اسْتِحْبابِ الاهْتِمامِ بِالشَّعَر بِتَنْظِيفِهِ وَتَسْرِيحِهِ وَتَرْتِيبِهِ كَما كانَ يَفْعَلُ النبيّ. كانَ يَغْسِلُ شَعَرَهُ وَيَمْشُطُ شَعَرَه وَيُكْرِمُ شَعَرَهُ بِدَهْنِهِ بِزَيْتِ الزَّيْتُون. قالَ : “مَنْ كانَ لَهُ شَعَرٌ فَلْيُكْرِمُهُ“. قالَ أَهْلُ العِلْمِ: “مِنْ إِكْرامِهِ تَرْجِيلُهُ” أَيْ تَمْشِيطُهُ “وَدَهْنُهُ بِزَيْت الزَّيْتُون”، كانَ يمْتَشِطُ فِى كُلَّ يَوْمَيْنِ مَرَّة أَوْ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَة مَرَّة، مِثْلُ هذا مُسْتَحَبُّ. قالَ أَهْلُ العِلْمِ يُسْتَحَبُّ تَمْشِيطُ الشَّعَرِ وَتَرْجِيلُهُ فَإِنَّ هذا مِنْ إِكْرامِهِ، وَقالُوا: قَوْلُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ” يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الإِنْسانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقْبِلَ عَلَى طَلَبِ العِلْم فِى حالِ الشّباب وَأَنْ يَهْتَمَّ بِتَحْصِيلِهِ لا فِى حالِ الكُهُولَة أَوِ الشَّيْخُوخَة. فَجِبْرِيلُ حِينَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ الله، كانَ فِى وَصْفِهِ أَنَّهُ “شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ” وَمَنْ كانَ شَدِيدَ سَوادِ الشَّعَر، العادَةُ هَلْ يَكُونَ شَيْخًا كَبيرًا فِى السِّنّ؟ لا! العادَةُ أَنَّهُ يَكُونُ شابًّا فِى مُقْتَبَلِ العُمُر للإِشارَةِ إِلَى أَنَّ طالِبَ العِلْم يَنبَغِي أَنْ يُقْبِلَ عَلَى طَلَبِ العِلْمِ بِهِمَّةٍ فِى حال الشّباب، لِيَصْرِفَ وَقْتَهُ بَعْدَ تَحْصِيلِ حِصَّةٍ وافِرَةٍ مِنْ عِلْمِ الدين فِى حال شَبابِهِ وقُوَّةِ بَدَنِهِ لِيَصْرِفَ بَقِيَّةَ عُمُرِهِ فِى العَمَلِ بهذا العِلم بِالإِكْثارِ مِنَ الطّاعات بَعْدَ صَرْفِهِ مُدَّةَ الشّبابِ فِى تَحْصِيلِ العِلْم)، لا يُرَى عَلَيهِ أثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ (معناه التعجب المتضمن لدعوى كونه ملَكَاً، إذ لو كان غريباً لكان عليه أثر السفر وشعثه ولو كان مدنياً لعرفوه) (لأَنَّ جِبْريلَ عَلَيهِ السلام لا يَحْتاجُ حَقِيقَةً إِلَى أَنْ يَقْطَعَ المسافاتِ الواسِعَة مَشْيًا عَلَى الأَقْدام فَيَغْبَرَّ ثَوْبُهُ وَيَتَشَعَّثَ شَعَرُهُ بِسَبَبِ سَفَرِهِ. جِبرِيل، لَوْ أَرادَ أَنْ يَقْطَعَ السمٰواتِ فِى لَحْظَة لَقَطَعَها مِنَ القُوَّة التي أَعْطاهُ اللهُ تعالى إِيّاها. أَليْسَ اللهُ تعالى قالَ عَنْ جِبريلَ عَلَيْهِ السلام ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى﴾ مَعناهُ عَلَّمَ شَدِيدُ القُوَى وهُو جِبريل محمَّدًا . اللهُ تَعالى أَعْطَى جِبريل قُوّةً عَجِيبَة غَريبَة يَسْتطِيعُ أَنْ يَقْطَعَ هذه السمٰوات بِمُدَّة قَليلَة مَع أَنَّ بُعْدَ الأَرْضِ عَنِ السّماء مَسافَة واسِعَة جِدًا جدًا جدًا. فالظَّاهِر أَنَّ جِبريل لَمْ يَحْتَجْ حالَةَ دُخُولِهِ عَلَى رَسُولِ الله أَنْ يَقْطَعَ الصّحارَى فَبِالتّالِي لَمْ يَغْبَرَّ وَلَمْ يَتَّسِخ ثَوْبُهُ بَلْ وُصِفَ بِأَنَّهُ شَدِيدُ بَياضِ الثّياب ولَمْ يَتَشَعَّث شَعَرُهُ لأَنَّهُ وُصِفَ بِقَوْلِهِ: “شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ” لِإِظْهارِ أَنَّهُ كانَ نَظِيفَ الشّعَرِ أَيْضًا وَلَمْ يَكُن مُغْبَرًّا. لَمْ تُصِبْهُ الغُبارُ فَيَتَغَيّر لَوْنُ هذا الشّعَر لِذلِكَ قالَ سيِّدُنا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “لَا يُرَى عَلَيْهِ ِأَثَرُ السَّفَرِ“، معناهُ كَأَنَّهُ دَخَلَ مِنْ غَيرِ أَنْ يَقْطَعَ مَسافَةً واسِعَة وَهُوَ بِهَيْئَةٍ وَصُورة لا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنَ الصّحابَة. لَوْ كانَ صَحابِيّا، أَلَيسُوا كانُوا عَرَفُوهُ؟ بَلَى، كانُوا عَرَفُوهُ، مَنْ هُوَ وَمَنْ هُوَ أَبُوهُ. لَكِنَّهُم لا يَعرِفُونَهُ بِدَليلِ ما سَيَأْتِي، قَوْلُ سيِّدِنا عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضاه: “وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ“. لوْ كانَ جاءَ مِنْ مَسافَةٍ بَعِيدَة، مِنْ سَفَر، لاتَّسَخَ ثَوْبُهُ وَظَهَرَ أَثَرُ الغُبارِ عَلَى شَعَرِهِ وَعَلَى بَدَنِهِ وَعَلَى ثَوْبِهِ لكِنَّهُ لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَر. هذه العلامات لا تُرَى لا عَلَى بَدَنِهِ وَلا عَلَى ثَوْبِهِ. “وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ“، يَعْنِى هُوَ لَيْسَ مِنّا. ليسَ مِنَ الصحابَةِ المَعْرُوفِينَ مِمّن يُجالِسُ رسولَ اللهِ) (قال بعض المحققين: طلوعه كذلك يقوي معنى قولهم: حسنُ الأدب في الظاهر عنوانُ حسنِ الأدب في الباطن، ولذا استحب التزين في الجمعة والعيد، وشديد صفة لرجل، والأصل شديدُ بياضِ ثيابِه شديدُ سوادِ شعَرِه، اختار قوله: «ولا يعرفه منا أحد» على قوله: لا نعرفه لأنه آكد في تنكيره)، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم (تقديره استأذن وأتى حتى جلس، وفيه أن الاستئذان للدنوّ، وقد جاء التصريح به عند النسائي من حديث أبي هريرة وأبي ذرّ، فذكر القصة إلى أن قال: السلام عليكم يا محمد، فرد عليه السلام، فقال: أدنو يا محمد؟ قال: ادنو، فما زال يقول: أدنو، مراراً ويقول: ادنو حتى وضع يديه على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم) فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيهِ (أي جبريل) إِلَى رُكْبتَيهِ (أي: إلى ركبتي النبي زيادة في التقريب الباعث على التنبيه على أنه إنما جاء لأمر كلي) (هذا لِلإِشارَةِ إِلَى اتِّصالِ رُكْبَةِ جِبريل بِالصُّورَةِ التي كانَ عَلَيْها، بِرُكْبَةِ رَسُولِ اللهِ . معْناهُ كانَ قَرِيبًا مِنْهُ جِدًا وَأَهْلُ العِلْمِ أَخَذُوا مِنْ هذه الكَلِماِت فائِدَة شَرْعِيّة وَهِيَ أَنَّ طالِبَ العِلْم إِنِ اسْتَطاعَ وَوَجَدَ فِى مَجْلِسِ العِلْمِ سَعَة، قالُوا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ أَمامَ شَيْخِهِ وَمُدَرِّسِه، أَيْ يُقابِلَه، أَخْذًا مِنْ فِعْلِ جِبريلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ . لَيسَ بالضَّرورَةِ أَنْ يَكُونَ مُسْنداً رُكْبَتَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ، إِلَى هذا الحَدّ، لَكِنْ أَنْ يَكُونَ فِى قِبالَتِهِ. هذا أَدْعَى لِلْسَّماع وَلِلْوَعِي وَلِلْفَهْم مِنْ أَنْ يَجْلِسَ الإِنْسانُ بَعِيدًا عَنْ شَيْخِهِ، أَنْ يَكُونَ فِى زَاوِيَةٍ هكَذا مِنْ زَوايا المسْجِد أو هكذا فِى مكان بَعِيد)، وَوَضعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ (قيل على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم لورود رواية عند أحمد وغيره وفيها: فسلم عليه، فرد عليه السلام، ثم وضع جبريل يده على ركبتي النبيّ صلى الله عليه وسلّم)، وَقالَ: يَا مُحَمَّدُ (نادَى رَسُولَ الله بِقَوْله: “يَا مُحَمَّدُ” فى مَجْلِسِ رَسُولِ الله وَحُضُورِهِ. وَأَهْلُ العِلْمِ يَقُولون: جاءَ فِى القُرْءانِ ما يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ نِداءِ رَسُولِ الله بِاسْمِهِ المُجَرَّد فِى حالِ حُضُورِ رَسُولِ اللهِ . قالَ اللهُ تعالى ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ هذه الآيَةُ فِيها الإشارَةُ إِلَى أَنَّ المؤْمِنِينَ مُخاطَبُون بِأَنْ لا يُنادُوا رَسُولَ اللهِ بِاسْمِهِ المُجَرَّد “يا محمّد” فِى حالِ حُضُورِهِ. فِى حالِ وُجُودِهِ فِى المَجْلِس. هذا كانَ حَرامًا عَلَى الصّحابَة بِسَبَبِ نُزُولِ هذه الآيَة. كانُوا مَأْمُورِين أَنْ يُنادُوهُ بِأَعْظَمِ أَوْصافِهِ “يا نَبِيَّ الله”، “يا رَسُولَ الله”، أَوْ نَحْوَ هذا. وَهُنا، كيْفَ قالَ جبريلُ عَلَيْهِ السلام لِنَبيِّنا : “يَا مُحَمَّدُ“، وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعالى هذه الآيَةَ القُرْءانِيّة؟ الجواب الأَوّل على هذا: أَنَّ نِداءَ جِبريل كانَ قَبْلَ نُزُولِ التّحْرِيم، كانَ قَبْلَ نُزُولِ هذه الآيَة، فَبِما أَنَّ هذا النِّداءَ للرسولِ فِى حُضُورِ الرسُول بقَوْلِهِ : “يَا مُحَمَّدُ” كانَ قَبْلَ نُزُولِ هذه الآيَة، فَلا إِشْكال، لأَنَّهُ لَمْ يَكُن حَرامًا. الجواب الثاني على هذا: إِنَّ هذا التَّحْرِيم، إِنّما هُوَ تَحْرِيمٌ للمؤمِنينَ مِنَ البَشَر وللمُؤمِنينَ مِنَ الجِنّ فَلا دَخَلَ للمَلائِكَةَ بِهِ. هذا الخِطابُ للمُكَلَّفِينَ مِنَ البَشَرِ والجِنّ فَلا دَخَلَ للمَلائِكَةَ بِهِ فَإِذًا جِبريلُ لا يَدْخُلُهُ هذا التّحْرِيم، قال ابن علان: على أن الملائكة ليسوا داخلين في مثل ذلك الخطاب)، ونكمل الكلام في الحديث الدرسَ القادمَ بإذن الله تعالى.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين….
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَحْكَمَ بِحِكْمَتِهِ مَا فَطَرَ وَبَنَى، وَأَمَرَنَا بطاعتِه لا لِحَاجَةٍ له بَلْ لَنَا، يَغْفِرُ الْخَطَايَا لِمَنْ أَسَاء وَجَنَا، وَيُجْزِلُ الْعَطَايَا لِمَنْ كَانَ مُحْسِنًا، بَيَّنَ لِقَاصِدِيهِ سَبِيلا وَسُنَنًا، وَوَهَبَ لِعَابِدِيهِ جَزِيلا يُقْتَنَى، وَأَثَابَ حَامِدِيهِ أَلَذَّ مَا يُجْتَنَى “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا” أَحْمَدُهُ تعالى مُسِرًّا لِلْحَمْدِ وَمُعْلِنًا، وَأُصَلِّي وأُسلِم عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الذي أسس قواعد الدين وبنى، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الْمُتَخَلِّلِ بِالْعَبَا رَاضِيًا بِالْعَنَا، وَهُوَ الَّذِي أُريدَ بِقَوْلِهِ الله ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وَعَلَى عُمَرَ الْمُجِدِّ فِي عِمَارَةِ الإِسْلامِ فَمَا وَنَى، وَعَلَى عُثْمَانَ الصابر فنال الجنة ثمنا، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي إِذَا مدحناه فَالْفَخْرُ لَنَا. أما بعد: فنكمل في حديث جبريل المشهور، ونقرأه كاملا ونكمل فيما وصلنا:
تكملة الشرح
وصلنا إلى قوله: أخْبرني عَنِ الإسلامِ (هو أَوَّلُ سُؤالٍ سَأَلَه هُوَ عَنْ الإِسْلام. فَقَوْلُهُ “ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ” أَيْ عَنْ حَقِيقَةِ الإِسْلامِ وماهِيَّتِهِ، أَيْ ماهِيَّتِهِ فِى الشّرع لأَنَّ كَلِمَةَ الإِسلام لَها مَعْنًى فِى اللّغَة وَلَها مَعْنًى فِى الشّرع. فَسَيِّدُنا جِبريلُ عَلَيْهِ السلام أَرادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ حَقِيقَةِ مَعْنَى كَلِمَةِ الإِسْلام وَأَرادَ بِهِ المَعْنَى الشّرْعِيّ. إِذا قُلْنا الإِسْلام، حَقِيقَةُ هذا اللفْظ هُوَ مَعْناهُ الشّرعِيُّ لأَنَّهُ هُوَ المسْتَعْمَل عَلَى أَلْسِنَةِ المسلِمينَ غالِبًا بالمَعْنَى الشّرعِيِّ، فَلِذلِكَ الإسْلامُ فِى اللُّغَةِ مَعْناهُ الانْقِيادُ والاسْتِسْلام، هذا معْناهُ لُغَةً. وَمِنهُ ما جاءَ فِى القُرءان ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾[سورة الحجرات:الآية 14]. هُنا، يَظْهَرُ لَنا مِنْ هذه الآيَة أَنَّ مَعْنَى ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أَيْ المَعْنَى اللُّغَوِيّ لِكَلِمَةِ الإِسْلام التي هِيَ الانْقِيادُ والاسْتِسْلام مِنْ حَيثُ الظّاهِر لأَنَّ هؤلاءِ الأَعْراب كانُوا أَشَدَّ النّاسِ كُفْرًا وَنِفاقا! هؤلاءِ كانُوا جُفاةً غِلاظا، يَعِيشُونَ فِى الصّحْراء فَكانَ يَغْلِبُ عَلَيْهِم الغِلْظَةُ والجَفاء وَكانُوا فِى غالِبِيَّتِهِم كُفّارًا. نَتَكَلَّمُ عَنِ الأَعراب لا نتَكَلَّمُ عَنِ العَرَب. الأعْراب هُمْ سُكّانُ البادِيَة. فِى ذلِكَ الوَقْت، زَمانَ الرَّسُولِ كانُوا أَكْثَرَ النّاسِ غِلْظَةً وَجَفاءً وَكانُوا أَحْيانًا يُظْهِرُونَ الإِسْلام، يُظْهِرُونَ الإِيمان، وَهُم فِى الحقِيقَةِ غَيْرُ مُؤْمِنِين، فادَّعَوْا عِنْدَ رَسُولِ الله أَنَّهُم مُسْلِمُون مُؤْمِنُون فَجاءَ القُرءان بِتَكْذِيِهِم ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ يَعْنِى زَعَمُوا أَنَّهُم عَلَى عَلى الإيمان ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ مَعناهُ لَسْتُم مُؤْمِنِينَ مُصَدِّقُينَ بِقُلُوبِكُم بِحَقِّيَّةِ هذا الدِّين، دِين الإِسْلام ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أَيِ اسْتَسْلَمْنا وانْقَدْنا مِنْ حَيثُ الظّاهِر وَلَكِنْ لَمْ يَدْخُلِ الإِيمان إِلَى قُلُوبِكُم. فَمَعْنى ﴿ أَسْلَمْنَا﴾ ههُنا، أَيِ اسْتَسْلَمْنا وَهُوَ المَعْنَى اللُّغَوِيّ لِكَلِمَةِ الإِسْلام، لا الشَّرْعِيّ، أَمّا فِى الشّرع، فَمَعْنَى الإِسْلام الانْقِيادُ وَالاسْتِسْلام لِما جاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ بِحَيْثُ إِنَّ الواحِدَ مِنّا يُصَدِّقُ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ الله بِقَلْبِهِ وَيَعْتَرِفُ بِلِسانِهِ بِما يَقْتَضِيهِ هذا التَّصْدِيقُ القَلْبِيّ مِثْلُ هذا يُسَمّى إِسْلامًا. فالإِسْلامُ هُوَ الاعْتِرافُ بالشّهادَتَيْن بِاللِّسان. الإِنْسانُ يُصَدِّقُ بِقَلْبِهِ بِمَعْنَى الشّهادَتَيْن وَهذا أَقَلُّ الإِيمان وَيَعْتَرِفُ بالشّهادَتَيْن بِلِسانِهِ لِيُحَصِّلَ أَقَلَّ الإِسْلام. فَإِذًا هُناكَ أَقَلُّ مُسَمَّى الإِسْلام وَهُناكَ أَقَلُّ مُسَمَّى الإِيمان. أَقَلُّ مُسَمّى الإِيمان التَّصْدِيقُ القَلْبِيّ بِمَعْنَى “لا إِلٰهَ إِلّا الله، محمّدٌ رَسُولُ الله”. أَنْ تُصَدِّقَ بِقَلْبِكَ بِمَعْنىَ هاتيْنِ الشّهادَتَيْن هذا هُوَ أَقَلُّ الإِيمان وَأَقَلُّ الإِسْلام هُوَ الاعْتِرافُ بِاللِّسان بِالشّهادَتَيْن، يَعْنِى أَنْ تَنْطِقَ بِلِسانِكَ فَتَقُولَ: “أَشْهَدُ أَنْ لا إِلٰهَ إِلّا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ محمَّدًا رَسُولَ الله”. هذا أَقَلُّ الإِيمانِ وَأَقَلُّ الإِسْلام. فَالإِسْلامُ والإيمانُ مُتَلازِمان لا يَنْفَكُّ هذا عَنْ هذا فَلا يُقالُ مَثَلًا مِنْ حَيْثُ الحُكْمُ الشَّرْعِيّ، لا يُقالُ فُلانٌ مَسْلِمٌ لَكِنَّهُ لَيسَ مُؤْمِنًا. وَلا يُقالُ فُلانٌ مُؤْمِنٌ بالمعْنَى الشّرعِيّ لَكِنَّهُ ليسَ مُسْلِمًا فالمَسْلِمُ مُؤْمِن والمُؤْمِنُ مُسْلِم. لا يَنْفَكّانِ كالظَّهْرِ مَعَ البَطْن لِذلكَ قالَ عُلَماءُ أَهْلُ السُّنَّة والجَماعَة: “الإِسْلام والإِيمانُ مُتَلازِمان. لا يَنْفَكُّ أَحَدُهُما عنِ الآخَر كالبَطْنِ مَعَ الظّهْر“.كَما أَنَّهُ لا يَنْفَصِلُ البَطْنُ عَنِ الظَّهْرِ بَلْ هُما مَتَلازِمانِ، كَذلِكُمُ الإِيمان الشَّرْعِيّ والإَسْلام الشّرْعِيّ مُتُلازِمانِ لا يَنْفَكّان. فَإِذا قُلْنا فُلانٌ مُسْلِم بالمَعْنَى الشّرْعِيّ فَهُوَ فِى حَقِيقَةِ حالِهِ مُؤْمِن وَإِذا قُلْنا فُلانٌ مُؤْمِن، فَهُوَ مُسْلِمٌ فِى الوَقْتِ عَيْنِهِ. فإِذًا حَقِيقَةُ الإِسْلام، أَقَلُّها الإِعْتِرافُ باللِّسان بِشَهادَةِ أَنْ لا إِلٰهَ إِلّا الله وَأَنَّ محمَّدًا رَسُولَ الله)، (فَأَجابَ الرَّسُولُ عَنْ سُؤالِ سيِّدِنا جِبريلَ) فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «الإسلامُ: أَنْ تَشْهدَ أَنْ لا إلهَ إلاَّ الله (المراد أن يقول ذلك بلسانه المتمكن من النطق فهو معتبر في الإسلام، فمن صدق بمضمونها ولم يأت بها مع عدم مانع من النطق فليس بمسلم ولا مؤمن وحكى النووي الإجماع عليه في «شرح مسلم») (وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين قال ابن الصلاح: وإنما أضيف إليهما الصلاة ونحوها لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتمّ استسلامه وانقياده، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده، فالمقصود من ذكر الأركان الخمسة في الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، فلذلك ذكر هذه الأمور مع الشهادتين، أما أصل الإسلام فالشهادتان كافيتان فيه) (: ذكَرَ أَعْلَىخَصْلَة وَأَوْلَى خَصْلَة وَهِيَ الأَصْل الذي لا بُدَّ مِنْهُ لِيُسَمّى الإِنْسانَ مُسْلِمًا وَهِيَ شَهادَةُ أَنْ لا إِلٰهَ إِلّا الله وَأَنَّ محمَّدًا رَسُولَ الله. فَيُفْهَمُ مِنْ هذا يا أَحبابَنا أَنَّ الإِنسانَ إِذا كانَ كافِرًا وَأَرادَ الدُّخُولَ فِى دِينِ الإِسْلام، لا بُدَّ أَنْ يَنْطِقَ للدُّخُولَ فِى دِينِ الإِسْلام بالشَّهادتَيْن شَهادَةِ أَنْ لا إِلٰهَ إِلّا الله وَأَنَّ محمَّدًا رَسُولُ الله، فَلا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بِهِما فِى القَلْب مِنْ غَيرِ الاعْتِرافِ اللِّسانِيّ بِالشَّهادتَيْن. يَعْنِى لَوْ أَنَّ إِنْسانًا صَدَّقَ بِمَعْنَى الشّهادَتَيْنِ فِى قَلْبِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَنْطِق بِهِما بِلِسانِهِ لا يَصِيرُ مُسْلِمًا مُؤمِنًا وَهذا حُكْمٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . لِذلِكَ نَجِدُ الحافِظَ النَّوَوِيّ فِى شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِم يَقُول: “مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِق بلِسانِهِ فَهُوَ كافِرٌ بِالإِجْماع“، يَعْنِى بِلا خِلاف عِنْدَ المسْلِمين. معناهُ لا يَصِيرُ عِنْدَ اللهِ ولا عِنْدَنا مُسْلِمًا مُؤمِنًا. مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بالقَلْبِ مِنْ غَيرِ الاعْتِرافِ اللِّسانِيّ بالشَّهادتَيْنِ لِمْنَ كانَ كافِرًا، لا يَجْعَلُهُ عِنْدَ اللهِ وَلا عِنْدَنا مُسْلِمًا. وَلا بُدَّ مِنَ النُّطْقِ بالشَّهادَتَيْنِ مَعًا، فَلا يَكْفِى أَنْ يَنْطِقَ الإِنْسانُ بالشّهادَةِ الأُولَى إِذا أَرَادَ الدُّخولَ بِالإِسْلام دونَ الشّهادَةِ الثانِيَة. لذلك الرّسُولُ حِينَ أَجابَ عَنْ ماهِيَّةِ وَحَقِيقَةِ الإِسْلام قال: “أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ” لأَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ قَرْنِ الإِيمانِ بِالرسُول مَعَ الإيمانِ باللهِ سُبْحانَهُ تعالى. رَبُّنا يَقُولُ فِى القُرْءان ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾[سورة ءال عمران:179] وَقالَ تَعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾[سورة الفتح:13]. يُوجَد آيات كَثِيرَة فِى القُرءان، هِيَ شاهِدٌ وَدَلِيل عَلَى أَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَجْمَعَ الإِنْسانُ بَيْنَ التَّصْدِيقِ القَلْبِيّ بالشَّهادَتَيْن مَعَ الاعْتِرافِ اللِّسانِيِّ بِهِما. ولا يَكْفِى أَنْ يَعْتَرِفَ بِلِسانِهِ بالشّهادَةِ الأُولَى دُونَ الشّهادَةِ الثّانِيَة، كَما أَنَّهُ لا يَكْفِى أَنْ يُصَدِّقَ بِقَلْبِهِ بِمَعْناهُما دُونَ الاعْتَرافَ اللِّسانِيِّ بِهِما.. لِذلِكَ نَجِدُ أَنَّ القاضِي عِياض يَنْقُل فَيَقُول: “ومَذْهَبُ أَهْلُ السُّنَّة“، يَعْنِى هذا أَيْضًا شىءٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَنَّ المَعْرِفَةَ“، يَعْنِى التَّصْدِيق القَلْبِيّ، “مُرْتَبِطَةٌ بِالشَّهادَتَيْن” مَعْناهُ لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْطِقَ بِهِما مَعَ مَعْرِفَةِ مَعْناهُما والتَّصْدِيقِ بِذلك فِى قَلْبِهِ. قال: “لا تَنْفَعُ إِحْداهُما وَلا تُنْجِي مِنَ النّار دُونَ الأُخْرَى إِلّا لِمَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَى الشَّهادَتَيْن بِلِسانِهِ لِعِلَّة” كالأخرَس. إِذا صَدَّقَ الأَخْرَس بِقَلْبِهِ بالشّهادَتَيْنِ عِنْدَ اللهِ هُوَ مُسْلِمٌ مُؤْمِن، لأَنَّهُ بِسَبَبِ خَرَسِهِ، بِسَبَبِ عِلَّةٍ بِلِسانِهِ، لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْطِقَ بالشّهادَتَيْن.
ومَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّ الإِسْلامَ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلٰه إِلا الله، هذه الكَلْمَة مَعْناها لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلّا الله، لأَنَّ مَعْنَى كَلِمَةَ “الإِلٰه” فِى اللُّغَة “المَعْبُودُ بِحَقٍّ“، كَما قالَ الفَيُّومِيُّ فِى كِتابِهِ “المصْباح المنِير”، قالَ: “ثُمَّ اسْتعارَهُ المُشرِكُون فَأَطْلَقُوهُ عَلَى ما عَبَدُوهُ مِنْ دُونِ الله“، أَيْ بِالباطِل. وَالإِلٰه اسْمٌ مِنَ الأَسْماءِ الخاصَّةِ باللهِ عَزَّ وَجَلّ، مِنَ الأَسْماءِ التي تُطْلَق عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلّ وَلا تُطْلَقُ عَلَى غَيرِهِ بالأَلْفِ واللام “الإلٰه”. كَما نَصّ عَلى هٰذا الأُسْتاذُ أَبُو مَنْصُورٍ البَغْدادِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وقالَ “بِحَقّ” لأَنَّ هُناكَ مَعْبُوداتٍ كَثِيرَة عُبِدَت بِغَيرِ حَقّ. أَلَيسَ أُناسٌ يَعْبُدُونَ الشّمسَ والقَمَر؟؟ عِبادَتُهُم باطِلَة. لَمّا كانَ هُناكَ مَعْبُوداتٌ كَثِيرَةٌ بِباطِل، اللهُ عَزَّ وَجَلّ إِلٰهُنا مَعْبُودٌ بِحَقّ وَلا أَحَدَ يسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ سِواه، تبارك وتعالى! لِذلِكَ إِذا قالَ الواحِدُ مِنّا: “لا إِلٰه إِلا الله”، أَيْ لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلّا الله.
وَقالَ الْمُبَرِّد وَهُوَ مِنْ كِبارِ اللُّغَوِيِّين: “الإِلٰه مَنْ لَهُ الإِلٰهِيَّةُ وَهِيَ القُدْرَةُ عَلَى الإِبْداعِ والاخْتِراع“. وَمَعْنى “القُدْرَةُ عَلَى الإِبْداعِ والاخْتِراع” أَي اللهُ تعالى وَحْدَهُ القادِرُ عَلَى الخَلْق، عَلَى الإِبْراز مِنْ العَدَم إِلَى الُوجُود. مَعناهُ لا أَحَدَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ جِسْمًا إِلّا الله. لا أَحَدَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ عَمَلًا لِهذا الجِسْم إِلّا اللهُ سُبْحانَه. فَاللهُ تَعالى هُوَ الذي لَهُ القُدْرَةُ عَلَى الإِيجادِ مِنَ العَدَمِ. نَحنُ ما كُنّا مَوْجُودِين. مَضَى زَمان، ما كانَ أَحَدٌ مِنّا مَوْجُودًا. مَنِ الذي أَوْجَدَنا وَأَبْرَزَنا مِنْ عَدَم؟؟ اللهُ تعالى هُوَ خالِقُنا بِقُدْرَتِهِ. فيَكُونُ مَعنَى قَوْلِنا “لا إِلٰه إِلا الله”: لا أَحَدَ يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ جِسْمٍ وَلا عَلَى خَلْقِ عَمَلٍ إِلا الله. فيَكُونُ باخْتِصار مَعنَى قَوْلِنا “لا إِلٰه إِلا الله”: لا خالِقَ إِلّا الله. وَهذا التَّفْسِير لِكَلِمَةِ “لا إِلٰه إِلّا الله” نَصَّ عَلَيْهِ إِمامُ أَهْلِ السُّنَّة الإِمام أَبُو الحَسَن الأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الحافِظُ البَيْهَقِيّ فِى كِتابِهِ الاعْتِقاد وَهُوَ أَيْضًا مِنْ كلامِ الإِمامِ أُبِي مَنْصُورٍ الماتريدِي) (فَلِذلِك أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلٰه إِلا الله أَيْ أَنْ تَعْتَرِفَ بِلِسانِكَ مَعَ التَّصْدِيقِ بِقَلْبِك أَنَّهُ لا إِلٰه إِلّا الله. لا خالِقَ لِشىءٍ مِنَ الأَشْياءِ سِواه، وَأَنَّهُ تعالى هُوَ المَوْجُود الذي لا يُشْبِهُ المَوْجُودات وَأَنَّهُ سُبْحانَه لَيسَ بِذِي صُورَة وَلا هَيْئَة وَلا كَمِّيَّة أَيْ حَجْم وَمِقْدار وَلا كَيْفِيَّة. الكَيْفِيَّةُ هِيَ عِبارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ الأَحْوالِ عَلَى المَخْلُوقِين. الكَيْفِيّة كلِمَة قَدْ تَسْمَعُونَها فِى عِباراتِ عُلماءِ التَّوْحِيدِ (العَقِيدَة)كَثِيرًا. ما مَعْنَى الكَيْفِيّة التي هِيَ عَنِ اللهِ تعالى وَعَنْ صِفاتِهِ مَنْفِيَّة؟ مَعناهُ لا يَجوزُ أَنْ نَصِفَ اللهَ بِها. الكَيْفِيّة هِيَ عِبارَةٌ عَنِ السُّؤالِ عَنِ تَغَيُّرِ أَحْوالِ المَخْلُوقِين. مثلًا أَسْأَلُكَ: كيف يجْلِس فُلان فَتَقُولُ لِي: يَجْلِس مُتَرَبِّعا. واللهُ تَعالى خالِق وَليسَ بِمَخْلُوق، فَلِذلِك لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ السُّؤالُ بِكَيْف. اللهُ تعالى لا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ بِـ”كَيْف”. لِذلِكَ قالَ الإِمام أَبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيّ وَهُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَة: “إِنَّ الذي يَجِبُ عَلَيْنا وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْلَمَه أَنَّ اللهَ سُبْحانَه لَيْسَ بِذِي صُورَةٍ وَلا هَيْئَة” لأَنَّ الصُّورَةَ تَحْتاج إِلَى جِسم، فَيُصَوَّر هذا الجِسم بالصُّورة. وَأَنا أُمَيِّزُ فُلانا عَنْ فُلان عَنْ فُلان بِصُورَتِهِ التي هُوَ عَلَيْها. اللهُ تعالى هُوَ الذي خَلَقَنا عَلَى صُوَرِنا. قالَ تعالى ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾[سورة الإنفطار:الآية 8] وَالْمُصَوِّر اسْم مِنْ أَسْماءِ الله تعالى وَمَعْناهُ خالِقُ الصُّوَر، فَخالِقُ صُوَرِنا، رَبُّنا سبحانَهُ وَتعالى ليسَ بِذِي صُورَة لأَنَّ الخالِقَ لا يُشْبِهُ المَخْلُوق. لِذلِكَ قالَ الإِمام أَبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيّ: “إِنَّ الذي يَجِبُ عَلَيْنا وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْلَمَه أَنَّ اللهَ سُبْحانَه لَيسَ بِذِي صُورَةٍ وَلا هَيْئَة لأَنَّ الصُّورَةَ تَقْتَضِي الكَيْفِيّة وَالكَيْفِيّةُ عَنِ اللهِ وَعَنْ صِفاتِهِ مَنْفِيَّة“، مَنْفِيَّة مَعناهُ لا يَجُوزُ أَنْ نَصِفَ اللهَ تعالى بِالكَيْفِيّة وَلا بِالصُّورَة وَلا بِالهَيْئَة. واللهُ لا يَحتاجُ إِلَى شىءٍ مِنْ مَخْلُوقاتِهِ لا إِلَى أَرْضِهِ وَلا إِلَى كُرْسِيِّهِ وَلا إِلَى عَرْشِهِ. خَلَقَ الخَلائِقَ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُم أَزَلًا وَأَبَدا وَكُلُّ الخَلائِقِ مُحْتاجُونَ إِلَى الله فِى دَقِيقِ الأُمُورِ وَعَظِيمِها. والله لا يَنْتَفِعُ بِطاعاتِنا، لا بِصَلاتِنا وَلا بصيامِنا وَلا يَنْضَرُّ بِمعاصِينا. لا يَزْدادُ كَمالُهُ بِطاعَةِ عِبادِهِ وَلا يَنْقُصُ كَمالُهُ بِمَعْصِيَتِهِم لأَنَّ الزِّيادَةَ والنُّقْصان مِنْ صِفات المَخْلُوقات وَليسَت مِنْ صِفاتِ الخالِق. فَكَمالُ اللهِ لا يَزِيد وَلا يَنْقُص. كُلُّ مُغَيِّرٍ مُحْتاجٌ إِلَىْ مَنْ يُغَيِّرُهُ والمحتاجُ لا يَكونُ إِلٰهًا) (وَقالَ: “وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ“هذه الشَّهادَةُ الثّانِيَةُ فِيها اسْمُ نَبِيِّنا محمّد وَهُوَ أَشْهَرُ أَسْمائِهِ وَمِنْ أسْمائِهِ أَيْضًا أَحمْدَ وَالماحِي الذي يَمْحُو اللهُ بِهِ الكُفر وَالحاشِر الذي يُحْشَرُ النّاسُ عَلَى قَدَمِه أَيْ يُبْعَثُ وَيُبْعَثُ النّاسُ عَلَى إِثْرِهِ يَعْنِى مِنْ بَعْدِهِ لأَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ هُوَ النبيّ ثُمَّ يُحْشَرُ بَعْدَهُ الأَنبياء ثُمَّ أَهْلُ مَكَّةَ وَأَهْلُ المَدِينَة ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ سائِرُ القُرَى والمدُن فِى الدُّنْيا وَهُوَ العاقِب الذي لا نَبِيَّ بَعْدَهُ . هذه مِنْ جُمْلَةِ أَسْمائِهِ التي وَرَدَت فِى حدِيثٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ رواهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيرُهُ. قالَ : “أَسْمائِي خَمْسَة مُحَمَّد وَأَحْمَد والماحِي الذي يَمْحُو اللهُ بِيَ الكُفر وَالحاشِر الذي يُحْشَرُ النّاسُ عَلَى قَدَمِي والعاقِب الذي لا نَبِيَّ بَعْدِي” أَشْهَرُ وَأَفْضَلُ أَسْمائِهِ محمَّد وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ مَفْعُولٍ مفعل المشتق من فعل “حُمِّدَ” الذي يفيد المبالغة في معنى الحمد لأَنَّه كَثِيرُ الحَمْدِ وَلذلِكَ سُمِّيَت أُمّتُهُ الحَمّادِين لأَنَّهُم يُكْثِرُونَ الحَمْدَ للِه تعالى. إِذا أَكَلَ واحِدٌ مِنّا يَقُولُ: الحَمْدُ لله. أَوْ شَرِبَ أَوْ حَدَثَت لَهُ نِعْمَة أَوْ انْدَفَعَت عَنْهُ نِقْمَة. وَهُوَ محمَّدُ وَأَحْمَد لأَنَّهُ أَكْثَرُنا حمْدًا للهِ تعالى. وَسَمّاهُ بِهِ جَدُّهُ عَبْد المطَّلِب فِى سابِعِ يَوْمِ وِلادَتِهِ. وَإِنَّما سَماهُ جَدُّهُ عَبْد المطَّلِب لأَنَّ أَباهُ عَبْدَ الله كانَ قَدْ ماتَ وَهُوَ حَمْلٌ فِى بَطْنِ أُمِّهِ. فَقِيلَ لَهُ: لِم سَمَّيْتَهُ محمَّدًا وَليسَ مِنْ أَسْماءِ آبائِكَ وَأَجْدادِك؟ فَقال: “رَجَوْتُ أَنْ يُحْمَدَ فِى السّماءِ والأَرْض” وَلِتَسْمِيَتِهِ محمَّدا قِصَّة وَهِيَ أَنَّ جَدَّهُ عَبْدَ المطَّلِب رَآى فِى المنامِ رُؤْيا. رَآى أَنَّهُ خَرَجَتْ مِنْ ظَهْرِهِ سِلْسِلَةٌ مِنْ فِضَّة طَرَفٌ مِنْها فِى المشْرِق والآخَر فِى المغْرِب. ثُمَّ إِنَّ هذه السِّلْسِلَةٌ اجْتَمَعَت فَصارَت كَأَنَّها شَجَرَة لَها أَوْراق ثُمَّ هذه الأَوْراق كانت ذات نُور، كانت مُنِيرَة يَشِعُّ مِنْها النُّور. وَهذه الرُّؤْيا قالَ بَعْضُ المعَبِّرِينَ فِى تَعْبِيرِها بِأَنَّ دِينَهُ ينْتَشِرُ فِى الآفاق، فِى المشْرِقِ وَفِى المَغْرِب، وَهُوَ نُورٌ وَهِدايَةٌ لِكُلِّ مُتَّبِعٍ لِهذا الدِّين، ويَدْخُلُ فِى مَعْنَى “مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ” التَّصْدِيقُ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ الله وَأَنَّهُ صادِقٌ فِى كلِّ ما جاءَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنِ الله. هذا أَصْلُ مَعْنَى الشَّهادَةِ الثّانِيَة. التَّصْدِيقُ بِأَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ الله، الله اختارَهُ واصطَفاهُ وَأَرْسَلَهُ داعِيًا وَمُبَشِّرًا ونَذِيرا وَأَنَّهُ صادِقٌ فِى كُلِّ ما جاءَ بِهِ لأَنَّ لا يَجُوزُ عَلَى رَسُولِ اللهِ الكَذِبُ فِى قَوْل. قالَ تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾ مَعْناهُ نَبِيُّنا لا يَكْذِب، لا يُخْطِى فِى الشَّرع، وَقالَ عَنْ نَفْسِهِ: “كُلٌّ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُدَعْ غَيْرَ رَسُولِ الله” يُدَع أَي يُتْرَك. قالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْم: “أَراد بِقَوْلِهِ “غَيرَ رَسُولِ الله” نَفْسَهُ” وَبَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ قال: “أَرادَ بِقَوْلِهِ “غَيرَ رَسُول الله” نَفْسَهُ وَكُلَّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلّ مِنْ قَبْلِهِ لأَنَّ كُلَّ الأَنْبِياء وَكُلَّ الرُّسُل يَشْتَرِكُون فِى صِفَةِ الصِّدْق فَلا يَجُوزُ عَلَى واحِدٍ مِنْهُم الكَذِبُ وَلا الخَطَأُ فِى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْحاهُ اللهُ تعالى إِلَيْهِم)، وتُقيمَ الصَّلاةَ (أي تديم إقامتها. والصلاة لغة الدعاء بخير. وشرعاً أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة غالبا، قال الفيروزأبادي: والصَّلاة: الدّعاء والرحمة والاستغفار، وحُسن الثناءِ من الله تعالى على رسوله، وعبادةٌ فيها ركوع وسجود، اسم يوضع موضع المصدر. وصلَّى صلاة، ولا تقل: تصلية، أَى دَعا. وقال صلَّى الله عليه وسلم: “إِذا دُعِى أَحدكم إِلى طعام فليُجب، فإِن كان صائما فليصلّ لأَهله”. وصلاة الله للمسلمين هى فى التَّحقيق تزكيته لهم، وهى من الملائكة والنَّاس: الدّعاءُ والاستغفار. وسمّيت العبادة المعروفة صلاة كتسمية الشىء ببعض ما يتضمنّه. والصّلاة من العبادات الَّتى لم تنفكُ شريعةٌ منها، وإِن اختلفت صُوَرها، ولذلك قال تعالى: {إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كِتَاباً مَّوْقُوتاً}. وقال بعضهم: أَصل الصّلاة من الصَلَى. ومعنى صلَّى الرّجل أَزال عن نفسه بهذه العبادة الصَلَى الذي هو نار الله الموقدة.. ويسمّى موضع العبادة الصّلاة. وكل موضع مدح الله تعالى بفعل الصّلاة أَو حثَّ عليها ذُكر بلفظ الإِقامة، نحو قوله تعالى: {والمقيمين الصلاة} ، {وَأَقِيمُواْ الصلاة} . وإِنَّما خصّ لفظ الإِقامة تنبيهًا أَنَّ المقصود من فعلها توفية حقوقها وشرائطها، لا الإِتيان بهيآتها فقط، ولهذا رُوى أَنَّ المصلِّين كثير، والمقيمين لها قليل. وقد وردت الصلاة فى القرآن على على معاني كثيرة:
- الدّعاءِ: {إِنَّ صلاتك سَكَنٌ لَّهُمْ}.
- بمعنى الاستغفار: {يا أيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ}.
- بمعنى الرّحمة: {هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ}.
- بمعنى صلاة الخوف: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة}.
- بمعنى صلاة الجنازة: {وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً}.
- بمعنى صلاة العيد: {وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ فصلى}.
- بمعنى صلاة الجمعة: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة}.
- بمعنى صلاة الجماعة: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُواً}.
- بمعنى صلاة السَّفَر: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة}.
- بمعنى صلاة الأُمم الماضية: {وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة}.
- بمعنى الصلوات الخمس: {وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة}.
- بمعنى الإِسلام: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى} ، أَى لا أَسلم.
وقد ذكر الله تعالى الصّلاة فى مائة آية من القرآن العظيم. وفى كل آية إِمّا وَعَد المصلِّين بالكرامة، أَو أَوعد التَّاركين لها بالعقوبة والملامة. أَوّلها: {يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة} ، وآخرها: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر} والله سبحانه أعلم وأحكم
الحمدُ للهِ محكِمِ المخلوقِ ومُتقنِ الصَّنعة، ومالكِ يومِ البعثِ والحشرِ والجزاءِ والرّجفة، المقدِّرِ ما شاءَ فمن ذا الذي يستطيعُ دَفعه، العالمِ بمن أخلصَ النيّةَ ومن مقصودُهُ السمعة، الذي يسمعُ بلا أذنٍ ولا يمنعُ اختلافُ اللغاتِ سَمعَه، ويبصِرُ بلا حَدَقَةٍ حتى جوف الجوف وجريان الدّمعة، وشرَعَ فَشَهِدَتِ العقولَ بصحّةِ الشِّرعَة، ومَنَعَ فمن ذا الذي يُعطي ما قدّرَ منعه، صفاتُهُ أزليّةٌ كذاتِهِ ولا يشبِهُ الصانِع صُنعه، الاستواءُ معلومٌ والكيفُ غيرُ معقولٍ والإيمان بهِ واجبٌ والسؤال عنهُ بكيفٍ بدعة. أحمدُهُ تعالى حمدًا يدومُ ما دامت الأيامُ السبعة، وأشهدُ أنّهُ فالقُ الحبِّ عن الطَّلعة، وأُصلي وأسلم على رسولِهِ محمدٍ المبعوثِ بأفضلِ شِرعَه، وعلى صاحبهِ أبي بكرٍ الصديقِ ذي الرِّفعه، وعلى عُمَرَ الفاروقِ فاتِحِ الأمصارِ فكم قَلَعَ قلعة، وعلى عثمانَ الصابِرِ على مَضيضِ تِلكَ الصّرعة، وعلى عليِّ الذي مدائِحهُ أنفقُ من كلِّ سلعة. أما بعد: فنكمل في حديث جبريل المشهور، ونقرأه كاملا ونكمل فيما وصلنا:
وصلنا إلى قوله: وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ (أي الواجبة في الأنواع الواجبة المقررة في كتب الفقه. والزكاة لغة النماء والتطهير. وشرعاً اسم للمخرج من ذلك، قال الفيروزأبادي: زكا يزْكو زَكَاءً وزُكُوًّا: نما. والزكاة: النُّموّ الحاصل عن بركة الله تعالى. ويعتبر ذلك بالأُمور الدّنيوية والأَخرويّة، وقوله تعالى: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أزكى طَعَاماً} إِشارة إِلى ما يكون حلالاً. ومنه الزكاة لما يخرجها الإِنسان من حقِّ الله تعالى إِلى الفقراء، وتسميتها بذلك لما يكون فيها من رجاءِ البركة، أَو لتزكية النَّفْس أَى تنميتها بالخيرات والبركات، أَوْ لهما جميعًا؛ فإِنَّ الخَيْرين موجودان فيها. وقرن الله تعالى الزكاة بالصَّلاة فى القرآن تعظيما لشأنها. وبزكاءِ النفس وطهارتها يصير الإِنسان بحيث يستحق فى الدُّنيا الأَوصاف المحمودة، وفى الآخرة الأَجرَ والمثوبة، وهو أَن يتحرَّى الإِنسان ما فيه تطهيره. وذلك ينسب تارة إِلى العبد لاكتسابه ذلك، نحو قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} ، وتارة إِلى الله تعالى لكونه فاعلا لذلك فى الحقيقة نحو: {بَلِ الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} ، وتارة إِلى النَّبى صلَّى الله عليه وسلَّم لكونه واسطة فى وصول ذلك إِليهم، نحو: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ، وتارة إِلى العبادة الَّتى هى آلة فى ذلك، نحو: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً} . وقوله: {لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} أَى زكِىَّ الخِلْقة، وقوله: {والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} أَى يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكِّيهِم الله، أَو ليزكُّوا أَنفسهم، والمعنيان واحد.. وفى أَثر مرفوع: “ما تلِف مالٌ من برّ ولا بحر إِلاَّ بمنع الزَّكاة”.. وقال عليه الصلاة والسّلام: “حَصِّنُوا أَموالكم بالزَّكاة”. ووردت الزكاة في القرآن على ستَّة عشر وجهاً: وذلك بمعنى الأَقرب إِلى المصلحة: {هُوَ أزكى لَكُمْ} . وبمعنى الحلال: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أزكى طَعَاماً} . وبمعنى الحُسْن واللطافة: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} أَى ذات جمال. وبمعنى الصّلاح والصِّيانة: {أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً} أَى صلاحاً. وبمعنى الدعوة والعبادة: {وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة} وبمنعى الاحتراز عن الفواحش: {مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} . وبمعنى الإِقبال على الخدمة: {وَمَن تزكى فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ} . وبمعنى الإِيمان والمعرفة: {الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة} أَى لا يؤْمنون. وبمعنى التوحيد والشِّهادة: {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى} . وبمعنى الثناءِ والمَدْح: {فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ} . وبمعنى النَّقاءِ والطَّهارة: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} . وبمعنى التَّوْبة من دعوى الرّبُوبيّة: {هَل لَّكَ إلى أَن تزكى} . وبمعنى أَداءِ الزَّكاة الشرعية: {وَآتُواْ الزكاة} ، {وَيُؤْتُواْ الزكاة} . ولها نظائر كثيرة)، وَتَصومَ (قال الفيروزأبادي: صامَ: سَكَت: {إِنِّي نَذَرْتُ للرحمان صَوْماً} ، أَى سكوتًا، بدليل قوله: {فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً}. وصامت الرّيحُ: ركدت. وقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أَى فَلْيَصُمْ فيه. ورجلٌ صَوّام قَوّام. وقوم صِيام، وصَوْم، وصُوّام، وصُيَّم. ويقال للفرس المُمْسِك عن المسير والعلَف: صائم. قال: خَيْلٌ صِيامٌ وخيل غير صائمةٍ) رَمَضَانَ (والرَّمَض بالتحريك شدَّة حَرِّ الشَّمس على الرّمل وغيره. وقد رَمِض يومُنا – كعلم – رَمَضًا – بالتحريك -: اشتدّ حرّه. وقَدَمُه: احترقت من الرّمضاءِ للأَرض الشديدة الحرِّ. وشهر رمضان معروف. والجمع: رمضانات، ورمضانون، وأَرْمِضة،)، وَتَحُجَّ (وأَصل الحجّ القصد للزِّيارة. وخُصّ فى تعارف الشَّرع بقصد بيت الله إِقامة للنُّسُك. فقيل الحَجّ والحِجّ، فالحَج مصدر والحِجّ اسم. ويوم الحَجّ الأَكبر يومُ النحر.. وفى الحديث “الحَجّ المبرور ليس له جَزَاءٌ إِلاَّ الجنَّة” قال:
إِذا حَجَجْتَ بمالٍ أَصلُه دنسٌ … فما حججتَ ولكنْ حجَّتِ العيرُ
لا يقبل الله إِلا كلَّ صافية … ما كلُّ مَن حجّ بيتَ الله مبرور) البَيتَ (أي الكعبةَ) إن اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ (الاستطاعة وردت فى القرآن على ثلاثة أَوجهٍ: الأَوّل: بمعنى السّعةِ والغِنى بالمال: {لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} ، {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} . إِذا عِنْدَهُ زاد وَراحِلَة وَجَبَ عَلَيْهِ الحَجّ، الثاني: بمعنى الميل القلبي والجماع {وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء}، الثالث: بمعنى القُدْرة والمُكْنة البدنيّة: {وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً} ، {إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ} ) سَبيلًا» (السبيل: هو الطَّريق السّهل، جمعه سُبُل وسُبْل. يذكَّر ويؤنَّث. قال تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} ، وقال جلّ ذكره: {قُلْ هاذه سبيلي} أَى مَحَجّتى وسنَّتى وطريقى. وقوله تعالى: {ياليتني اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً} ، أَى سببًا ووُصْلة. وقوله تعالى: {وابن السبيل} ، قال ابن عرفة: هو الضَّيف المنقطع به، يُعطَى قدرَ ما يتبلّغ به إِلى وطنه. وقيل: ابن السّبيل: المسافرُ البعيد عن منزلة، ونسب إِلى السّبيل لممارسته إِيّاه. وقوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} أَى طريق واضحٍ بيّن، يعنى مدائن قومِ لوط. وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ} ، كان أَهل الكتاب إِذا بايعهم المسلمون قال بعضهم لبعض: ليس للأُميين – يعنى العرب – حرمةُ أَهل ديننا، وأَموالُهم تحِلّ لنا. وقوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السبيل} يعنى به طريق الحقّ، لأَنَّ اسم الجنس إِذا أُطْلِقَ يختصّ بما هو الحقّ، وعلى ذلك: {ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ} . ويستعمل السّبيل لكلّ ما يتوصّل به إِلى شىء خيرا كان أَو شرًّا. وقوله تعالى: {مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام} يعنى طريق الجنَّة. وقوله تعالى: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله} أَى فى طاعته، ومثله {الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله} ، وقوله: {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} أَى زادًا وراحلة. وقوله: {أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً} أَى مخرجاً إِلى فضاءِ الأُنْس من حبس الوحشة. وقوله تعالى: {فاتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر سَرَباً} ، {واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَباً} أَى مَمرّه. وقوله تعالى: {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أَى عُذْرًا وعِلَّة. وقوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين} أَي دينهم وملَّتهم، وقوله: {وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أَى طريق هداية. وقوله: {فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} أَى حجّة. وقوله: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل} أَي عن طريق الحقّ.. وقوله: {ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ} أَى المخرج من رحم الأُمّ حال الولادة.. وأَسْبَلَ السِتْرَ: أَرخاه). قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقهُ! (قَالَ: “صَدَقْت“.يعْنِىقَوْلُ العارِف. يَسْأَلُ سُؤالَ الْمُسْتَفْهِم ثُمَّ يُصَدِّقُهُ تَصْدِيقَ العارِف! فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! العَجَب كَما قُلْناحالَة تَعْرُضُ لِلقَلْب “فَعَجِبْنَا لَهُ” أَيْ عَرَضَت لِقُلُوبِنا حالَةٌ تَحْصُلُ فِى القَلْبِ عِنْدَ الجَهْلِ بِسَبَبِ الشّىء. عِنْدَما لا يَعْرِفُ الإِنْسان سَبَبَ الشّىء، يَحْصُلُ لَهُ هذا التَّعَجُّب. قال: “فَعَجِبْنَا لَهُ” تَعجَّبْنا مِنْ أَمْرِهِ. حَصَلَ فِى قَلْبِنا هذه الحالَة لأَنَّنا لا نَعْرِفُ سَبَبَ ذلِك. “يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ” سُؤالُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لا يَعْرِف وَتَصْدِيقُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَعْرِف فَلِذلِك حَصَلَ لَنا العَجَب مِنْ هذا الأَمْر زِيادَة عَلَى ما رَأَوْهُ مِنْ حالِهِ. حالُهُ جَعَلَهُم يَتَعَجَّبُون. ثِيابُهُ نَظِيفَة وليسَ عَلَيْهِ عَناءُ السَّفَر ولا أَثَرُ السَّفَر وَفِى نَفْس الوَقْت ليسَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَة وَما رآهُ أَحَدٌ مِنْهُم قَبْلُ. يَسْأَلُ النّبيَّ فَيَقُوُلُ لَهُ “يا محمّد”! يُسَمِّهِ باسْمِهِ! وَهُم مَنْهِيُّنَ! جاءَ النَّهْيُ عَنْ ذلِك وَمَعَ ذلِك الرّسُولُ لا يُنْكِرُ عَلَيْهِ. لا يَقُولُ لَهُ لا تَقُل. إِذًا هذا لَهُ حالٌ خَاصّة). قَالَ: فَأَخْبرنِي عَنِ الإِيمَانِ (انْتَقَلَ بَعْدَ ذلِك إِلَى سُؤال النبيّ عَنِ الإِيمان والإِيمان فِى اللُّغَة مَعْناهُ التَّصْدِيق، ءاَمَن بِكَذا مَعناهُ صَدَّقَ بِهِ لَكِن هُنا المَقْصُودُ بالإِيمان الإِيمانُ الشّرْعِيّ ليسَ الإِيمانَ اللُّغَوِي. الإِيمانُ الشّرْعِيّ إِيمانٌ مَخْصُوص ليسَ مُطْلَقَ التّصْدِيق إِنّما تَصْدِيقٌ مَخْصُوص. تَقْدِيرُ الكَلام: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمانِ فِى الشَّرع. ما هُوَ الإِيمانُ فِى الشَّرع؟ يَعْنِى هذا الذي يَزِيدُ وَيَقْوَى بالطّاعَة وَالذي يَنْقُصُ بالمَعْصِيَة. أَخْبِرْنِي ما هُوَ هذا الإِيمان؟). قَالَ (أَي قالَ النّبيّ مُبَيِّنًا لَهُ): «أنْ تُؤمِنَ باللهِ (يَعْنِى أَنْ تُصَدِّقَ جازِمًا باللهِ تعالى. جازِمًا أَيْ مِنْ غَيرِ شَكّ. أَيْ أَنْ تَعْتَقِدَ بِقَلْبِك جازِمًا، جَزْمًا بِلا شَكّ أَنَّ اللهَ ذاتٌ مُتَّصِفٌ بِصِفات. أَنْ تَعْتَقِدَ أَنَّ اللهَ تعالى ذاتٌ لا يُشْبِهُ الذَّوات. مُتَّصِفٌ بِصِفاتٍ لا تُشْبِهُ صِفاتِ غَيرِهِ كَما أَنَّ ذاتَهُ لا يُشْبِهُ ذاتَ غَيرِهِ. هُنا قَدْ يَسْأَل السّائِل: جِبريل يسأَلُ وَيَقُول: أَخْبِرنِي عَنِ الإِيمان وَأَجابَهُ الرسُول: أَنْ تُؤْمِنَ. لَكِن الرسُول فِى هذا الحَدِيث فَسَّرَ لَهُ كَيْفَ هذا؟ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُناكَ اخْتِلاف حَتّى يَحْصُلَ التَّفْسِير. كَما قِيل “فَسَّرَ الماءَ بَعْدَ الجُهْدِ بالماء“! لا يُفَسَّر بالشىءِ نَفْسِهِ وَلا بِالمشْتَقِّ مِنْهُ! إِنَّما صَحَّ هُنا لأَنَّ مَعْنَى الإِيمان الأَوّل غَيْرُ مَعنى “تُؤْمِن” الذي جاءَ فِى الجَواب. مَعْنَى الإيمان فِى أَخْبِرْنِي عَنِ الإيمان، أَيْ أَخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ الشَّرْعِيّ. فَقالَ لَهُ: “الإِيمانُ” أَيِ الإيمانُ الشَّرْعِيُّ أَيْ “أَنْ تُؤْمِنَ” أَنْ تُصَدِّقَ. فَمَعْنَى “تُؤْمِن” أَيْ تُصَدِّقَ. فالسُّؤالُ عَنِ الإيمانِ الشَّرْعِيّ والجَواب بالتَّصْدِيقِ اللُّغَوِيّ، لَوْ كانَ اللَّفظ نَفْسَهُ لَكِن المَعْنَى لَيسَ نَفْسَهُ لِذلِكَ صَحَّ الجَوابُ كَما جاءَ. فَإِذًا الإيمانُ أَنْ تُؤْمِنَ أَيْ أَنْ تُصَدِّقَ جازِمًا بِما ذَكَرَ ﷺ. أَنْ تُؤْمِنَ باللهِ، بِأَنْ تـَعْقِدَ قَلْبَكَ جازِمًا أَنَّهُ لا أَحَدَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ إِلّا اللهُ تعالى الذّاتُ الذي لا يُشْبِهُ الذَّوات الْمُتَّصِف بالصِّفات التي لا تُشْبِهُ الصِّفات) (وأَجْمَعَ أَهْلُ السّنة أَنَّ اللهَ مُتَّصِفٌ بِثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَة، يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلِّفٍ أَنْ يَعْرِفَها. هذا بالإِجْماع ليسَ فِيهِ خِلافٌ بينَ العُلَماء. بَعْضُهُم ذَكَرَ ما يَزِيدُ عَنْ ذلِك لَكن لا أحد نَقص عِنْ ذلك. فربنا موجودٌ لا شك في وجوده لم يسبق وجودَه عدمٌ، هو الخالق وكل ما سواه خَلْقُهُ وتدبيرُهُ بمشيئته وعلمه، وربنا هو الأول الذي لا بداية لوجوده قبل الزمان والمكان قال الله تعالى (هُوَ الأَوَّلُ) والله رب العالمين هو الآخر الذي لا يفنى ولا يبيد قال الله تعالى (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ). وقال تعالى (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ) أي يبقى ذات الله. والله هو السميع البصير، فسمع الله صفةُ الله بلا كيف، وبصر الله صفةُ الله بلا كيف، يسمع بلا حاجة إلى الآلات من أذن وصِماخ، ويَرى بلا حاجة إلى حدقة واتصال شعاع، المخلوق يحتاج للآلة في سمعه وبصره وسائر أمره والله ليس كمثله شىء وهو السميع البصير. وربُّنا له كلام، سمعه سيدنا موسى وسمعه سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليهما، لا يشبه كلام الخلق، كلامُنا حرفٌ وصوتٌ ولغةٌ، وكلامُ الله لا يكون ككلامنا لا هو لغة ولا حرف ولا صوت، بل هو صفة رب العالمين المنزَّه عن مشابهة المخلوقين. وربنا له الإرادة يعني المشيئة وهي صفة يخصص الله بها من شاء من الخلق بما يشاء فهذا شقي وهذا سعيد وذاك قبيح وذاك حسن، وهو القادر على كل شىء ولا يُعجزه شىء، وهو العالم لا يغيب عن علمه شىء من المعلومات مما كان ويكون وسيكون. والله هو الحي القيوم، حياةُ الله صفةُ الله ليست بروح وجسد ولا تشبه شيئًا من معاني المخلوقين فحياة رب الأحياء لا تشبه حياتَهم قال الله تعالى (هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، والله له الوَحدانية فالله واحد بمعنى أنه لا شريك له في ذاته ووصفه وفعله، قال الله تعالى (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ). والله سبحانه الذي يحتاجه كل خلقه، ولا يحتاج إلى شىء من خلقه فَلِلَّهِ صفةُ القيام بالنفس لا يحتاج إلى ما سواه وهو الغني عن العالمين، وهو الخالق الذي وصف نفسه فقال (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ) فهو سبحانه مخالف للحوادث أي لا يشبه شيئًا من خلقه ولا يشبهه شىء من خلقه قال تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ). هكذا يعرف العبد ربه ومن قال بخلاف ذلك أو اعتقد خلاف ذلك فما عرف الله فمن لم يقر بوجود الله كأنه قال هذا العالمُ غيرُ مخلوق. ومن قال الله ليس هو الأول كأنه قال الله مخلوق. ومن قال الله ليس باقيًا كأنه قال يجوز على الله العدم. ومن قال الله لا يوصف بالسمع والبصر كأنه قال الله أعمى وأصم، وهكذا الأمر في بقية ما ذُكِرَ من الصفات)، وَمَلائِكَتِهِ (جَمْعُ مَلَك. أَيْ يَجِبُ الإِيمانُ بِملائِكَةِ الله والتّاء في “ملائِكة” ليسَت للتَّأْنِيث! بَلْ هذه دِلالَة عَلَى الجَماعَة. “فاطِمة”، “مُعَلِّمَة” التّاء للتَّأْنِيث. أَحيانًا التاء فِى ءاخِر الكَلِمَة تَكون دِلالَة عَلَى الواحِد. كَلمَة بَقَر جَمْع بَقَرَة. هذه التّاء للتّفريق بينَ الواحِد والجَمْع الثَّوْر يُسَمّى أَيضًا بَقَرَة فِى اللُّغة. البَقَرَة ليسَ فَقَط للأُنْثَى. النمل ونملة هذه التّاء للوَحْدَة وهُناك تاء للجَماعَة باللغَة العَرَبِيّة مِثْلُ الملائِكَة هذه التّاء ليسَت للتَّأْنِيث وَلا للوَحْدة هذه للدِلالَة عَلَى الجَماعَة. فيجب الإيمان بالملائكة أي بوجودهم وأنهم عباد مكرمون، ليسوا ذكوراً ولا إناثاً لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم آية 6]. ولا يتشكلون بصور الاناث قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ﴾ [سورة النجم آية 27] دلت الآية أنّ الذي يقول إن الملائكة إناث حكمه أنّه ليس مؤمن، وقد يتشكلون بصورة الرجال من غير آلة الذكورية. فالملائكةُ كلهم طائعون للهِ، لأنـهم مجبولون على طاعةِ اللهِ، وهم مختارون ولكن لا يختارونَ إلاَّ الطاعةَ بمشيئةِ اللهِ. فإبليس لعنهُ اللهُ، لم يكن ملَكاً كما يتوهمُ بعضُ الناسِ فإنَّ بعضَ الناسِ يظنونَ أنَّ إبليسَ كان من الملائكةِ ثم عصى أمر اللهِ تعالى، حتى إنَّ بعضهم يظنون أنه كان طاووسَ الملائكةِ والعياذُ باللهِ تعالى، والحقيقةُ كما قالَ اللهُ تعالى في سورةِ الكهفِ: ﴿ وإذْ قُلْنا للملائكةِ اسجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبليسَ كانَ مِنَ الجِنِّ ففَسَقَ عن أمرِ رَبِّه ﴾ فإبليس كانَ من الجنِّ، وكان في أولِ أمرِهِ مؤمِناً يعبُدُ اللهَ مع الملائكةِ فلذلكَ لحقَهُ الأمرُ بالسجودِ لآدَمَ عليه السلام، ولكنَّهُ فسَقَ عن أمرِ ربِّهِ ورفَضَ السجودَ واعتَرَضَ على اللهِ والعياذُ باللهِ فطُرِدَ من رحمةِ اللهِ ولُعِنَ إلى أبدِ الآبِدين. واللهُ تباركَ وتعالى خلَقَ الملائكةَ من نورٍ كما قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: « خلَقَ اللهُ الملائكةَ من نورٍ وخلقَ الجان من مارِجٍ من نار وخلقَ آمَ مما وصفَ لكم » أي من ماءٍ وتراب، من نار أي من لـهيبِ النارِ الصافي)، وَكُتُبهِ (الكِتاب سُمِّيَ كِتابًا مِنَ الكَتْب والكَتْبُ الجَمْع. أَلَيْسَ يَجْمَعُ الإِنْسان فِى الكِتاب الكَلام بَعْضَهُ إِلَى بَعْض؟ فَسُمِّيَ كِتابًا. عِنْد العَسْكَر يَقُولوا “الكَتِيبَة”. تُسَمَّى بِذلِكَ لأَنَّهُم يَجْتَمِعُوا مَعَ بَعْضِهِم، فيجب الإيمان بكل الكتب المنزلة على بعض الأنبياء. الكُتب السّماوِيّة دعت كلها إلى دين الإسلام، الّذي هو الدّينُ السّماويُّ الوحيد. إن أشهر الكتب السماوية التي أنزلها الله تبارك وتعالى على أنبيائه هي : القرءان الكريم، التوراة، الإنجيل، الزبور. الكتاب الوحيد الذي لم يحرف هو القرآن الكريم. ورد في حديث رواه ابن حبان في صحيحه، وكذا رواه ابن مَرْدَوَيْه وعبد بن حُمَيْد وابن عساكر كما ذكر ذلك السيوطي في الدر المنثور، والقرطبي في التفسير، كلهم عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم كم كتابا أنزل الله ؟ قال: « مائة كتاب، وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسون صحيفة، وأنزل على أخنوخ (إدريس) ثلاثون صحيفة، وأنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان » المجموع مائة كتاب وأربعةُ كتب سماوية).
الحمد لله الذي لا ناقض لما بناه، ولا حافظ لما أفناه، ولا مانع لما أعطاه، ولا راد لما قضاه، ولا ساتر لما أبداه ولا مظهر لما أخفاه، ولا ضال لمن هداه، ولا هادي لمن أعماه، والصلاة والسلام على رسول الهدى محمد الذي اختاره الله على العباد واصطفاه، وعلى صاحبه أبي بكر الذي رضي الله عنه وأرضاه، وعلى عمر الذي عدل بين العباد فتربت يداه، وعلى عثمان الذي استحت منه الملائكة فزانه حياه، وعلى عليّ الذي والى الله من والاه وعادى من عاداه، صلاة وسلاما دائمين متلازمين ما تحركت الألسن والشفاه.. أما بعد: فنكمل في حديث جبريل المشهور، ونقرأه كاملا لأهميته ونكمل فيما وصلنا إليه:
وصلنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: وَرُسُلِهِ (يجبُ الإيمانُ برسل الله من كان منهم نبياً غيرَ رسول ومن كان رسولاً نبياً، وليعلم أن النبي هو : من أوحي إليهِ بشرعِ من قبلهُ أما الرسولُ فهو : من أوحي إليه بشرعٍ جديد، وكلٌ مأمورٌ بالتبليغ وقد غلط بعضهم فقال : إن النبي غيرُ مأمورٍ بالتبليغِ وهذا غلطٌ شنيع لأنه لو لم يكن مأموراً بالتبليغ فأي معنى لرسالتهِ ؟ ومعنى قول الله تعالى: ﴿ لانفرقُ بين أحدٍ من رسله ﴾ أي بالإيمانِ معناهُ: نؤمنُ بالكُل أما من حيثُ الفضلُ فبعض الرسل أفضل من بعض قال تعالى: ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾. وأول الأنبياء والرسل هو ءادم عليه السلام والدليلُ على أنه كان نبياً قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾[سورة آل عمران آية 33] وقد غلط بعضُ الناسِ وظنوا أن أول الرسل على الإطلاق هو نوحٌ وأوردوا لذلك حديثاً إن نوحاً هو أول رسل الله إلى أهلِ الأرضِ وهذا الحديث معناه: أن نوحاً عليه السلام هو أول من أرسله الله إلى أقوامٍ مختلفين لأنه قبل ذلك كان الناس أمة واحدة أي كلُهم على الإسلام وذلك في زمن ءادم وشيث وإدريس وحصل الكفر أول مرة بعد إدريس فكان نوحٌ أول من أرسل إلى الكفار، والجاهلية الأولى ما بين وفاة إدريس إلى بعثة نوح وكانت ألف سنة. وقد جاء كلُ الأنبياء بدين واحدٍ هو الإسلام قال تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾[سورة آل عمران آية 85] وقال تعالى: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ﴾ وقال تعالى: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّـهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّـهِ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ). وَاليَوْمِ الآخِر (سُمِّيَ بِذلِك لأَنَّهُ ءاخِرُ أَيّام الدُّنيا. بَعْدَهُ لا يَأْتِي لَيل وَلا تعاقُب ليل وَنهار. والمقْصُود الإِيمان بالقِيامَة. أَنَّ القِيامَةَ تَقُوم وَأَّنَّ الأَمواتَ يَقُومونَ مِنَ القُبُور وَأَنَّهُم يُحْشَرُون وَأَنَّهُم يُسْأَلُون وَأَنَّ الأَجْسادَ التي كانَت بَلِيَت اللهُ يُعِيدُهاوَيُعِيدُ الأَرواحَ إِلَيْها وَيَقُومونَ للسُّؤال وَيُسْأَلُون والنّاس يُعْطَوْنَ كُتُبَهُم، المؤمن يأْخُذُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ والكافِر يأْخُذُ كِتابَهُ بِشِمالهِ مِنْ وَراءِ ظَهْرِه. يَجِبُ أَنْ نُؤْمِنَ بذلك: البَعْث والحَشر والقيامَة مِنَ القُبُور والسؤال ثُمَّ بَعْدَ ذلِك عذاب أَوْ نَعِيم وأَنَّ الزَّمانَ بَعْدَ ذلِكَ يَجْرِي فَلا يَتَوَقَّف، لا يَصِل إِلَى وَقْتٍ يَنْتَهِي فِيه وأَنَّ الجَنّة تَبْقَى إِلَى ما لا نِهايَة وَأَهْلُها يَخلُدُونَ فِيها مِنْ غَيرِ خُروج وَأَنَّ النّار باقِيَةٌ بِلا نِهايَة وَأَنَّ أَهْلَها الكُفّار خالِدُونَ بالعَذابِ فِيها بِلا خُرُوجٍ مِنْها.نَسأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يُنْجِيَنا مِنْ عذابِ النّار وَأَنْ يُدْخِلَنا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، فاليوم الآخر هو يوم القيامة ويكونُ ابتداؤهُ من حينِ ينفخُ إسرافيلُ في الصور فيموتُ الأحياء من الإنسِ والجن والملائكة سوى من استُثني من الملائكةِ كحملة العرش وخزنة الجنة وخزنة النار ، كذلك الحور العين والولدان المخلدون لا يموتون لأنهم في الجنة فوق السموات السبع ، ويومُ القيامةِ مقداره خمسونَ ألف سنة وهي خمسونَ موقفاً للحسابِ كلُ موقفٍ ألفُ سنة قالَ اللهُ تعالى: ﴿في يومٍ كانَ مقدارهُ خمسينَ ألف سنة﴾ وقد وردَ في الحديثِ الصحيح أن هذه السنين تكون على المؤمن التقي كأقلّ من وقت الصلاة المكتوبة وفي روايةٍ كتدلي الشمس لغروبها. وحسابُ الناسِ سيكونُ على الأرض المبدلة قال الله تعالى: ﴿يوم تبدلُ الأرض غيرَ الأرضِ﴾)، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ (أحبابي: لأهمية هذا الأمر أبينه بشىء من التفصيل: فالإيمان بالقدر خيره وشره معناه الإيمان بأن كل ما دخل في الوجود من خير و شر هو بتقدير الله الأزلي، فالخير من أعمال العباد بتقدير الله و محبته ورضاه، والشر من أعمال العباد بتقدير الله وخلقه وعِلْمِه ولكن ليس بمحبته ولا برضاه. الله خالق الخير والشرّ لكنه يرضى الخير ولا يرضى الشرّ. الله تعالى خالق أفعال العباد ونيّاتهم ومشيئتهم شرّها وخيرها. اعلموا انه لا يجري شىء في هذا العالم إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى. والقدر هو جعل كل شىء على ما هو عليه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه) أي أن المخلوقات التي قدرها الله وفيها الخير والشر إنما وجدت بتقدير الله الأزلي. وأما صفة الله القدر لا يوصف بأنه شرّ. والإيمان بالقدر هو من الأمور المهمة و يكون باعتقاد أن كل شىء يحصل بتقدير الله ويدخل في ذلك عمل العبد الخير و الشر باختياره. إن إرادة الله نافذة في كل ما أراده على حسب علمه الأزلي فما علم الله كونه أراد كونه في الوقت الذي يكون فيه. وما علم أنه لا يكون لم يرد أن يكون فلا يحدث في العالم شىء إلا بمشيئة الله. فعل الأسباب لا ينافي التوكل على الله ولا ينافي اعتقاد أن كل شىء بتقدير الله لأن أفكارنا وأعمالنا ومشيئاتنا هي بخلق الله وتقديره ومشيئته التي لا تتغير ومن اعتقد خلاف ذلك أو شك في ذلك فلا يصِح إسلامه فعليه الرجوع للإسلام بالنطق بالشهادتين مع ترك العقيدة الفاسدة. فالله هو خالق الخير والشر لكنه يرضى الخير ولا يرضى الشر وهو يفعل ما يريد، لا يُسأل عما يفعل. قال الله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)، قوله صلى الله عليه وسلم وبالقدرِ خيره وشره أراد بقولهِ وبالقدر صفةَ الله، أي يجب الإيمان بأن كل ما يدخل في الوجود يدخل بتدبير أزليٍ من الله فتدبير الله الذي هو صفته أزلي أبدي، شامل لكل ما يدخل في الوجود من الأجرام أي الأجسام والأعمال خيرها وشرها، وتقدير الله الذي هو صفته لا يوصف بالشر. ويكون معنى خيرهِ وشرهِ: أن المقدور أي المخلوق فيه خير وفيه شر، وهذا المقدور دخل في الوجود بتدبير الله الأزلي، فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل القدر على معنى صفة الله، وأعاد الضمير عليه على معنى المقدور وهو المخلوق. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي بتدبير أزلي وروى مسلم في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: « كل شىء بقدر حتى العجزُ والكيس » أي الغباء والذكاء، فلا يجوز أن يقال إن الله قدّر الخير ولم يقدر الشر لأن هذا ضدُّ القرءان والحديث والعقل. وتقدير الله للشر وإرادته للشر وخلقه للشر ليس قبيحاً منه تعالى إنما فعل العبد للقبيح قبيح وذلك لأن العبد مأمور بفعلِ الخيرِ منهيٌ عن فعل الشر، أما الله تعالى فهو الآمر الذي لا آمر له والناهي الذي لا ناهي له. والفرق بين الخير والشر أن الخير يحبه الله وأمر به والشر لا يحبه الله ونهى عنه وإلا فكلٌ بخلق الله وتقدير الله وعلم الله ومشيئته. فإذا سأل سائل الإنسان مخير أم مسير ؟ فالجواب أن يقال: إن الإنسان مختارٌ تحت مشيئة الله، فالإنسان له اختيار لكنه لا يخرج عن مشيئة الله. مشيئة الإنسان يخلقها الله. قال الله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فلا يقال الإنسان له اختيار مستقل عن مشيئة الله ولا يقال الإنسان لا مشيئة له. الإنسان يكتسب أعماله فقط ولا يخلقها. قال الله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ فالإنسان لا يكون منه إلا ما قدَّرَ الله كما قال عليه الصلاة والسلام: « وقل اعملوا فكل ميَسَرٌ لما خلق له » وحظ العبد من فعله توجيه القصد نحو العمل ، والله يخلقه عند ذلك إن شاء ، فالعباد مظاهرٌ لاكتساب الأعمال لا حظ لهم في الخلق قال الله تعالى: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّـهِ ﴾ معناه لا خالق إلا الله وروى ابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله صانع كلِ صانعٍ وصنعتِه » أي صانع العبدِ وفعلِه. ومن أقوى الأدلة لأهل السنة أن الله هو خالق فعلِ العبد لا حظَّ للعبد في الخلق، قولُه تعالى: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ رَمَىٰ﴾ [سورة الأنفال آية 17] معناه وما رميت يا محمدُ خلقاً، إذ رميت كسباً، ولكن الله رمى خلقاً. وقد سئل الإمام الشافعي رضي الله عنه عن القدر فقال: ما شئتَ (أي يا الله) كان وان لـم أَشَـأ وما شِئتُ إن لم تَشأ لم يكـن خلَقتَ العبادَ على ما علمـتَ ففي العلم يجرى الفتى والمُسِنّ على ذا منَنتَ وهذا خذَلـتَ وهذا أعَنتَ وذا لم تُعــِـن فمنهم شقيٌ ومنهم سعــيدٌ ومنهم قبيحٌ ومنهم حســـن فسر الشافعيُّ القدرَ بالمشيئةِ وبيّنَ أن ما شاءه الله لابد أن يكون وما شاءه العبد لا يكون إلا إذا شاء الله وأن كل شئ بخلقٍ الله وعلمه ومشيئته. وقد ضلَ أناسٌ ينسبون أنفسهم زوراً وبهتاناً للإسلام فجعلوا مشيئة الله تابعة لمشيئة العبد وهذا ضدُ قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ {29}﴾. وقالتِ المُعتزلةُ والعياذ بالله: إن الله خلق أجسام العباد وأعطاهم القدرة على خلق أفعالهم ثم صار عاجزاً عن خلقها وهذا من أشنعِ الكفر قال بعض العلماء: المعتزلة جعلوا الله كمن قيل فيه المثل: أدخلته داري فأخرجني منها، معناه جعلوا الله مغلوباً في ملكهِ، والله تعالى يقول: ﴿ وَاللَّـهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ﴾. أي مشيئة الله نافذة. وقد التقى مُعتزليّ بالإمامِ أبي إسحاق الأسفراييني رضي الله عنه فبدأ الصاحب المُعتزليّ كلامهُ بقولهِ: سبحان من تنزه عن الفحشاء يريد بذلك أن الله لم يشأ حصول الشر ولم يخلقه، فقال له أبو إسحاق: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء فقال المعتزلي: أيحبُ ربُنا أن يُعصى ؟ فقال أبو إسحق: أيُعصى رَبُنا قهراً ؟ (والمراد أن المعصية تحصل بمشيئة الله وخلقه لها فالله لا يتأذى من معاصي العباد ومن شتمهم إياه كنسبة الولد له) فقال المعتزلي: أرأيتَ إن منعني الهدى وحكم علي بالردى أحسنَ إلي أم أساء ؟ فقال أبو إسحق: إن منعك ماهو لك فقد أساء وإن منعك ما هو له فإنه يختص برحمته من يشاء ، فسكت المُعتزلي وانقطع لأن الإمام أبا إسحق كَسَرَهُ بالحجةِ. فتبينَ لكَ أيها الطالبُ للحقِ أن كل مادخلَ في الوجودِ بمشيئةِ الله وعِلمِه وتقديرهِ وخلقه سواءٌ في ذلك الجسمُ والعمل الخيرُ والشر الكُفرُ والإيمانُ إلا أن الخيرَ يحبهُ الله وأمرَ به والشر لا يحبهُ الله ونهى عنهُ. وقد روى ابنُ حبان أنه صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله لو عذَّب أهل أرضهِ وسمواته لعذَّبَهُم وهو غيرُ ظالمٍ لهم ولو رحِمَهُم كانت رحمتُهُ خيراً لهم من أعمالِهم ولو أنْفَقْتَ مثلَ أُحدٍ ذهباً في سبيل الله ما قَبِلَهُ الله منك حتى تُؤمنَ بالقدرِ وتعلمَ أنَّ ما أصابَك لم يكن ليُخطئَكَ وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مُتَّ على غيرِ هذا دَخَلْت النار)». قَالَ: صَدقتَ (تَعَجَّبَ الصَّحابَة، يَسْأَلُهُ سُؤالَ المسْتَفْسِر ثُمَّ يُصَدِّقُهُ تَصْدِيقَ العارِف). قَالَ: فأَخْبرني عَنِ الإحْسَانِ (أَيْ أَخْبِرْنِي عَنْ أَخَصِّ مَراتِبِ الإِحْسان. الإِحْسان مَراتِب. الإحسان مَعناهُ أَنْ يَعْمِل الإِنْسان الأَعْمال الحَسَنَة والإيمان بالله حَسَن والإيمان بالرسُول حَسَن وَإِقام الصلاة حَسَن وَإيتاءِ الزّكاة حَسَن ولَكِنَّ الأُمور لَها مَراتِب. يَكونُ إِنْسانٌ مُحْسِنًا وَيَكُونُ إِنْسانٌ أَكثَرَ مِنْهُ إَحْسانًا وَيَكُونُ ءاخَر أَكثَرَ مِنْهُ إَحْسانًا وَيَكُونُ ءاخَر أَكثَرَ مِنْهُ إَحْسانًا ف”فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ” مَعْناهُ عَنْ أَعْلَى مَراتِبِهِ، أَخَصِّ مَراتِبِهِ). قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ» (ولهذه العبارة وضع الحافظ النووي هذا الحديث في هذا الباب، في باب المراقبة، قَالَ: “أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَلا يَخْفَى أَنَّ العَبْدَ إذا كانَ يَرَى مَوْلاه، يَحْصُلُ لَهُ النِّهايَة مِنَ الخُشُوع والتَّذَلُّل، أَلَيسَ كذلِك؟ إِذًا المطْلُوب أَعْلَى دَرَجات الإِحْسان، أَنْ يَصِلَ الإِنْسان إِلَى عِبادَةِ الله كَأَنَّهُ يَراه. هُوَ لا يَراه، لَكِنْ كَأَنَّهُ يَراه. هذا أَعْلَى دَرَجاتِ الإِحْسان، أَخَصُّ أَنْواعِهِ. كانُوا يَقُولوا عَنْ بَعْضِ النّاس مِنْ شِدَّةِ إِقْبالِهِم عَلَى الطّاعَة وَمِنْ شِدَّةِ خَشْيَتِهِم لله، لَوْ قِيلَ لَهُ تَمُوتُ غَدًا، لَوْ فَرَضْنا أَنَّهُ عَرَف أَنَّهُ يَمُوتُ غَدًا، ما كانَ يسْتَطِيعُ أَنْ يَزِيدَ شيْئًا على ما يَفعَلُهُ، مِنْ شِدَّةِ إِقْبالِهِ عَلَى طاعَةِ الله وَمِنْ شِدَّةِ خَشْيَتِهِ مِنَ الله، مِثْلُ هؤلاءِ النّاس وَصَلُوا إِلَى الدّرجاتِ العالِيَة العالِيَة بِحَيثُ إِنَّهُم فِى كُلِّ أَوْقاتِهِم، قُلُوبُهُم مَشْغُولَة فِى طاعَةِ الله وَبِعِبادَتِهِ والتَّذَلُّل لَهُ سبحانَه وَشِدَّةِ الخَشْيَة لَه. قَالَ: “أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك”. إِنْ كُنْتَ لا تَراهُ، فَلا تَغْفَل عَنْ أَنَّهُ يَراك فِى كُلِّ أَحْوالِك، فانْظُر ماذا تَفْعَل. إِذا اسْتَحْضَرَ الإِنْسان هذا فِى قَلْبِهِ، هذا يَكُونُ مِنْ خَيرِ العَوْنِ لَهُ عَلَى طاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ. سَهْل بْنُ عَبْدِ اللهِ التُّسْتَرِيّ كانَ لَهُ إِنْسان مِنْ أَقارِبِهِ مِنَ الأَكابِر، كانَ يُرَبِّيه تَرْبِيَةً حَسَنَة فَقالَ لَهُ وَهُوَ فِى السّابِعَة مِنْ عُمُرِهِ: “يا سَهْل، قُلْ (رَدِّد) فِى قَلْبِكَ: اللهُ يَرانِي، اللهُ يرانِي“. سَهْل كانَ مُطِيعًا. بَقِيَ سَنَة يُرَدِّدُ فِي قَلْبِهِ: “الله يراني، الله يراني، الله يراني”، بَعْدَ سَنَة، قالَ لَهُ: “يا سَهْل، مَنْ كانَ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ يَراه وَأَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، هَلْ يَعْصِيه؟” فانْتَفَعَ بِذلِكَ انْتِفاعًا عَظِيمًا. بَعْدَ ذلِكَ صارَ مِنْ أَكابِر أَوْلِياءِ هذه الأُمّة). قَالَ: فَأَخْبِرنِي عَنِ السَّاعَةِ (يَعْنِى أَخْبِرْنِي عَنْ قِيامِ السّاعَة. السّاعَة يَعْنِى يَوْم القِيامَة، أَيْ مَتَى يَكُونُ أَوَّلُ القِيامَة. هُنا ليسَ المراد بالساعَة الوَقت، سِتِّين دَقِيقَة). قَالَ: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» (كانَ يسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: لستُ أَنا أَعْلَمُ بِها مِنْكَ. أَنْتَ لا تَعلَم ولا أَنا أَعْلَم. لَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذلِك. ما اخْتارَ هذا اللفْظ. وكانَ يستَطِيع أَنْ يَقُول: لا أَعْلَم، كَما أَنَّكَ لا تَعْلَم! لَكِنَّهُ اخْتارَ لَفْظًا فيهِ تَعْميم. “مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ” ما أَحَد مِنَ الخَلْقِ إِذا سُئِلَ عَنْها يَكونُ أَعْلَمُ بِذلِكَ مِنْ سائِلِهِ. أَرادَ التَّعْميم حَتَّى يُبَيِّن، وجبريل كانَ يَعْرِف أَنَّ النّبيّ ﷺ لا يَعْلَمُ مَتَى قِيام السّاعَة، لَكِنَّهُ سأَلَهُ لِيُجِيبَ لِيُعَلِّمَ الصّحابَةَ ذلك. وَإِذا كانَ النبيُّ لا يَعْلَم، فَغَيرُهُ بالأَوْلَى لا يَعْلَمُ مَتَى يَكُونُ أَوَّلُ القِيامَة).
وهذا فيه رد على من يقول إن الرسول يعلم كل ما يعلمه الله: وكذلك قولُه تعالى {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} سورة الأنعام/59، وقوله تعالى {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} سورة التغابن/18، وقد تمدَّح تبارك وتعالى بإحاطته بالغيب والشهادة علمًا، فهذا القائل إن الرسول يعلم بإعلام الله له كل شىء يعلمه الله جعله مساويًا لله في إحاطة علمه بكل شىء. ومما يَرُدُّ ذلك أيضًا قوله تعالى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} سورة الجن، أي أن الذي ارتضاه الله من رسول يجعل له رصدًا أي حفظة وهم الملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من الشيطان. وقد تبين أن الآية ليس فيها اطلاع الله الرسول على العلم بالغيب لا على الإطلاق ولا على البعض وإنما يُعلم إطلاع الله النبي والولي والمَلك على بعض الغيب من غير هذه الآية، لأن هذا مسكوت عنه بالنسبة لهذه الآية، وإنما الذي فيها أن الله لا يُطلع على جميع غيبه أحدًا من خلقه. وقد عُلم اطلاع الله المَلك والنبي والولي على بعض الغيب من دليل ءاخر مثل قصة الخضر عليه السلام المذكورة في القرءان فإن فيها اطلاع الله خضرًا على بعض الغيب وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخضر أنه قال لموسى “يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر” رواه البخاري، وأحاديث أخرى كالحديث الذي فيه إخباره عليه الصلاة والسلام بأن أمته ستفتح بعض البلاد. ومن الغلط القبيح استدلال بعض الناس على اطلاع الولي على بعض الغيب بالآية السابقة {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} سورة الجن، حيث قال: لما أثبت اطلاع الرسول عُلم بطريق التَّبَع اطلاع أولياء أمته على الغيب، وهذا منشؤه ظنهم أن “إلا” هنا استثنائية، بل “إلا” في هذه الآية كإلا التي في قوله تعالى {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ} سورة الغاشية، كما قال اللغوي الثعالبي وغيره، فلا يصح كونها هنا بمعنى الاستثناء لفساد المعنى على ذلك لأنه يكون المعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسيطر على الكفار. والمعنى المراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس مسيطرًا عليهم لكن الله يعذب أولئك الكفار العذاب الأكبر لكفرهم، لكن هؤلاء الغلاة في هذه الآية لا يَدَّعون أنها استثنائية فكيف جعلوها في تلك الآية استثنائية؟! والتفسير السديد للآية {إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} سورة الجن/27، أن يقال: الله تعالى عالم الغيب والشهادة فلا يطلع على جميع غيبه أحدًا من خلقه لكن من ارتضى من رسول يجعل له رصدًا، فإلا هنا ليست استثنائية بل هي بمعنى “لكن”، فليس معناها أن الله تعالى يظهر على غيبه من ارتضى من رسول. فيُفهم من الآية أن علم الغيب جميعِه خاصٌّ بالله تعالى فلا يتطرَّق إليه الاستثناء، فتكون الإضافة في قوله {عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} للعموم والشمول على مقتضى قول النحويين والأصوليين إن المفرد المضاف للعموم، فيكون معنى {غَيْبِهِ} أي جميع غيبه، وليس المعنى أن الله يُطلِع على جميع غيبه من ارتضى من رسول. قال الإمام الفقيه المحدث الأصولي بدر الدين الزركشي في البرهان ما نصه [وتُقَدَّر – يعني “إلا” – بـ “لكن” كقوله تعالى {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ* إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ} سورة الغاشية و {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ اجرٍ إِلاَّ مَن شَاء} سورة الفرقان/57، وقال بعض اللغويين في باب مواضع “إلا” أنها تكون بمعنى لكن ما نصه [وقوله {فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ} معناه: لكن من ارتضى من رسول فإنه يسلك]. وذهب بعض المفسرين مذهبًا غير هذا فقالوا: إن الرسول يُظهره الله على بعض الغيب، فجعلوا “إلا” هنا على معناها الذي هو الأكثر استعمالا وهو أن تكون للاستثناء المعهود، لكنهم لم يقولوا بذاك القول الفاسد. ومن قال إن أحدًا غيرَ الله يعلم بكل شىء فقد ساوى بين الله وبين ذلك المخلوق. فقول بعض الناس: إن الرسول يعلم كل الغيب أي يعلم جميع ما يعلم الله من طريق عطاء الله فقد ساوى بين الله تعالى وبين الرسول والعياذ بالله تعالى. فقائل هذه المقالة قد غلا الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه، قال الله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} سورة المائدة/77، وقال النبي صلى الله عليه وسلم “إياكم والغلوَّ في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين” رواه ابن حبان وغيره. وقد صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال “لا ترفعوني فوق منزلتي”، والغلو هو الزيادة عن الحد المأمور به، فقد أمرنا أن نعظم الأنبياء لكن لا يجوز أن نرفعهم فوق منزلتهم كوصفهم بصفات الربوبية. ومما يرد مقالتهم هذه قوله تعالى {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} سورة التوبة/101، وما رواه ابن ماجه عن الرُّبيع بنت مُعَوِّذ أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها صبيحة عرسها وعندها جاريتان يتغنيان وتقولان: “وفينا نبي يعلم ما في غد”، فقال “أما هذا فلا تقولوه، ما يعلم ما في غدِ إلا الله”.
واللهَ نسألُ أن يحفظنا من الفتن إنه على كل شىء قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.
الحمد لله الذي خلق العالم من غير احتياج، وأنزل قرءانا عربيا قيما من غير اعوجاج، وشرع الإسلام دينا فانتشر في الأرض وراج، فكان لمن دخل فيه فخرا وعزا وتاج، أحمده تعالى كلما هلل مهلل واعتمر معتمر وحج حاج، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد السراج الوهاج، من بمولده ارتج إيوان كسرى ارتجاج، وصاح إبليس اللعين صيحة وهاج. وعلى صاحبه أبي بكر مصدقه في الإسراء والمعراج، وعلى عمر الذي انتشر عدله في الفجاج، وعلى عثمان الذي يبتهج بذكره أيما ابتهاج، وعلى عليٍّ الذي أدخل في دين الله أفواجا تلو أفواج.. أما بعد:
فنكمل في حديث جبريل المشهور، ونقرأه كاملا لأهميته ونكمل فيما وصلنا:
وصلنا إلى قوله: قَالَ: فأخبِرني عَنْ أَمَاراتِهَا (أَيْ عَنْ عَلامَتِها) (والقيامةُ لها علاماتٌ صغرى وعلاماتٌ كبرى ومن العلاماتِ الصغرى التطاولُ في البنيانِ من قبلِ الحُفاةِ العراةِ الفقراءِ الذينَ يرعونَ الغنمَ وقد حصلَ ذلك ، وتقاربُ الأسواقِ وقد حصلَ ذلك وكثرةُ الزلازلِ وكثرةُ القتلِ بلا سبب وكثرةُ شربِ الخمرِ وكثرةُ الزنى وكثرةُ الاستماعِ للموسيقى من آلات اللهو المحرمة وقد حصلَ ذلك، وظهورُ النساءِ اللاتي يلبسنَ الثياب التي تظهرُ العورةَ بكثرة مع إمالتهنَ الرجالَ للزنى وقد حصلَ ذلك ، وءاخرُ العلاماتِ الصغرى ظهورُ المهديّ روى الترمذي وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “لا تقومُ الساعة حتى يملكَ رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمهُ اسمي واسمُ أبيهِ اسم أبي يملأ الأرضَ قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجَوْراً ” ، معناهُ : أن من علامات الساعة أن تمتلأ الأرضُ بالظلمِ والجَورِ وقد حصلَ ذلك ، ثم يظهرُ رجلٌ من أهل بيت الرسول اسمهُ محمدُ بن عبد الله مدنيٌ هو ووالداهُ اسمهُ عبد الله يخرجُ من المدينة المنورة إلى مكة حيثُ يبايعهُ ثلاثمائةٍ وثلاثةَ عشرَ ولياً ثمَ يذهبُ إلى برِ الشام ويعيشُ هناك ويحكمُ في الأرضِ بالعدلِ وورد في الأثر أنه يكونُ فوق رأسه ملكٌ يقول: أيها الناس هذا المهدي فاتبعوه وأنهُ حينَ ينزلُ سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام سيصلي المهدي فيه إماماً وذلك ليدل على أن عيسى المسيح يتبع شرع محمد صلى الله عليه وسلم. وتلي العلاماتِ الصغرى علاماتٌ كبرى منها ثلاثةُ خسوفٍ خسف في المشرقِ وخسف في المغربِ وخسف في جزيرةِ العرب، ومنها ظهورُ الأعور الدجال ثم نزول المسيح ثم ظهور قوم يأجوجَ ومأجوج وهم كفارٌ من بني ءادم مخفيونَ في جهة من الأرض جعل ذو القرنينِ العبدُ الصالح بينهم وبين البشر سداً ورد في الحديثِ الصحيحِ أنهم كل يومٍ يأخذون منه قدراً فيبقى قدر ما يفتحُ في يومٍ واحد فيقولونَ غداً نتمهُ فيصبحون وقد عاد كما كان حتى يأتي اليومُ الذي شاء الله خروجهم فيه ويقولونَ غداً نتمهُ إن شاء الله فيصبحونَ ويفتحونهُ ويخرجون إلى الناس فيأكلونَ ما على وجه الأرض من الطعام الذي يمرونَ بهِ حتى إنهم يشربونَ بحيرة طبَرَيّا التي في فلسطينَ فيقولُ ءاخرُهم كان هنا ماء، ومنها كما ذكرنا ظهورُ المسيح الدجال الموجود في جزيرةٍ في البحر قيدتهُ الملائكةُ بالسلاسل وهو كافرٌ يقولُ للناس أنا ربكم وهو أعور ويأمرُ الناس باتباعهِ على ذلك فيتبعهُ كثير لأن فتنتَهُ كبيرة يقولُ للأرضِ أخرجي نباتك فتخرج وللسماء أنزلي مطرك فتنزل وذلك ابتلاء من الله لعباده، قال عليه الصلاة والسلام : وإن معه ماءً وناراً فماؤهُ نارٌ ونارهُ ماء. ومنها كما ذكرنا نزول عيسى المسيح قال الله تعالى: ﴿وإنه لعلمٌ للساعةِ﴾ ، قال ابن عباس هو نزول المسيح عيسى وقد ورد في الحديثِ الصحيح أنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق على جناح ملكين وتوجدُ الآن منارة بيضاء شرقي دمشق في المطار وورد أنه يقتلُ المسيح الدجال عند باب لُدٍّ في فلسطين وأنه يدعو على يأجوج ومأجوج فيُبيدهم الله بتسليطِ دودٍ يدخلُ في رقابهم فيقتلهُم. وقد ورد أنه يعيش في الأرض أربعين عاماً وأنه سيتزوج وروى السيوطي أنه سيدفن بجوار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في حجرة السيدة عائشة المباركة. ومنها نزولُ دُخَانٍ من السماء يغشى الناس فيصيبهم مثلُ الزكام، ومن آخر العلامات الكبرى خروجُ دابةِ الأرض وهي دابةٌ عظيمةٌ تخرج من جبل الصفا لها خرطوم تَسِمُ المؤمن بعلامةٍ والكافر بعلامة فلا يتغير ذلك، ومنها طلوع الشمس من مغربها ، ومنها نارٌ تخرجُ من عدن في اليمن تسوقُ الناس إلى بر الشام وبرُّ الشامِ مِساحةٌ كبيرة من العريشِ إلى بالس في جهة العراق ويشملُ ذلك الأردن وفلسطين ولبنان وسوريا، تنتهي هذه العلامات كلها ببدء يوم القيامة وهو منذ النفخة الأولى في الصور حتى استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، فان إسرافيل عليه السلام ينفخ في الصور فتموت الخلائق حتى هو يموت عزرائيل يقبضه ثم الله تعالى يقبض عزرائيل فيموت ملك الموت ثم يحيي الله إسرافيل فينفخ في الصور النفخة الثانية فتعاد تركيب الأجسام وتعود الأرواح إلى الأجسام فهذا هو َالْبَعْثُ وَهُوَ خُرُوجُ الْمَوْتَى مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ إِحْيَائِهِمْ بِإِعَادَةِ الأَجْسَادِ وَإِعَادَةِ الأَرْوَاحِ إِلَيْهَا، وأول من يبعث الأنبياء وأهل المدينة وأهل الطائف، فأما المؤمن التقي فيبعث كاسياً راكباً معززاً مكرماً وأما الكافر فيبعث عارياً جائعاً حافياً تجره الملائكة على وجهه، البهائم عندما تبعث يقتص لها من بعضها ثم تتحول إلى تراب فعندما يرى الكافر ذلك يقول “يا ليتني كنت تراباً” أي يا ليتني كنت في الدنيا بهيمة وكانت هذه آخرتي ولم أكفر بالله. قال النووي: لَيْسَ كُلُّ مَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَوْنِهِ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ يَكُونُ مُحَرَّمًا أَوْ مَذْمُومًا فَإِنَّ تَطَاوُلَ الرِّعَاءِ فِي الْبُنْيَانِ وَفُشُوَّ الْمَالِ وَكَوْنَ خَمْسِينَ امْرَأَةً لَهُنَّ قَيِّمٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بِحَرَامٍ بِلَا شَكٍّ وَإِنَّمَا هَذِهِ عَلَامَاتٌ وَالْعَلَامَةُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَلْ تَكُونُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْمُبَاحِ وَالْمُحَرَّمِ وَالْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ). قَالَ: «أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا (قالَ: أَنْ تَلِدُ الْمَرأَةُ رَبَّتَها. وَرَبَّتَها مُؤَنَّث مَعْناهُ سَيِّدَتَها. قَدْ يَظُنُّ الشخص أَنَّ الكَلام عَنِ النِّساءِ فقط وهُوَ ليسَ كذلِك. أيْ نَفْسًا هِيَ سَيِّدَتُها. وَالنّفس تَكونُ ذَكَرًا وَأُنْثَى. أَي نَفْسًا هِيَ رَبَّتُها والعُلَماء ذَكَرُوا تَفْسِيرَيْن: قالُوا يَحْتَمِلُ أَحد مَعْنَيَيْن. بَعْضُهُم قال مَعْناهُ أَنْ يَنْتَشِرَ دِينُ الإِسْلام وَيَقْوَى وَتَقَع الفُتُوحات فَتَكْثُر الإِماء، يَعْنِى النّساء اللواتِي يَصِرْنَ مِنْ جُمْلَةِ العَبِيد فَيَمْلِكُها سَيِّدُها. والأَمَة إِذا مَلَكَها سيِّدُها بِشُرُوط يَذْكُرُها الفُقَهاء، يَحِلُّ لَهُ جِماعُها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون آية 5-6]يَجُوزُ لَهُجِماعُها فَإِذا وَلَدَت لَهُ، وَلَدُها مِنْهُ يَكُونُ حُرًّا فَصارَ بِذلِكَ الوَلَدُ حُرًّا وَأُمُّهُ أَمَة فَصارَ كأَنَّهُ سَيِّدٌ لأُمِّهِ فَتَكُونُ الأَمَةُ وَلَدَت سيِّدَها. وإِذا وَلَدَت أُنْثَى تَصِيرُ البِنْت كَأَنَّها سَيِّدَةٌ لأُمِّها. هكذا فَسَّرَ بَعْض العُلَماء هذه الجملة وَبَعْضُهُم قال: مَعْناهُ أَنْ يَكْثُرَ العُقُوق بَيْنَ الأَوْلاد. أَنْ يَعُقَّ الأَوْلادُ أُمَّهاتِهِم فَيَصِيرُ الوَلَدُ ذَكَرًا كانَ أَوْ أُنْثَى يُعامِلُ أُمَّهُ كَأَنَّهُ سيِّدٌ لها وَكَأَنَّها أَمَةٌ جارِيَةٌ عِنْدَهُ! وَهذا التَّفْسِيرُ الثّانِي أَكْثَرُ مُلاءَمَةً لِما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ فِى الحَدِيث، لأَنَّ ما سيُذْكَرُ بَعْدَهُ مِنَ العَلامات كُلُّها تَدُلُّ عَلَى انْقلابِ الأَحْوال وَفَسادِها. فَهذا أَكْثَرُ مُلاءَمَةً والأَمْران حَصَلا كَما أَخْبَرَ النّبِيّ. كَثْرَة الفُتُوحات حَصَلَت وَصارَ عِنْدَ المُسْلِمِين فى الماضِي إِماء كَثيرات فَكَانَ يُولَدُ للسَّيِّدِ مِنْ أَمَتِهِ وَيَكُونُ وَلَدُهُ مِنْها ذَكَرًا كانَ أَوْ أُنْثَى حُرًّا فَكَأَنَّهُ سيِّدٌ لأُمِّهِ. هذا حَصَل. وَفِى أَيّامِنا، لا يَخْفَى عَلَيكُم أَينَما نَظَرْتُم تَرَوْنَ شِدّة العُقُوق الحاصِل مِنَ الأَوْلاد لآبائِهِم. فَصارَ الوَلَدُ كَأَنّهُ سيِّدٌ لأُمِّهِ وَصارَتِ البِنْتُ كَأَنَّها سيِّدةٌ لأُمِّها. وَهذا الثّانِي كَما قُلْنا مُلائِم لِما سيُذْكَرُ بَعْدَهُ أَيْضًا مِنَ العَلامات التي كُلُّها تَدُلُّ عَلَى انْقِلابِ الأَحْوالِ وَالفَساد)، وأنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في البُنْيَانِ» (قال النووي: أَمَّا الْعَالَةُ فَهُمُ الْفُقَرَاءُ وَالْعَائِلُ الْفَقِيرُ وَالْعَيْلَةُ الْفَقْرُ وَعَالَ الرَّجُلُ يَعِيلُ عَيْلَةً أَيِ افْتَقَرَ وَالرِّعَاءُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ وَيُقَالُ فِيهِمْ رُعَاةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَزِيَادَةِ الْهَاءِ بِلَا مَدٍّ وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَأَشْبَاهَهَمْ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ تُبْسَطُ لَهُمُ الدُّنْيَا حَتَّى يَتَبَاهَوْنَ فِي الْبُنْيَانِ) (والحفاة جَمْعُ حافِي وَهُوَ الذي مَنْ لَيسَ فِى قدَمَيْهِ نَعْل الْعُرَاة جَمْعُ عارٍ وَهُوَ الذي ليسَ عَلَيْهِ ثِياب لَكِنْ فِى العُرْف، يُطْلَق عَلى مَنْ لا يَسْتُرُ إِلّا عَوْرَتَهُ، الذي ليسَ عَلَى بَدَنِهِ شىء إِلّا ما يسْتُرُ عَوْرَتَهُ، يُقالُ عَنْهُ عارٍ أَيْضًا، يَعْنِى كَما كانَ الحال في بعض البلاد كانُوا يَلْبَسُونَ ما يسْتُرُ الجُزْءَ الأَسْفَل مِنَ البَدَن بالإزار وَمِن فَوق عُراة. الْعَالَةَ الفُقراء الذينَ هُم شَدِيدُو الفَقْر رِعَاءَ الشَّاءِ أَيِ الذينَ يَحْفَظُونَ أَي يرْعَوْنَ الغَنَم وَرُعاة الغَنَم لا يَكُونُون أَغْنِياء فِى العادَة فِى الماضِي وَفِى بَعْضِ الرِّوايات “البُهُم” أَي الغَنَم الصّغِيرَة يعنِى أَشَدّ فِى الفَقْر يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ“.هَؤلاءِ تَنْقَلِبُ أَحوالُهُم فَيَصِيرُونَ يَتَنافَسُونَ فِى رَفْعِ البُنْيان. إِذا رَفَعَ هذا بِناءَهُ إِلَى حَدّ، الثانِي يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ ما هُوَ أَعْلَى وَإِذا بَنَى هذا ما هُوَ أَعْلَى، الآخَر يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ ما هُوَ أَعْلَى وَهكذا، “يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ” أَيْ يَنتَنافَسُونَ لرَفْعِ البُنْيان وَهذا إِذا نَظَرْتُم إِلَيْهِ فِى أَيّامِنا حَصَل! “يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ” لأَجْلِ التَّفاخُر والتَّعالي وَهذا حَصَلَ فِى أَيّامِنا وهو مَعروف) (قال ابن علان: وهو كناية عن إسناد الأمر لغير أهله وصيرورة الأسافل من ضعفاء أهل البادية الغالب عليهم الفقر كالملوك حتى يشرئبون لانقلاب الأحوال واتساع الدنيا عليهم بعد ضيقها إلى تشييد المباني وهدم أركان الدين بعدم العمل بآي المثاني). وهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر الزمان وانعكاس الأمور. وفي قوله يتطاولون في البنيان دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصا بالتطاول في البنيان ولم يكن إطالة البناء معروفا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم بل كان بنيانهم قصيرا بقدر الحاجة روى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان. أخرجه البخاري. وفي حديث ابن السائب عن الحسن كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان رضي الله عنه فأتناول سقفها بيدي. وروى عن عمر رضي الله عنه أنه كتب لا تطيلوا بناءكم فإنه شر أيامكم. وقال يزيد بن أبي زياد قال حذيفة رضي الله عنه لسلمان ألا تبني لك مسكنا يا أبا عبد الله قال لِمَ تجعلُني ملكًا قال لا ولكن تبني لك بيتا من قصب وتسقفه بالبواري إذا قمت كاد أن يمس رأسك وإذا نمت كاد أن يمس طرفيك قال كأنك كنت في نفسي. وخرج ابن ماجه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن رضي الله عنه قال لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده قال ابنوه عريشا كعريش موسى عليه السلام قيل للحسن وما عريش موسى قال إذا رفع يده بلغ العريش يعني السقف). ثُمَّ انْطَلقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا (وفي رواية مسلم: فلبثَ مليًّا، مَلِيًّا بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ فَمَعْنَاهُ وَقْتًا طَوِيلًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ لِلْبَغَوِيِّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَفِي ظَاهِرِ هَذَا مُخَالَفَةٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ هَذَا ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا جِبْرِيلُ فَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَحْضُرَ قَوْلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ فِي الْحَالِ بَلْ كَانَ قَدْ قَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَاضِرِينَ فِي الْحَالِ وَأُخْبِرَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ إِذْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا وَقْتَ إِخْبَارِ الْبَاقِينَ)، ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» (فيه ندب تنبيه العالم تلامذته والكبير من دونهم على فوائد العلم وغرائب الوقائع طلباً لنفعهم وتيقظهم) قُلْتُ: اللهُ ورسُولُهُ أعْلَمُ (فيه ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من حسن الأدب معه يرد العلم إلى الله وإليه، وأنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول ذلك). قَالَ: «فإِنَّهُ (والفاء في قوله: «فإنه» جواب شرط مقدر: أي أما إنكم حيث لـم تسألوا عن الرجل وفوضتم الأمر إلـى الله ورسوله فإنه جبريل: أي: تفويضكم هو سبب الإخبار لكم بأنه جبريل) جِبْريلُ (قال الزبيدي: (وجَبْرَائِيلُ): عَلَمُ مَلَك، ممنوع من الصَّرف للعَلَمِيَّة والعُجْمَةِ، والتَّرْكِيبِ المَزْجِيِّ، على قولٍ، (أَي عبدُ اللّهِ) . قال الشِّهَاب: سُرْيانيٌّ، وقيل؛ عِبْرانيّ، ومعناه عبدُ الله، أَو عبدُ الرَّحمن، أَو عبدُ العَزِيز. وذكر الجوهريُّ والأَزهريُّ وكثيرٌ من الأَئِمَّة أَنّ «جَبْر» «ومِيك» بمعنى عَبْد. و «إِيل» إسم الله، وصَرَّح به البُخارِيُّ أَيضاً، (فيه لُغاتٌ) قد تَصَرَّفَتْ فيه العربُ على عادتها في الأَسماءِ الأَعجميَّة، وهي كثيرٌ. منها جَبْرَئِيلُ: وجِبْرِيلُ، و جَبْرَئِلُ، و جَبْرِيلُ، و جَبْرَائِلُ، و جَبْرائيلُ، إلى غير ذلك.
(وقولُه) أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ (بسبب سؤاله، وإسناد التعليم إليه مجاز، إذ المعلم بالحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم) أَمْرَ دِينكُمْ» (قال النووي: فِيهِ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ وَالْإِحْسَانَ تُسَمَّى كُلُّهَا دِينًا وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَجْمَعُ أَنْوَاعًا مِنَ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ وَالْآدَابِ وَاللَّطَائِفِ بَلْ هُوَ أَصْلُ الْإِسْلَامِ كَمَا حُكِينَاهُ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ضِمْنِ الْكَلَامِ فِيهِ جُمَلٌ مِنْ فَوَائِدِهِ وَمِمَّا لَمْ نَذْكُرُهُ مِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّ فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ حَضَرَ مَجْلِسَ الْعَالِمِ إِذَا عَلِمَ بِأَهْلِ الْمَجْلِسِ حَاجَةً إِلَى مَسْأَلَةٍ لَا يَسْأَلُونَ عَنْهَا أَنْ يَسْأَلَ هُوَ عَنْهَا لِيَحْصُلَ الْجَوَابُ لِلْجَمِيعِ وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَرْفُقَ بِالسَّائِلِ وَيُدْنِيَهُ مِنْهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ سُؤَالِهِ غَيْرَ هَائِبٍ وَلَا مُنْقَبِضٍ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلسَّائِلِ أَنْ يَرْفُقَ فِي سُؤَالِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قال القاضي عياض: وقد اشتمل على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه. قال القرطبي: فيصلح هذا الحديث أن يقال فيه إنه أمّ السنة لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سميت الفاتحة أمّ القرآن لما تضمنته من جمل معاني القرآن اهـ. ومن ثم: قيل لو لم يكن في السنة كلها غير هذا الحديث لكان وافياً بأحكام الشريعة لاشتماله على جملها مطابقة وعلى تفصيلها تضمناً، فهو جامع لها علماً ومعرفة وأدباً ولطفاً، ومرجعه من القرآن والسنة كل آية تتضمن ذكر الإسلام أو الإيمان أو الإحسان أو الإخلاص أو المراقبة أو نحو ذلك).