الحمْدُ للهِ الواحدِ القَهَّارِ، العَزيزِ الغَفَّارِ، مُكَوِّرِ اللَّيْلِ على النَّهَارِ، تَذْكِرَةً لأُولي القُلُوبِ والأَبصَارِ، وتَبْصرَةً لِذَوي الأَلبَابِ واَلاعتِبَارِ، الَّذي أَيقَظَ مِنْ خَلْقهِ مَنِ اصطَفاهُ فَزَهَّدَهُمْ في هذهِ الدَّارِ، وشَغَلهُمْ بمُراقبَتِهِ وَإِدَامَةِ الأَفكارِ، ومُلازَمَةِ الاتِّعَاظِ والادِّكَارِ، ووَفَّقَهُمْ للدَّأْبِ في طاعَتِهِ، والتّأهُّبِ لِدَارِ القَرارِ، والْحَذَرِ مِمّا يُسْخِطُهُ ويُوجِبُ دَارَ البَوَارِ، والمُحافَظَةِ على ذلِكَ مَعَ تَغَايُرِ الأَحْوَالِ والأَطْوَارِ. أَحْمَدُهُ أَبلَغَ حمدٍ وأَزكَاهُ، وَأَشمَلَهُ وأَنْمَاهُ. وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ البَرُّ الكَرِيمُ، الرؤُوفُ الرَّحيمُ، وأشهَدُ أَنَّ مُحمّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ، وحبِيبُهُ وخلِيلُهُ، الهَادِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيمٍ، والدَّاعِي إِلَى دِينٍ قَويمٍ، صَلَوَاتُ اللهِ وسَلامُهُ عَليهِ، وَعَلَى سَائِرِ النَّبيِّينَ، وَآلِ كلٍّ، وسائر الصالحين. أَما بعد:
الحديث
فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثَّانِي: عَنْ أبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي اللَّه عنه عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا. فينْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. فَاتَّقوا الدُّنْيَا واتَّقُوا النِّسَاءِ. فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنةِ بَنِي إسْرَائيلَ كَانَتْ في النسَاء” رواه مسلم.
الشرح
الثَّانِي (أي الحديث الثاني من باب التقوى، وهو الحديث السبعون من كتاب رياض الصالحين): عَنْ أبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي اللَّه عنه عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “إنَّ الدُّنْيا (وهي دارُ الفناءِ والعملِ والزوالِ فيها تتقلبُ الأحوال، ويكفيها مِن بلاغةِ الوصفِ لها ودقتِه ما جاء في كتابِ الله عز وجل: “اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ“. قال البغوي في قوله تعالى: “وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور“: باطلٌ وغرور. وقال: سُمّيتِ الدنيا لدنوِّها وقيل: لدناءَتها وسُميتِ الآخرة لأنها بعدَ الدنيا. اهـ قال المناوي في قوله صلى الله عليه وسلم: (خيرُكم أزهدُكم في الدنيا) لدناءتها وفنائها (وأرغبُكم في الآخرة ) لشرفِها وبقائِها فالعاقلُ من نزَّهَ نفسَه عن الدنيا وأضرَارِها وجعلَها خادمةً له وأَجمَلَ في الطلبِ وسعى في التخلصِ فإنه إذا أعرضَ عنها أتتْه راغمةً خادمةً والذي يصلُ إليه منها وهو يُقْبِلُ عليها هو الذي يصلُ إليه وهو معرِضٌ عنها، قوله حُلْوَةٌ خضِرَةٌ (قال في «النهاية»: الخَضِرُ نوعٌ من البُقولِ ليس من أحرارها وجَيِّدِها، فشبَّهَ الدنيا للرغبةِ فيها والميلِ إليها بالفاكهةِ الحلوةِ الخضرة، فإنَّ الحلوَ مرغوبٌ فيه من حيثُ الذوقُ، والأخضرُ مرغوبٌ فيه من حيثُ النظرُ، فإذا اجتمعا زادتِ الرغبة. وفيه إشارةٌ إلى عدم بقائها) (وقال السيوطي: يحتمل أن المراد لذتُها ونضارتُها كالفاكهة الحلوة الخضراء أو سرعةِ فنائِها فإن الفاكهة الخضراء سريعة الذهاب) (وقال ملا عليٌّ القاري: وَفِي رِوَايَةٍ: رَطْبَةٌ أَيْ: طَيِّبَةٌ مُزَيَّنَةٌ فِي عُيُونِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِالْخَضِرَةِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الشَّيْءَ النَّاعِمَ خَضِرًا، أَوْ لِتَشَبُّهِهَا بِالْخُضْرَوَاتِ فِي سُرْعَةِ زَوَالِهَا)، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا (قيل: معناه: جعلكم خلفاءَ ممن كان قبلكم، فإنها لم تصل إلى قوم إلا بعد آخرين) (وقيل: أَيْ: جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ فِي الدُّنْيَا أَيْ: أَنْتُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوُكَلَاءِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى). فينْظُرَ (أي: فيعلمَ علم مشاهدة وعيان، ومثل هذا قوله تعالى: “قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ“، والله تعالى موصوف بأنه بصير يبصر جميع المبصَرات دون الحاجة إلى عين جارحة ولا إلى حدقة، فهو منزه عن الجوارح والآلات، ومعنى قوله فينظرَ: أي فيعلمَ والمراد أنه يُعْلِمُكُمْ، وإلا فعلمُ الله عز وجل شامل لجميع المعلومات، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن أن كان كيف كان يكون، يعني أن الشىء الذي لم يحصل لو حصل كيف سيكون حاله الله يعلمه، وعلمه أزلي أبدي كباقي صفاته لا يشبه صفاتِ خلقه بوجه من الوجوه) كَيْفَ تَعْمَلُونَ (من إنفاقها في مراضيه فتثابون، أو في مساخطه فتأثمون، فإن الجزاء إنما يترتب على ما يبدو في عالم الشهادة من الأعمال، أو فينظر كيف تعملون: أي: أتعتبرون بحالهم وتتدبرون في مآلهم) (وقيل: أَيْ: تَتَصَرَّفُونَ أَوْ مَعْنَاهُ جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَقَدْ أَعْطَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ إِيَّاكُمْ فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْتَبِرُونَ بِحَالِهِمْ وَتَتَدَبَّرُونَ فِي مَآلِهِمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ – رَحِمَهُ اللَّهُ -: ” أَيْ: جَعَلَ اللَّهُ الدُّنْيَا مُزَيَّنَةً لَكُمُ ابْتِلَاءً، هَلْ تَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى؟ أَوْ تُسْخِطُونَهُ وَتَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِغَيْرِ مَا يُحِبُّ وَيَرْضَى؟ ).
هذا الحديثُ العظيمُ فيه الحثُّ على ترك الدنيا والزهدِ فيها وكانَ هذا دأبَ الصالحينَ من هذه الأمةِ وغيرِها من الأمم، فالحمدُ للهِ الذي عرَّفَ أولياءَه غوائلَ الدنيا وآفاتِها وكشفَ لهم عن عيوبِها وعوراتِها حتى نظروا في شواهدِها وآياتِها ووزنُوا بحسناتِها سيئاتِها فعلموا أنه يزيدُ منكَرُها على معروفها ولا يفي مرجوُّها بمَخُوفِها ولا يسلمُ طلوعُها من كسوفها ولكنها في صورةِ امرأة مليحةٍ تستميل الناسَ بجمالها ولها أسرارُ سوءِ قبائحَ تُهْلِكُ الراغبين في وصالها ثم هي فرَّارةٌ عن طُلَّابها شحيحةٌ بإقبالِهَا وإذا أقبلَتْ لم يؤمَنْ شرُّها ووبَالُهَا إن أحسنَتْ ساعةً أساءَت سنةً وإن أساءَت مرةً جعَلَتْهَا سنةً فدوائرُ إقبالِهَا على التقاربِ دائرةٌ وتجارةُ بنيها خاسرةٌ بائرةٌ وآفاتُها على التوالي لصدورِ طلابِها راشقةٌ ومجاري أحوالِهَا بذُلِّ طالبيها ناطقةٌ فكلُّ مغرور بها إلى الذلِّ مصيرُه وكل متكبرٍ بها إلى التحسرِ مسيرُه شأنُها الهربُ من طالبِها والطلبُ لهاربها، ومَن خدمَها فاتتْه ومن أعرَضَ عنها واتته لا يخلو صفْوها عن شوائبِ الكُدُورَاتِ ولا ينفكُّ سرورها عن المنغِّصَاتِ، سلامتُها تُعْقِبُ السقَمَ وشبابُهَا يسوق إلى الهرمَ ونعيمُها لا يُثْمِرُ إلا الحسرةَ والندمَ فهي خَدَّاعَةٌ مكارةٌ طيارةٌ فرَّارَةٌ لا تزالُ تتزينُ لطلابِها حتى إذا صاروا مِن أحبابِها كَشَّرَتْ لهم عن أنيابِها وشَوَّشَتْ عليهم مناظِمَ أسبابِها وكَشَفَتْ لهم عن مكنونِ عجائِبِها فأذاقتْهم قواتلَ سمومِها ورشَقَتْهُم بصوائبِ سهامِها بينما أصحابُها منها في سرورٍ وإنعامٍ إذ ولَّتْ عنهم كأنها أضغاثُ أحلامٍ ثم عكَّرَتْ عليهم بدواهِيها فطحَنَتْهم طحنَ الحصيدِ ووَارَتْهم في أكفانِهم تحتَ الصعيدِ، تُمَنِّي أصحابَها سروراً وتَعِدُهُم غروراً حتى يأملون كثيراً ويبنُون قصورا فتصبحُ قصورُهم قبورًا وجمعُهم بورًا وسعيُهم هباءً منثورا ودعاؤُهم ثبورًا هذهِ صفتُها وكانَ أمرُ الله قدراً مقدورا، وإنَّ الدنيا عدوةٌ لأولياءِ اللهِ وعدوةٌ لأعداءِ اللهِ أما عداوتُها لأولياءِ الله عز وجل فإنها تَزَيَّنَتْ لهم بزينَتِها وعمَّتْهم بزهرَتِها ونضارَتِها حتى تجَرَّعوا مرارةَ الصبر في مقاطعَتِها وأما عداوَتُها لأعداءِ الله فإنها استدرَجَتْهم بمكرِها وكيدِها فاقْتَنَصَتْهم بِشَبَكَتِهَا حتى وثَقُوا بها وعوَّلُوا عليها فخَذَلَتْهُم أحوجَ ما كانوا إليها فاجتَنَوا منها حسرةً تتقطَّعُ دونهَا الأكبادُ ثم حرَمَتْهم السعادةَ أبدَ الآبادِ فهم على فِراقِها يتحسَّرونَ ومِن مكايِدِها يستغيثون ولا يغاثُونَ بل يقالُ لهم اخسئوا فيها ولا تُكِلمون أولئكَ الذي اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب ولا هم ينصرون، وإذا عَظُمَتْ غوائلُ الدنيا وشرورُها فلا بد أولاً من معرفةِ حقيقةِ الدنيا وما هيَ وما الحكمةُ في خلقِها مع عداوَتِها ومَا مدخَلُ غرورها وشرورها فإنَّ مَن لا يعرفُ الشرَّ لا يتقيهِ ويوشكُ أنْ يقعَ فيهِ.
أحبابي الكرام: إن الدنيا دارُ سفر وممرٍ لا دارُ إقامةٍ ومقرٍّ، ودارُ عبورٍ لا دارُ سرورٍ، وأنتَ في الدنيا عُرْضَةُ الأَسْقَامِ وَرَهِينَةُ الأيامِ وأَسِير الْمَنَايَا وَقَرِينُ الرَّزَايَا وَصَرِيعُ الشَّهَوَاتِ وَنُصُب الآفاتِ وَخَلِيفَةُ الأَمْوَاتِ، لا يحرص على الدنيا لبيبٌ، ولا يُسَرُّ بها أريبٌ، وهو على ثقةٍ من فنائها، وغيرُ طامعٍ في بقائها، فكيفَ تنام عينُ مَن يخشى البياتَ وكيفَ تسكنُ نفسُ من تَوَقَّعَ في جميعِ أمورِه المماتَ. واعلم أن الدُّنْيَا خُلِقَت لِتَجُوزَهَا لا لِتَحُوزَهَا، ولِتَعْبُرَها لا لِتَعْمُرها فاقْتُلْ هَوَاكَ الْمَائِلَ إِلَيْهَا ولا تُعَوّلْ عَلَيهَا، واعْلَمْ أَنَّ الدُنْيَا مَزْرعةُ النَّوائِبِ ومَشْرَعَةُ المَصَائِبِ ومُفَرّقَةُ المَجَامِعِ ومُجْرِيَةُ المَدَامِعْ. فلا تَغُرَّنكم الحياة الدنيا فإنها دارٌ بِالبَلاءِ مَحْفُوفَة، وَبِالفَنَاءِ مَعْرُوفَة، وَبِالغَدْرِ مَوْصُوفَة، وَكُلُّ مَا فِيهَا إِلَى زَوَالٍ وَهِيَ بَيْنَ أَهْلِهَا دُوَلٌ وَسِجَال. لا تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلا يَسْلَمُ مِنْ شَرِّهَا نُزَّالُهَا، بَيْنَا أَهْلُهَا فِي صَفِاءٍ وَرَخَاءِ إِذَا هُمْ مِنْهَا في كدرٍ و بَلاءٍ، وبينا هم في سُرُورٍ وَحَبُور إِذَا هُمْ مِنْهَا فِي نَكَدٍ وَغُرُور، العَيْشُ فِيهَا مَذْمُوم إلا على المتقين وعِزُها لا يَدُوم وفناؤها محتوم. بَقَاؤُهَا قَلِيلٌ، وَعَزِيزُهَا ذَلِيل وَغَنِّيها فَقِير، حَيُّهَا يَمُوت وودُّها يفوت، فلا يغرنَّك إِقْبَالُهَا فسريعٌ إِدْبَارِهَا. والدنيا ظلٌ زائلٌ وخيالٌ حائرٌ إن أضحَكَتْ قليلاً أبكَتْ كثيرًا وإن سَرَّتْ يومًا أساءَتْ دهرًا، جَمْعُهَا على انصداع وَوَصْلُهَا على انقطاعٍ، لا تصفُو لشاربٍ ولا تُبْقِي لصاحبٍ. وَمِقْدارُ اللُّبثِ في الدنيا قَلِيل، والحبسُ في القُبور طَوِيل، والعذابُ على مُوافَقَة الهَوى وبيل. فأينَ لَذّةُ أَمْس؟! رَحَلَتْ وأَبْقَتْ نَدَمًا، وأينَ شَهْوةُ النفسِ؟ كم نَكَّسَتْ رَأْسًا، وَزَلَّتْ قَدَمًا، وما سَعِدَ مَن سَعِدَ إلا بِخِلاف هَواهُ، ولا شَقِيَ مَن شَقِيَ إلا بإيثار دُنياه، طلابُها كلابٌ عاويةٌ وسباعٌ ضاريةٌ، يضربُ بعضُها بَعْضًا، ويأكلُ عزيزُها ذليلَها، ويقهرُ كبيرُها صغيرَها، ورحم الله القائل:
مَنْ يَذُقِ الدُّنْيَا فَأَنَّى طِعْمَتُهَا
وَسِيْقَ إِلَيْنَا عَذْبُهَا وَعَذَابُهَا
فَلَمْ أَرَهَا إِلَّا غُرُوْرًا بَاطِلًا
كَمَا لَاحَ فِي جَوِّ الفلَاةِ سَرَابُهَا
وَمَا هِيَ إِلَّا جِيْفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ عَلَيْهَا
كِلَابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذَابُهَا
إِنْ تَجتنبها كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِهَا وَ
إِنْ تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلَابُهَا
فانظر إليها بعينِ الحقيقةِ فإنها دارٌ كثيرٌ بوائقُها وذمَّها خالقها، جديدُها يبلَى ومُلْكُها يفنى. إقبالُهَا خديعةٌ وإدبارُها فجيعةٌ لا تدومُ أحوالُهَا ولا يَسْلَمُ نُزالها، حالُهَا انتقالٌ وسكونُها زوالٌ، غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ نزوعٌ، ويكفي في هوانِها على الله أن الله تعالى لا يُعصَى إلا فيها ولا يُنالُ ما عندَه إلا بتركها.. مسكينٌ منِ اطمأنَّ ورضيَ بدارٍ حلالُهَا حساب، وحرامُها عقابٌ، إن أخذَه مِن حلالٍ حوسِب عَلَيْهِ، وإن أخذَه من حرامٍ عُذِّبَ به، من استغنى فِي الدُّنْيَا فُتن، ومَنِ افتقَرَ فيها حَزِنَ، مَنْ أحبَّها أَذَلَّتْه، ومن التَفَتَ إليها ونَظَرَها أعْمَتْه. كَيْفَ يطمعُ عاقِلٌ في الإقامةِ بدارِ الرحيل، كيفَ يَضحَك من هو مَحْفُوفَ بمُوجباتِ البُكاءِ والعَويلِ، أسْمَعَنا النَّاصِحُ فَتَصَامَمْنَا، وَأيْقَظَتْنَا الغيَر فَتَنَاومْنَا، وَرَضِينَا بَالْحَياةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخرِة، واشْتَرَيْنَا مَا يَفْنَى بِمَا يَبْقَى فَتِلْكَ إِذًا صفقَةٌ خَاسِرَة. أَيْنَ الآذَانُ الْواعِية، أيْنَ الأعْيُنُ البَاكِية، قَوْلٌ بلا فِعَالٍ وأمْرٌ بلا امتثال، مَلَكُ الموت في كُل نَفَسٍ يَدْنُو إلى أنْفُسِنَا وأجْسَادُ أَحِبَّتِنَا تحتَ أطباقِ الثرى هَامدةٌ. تأمَّلْ في قولِ الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي وعَى حقيقةَ الدنيا، تأمَّلْه بعينِ البصيرةِ وأمْعِنِ النظرِ فيه واجعلْ له من سمعِك مسمعًا وفي قلبكَ موقِعاً عسى اللهُ أن ينفعَك بما فيهِ من غُررِ الفوائدِ، ودررِ الفرائدِ، قَالَ عَلِيّ رَضيَ اللهُ عَنْهُ لِعَمَّارٍ عَلَامَ تَتَأَوَّهُ؟ إن كَانَ عَلَى الدُّنْيَا فَقَدْ خَسِرَتْ صَفْقَتُكَ، وإنْ كانَ علَى الآخِرَةِ فَقَدْ رَبِحَتْ تِجَارَتُكَ، يَا عَمَّارُ إنَّيْ وَجَدْتُ لَذّاتِ الدُّنْيَا في اصغرالأشْيَاءِ في الطَّعَامِ وَأَفْضَلُهُ العَسَلُ وَهُوَ مِنْ حَشَرَةِ، وفي المَلْبُوْسَاتِ وَأَفْضلُهَا الحَرِيْرُ وَهُوَ مِنْ دُوْدِ القَزِّ، وفي المَشْمُوْمَاتِ وَأَفْضَلُهَا المِسْكُ وَهُوَ مِنْ فَأرَةٍ، وفي النِّكَاحِ وَهُوَ مَبَالٌ في مَبَالٍ وَحَسْبُكَ أَنَّ المَرْأةَ تَتَزَيين باحسن شي فيها ويراد اقْبَحُ شَيء فِيْهَا: هَذِهِ العِظَةُ تَكْشِفُ لَنَا عَنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ حَيْثُ جَعَلَ لَذَّاتِهَا في أصغر الأَشياء.
واعلموا عِبَادَ اللهِ أن ما أنتم فيه مِن زهرةِ الدُنيا على سبيل مَن قد مَضَى مِمَّنْ كان أطولَ منكم أعماراً، وأَشَدَّ مِنكم بَطْشاً، وأَعمَرَ دِياراً، وأبعدَ آثاراً. فأصْبَحَتْ أموالُهم هامِدَةً مِن بعدِ نُقْلَتِهِم، وأَجْسَادُهُم بالِية وَدِيارُهُم خَالِية، وآثارُهُم عافِية، فاستبدَلُوا بالقُصور الْمُشَيَّدَةِ والنمارِقِ الْمُمَّهَدَةِ الصُّخُورَ والأحجارَ في القُبور التي قَدْ بُنيَ على الخراب فِناؤُهَا، وشُيِّدَ بالتراب بِنَاؤُهَا. فَمَحَلُّهَا مُقْتَرب، وساكنها مُغْتَرب، بينَ أَهْلَ عِمَارَةٍ مُوْحِشِين، وأَهْلِ مَحَلَّةٍ مُتَشَاغِلِين، لا يَسْتأْنِسُونَ بالعُمْران، ولا يَتَواصَلُون تَواصُلَ الجِيران والإِخوان، على مَا بينهُم مِن قُرْبِ الجِوار، ودُّنُوّ الدار وكَيْفَ يكونُ بَيْنَهُم تَواصُلٌ وقد طَحَنَهُم بِكَلْكَلِهِ البِلَى وأَظَلَّتْهُمُ الجَنَادِلُ والثرَّى، فَأَصْبَحُوا بعد الحياة أَمْوَاتاً، وبَعْدَ غَضَارَةِ العَيشِ رُفَاتاً. فُجِعَ بِهِم الأَحْبَاب، وسَكَنُوا التُراب، وظَعَنُوا فليسَ لهم إِياب، هَيْهَاتَ هَيْهاتَ، {كَلاّ إِنّها كَلمةٌ هو قائلها ومنِ وَرَائِهمْ بَرزَخٌ إلى يومِ يُبْعَثُون}.
وقد روي عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ ذهب مرة إلى المقبرة وقَالَ:
أَتَيْتُ الْقُبُورَ فَنَادَيْتُهَا
أَيْنَ الْمُعَظَّمُ وَالْمُحْتَقَرْ
وَأَيْنَ الْمُدِلُّ بِسُلْطَانِهِ
وَأَيْنَ المزكَّى إِذَا مَا افْتَخَرْ
قَالَ: فَنُودِيتُ مِنْ بَيْنِهَا وَلَمْ أَرَ أَحَدًا:
تَفَانَوْا جَمِيعًا فَمَا مُخْبِرٌ
وَمَاتُوا جَمِيعًا وَمَاتَ الْخَبَرْ
تَرُوحُ وتغدو بناتُ الثَّرى
فَتَمْحُوا مَحَاسِنَ تِلْكَ الصُّوَرْ
فَيَا سَائِلِي عَنْ أُنَاسٍ مَضَوْا
أَمَا لَكَ فِيمَا تَرَى مُعْتَبَرْ
وروي عن عمرَ بنِ ذرٍ أنه ماتَ واحدٌ من جيرانِه وكانَ مسرفًا على نفسِه أي كان كثيرَ الذنوبِ والمعاصي فتجافى كثيرٌ من الناسِ عن جِنازته أي لم يحضروها لكونِه كان عاصيًا فحضَرَها هو وصلى عليها فلما دُلِّيَ في قبرِه وقفَ على قبرِه وقال يرحمُك الله يا أبا فلان فلقدْ صحِبْتَ عمرَك بالتوحيد وعفَّرْتَ وجهَكَ بالسجود وإن قالوا مذنبٌ وذو خطايا فمَن منا غيرُ مذنب وغيرُ ذي خطايا.
وقَالَ عُمَرُ بْنُ عبدالْعَزِيزِ: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَطَعْتُكَ فِي أَحَبِّ الأَشْيَاءِ إِلَيْكَ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ، وَلَمْ أَعْصِكَ فِي أَبْغَضِ الأَشْيَاءِ إِلَيْكَ وَهُوَ الْكُفْرُ، فَاغْفِرْ لِي مَا بَيْنَهُمَا“.
نسأل الله العظيم أن يكتب لنا النجاة من هذه الدنيا ومن فتنها وأن يسلمنا من شرها إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
نكمل شرح الحديث الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي ابْتَعَثَ بِلُطْفِهِ السَّحَابَ، فَرَوَّى الأَوْدِيَةَ وَالْهِضَابَ، وَأَنْبَتَ الْحَدَائِقَ وَأَخْرَجَ الأَعْنَابَ، يَبْتَلِي ويمتحن وَإِذَا دُعِيَ أَجَابَ، قَضَى عَلَى ءادَمَ بِالذَّنْبِ ثُمَّ قَضَى أَنْ تَابَ، وَرَفَعَ إِدْرِيسَ وَأَرْسَلَ الطُّوفَانَ وَكَانَتِ السَّفِينَةُ مِنَ الْعُجَابِ، وَنَجَّى الْخَلِيلَ مِنْ نَارٍ شَدِيدَةِ الالْتِهَابِ، وَكَانَتْ سَلامَةُ يُوسُفَ عِبْرَةً لأُولِي الأَلْبَابِ، وأنزلَ الْبَلاءَ عَلَى أَيُّوبَ فَنَادَى مُسْتَغِيثًا بِالْمَوْلَى فَجَاءَ الْجَوَابُ، ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ أَحْمَدُهُ تعالى حَمْدَ مَنْ أَخْلَصَ وَأَنَابَ، وَأُصَلِّي وأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهِ أَفْضَلِ نَبِيٍّ نَزَلَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ كِتَابٍ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ مُقَدَّمِ الصِّحَابِ، وَعَلَى الْفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَى عُثْمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ وَقَتِيلِ الْمِحْرَابِ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْمَهِيبِ وَمَا سَلَّ سَيْفًا بَعْدُ مِنْ قِرَابٍ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْمُقَدَّمِ نَسَبُهُ عَلَى الأَنْسَابِ. أما بعد:
أحبابيَ الكرام: تكلمنا في هذا الحديث العظيم من كتاب رياض الصالحين وهو الحديث السبعون منه، وهو ما روي عَنْ أبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي اللَّه عنه عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا. فينْظُر كَيْفَ تَعْمَلُونَ. فَاتَّقوا الدُّنْيَا واتَّقُوا النِّسَاءِ. فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنةِ بَنِي إسْرَائيلَ كَانَتْ في النسَاء” رواه مسلم.
كم في هذه الكلماتِ القليلةِ التي قالها نبيُّ الرحمةِ ورسولُ الأمة صلى الله عليه وسلم من عِبَرٍ، كيف لا وهو الذي أوتي جوامعَ الكلم، وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ما ترك شيئا يضرُّنا إلا حذَّرنا منه وما ترك خيرا عَلِمَه إلا حثَّنا عليه، فصلى الله على محمد وجزاه الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، فهو سيد الزاهدين في هذه الدنيا وهو سيد المتواضعين وهو سيد المشمِّرين للآخرة الباقية التاركين لهذه الدنيا وزينتها وزخرفها، فصدق صلى الله عليه وسلم حيث قال له رجل يا رسول الله من أزهد الناس قال: من لم ينسَ القبرَ والبِلى وتركَ فضلَ زينةِ الدنيا وآثرَ ما يبقى على ما يفنى ولم يَعُدَّ غدا مِن أيامِه وعَدَّ نفسَه من أهل القبور. وقيل لعلي كرم الله وجهه ما شأنك جاورتَ المقبرةَ قال إني أجدُهم خيرَ جيران أجدهم جيرانَ صدق يَكُفُّونَ الألسنةَ ويذكرون الآخرة. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ. وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فسئل عن ذلك وقيل له تذكر الجنةَ والنار فلا تبكي وتبكي إذا وقفتَ على قبر فقال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول إن القبرَ أولُ منازلِ الآخرة فإنْ نجا منه صاحبُه فما بعدَه أيسرُ منه وإن لم ينجُ منه فما بعده أشد. وقال مجاهدٌ أولَ ما يكلمُ ابنَ آدمَ حفرتُه فتقول أنا بيتُ الدود وبيتُ الوَحدةِ وبيتُ الغربةُ وبيتُ الظلمةِ هذا ما أعدَدْتُ لك فما أعدَدْتَ لي وقال أبو ذر ألا أخبركم بيومِ فقري يومَ أُوْضَعُ في قبري. وكان أبو الدرداء يقعدُ إلى القبور فقيل له في ذلك فقال أجلس إلى قوم يُذَكِّرُوني معاديَ وإذا قمتُ لم يغتابوني. وكان جعفر بن محمد يأتي القبورَ ليلًا ويقول يا أهل القبور مالي إذا دعوتكم لا تجيبوني ثم يقول حِيْلَ واللهِ بينهم وبين جوابي وكأنَّ بي أكونُ مثلَهم ثم يستقبلُ الصلاة إلى طلوع الفجر. وقال عمر بنُ عبد العزيز لبعضِ جلسائِه يا فلانُ لقد أَرِقْتُ الليلةَ أتَفَكَّرُ في القبر وساكنِه وإنك لو رأيتَ الميتَ بعدَ ثلاثةٍ في قبره لاستوحشْتَ من قربِه بعد طولِ الأُنس منكَ به ولرأيتَ بيتًا تَجُول فيه الهوام ويجري فيه الصديدُ وتخترقُه الديدان مع تغيرِ الريح وبِلى الأكفانِ بعدَ حُسْنِ الهيئةِ وطيبِ الريحِ ونقاءِ الثوبِ قالَ ثم شَهِقَ شهقَةً خرَّ مغشيًا عليه. وكان يزيد الرَّقاشي يقول أيها المقبور في حفرتِه والمتخلي في القبرِ بوَحدته المستأنسُ في بطن الأرضِ بأعمالِه ليتَ شعري بأيِّ أعمالك استبشرتَ وبأيِّ إخوانِك اغتبطْتَ ثم يبكي حتى يَبُلَّ عِمامَتَه ثم يقول استبشَرَ واللهِ بأعمالهِ الصالحةِ واغتبط والله بإخوانِه المتعاونينَ على طاعةِ الله تعالى وكان إذا نظرَ إلى القبورِ خارَ كما يخورُ الثور. وكان بكر العابدُ يقول يا أماه ليتكِ كنتِ بي عقيمًا إنَّ لابنك في القبر حبسا طويلا ومن بعد ذلكَ منه رحيلا. وكان الحسن بن صالح إذا أشرف على المقابر يقول ما أحسنَ ظواهرَك إنما الدواهي في بواطنك وكان عطاءٌ السلميُّ إذا جن عليه الليل خرجَ إلى المقبرة ثم يقول يا أهل القبور مُتُّمْ فواموتاه وعاينتم أعمالكم فواعملاه ثم يقول غدا عطاءٌ في القبور فلا يزال ذلك دأبَه حتى يصبحَ وقال سفيان مَن أكثرَ مِن ذكر القبرِ وجدَه روضةً من رياض الجنة ومن غَفَلَ عن ذكرِه وجدَه حفرةً من حفرِ النار. وكان الربيع بن خَثْيَم قد حفر في داره قبرا فكان إذا وجد في قلبه قساوةً دخل فيه فاضطجع ومكثَ ما شاء الله ثم يقول رب أرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت يرددها ثم يردُّ على نفسه يا ربيعُ قد رجعْتَ فاعمل. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَلَمَّا نَظَرَ إلى القبور بكى ثم أقبلَ علي فقال يا ميمون هذه قبور آبائي بني أمية كَأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي لَذَّاتِهِمْ وعيشِهم أَمَا تَرَاهُمْ صَرْعَى قَدْ حَلَّتْ بِهِمُ الْمَثُلَاتُ واستحكَم فيهم البِلى وأصابَت الهوامُ مقيلًا في أَبْدَانِهِمْ ثُمَّ بَكَى وَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَنْعَمَ مِمَّنْ صَارَ إِلَى هَذِهِ الْقُبُورِ وقد أمِنَ من عذاب الله. وقال ثابت البناني دخلت المقابر فلما قصدت الخروجَ منها فإذا بصوت قائل يقول يا ثابت لا يغرنك صمتُ أهلِها فكم من نفسٍ مغمومةٍ فيها.
وقال أبو موسى التميميُّ توفيتِ امرأةُ الفرزدق فخرجَ في جِنَازَتِهَا وجوهُ البصرةِ وفيهمُ الحسنُ فقال له الحسن يا أبا فراس ماذا أعدَدْتَ لهذا اليوم فقال شهادة أن لا إله إلا الله منذ ستين سنة فلما دفنتِ المرأةُ أقامَ الفرزدقُ على قبرها فقال:
أَخَافُ وَرَاءَ الْقَبْرِ إِنْ لَمْ تُعَافِنِيْ
أَشَدَّ مِنَ الْقَبْرِ الْتِهَابًا وَأَضْيَقَا
إِذَا جَاءَنِيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَائِدٌ
عَنِيْفٌ وَسَوَّاقٌ يَسُوْقُ الْفَرَزْدَقَا
لَقَدْ خَابَ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ مَنْ مَشَىْ
إِلَى النَّارِ مَغْلُوْلَ الْقِلَادَةِ أَزْرَقَا
وَقَد أنشدوا في أهل القبور:
قِفْ بِالقُبُورِ وَقُلْ عَلَى سَاحَاتِهَا
مَنْ مِنْكُمُ المغْمُوْرُ فِيْ ظُلْمَاتِهَا
وَمَنِ الْمُكَرَّمُ مِنْكُمْ فِيْ قَعْرِهَا
قَدْ ذَاقَ بَرْدَ الْأَمْنِ مِنْ رَوْعَاتِهَا
أَمَّا السُّكُونُ لِذِيْ الْعُيُوْنِ فَوَاحِدٌ
لَا يَسْتَبِيْنُ الْفَضْلَ فِيْ دَرْجَاتِهَا
لَوْ جَاوَبُوْكَ لَأَخْبَرُوْكَ بِأَلْسُنٍ
تَصِفُ الْحَقَائِقَ بَعْدُ مِنْ حَالَاتِهَا
أَمَّا الْمُطِيْعُ فَنَازِلٌ فِيْ رَوْضَةٍ
يُفْضِيْ إِلَى مَا شَاءَ مِنْ دَوْحَاتِهَا
وَالْمُجْرِمُ الطَّاغِيْ بِهَا مُتَقَلِّبٌ
فِيْ حُفْرَةٍ يَأْوِي إِلَى حَيَّاتِهَا
وَعَقَارِبٌ تَسْعَى إِلَيْهِ فَرُوْحُهُ
فِيْ شِدَّةِ التَّعْذِيْبِ مِنْ لَدْغَاتِهَا
أحبابي: يَنْبَغِي للْعَبد الْمُؤمن بربِه اذا نظرَ الى زهرَةِ الدُّنْيَا فدعَتْه الى نَفسِهَا برَوْنَقِها البهيجِ أن يَقُول لَهَا بِلِسَانِ الْحَالِ إليكِ عني يَا سريعةَ الزَّوَالِ إنَّما تَصْلُحِيْنَ للتشويقِ إلى دَارٍ لَيْسَ لساكِنها عَنْهَا انْتِقَالٌ أنتِ خَزَفٌ فانٍ وَتلكَ جَوْهَرٌ بَاقٍ فَلْتُفَرِّقْ بَين الدَّاريْنِ عقولُ الرِّجَالِ، خَلِّ عَن مَنْزِلِ الزَّوَالِ والفناءِ ويَمِّمْ نَحْوَ المنزلِ العالِي منزلِ الْكَرَامَةِ والأُنسِ والبرِّ ونيلِ المنى ونيلِ النوالِ تِلْكَ وَاللهِ دَارُ قومٍ شَرَوْهَا بنفيسِ النُّفُوسِ والأموالِ حِين زُفَّتْ إليهم خثمَّ ساقوا لَهَا المهورَ الغواليَ.
أيْنَ خُطَابُ هَذِه العرائسِ أيْنَ طلابُ هَذِه النفائسِ هم الَّذين مدحَهم الله فِي مُحكم الْقُرْآن فِي أول سُورَة الْمُؤمنِينَ وَآخر سُورَة الْفرْقَان تِلْكَ والله صفاتُ الفائزين بالرضوان الخالدين فِي نعيم الْجنان الحائزينَ زغائبَ الْبر ومواهبَ الْإِحْسَانِ اللَّهُمَّ بِمَا أنعمتَ عَلَيْهِم فارزقنا مَا رزقتهم فِي الدُّنْيَا من طَاعَتِك وذكركَ وَفِي الآخرة من نعيمِ جنتك وَلَذَّة نعيمِكَ وألحقنا بهم وأدخِلْنا فيهم واجعلْنَا مِنْهُم وَلَا تجْعَل نصيبنا مِنْك مَا عجلته لنا من مواهبِ الدُّنْيَا بل ادَّخِر لنا عنْدك مَا ادَّخرته لأهل سَلامَة العقبى وَاجعَلِ الآخرةَ خيرًا لنا من الأولى وإذا أقررت أهل الدُّنْيَا بالدنيا فَأقر أعيننا بموجبات الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة وَالرِّضَا سُبْحَانَكَ مَا أعظم شَأْنك يَا من دَعَتْهُ المُلَبُّون سُبْحَانَكَ مَا أعظم شَأْنك يَا من مد إليه أكفَّهم السائلون سُبْحَانَكَ مَا أعظم شَأْنك يَا من تقوم السَّمَاء والأرض بأَمْره سُبْحَانَكَ مَا أعظم شَأْنك يَا من لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات والأرض كل لَهُ قانتون.
يَا قَلِيلَ الصَّبْرِ إِنَّمَا هِيَ مَرَاحِلُ ، فَصَابِرْ لُجَّةَ الْبَلاءِ فَالْمَوْتُ سَاحِلٌ ، تَأَمَّلْ تَحْتَ سَجْفِ لَيْلِ الصَّبْرِ صُبْحُ الأَجْرِ ، وَاحْبِسْ لِسَانَكَ عَنِ الشَّكْوَى فِي سِجْنِ الصَّبْرِ ، وَاقْطَعْ نَهَارَ اللأْوَاءِ بِحَدِيثِ الْفِكْرِ ، وَأَوْقِدْ فِي دَيَاجِي الآلامِ مِصْبَاحَ الشُّكْرِ ، وَقَلِّبْ قَلْبَكَ بين ذكر النواب وَتَمْحِيصِ الْوِزْرِ ، وَتَعَلَّمْ أَنَّ الْبَلاءَ يُمَزِّقُ رُكَامَ الذُّنُوبِ تَمْزِيقَ الشِّبَاكِ ، وَيَرْفَعُ دَرَجَاتِ الْفَضَائِلِ إِلَى كَاهِلِ السَّمَّاكِ ، وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي سِرِّ: {إِنَّ الله مع الصابرين} . أَنِسَ بِطاعتِه ، وَمَنْ تَذَكَّرَ {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أجرهم بغير حساب} فرح بامتلاء كيسه.
إذا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى
وَلاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لا تَكُونَ كَمِثْلِهِ
وَإِنَّكَ لَمْ تَرْصُدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا
يقول الله تعالى: {إني جزيتهم اليوم بما صبروا} للَّهِ أَقْوَامٌ امْتَثَلُوا مَا أُمِرُوا ، وَزُجِرُوا عَنِ الزَّلَلِ فَانْزَجَرُوا ، فَإِذَا لاحَتِ الدُّنْيَا غَابُوا وَإِذَا بَانَتِ الأُخْرَى حَضَرُوا ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ إِذَا حُشِرُوا {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا} جَنَّ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ فَسَهِرُوا ، وَطَالَعُوا صُحُفَ الذُّنُوبِ فَانْكَسَرُوا ، وَطَرَقُوا بَابَ الْمَحْبُوبِ وَاعْتَذَرُوا ، وَبَالَغُوا فِي الْمَطْلُوبِ ثُمَّ حَذِرُوا ، فَانْظُرْ بِمَاذَا وُعِدُوا فِي الذِّكْرِ وَذَكَرُوا {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا} . رَبِحُوا وَاللَّهِ وَمَا خَسِرُوا ، وَعَاهَدُوا عَلَى الزُّهْدِ فَمَا غَدَرُوا ، وَاحْتَالُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ فَمَلَكُوا وَأَسَرُوا ، {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صبروا} . بُيُوتُهُمْ فِي خُلُوِّهَا كَالصَّوَامِعِ ، وَعُيُونُهُمْ تَنْظُرُ بِالتُّقَى من طرف خَاشِعٍ وَالأَجْفَانُ قَدْ سَحَّتْ سُحُبَ الْمَدَامِعِ تَسْقِي بَذْرَ الْفِكْرِ الَّذِي بَذَرُوا {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بما صبروا} اسْتَوْحَشُوا مِنْ كُلِّ جَلِيسٍ ، شُغُلا بِالْمَعْنَى النَّفِيسِ ، وَزَمُّوا مَطَايَا الْجِدَّ فَسَارَتِ الْعِيسُ ، وَبَادَرُوا الْفُرْصَةَ فَفَاتُوا إِبْلِيسَ ، لا وَقَفُوا وَلا فَتَرُوا {إِنِّي جزيتهم اليوم بما صبروا} . قُلُوبٌ فِي الْخِدْمَةِ حَضَرَتْ، أَسْرَارٌ بِالصِّدْقِ عَمَرَتْ ، كَمْ شَهْوَةٍ فِي صُدُورِهِمُ انْكَسَرَتْ ، أَخْبَارُهُمْ تُحْيِي الْقُلُوبَ إِذَا نُشِرَتْ ، وَيُقَالُ عَنِ الْقَوْمِ إِذَا نُشروا {إني جزيتهم اليوم بما صبروا} . جَدُّوا فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَلْعَبُ ، وَرَفَضُوا الدُّنْيَا فَتَرَكُوهَا تَخْرَبُ ، وَأَذَابُوا قُلُوبَهُمْ بِقِلَّةِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ ، فَغَدًا يُقَالُ: كُلْ يَا مَنْ لَمْ يَأْكُلْ وَاشْرَبْ يَا مَنْ لَمْ يَشْرَبْ أَذْكَارُهُمْ فِي الْحَيَاةِ وَإِنْ كَانُوا قُبِرُوا {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بما صبروا} . عَلِمُوا أَنَّ الدُّنَيْا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ ، وَأَنَّ مَنْ وَافَقَ مُرَادَهَا فَارَقَ دِينَهُ ، فَحَذِرُوا مِنْ غُرُورٍ يُجْدِي غَبِينَةً ، فَرَكِبُوا مِنَ التُّقَى فِي سَفِينَةٍ أَشْحَنُوهَا بِالزَّادِ وَعَبَرُوا ” {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بما صبروا} . طُوبَى لَهُمْ وَالأَمْلاكُ تَتَلَقَّاهُمْ ، كُشِفَ الْحِجَابُ عَنْ عُيُونِهِمْ فَأَرَاهُمْ ، هَذَا أَقْصَى آمَالِهِمْ وَقَدْ ظَفَرُوا {إني جزيتهم اليوم بما صبروا} . بَلَّغَنَا اللَّهُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ ، وَأَسْمَعَنَا زَجْرَ النَّاصِحِ فَقَدْ أَبْلَغَ ، وَسَتَرَنَا مِنَ الْعِقَابِ فَإِنَّهُ إِنْ عَفَا أَسْبَغَ ، وَلَوْلا عَوْنُهُ مَا قَدَرُوا {إِنِّي جزيتهم اليوم بما صبروا}.
أحبابي: قال صلى الله عليه وسلم في حديثه هذا الذي نشرحه: فَاتَّقوا الدُّنْيَا (أي: اجتنبوا فتنتها واحذروا أن تميلكم محبتها والاغترار بها عن أوامر الله تعالى واجتناب مناهيه فيها) (وقيل: أَيْ: احْذَرُوا مِنَ الِاغْتِرَارِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ، فَإِنَّهَا فِي وَشَكِ الزَّوَالِ، وَاقْنَعُوا فِيهَا بِمَا يُعِينُكُمْ عَلَى حُسْنِ الْمَآلِ، فَإِنَّهُ لِحَلَالِهَا حِسَابٌ وَلِحَرَامِهَا عَذَابٌ) واتَّقُوا النِّسَاءِ (أي: اجتنبوا الافتتان بهن: أي: أن يمنعكم التمتع بهن لاستيلاء محبتهن عن القيام بأداء حقوق العبودية والتقرّب إلى مراضي الله تعالى، ، ويدخل فيهن كما قال النووي الزوجات وهن أكثر فتنة لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن) (وقيل: أَيْ: احْذَرُوهُنَّ بِأَنْ تَمِيلُوا إِلَى الْمَنْهِيَّاتِ بِسَبَبِهِنَّ، وَتَقَعُوا فِي فِتْنَةِ الدَّمِ لِأَجْلِ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ). فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنةِ بَنِي إسْرَائيلَ (وإسرائيل هو نبي الله يعقوب عليه السلام، فيُسمى يعقوب “إسرائيل” وهو الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل، قال الله تبارك وتعالى: {كُلُّ الطعامِ كانَ حِلًا لبني إسرائيل إلا ما حرَّمَ إسرائيل على نفسِهِ ) كَانَتْ في النسَاء (أي بسبب النساء، وبسببهن هلك كثير من الفضلاء) (وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا أَضَرُّ مَا فِي الدُّنْيَا مِنَ الْبَلَايَا، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ مُعَاذٍ: اتَّقَوُا الدُّنْيَا وَاتَّقَوُا النِّسَاءَ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ طَلَّاعٌ رَصَّادٌ وَمَا هُوَ بِشَيْءٍ مِنْ فُخُوْخِهِ بِأَوْثَقَ لِصَيْدِهِ فِي الِانْقِيَادِ مِنَ النِّسَاءِ.اهـ وكان هلاك بني إسرائيل كما يُذكر في قصة بَلعام، فقد نَقَلَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} [الأعراف: 175] الْآيَاتِ. أَنَّ قِصَّتَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا قَصَدَ حَرْبَ الْجَبَّارِينَ، وَنَزَلَ أَرْضَ بَنِي كَنْعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ أَتَى قَوْمُ بَلْعَامَ إِلَى بَلْعَامَ، وَكَانَ عِنْدَهُ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فَقَالُوا: إِنَّ مُوسَى رَجُلٌ حَدِيدٌ وَمَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ، وَأَنَّهُ قَدْ جَاءَ يُخْرِجُنَا وَيَقْتُلُنَا وَيَحِلُّهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُجَابُ الدَّعْوَةِ فَاخْرُجْ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَنَّا. فَقَالَ لَهُمْ: وَيْلَكُمْ مِنَ اللَّهِ، مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ كَيْفَ أَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَأَنَا أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ، وَإِنِّي إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ذَهَبَتْ دُنْيَايَ وَآخِرَتِي، فَرَاجَعُوهُ وَأَلَحُّوا عَلَيْهِ فَقَالَ: حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي، أي استخير وَكَانَ لَا يَدْعُو حَتَّى يَنْظُرَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ فِي الْمَنَامِ، فَوَامَرَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ فَقِيلَ لَهُ فِي الْمَنَامِ: لَا تَدْعُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لِقَوْمِهِ: إِنِّي قَدْ وَامَرْتُ وَإِنِّي قَدْ نُهِيتُ، فَأَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا، ثُمَّ رَاجَعُوهُ فَقَالَ لِقَوْمِهِ حَتَّى أَوَامِرَ فَوَامَرَ فَلَمْ يَجِيءْ إِلَيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ وَامَرْتُ وَلِمَ يَجِيءْ إِلَيَّ شَيْءٌ فَقَالُوا: لَوْ كَرِهَ رَبُّكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ لَنَهَاكَ كَمَا نَهَاكَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَمْ يَزَالُوا يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى فَتَنُوهُ فَافْتَتَنَ، فَرَكِبَ أَتَانًا لَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى جَبَلٍ يُطْلِعَهُ عَلَى عَسْكَرِ إِسْرَائِيلَ يُقَالَ لَهُ (حُسْبَانُ) فَلَمَّا سَارَ عَلَيْهَا غَيْرُ كَثِيرٍ رَبَضَتْ بِهِ أَيْ: جَلَسَتْ، فَوَلَّ عَنْهَا فَضَرَبَهَا حَتَّى إِذَا أَذْلَقَهَا أَيْ: أَقْلَقَهَا قَامَتْ فَرَكِبَهَا، فَلَمْ تَسِرْ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ، فَفَعَلَ بِهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَامَتْ فَرَكِبَهَا فَلَمْ تَسْرِ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ فَفَعَلَ بِهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَامَتْ فَرَكِبَهَا فَلَمْ تَسْرِ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ فَضَرَبَهَا حَتَّى إِذَا أَذْلَقَهَا أَذِنَ اللَّهُ لَهَا بِالْكَلَامِ، فَكَلَّمَتْهُ حُجَّةً عَلَيْهِ فَقَالَتْ: وَيْحَكَ يَا بَلْعَامُ أَيْنَ تَذْهَبُ أَلَا تَرَى الْمَلَائِكَةَ أَمَامِي تَرُدُّنِي عَنْ وَجْهِي هَذَا، أَتَذْهَبُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ لِتَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَنْزِعْ فَخَلَى اللَّهُ سَبِيلَهَا، فَانْطَلَقَتْ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَتْ بِهِ عَلَى جَبَلِ حُسْبَانَ جَعَلَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ وَلَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ إِلَّا صَرَفَ بِهِ لِسَانَهُ إِلَى قَوْمِهِ، وَلَا يَدْعُو لِقَوْمِهِ بِخَيْرٍ إِلَّا صَرَفَ بِهِ لِسَانَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: أَتَدْرِي مَا تَصْنَعُ إِنَّمَا تَدْعُو لَهُمْ وَعَلَيْنَا. قَالَ: فَهَذَا مَا لَا أَمْلِكُ هَذَا شَيْءٌ قَدْ غَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ أَيْ: خَرَجَ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ ذَهَبَتِ الْآنَ مِنِّي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ، فَسَأَمْكُرُ لَكُمْ وَأَحْتَالُ جَمِّلُوا النِّسَاءَ وَزَيَّنُوهُنَّ وَأَعْطَوْهُنَّ السِّلَعَ، ثُمَّ أَرْسَلُوهُنَّ إِلَى الْعَسْكَرِ يَبِعْنَهَا فِيهِ، وَمُرُوهُنَّ لَا تَمْنَعُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ أَرَادَهَا، فَإِنَّهُمْ إِنْ زَنَى رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كُفِيتُمُوهُمْ، فَفَعَلُوا فَلَمَّا دَخَلَ النِّسَاءُ الْعَسْكَرَ مَرَّتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ بِرَجُلٍ مِنْ عُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا حَتَّى أَعْجَبَتْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا حَتَّى وَقَفَ بِهَا عَلَى مُوسَى فَقَالَ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ سَتَقُولُ هَذِهِ حَرَامٌ عَلَيْكَ. قَالَ: أَجَلْ هِيَ حَرَامٌ عَلَيْكَ لَا تَقْرَبْهَا. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَا نُطِيعَكَ فِي هَذَا، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا قُبَّتَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الطَّاعُونَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْوَقْتِ)” رواه مسلم.
نسأل الله تعالى أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن إنه على كل شيء قدير
والحمد لله رب العالمين.