الحمدُ لله الذي طيَّبَ طيبة وشرفها بسيدنا محمدٍ صاحب السيادة، وعطّرَ تربتها بحلولِهِ فيها فَفُضِّلَتْ على البلادِ بزيادة، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لهُ عالمُ الغيبِ والشهادة، وأشهد أنَّ سيدنا محمدا عبدهُ ورسولهُ من خصَّهُ الله بالشفاعةِ العظمى وبلَّغَهُ مُراده، المصطفى الذي قد اختارهُ الله من العبادِ وزاده، وأعطى الفوزَ لمن ءامنَ بهِ وزارهُ في المدينَةِ وأَعْظِمْ بها من عباده، وبشّرَ من تبعَهُ وعمل بِسُنَّتِهِ بالخير والسعادة، اللهم صلِّ وسلم وأنعم وأكرم على نبيّك وحبيبكَ محمد وعلى الخلفاء الأربعة أصحاب السيادة، أبي بكرٍ أفضل الأولياء والقادة، وعمر الذي توسل بالعباس في عام الرمادة، وعثمان الذي زاد في الجمعة أذانا ثانيا فأنعم بها من زيادة، وعليٍّ الذي بدعوة المصطفى نور الله فؤاده. أما بعد:
الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله: الثَّاني (أي الحديث الثاني من باب المراقبة): عن أبي ذَرٍّ جُنْدَبِ بْنِ جُنَادةَ، وأبي عبْدِ الرَّحْمنِ مُعاذِ بْنِ جبل رضيَ اللَّه عنهما، عنْ رسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ» رواهُ التِّرْمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ.
ترجمة راويي الحديث رضي الله عنهما
أحدهما هو أَبُو ذَرٍّ جُنْدُبُ بنُ جُنَادَةَ الغِفَارِيُّ، وَقِيْلَ: جُنْدُبُ بنُ سَكَنٍ. قال الدِّمْيَاطِيُّ: أَنَّهُ جُنْدُبُ بنُ جُنَادَةَ بنِ سُفْيَانَ بنِ عُبَيْدِ بنِ حَرَامِ بنِ غِفَارَ. أَحَدُ السَّابِقِيْنَ الأَوَّلِيْنَ، مِنْ نُجَبَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. قِيْلَ: كَانَ خَامِسَ خَمْسَةٍ فِي الإِسْلاَمِ. قال فيه أبو نعيم: رَابِعُ الْإِسْلَامِ، كَانَ مِنْ قُطَّانِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، كَانَ مُتَوَحِّدًا مُتَعَبِّدًا، فَرُبَّمَا أَحْدَثَ الْعَهْدَ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ مُسْتَأْنِسًا بِهِمْ فَذُكِرَ فِي جُمْلَتِهِمْ لِهَذَا. ثُمَّ إِنَّهُ رُدَّ إِلَى بِلاَدِ قَوْمِهِ، فَأَقَامَ بِهَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَنْ هَاجَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَاجَرَ إِلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَلاَزَمَهُ، وَجَاهَدَ مَعَهُ. وَكَانَ يُفْتِي فِي خِلاَفَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ. رَوَى عَنْهُ: حُذَيْفَةُ بنُ أَسِيْدٍ الغِفَارِيُّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسُ بنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الخَوْلاَنِيُّ، وَأَبُو الأَسْوَدِ الدُّئِلِيِّ، وَسَعِيْدُ بنُ المُسَيِّبِ، وغيرهم، فَاتَتْهُ بَدْرٌ: كَانَ آدَمَ، ضَخْماً، جَسِيْماً، كَثَّ اللِّحْيَةِ. وَكَانَ رَأْساً فِي الزُّهْدِ، وَالصِّدْقِ، وَالعِلْمِ، وَالعَمَلِ، قَوَّالاً بِالحَقِّ، لاَ تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، عَلَى حِدَّةٍ فِيْهِ. وَقَدْ شَهِدَ فَتْحَ بَيْتِ المَقْدِسِ مَعَ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا، فَأَكْرَمَنَا وَأَحَسَنَ. فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ، فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ، فَاكْفِنِي. فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَأبطأ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ. فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيْتُ رَجُلاً بِمَكَّةَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ. قُلْتُ: فَمَا يَقُوْلُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُوْلُوْنَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ. قَالَ: وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ. فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الكَهَنَةِ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِهِم، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْوَالِ الشُّعَرَاءِ، فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ أَنَّهُ شِعْرٌ، وَاللهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُم لَكَاذِبُوْنَ! قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ! فَأَتَيْتُ مَكَّةَ، فَرأيتُ رَجُلاً مِنْهُم، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي تَدْعُوْنَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئُ. قَالَ: فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ، وَعَظْمٍ، حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيّاً عَلَيَّ، فَارْتَفَعْتُ حِيْنَ ارْتَفَعْتُ، فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ، فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا. وَلَقَدْ لَبِثْتُ ثَلاَثِيْنَ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، مَا لِي طَعَامٌ إِلاَّ مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ. فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ، جَاءَ رَسُوْلُ اللهِ حَتَّى اسْتَلَمَ الحَجَرَ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، وقال الرسول له لما راه مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟) . قُلْتُ: مِنْ غِفَارَ. فَقَالَ: (مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا؟) . قُلْتُ: مُنْذُ ثَلاَثِيْنَ، مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ. قَالَ: (فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟) . قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلاَّ مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ، وَمَا أَجِدُ جُوْعا. قَالَ: (إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ. فَانْطَلَقْنَا، فَجَعَلَ أبو بكر يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيْبِ الطَّائِفِ، فَكَانَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا. وَأَتَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: (إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ، لاَ أُرَاهَا إِلاَّ يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ، وَيَأْجُرَكَ فِيْهِم؟) . قَالَ: فَانْطَلَقْتُ، فَلَقِيْتُ أُنَيْساً. فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِيْنِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. فَأَسْلَمَتْ أُمُّنَا، ثم أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُم، وَقَالَ نِصْفُهُم: إِذَا قَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ المَدِيْنَةَ أَسْلَمْنَا. فَقَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المَدِيْنَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ البَاقِي. وَجَاءتْ أَسْلَمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِخْوَانُنَا، نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ. فَأَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (غِفَارُ، غَفَرَ اللهُ لَهَا! وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ) . رواه مسلم. وفي رواية أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُوْلَ اللهِ، اعْرِضْ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ. فَعَرَضَ عَلَيَّ، فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي، فَقَالَ لِي: (يَا أَبَا ذَرٍّ، اكْتُمْ هَذَا الأَمْرَ، وَارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ! فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُوْرُنَا، فَأَقْبِلْ) . فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. فَجَاءَ إِلَى المَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيْهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ. فَقَالُوا: قُوْمُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئ. فَقَامُوا، فَضُرِبْتُ لأَمُوْتَ! فَأَدْرَكَنِي العَبَّاسُ، فَأَكَبَّ عَلَيَّ، وَقَالَ: وَيْلَكُم! تَقْتَلُوْنَ رَجُلاً مِنْ غِفَارَ، وَمَتْجَرُكُم وَمَمَرُّكُم عَلَى غِفَارَ! فَأَطْلَقُوا عَنِّي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، رَجَعْتُ، فَقُلْتُ مِثْلَ مَا قُلْتُ بِالأَمْسِ. فَقَالُوا: قُوْمُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئ! فَصُنِعَ بِي كَذَلِكَ، وَأَدْرَكَنِي العَبَّاسُ، فَأَكَبَّ عَلَيَّ. فَهَذَا أَوَّلُ إِسْلاَمِ أَبِي ذَرٍّ. وعند الطبراني كَانَ أَبُو ذَرٍّ وَعَمْرُو بنُ عَبَسَةَ، كُلٌّ مِنْهُمَا يَقُوْلُ: أَنَا رُابُعُ الإِسْلاَمِ. وكَانَ أَبُو ذَرٍّ حَامِلَ رَايَةِ غِفَار يَوْمَ حُنَيْنٍ: وَكَانَ يَقُوْلُ: أَبْطَأْتُ فِي غَزْوَةِ تَبُوْكٍ، مِنْ ضَعف بَعِيْرِي. وروي عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ، قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى تَبُوْكٍ، جَعَلَ لاَ يَزَالُ يَتَخَلَّفُ الرَّجُلُ. فَيَقُوْلُوْنَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ تَخَلَّفَ فُلاَنٌ. فَيَقُوْلُ: (دَعُوْهُ، إِنْ يَكُنْ فِيْهِ خَيْرٌ فَسَيَلْحَقُكُم، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرُ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللهُ مِنْهُ) . حَتَّى قِيْلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ، وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيْرُهُ. فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ، فَجَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَخَرَجَ يَتْبَعُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَنَظَرَ نَاظِرٌ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَرَجُلٌ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيْقِ! فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (كُنْ أَبَا ذَرٍّ) . فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ القَوْمُ، قَالُوا: هُوَ -وَاللهِ- أَبُو ذَرٍّ! فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (رَحِمَ اللهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوْتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحَدَهُ) . فمرَّ الدهر وَسُيِّرَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ أَوْصَى امْرَأَتَهُ وَغُلاَمَهُ، فَقَالَ: إِذَا مِتُّ فَاغْسِلاَنِي، وَكَفِّنَانِي، وَضَعَانِي عَلَى الطَّرِيْقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّوْنَ بِكُمْ فَقُوْلاَ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ. فَلَمَّا مَاتَ فَعَلاَ بِهِ ذَلِكَ، فَاطَّلَعَ رَكْبٌ فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيْلَ: جِنَازَةُ أَبِي ذَرٍّ. فَاسْتَهَلَّ ابْنُ مَسْعُوْدٍ يَبْكِي، وَقَالَ: صَدَقَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَرْحَمُ اللهُ أَبَا ذَرٍّ! يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوْتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ) . فَنَزَلَ، فَوَلِيَهُ بِنَفْسِهِ، حَتَّى دفنه.. وروي أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ رَسُوْلَ اللهِ الإِمْرَةَ، فَقَالَ: (إِنَّكَ ضَعِيْفٌ، وَإِنَّهَا خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيْهَا). وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَبْتَدِئُ أَبَا ذَرٍّ إِذَا حَضَرَ، وَيَتَفَقَّدُهُ إِذَا غَابَ. وروى أبو ذر عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (أَوْصَانِي بِخَمْسٍ: أَرْحَمُ المَسَاِكِيْنَ وَأُجَالِسُهُم، وَأَنْظُرُ إِلَى مَنْ تَحْتِي وَلاَ أَنْظُرُ إِلَى مَنْ فَوْقِي، وَأَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَنْ أَقُوْلَ الحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرّاً، وَأَنْ أَقُوْلَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ). وقال مَالِكُ بنُ دِيْنَارٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (أَيُّكُمْ يَلْقَانِي عَلَى الحَالِ الَّذِي أُفَارِقُهُ عَلَيْهِ؟) . فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَنَا. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ، وَلاَ أَقَلَّتِ الغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ! مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى زُهْدِ عِيْسَى فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ). وسُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ فَقَالَ: وَعَى عِلْماً عَجِزَ عَنْهُ، وَكَانَ شَحِيْحاً عَلَى دِيْنِهِ، حَرِيْصاً عَلَى العِلْمِ، يُكْثِرُ السُّؤَالَ، وَعَجِزَ عَنْ كَشْفِ مَا عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ. وروي عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ قِيْلَ لَهُ: حَدِّثْنَا عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدِّثْنَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ. قَالَ: عَلِمَ العِلْمَ، ثُمَّ أَوْكَى، فَرَبَطَ عَلَيْهِ رِبَاطاً شَدِيْداً. وفي رواية قال علي: أَبُو ذَرٍّ وِعَاءٌ مُلِئَ عِلْماً، أَوْكَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى قُبِضَ. وروي أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي ذَرٍّ، وَتُبْ عَلَيْهِ) . وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلاَّ وَقَدْ أُعْطِيَ سَبْعَةَ رُفَقَاءَ وَوُزَرَاءَ، وَإِنِّي أُعْطِيْتُ أَربَعَةَ عَشَرَ) . فَسَمَّى فِيْهِم أَبَا ذَرٍّ. وفي مسند أحمد: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أُمِرْتُ بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ، وَأَخْبَرَنِي اللهُ -تَعَالَى- أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ) . قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: (عَلِيٌّ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَسَلْمَانُ، وَالمِقْدَادُ بنُ الأَسْوَدِ) قَالَ شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ: حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِذَا فَرَغَ مِنْ خِدْمَتِهِ، أَوَى إِلَى المَسْجِدِ، وَكَانَ هُوَ بَيْتَهُ. فَدَخَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَجَدَهُ مُنْجَدِلاً فِي المَسْجِدِ، فَنَكَتَهُ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِرِجْلِهِ حَتَّى اسْتَوَى جَالِساً. فَقَالَ: (أَلاَ أَرَاكَ نَائِماً؟) . قَالَ: فَأَيْنَ أَنَامُ؟ هَلْ لِي مِنْ بَيْتٍ غَيْرِهِ؟ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوْكَ مِنْهُ؟) . قَالَ: أَلْحَقُ بِالشَّامِ، فَإِنَّ الشَّامَ أَرْضُ الهِجْرَةِ، وَأَرْضُ المَحْشَرِ، وَأَرْضُ الأَنْبِيَاءِ، فَأَكُوْنُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ لَهُ: (كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوْكَ مِنَ الشَّامِ؟) . قَالَ: أَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَيَكُوْنُ بَيْتِي وَمَنْزِلِي. قَالَ: (فَكَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوْكَ مِنْهُ الثَّانِيَةَ؟) . قَالَ: آخُذُ إِذاً سَيْفِي فَأُقَاتِلُ حَتَّى أَمُوْتَ. قَالَ: فَكَشَّرَ إِلَيْهِ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: (أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟) . قَالَ: بَلَى، بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُوْلَ اللهِ. قَالَ: (تَنْقَادُ لَهُمْ حَيْثُ قَادُوْكَ حَتَّى تَلْقَانِي وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) . وفي مسند أحمد: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: بَايَعَنِي رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَمْساً، وَوَاثَقَنِي سَبْعاً، وَأَشْهَدَ اللهَ عَلَيَّ سَبْعاً: أَلاَّ أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ. مَاتَ رضي الله عنه سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ. وَيُقَالُ: مَاتَ فِي ذِي الحِجَّةِ. وَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُوْدٍ الَّذِي دَفَنَهُ عَاشَ بَعْدَهُ نَحْواً مِنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأَبِي ذَرٍّ، مَعَ قُوَّةِ أَبِي ذَرٍّ فِي بَدَنِهِ وَشَجَاعَتِهِ: (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيْفاً، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لاَ تتَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلاَ تتَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيْمٍ) رواه مسلم. وَلَهُ مائَتَا حَدِيْثٍ وَأَحَدٌ وَثَمَانُوْنَ حَدِيْثاً، اتَّفَقَا مِنْهَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ حَدِيْثاً، وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِحَدِيْثَيْنِ، وَمُسْلِمٌ بِتِسْعَةَ عَشَرَ وعن أم ذرّ زوجة أبي ذرّ، قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيْتُ. فقال لي: ما يبْكيك؟ فقلت: ومَا لِي لا أَبْكي وأنت تموت بِفلَاةٍ من الأرض، وليس عندي ثوبٌ يَسَعك كفنًا لي ولا لك؟ ولا يَدَ لي للقيام بجهازك. قال: فابْشِري وَلَا تَبْكِي؛ فإني سَمِعْتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، يقولُ: “لَا يَمُوتُ بَيْنَ امْرَأَيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَلَدَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَيَصْبِرَانِ وَيَحْتَسِبَانِ فَيَرَيَانِ النَّارَ أَبَدًا” ، وقد مات لنا ثلاثة من الولد، وإني سمعْتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول لنفَر أنا فيهم: “لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ، تَشْهِدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ”، وليس من أولئك النفَر أحدٌ إلّا وَقد مات في قَرْيَة وجماعة، فأنا ذلك الرّجل، والله ما كذَبت ولا كُذبت فأبْصِري الطريقَ. قلت: وأنَّى وقد ذهب الحاجُّ، وتقطَّعَتِ الطّريق؟ قال: اذهبي فتبصَّري. قالت: فكنْتُ أشتدُّ إلى الكثيب فأنظر ثم أرجع إليه فأمرضُه، فبينما هو وأنا كذلك، إذ أنا برجال على رِحَالهم كأنهم الرّخم تحثّ بهم رواحلهم، فأسرعوا إليّ حتى وقفُوا عليّ فقالوا: يا أمَةَ الله، ما لك؟ قلت: امرؤ من المسلمين يموتُ، تُكَفّنونه؟ قالوا: ومَنْ هو؟ قلت: أبو ذرّ. قالوا: صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ قلت: نعم. قالت فأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال لهم: أَبْشِروا، فإنِّي سمعْتُ رسول الله صلّي الله عليه وآله وسلّم يقول لنَفَرٍ أنا فيهم: “لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ تَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ”. وليس من أولئك النّفر أحدٌ إلّا وقد هلك في قرية وجماعة، واللهِ ما كَذَبْت، ولا كذبت، ولو كان عندي ثوبٌ يسعُني كفنًا لي أو لامرأتي لم أكفَّنْ إلا في ثوب هو لي أو لها، وإني أنشدكم الله ألا يكفنني رجل منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا أو نقيبًا، وليس من أولئك النّفر أحدٌ إلا وقد قارف بعْضَ ما قال، إلّا فتًى من الأنصار، فقال: أنا أَكفّنك يا عم في ردائي هذا، وفي ثوبين في رحلي من غزْل أمّي. قال: أنت تكفنني يا بني أَنْتَ صَاحِبِي، فَكَفِّنِّي. فَكَفَّنَهُ الأَنْصَارِيُّ رضي الله عنه وأرضاه.
أما الراوي الآخر لهذا الحديث الشريف فهو معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، وهو مُعَاذُ بنُ جَبَلِ بنِ عَمْرِو بنِ أَوْسٍ الأَنْصَارِيُّ. السَّيِّدُ، الإِمَامُ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، المَدَنِيُّ، البَدْرِيُّ، شَهِدَ العَقَبَةَ شَابّاً أَمْرَدَ. وَلَهُ عِدَّةُ أَحَادِيْثَ. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ، وَأَبُو مُسلمٍ الخَوْلاَنِيُّ، وَأَبُو الأَسْوَدِ الدُّئليُّ، وغيرهم. أُمُّهُ: هِيَ هِنْدُ بِنْتُ سَهْلٍ، مِنْ بَنِي رِفَاعَةَ، ثُمَّ مِنْ جُهَيْنَةَ. وروي أَنَّ مُعَاذاً شَهِدَ بَدْراً وَلَهُ عِشْرُوْنَ سَنَةً، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرُوْنَ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: شَهِدَ العَقَبَةَ فِي رِوَايَتِهِمْ جَمِيْعاً مَعَ السَّبْعِيْنَ. وَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ سَعِيْدٍ: نَزَلَ حِمْصَ، وَكَانَ طَوِيْلاً، حَسَناً، جَمِيْلاً. وَقَالَ الجَمَاعَةُ: كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. طُوَالٌ، حَسَنُ الثَّغْرِ، عَظِيْمُ العَيْنَيْنِ، أَبْيَضُ، جَعْدٌ، قَطَطٌ. قال ابْنُ سَعْدٍ: لَهُ ابْنَانِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَآخَرُ. قَالَ عَطَاءٌ: أَسْلَمَ مُعَاذٌ وَلَهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً. وَرَوَى: قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وَزَيْدٌ، وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَأَبُو زَيْدٍ أَحَدُ عُمُوْمَتِي. وروي عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ، وَأُبِيٍّ، وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ). وروي عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوْعاً: (أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي: أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِيْنِ اللهِ: عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً: عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهُم بِالحَلاَلِ وَالحَرَامِ: مُعَاذٌ، وَأَفْرَضُهُم: زَيْدٌ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيْنٌ، وَأَمِيْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ: أَبُو عُبَيْدَةَ). وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد الخدري قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَرَامِ اللهِ وَحَلاَلِهِ). قَالَ عُمَرُ: لَوْ أَدْرَكْتُ مُعَاذاً، ثُمَّ وَلَّيْتُهُ، ثُمَّ لَقِيْتُ رَبِّي، فَقَالَ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ؟ لَقُلْتُ: سَمِعْتُ نَبِيَّكَ وَعَبْدَكَ يَقُوْلُ: (يَأْتِي مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ بَيْنَ يَدَي العُلَمَاءِ بِرَتْوَةٍ “أي برمية سهم”). وعند ابن سعد عن مجاهد قال: لَمَّا فَتَحَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَكَّةَ، اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَتَّابَ بنَ أَسِيْدٍ يُصَلِّي بِهِم، وَخَلَّفَ مُعَاذاً يُقْرِئُهُم وَيُفَقِّهُهُم. وقال مُعَاذٍ: لَمَّا بَعَثَنِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى اليَمَنِ، قَالَ لِي: (كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ قَضَاءٌ؟) . قَالَ: قُلْتُ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَبِمَا قَضَى بِهِ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْمَا قَضَى بِهِ الرَّسُوْلُ؟) . قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُوْ. فَضَرَبَ صَدْرِي، وَقَالَ: (الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُوْلَ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِمَا يُرْضِي رَسُوْلَ اللهِ). وروي عَنْ عَاصِمِ بنِ حُمَيْدٍ السَّكُوْنِيِّ: أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى اليَمَنِ، خَرَجَ يُوْصِيْهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ، وَرَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: (يَا مُعَاذُ! إِنَّكَ عَسَى أَنْ لاَ تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي). فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعاً لِفِرَاقِ رَسُوْلِ اللهِ. قَالَ: (لاَ تَبْكِ يَا مُعَاذُ). روي أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِيْنَ وَدَّعَهُ مُعَاذٌ قَالَ: (حَفِظَكَ اللهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ، وَدَرَأَ عَنْكَ شَرَّ الإِنْسِ وَالجِنِّ) . فَسَارَ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يُبْعَثُ لَهُ رَتْوَةٌ فَوْقَ العُلَمَاءِ). وعَنْ أَبِي مُوْسَى: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا بَعَثَهُ وَمُعَاذاً إِلَى اليَمَنِ، قَالَ لَهُمَا: (يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تُنَفِّرَا) . فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوْسَى: إِنَّ لَنَا بِأَرْضِنَا شَرَاباً يُصْنَعُ مِنَ العَسَلِ يُقَالُ لَهُ: البِتْعُ، وَمِنَ الشَّعِيْر يُقَالُ لَهُ: المِزْرُ. قَالَ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) .. وروي عن امرأة من أهل اليمن: بينما نحن في اليمن إِذْ قِيْلَ: هَذَا رَسُوْلُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَافَيْنَا القَرْيَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مُتَوَكِّئٌ عَلَى رُمْحِهِ، مُتَقَلِّدٌ السَّيْفَ، مُتَعَلِّقٌ حَجَفَةً، مُتَنَكِّبٌ قَوْساً وَجُعْبَةً، فَتَكَلَّمَ، وَقَالَ: إِنِّي رَسُوْلُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَيْكُم، اتَّقُوا اللهَ، وَاعْمَلُوا، فَإِنَّمَا هِيَ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، خُلُوْدٌ فَلاَ مَوْتَ، وَإِقَامَةٌ فَلاَ ظَعْنَ، كُلُّ امْرِئٍ عَمِلَ بِهِ عَامِلٌ فَعَلَيْهِ وَلاَ لَهُ، إِلاَّ مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ، ، انْظُرُوا لأَنْفُسِكُم، وَاصْبِرُوا لَهَا بِكُلِّ شَيْءٍ. وَرَوَى: سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ). وفي سنن أبي داود عن معاذ: قال: لَقِيَنِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: (يَا مُعَاذُ! إِنِّي لأُحِبُّكَ فِي اللهِ) . قُلْتُ: وَأَنَا -وَاللهِ- يَا رَسُوْلَ اللهِ! أُحِبُّكَ فِي اللهِ. قَالَ: (أَفَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُوْلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ؟ رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ). وَعَنْ مُحَمَّدِ بنِ سَهْلِ بنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: كَانَ الَّذِيْنَ يُفْتُوْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَلاَثَةٌ مِنَ المُهَاجِرِيْنَ: عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ. وَثَلاَثَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذٌ، وَزَيْدٌ. وَعَنْ نِيَارٍ الأَسْلَمِيِّ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَسْتَشِيْرُ هَؤُلاَءِ، فَذَكَرَ مِنْهُم مُعَاذاً. وخَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ بِالجَابِيَةِ، فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ الفِقْهَ، فَلْيَأْتِ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ. لَوْلاَ مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ. كَانَ عُمَرُ يَقُوْلُ حِيْنَ خَرَجَ مُعَاذٌ إِلَى الشَّامِ: لَقَدْ أَخَلَّ خُرُوْجُهُ بِالمَدِيْنَةِ وَأَهْلِهَا فِي الفِقْهِ، وَفِيْمَا كَانَ يُفْتِيْهِم بِهِ، وَلَقَدْ كُنْتُ كَلَّمْتُ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَحْبِسَهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَأَبَى عَلَيَّ، وَقَالَ: رَجُلٌ أَرَادَ وَجْهاً – يَعْنِي الشَّهَادَةَ – فَلاَ أَحْبِسُهُ. وروي عَنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا تَحَدَّثُوا وَفِيْهِم مُعَاذٌ، نَظَرُوا إِلَيْهِ هَيْبَةً لَهُ. وروي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الخَوْلاَنِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ حِمْصَ، فَإِذَا فِيْهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلاَثِيْنَ كَهْلاً مِنَ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا فِيْهِم شَابٌّ أَكْحَلُ العَيْنَيْنِ، بَرَّاقُ الثَّنَايَا، سَاكِتٌ، فَإِذَا امْتَرَى القَوْمُ، أَقْبَلُوا عَلَيْهِ، فَسَألُوْهُ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قِيْلَ: مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ. فَوَقَعَتْ مَحَبَّتُهُ فِي قَلْبِي. وروي عن أبي قِلابة أَنَّ فُلاَناً مَرَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَوْصُوْنِي. فَجَعَلُوا يُوْصُوْنَهُ، وَكَانَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ فِي آخِرِ القَوْمِ، فَقَالَ: أَوْصِنِي يَرْحَمْكَ اللهُ. قَالَ: قَدْ أَوْصَوْكَ فَلَمْ يَأْلُوا، وَإِنِّي سَأَجْمَعُ لَكَ أَمْرَكَ: اعْلَمْ أَنَّهُ لاَ غِنَى بِكَ عَنْ نَصِيْبِكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ إِلَى نَصِيْبِكَ إِلَى الآخِرَةِ أَفْقَرُ، فَابْدَأْ بِنَصِيْبِكَ مِنَ الآخِرَةِ، فَإِنَّهُ سَيَمُرُّ بِكَ عَلَى نَصِيْبِكَ مِنَ الدُّنْيَا، فَيَنْتَظِمَهُ، ثُمَّ يَزُوْلُ مَعَكَ أَيْنَمَا زِلْتَ. روي عَنْ مَالِكِ الدَّارِ: أَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَخَذَ أَرْبَعَ مَائَةِ دِيْنَارٍ، فَقَالَ لِغُلاَمٍ: اذْهَبْ بِهَا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، ثُمَّ تَلَهَّ سَاعَةً فِي البَيْتِ حَتَّى تَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ. قَالَ: فَذَهَبَ بِهَا الغُلاَمُ، فَقَالَ: يَقُوْلُ لَكَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ: خُذْ هَذِهِ. فَقَالَ: وَصَلَهُ اللهُ وَرَحِمَهُ. ثُمَّ قَالَ: تَعَالَيْ يَا جَارِيَةُ، اذْهَبِي بِهَذِهِ السَّبْعَةِ إِلَى فُلاَنٍ، وَبِهَذِهِ الخَمْسَةِ إِلَى فُلاَنٍ، حَتَّى أَنْفَذَهَا. فَرَجَعَ الغُلاَمُ إِلَى عُمَرَ، وَأَخْبَرَهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ أَعَدَّ مِثْلَهَا لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، فَأَرْسَلَهُ بِهَا إِلَيْهِ. فَقَالَ مُعَاذٌ: وَصَلَهُ اللهُ، يَا جَارِيَةُ! اذْهَبِي إِلَى بَيْتِ فُلاَنٍ بِكَذَا، وَلِبَيْتِ فُلاَنٍ بِكَذَا. فَاطَّلَعَتْ امْرَأَةُ مُعَاذٍ، فَقَالَتْ: وَنَحْنُ – وَالله – مَسَاكِيْنُ، فَأَعْطِنَا. وَلَمْ يَبْقَ فِي الخِرْقَةِ إِلاَّ دِيْنَارَانِ، فَدَحَا بِهِمَا إِلَيْهَا. وَرَجَعَ الغُلاَمُ، فَأَخْبَرَ عُمَرَ، فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّهُم إِخْوَةٌ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. وروي عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمَّا أُصِيْبَ، اسْتَخْلَفَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، يَعْنِي فِي طَاعُوْنِ عَمَوَاس، اشْتَدَّ الوَجَعُ، فَصَرَخَ النَّاسُ إِلَى مُعَاذٍ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنَّا هَذَا الرِّجْزَ. قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِرِجْزٍ، وَلَكِنْ دَعْوَةُ نَبِيِّكُم، وَمَوْتُ الصَّالِحِيْنَ قَبْلَكُم، وَشَهَادَةٌ يَخُصُّ اللهُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْكُم. أَيُّهَا النَّاسُ! أَرْبَعُ خِلاَلٍ، مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ تُدْرِكَهُ. قَالُوا: مَا هِيَ؟ قَالَ: يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر ويقول الرجل والله ما أدري على ما أنا لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة ويعطى المال من مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله. وقَالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُوْلُ: (سَتُهَاجِرُوْنَ إِلَى الشَّامِ، فَيُفْتَحُ لَكُم، وَيَكُوْنُ فِيْهِ دَاءٌ كَالدُّمَّلِ، أَوْ كَالوَخْزَةِ، يَأْخُذُ بِمَرَاقِّ الرَّجُلِ، فَيَشْهَدُ – أَوْ فَيَسْتَشْهِدُ – اللهُ بِكُمْ أَنْفُسَكُم، وَيُزَكِّي بِهَا أَعْمَالَكُم) . اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مُعَاذاً سَمِعَهُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَعْطِهِ هُوَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ الحَظَّ الأَوْفَرَ مِنْهُ. فَأَصَابَهُمُ الطَّاعُوْنُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُم أَحَدٌ، فَطُعِنَ فِي أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ، فَكَانَ يَقُوْلُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا حُمُرَ النَّعَمِ. قيل إنه توفي وهو ابْنُ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ. وَقِيْلَ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ. وقيل: قُبِضَ مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً. قَالَ ضَمْرَةُ بنُ رَبِيْعَةَ: تُوُفِّيَ مُعَاذٌ بِقُصَيْرِ خَالِدٍ مِنَ الأُرْدُنِّ. قَالَ يَزِيْدُ بنُ عُبَيْدَةَ: تُوُفِّيَ مُعَاذٌ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَقَالَ المَدَائِنِيُّ، وَجَمَاعَةٌ: سَنَةَ سَبْعٍ، أَوْ ثَمَانِ عَشْرَةَ.
والله سبحانه أعلم رحمهما الله وجزاهما عن الإسلام خيرا.
الحمدُ لله الَّذِي أرْشَدَ الخلقَ إلى أكْملِ الآداب، وفتَحَ لهم من خزائنِ رحمتِهِ وجودِهِ كُلَّ باب، أنَار بصائرَ المؤمنينَ فأدركوا الحقائقَ وطلبُوا الثَّواب، وأعْمَى بصائرَ المُعْرِضين عن طاعتِهِ فصار بينهم وبين نوره حجاب، هدى أولئك بفضله ورحمته وأضلَّ الآخرين بعدله وحكمته، إن في ذلك لذِكْرى لأولي الألبَاب. وأشْهدُ أنْ لا إِله إِلا الله وحده لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ الْعَزيزُ الوَهَّاب، وأشْهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسولهُ المبعوثُ بأجَلِّ العباداتِ وأَكمَلِ الآداب، صلَّى الله عليه وعلى جميع الآلِ والأصْحَاب، وعلى التابعين لَهم بإحْسَانٍ إلى يومَ المـَآب. أما بعد:
الحديث الحادي والستون: قال الحافظ النووي رحمه الله: الثَّاني (أي الحديث الثاني من باب المراقبة): عن أبي ذَرٍّ جُنْدَبِ بْنِ جُنَادةَ، وأبي عبْدِ الرَّحْمنِ مُعاذِ بْنِ جبل رضيَ اللَّه عنهما، عنْ رسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال : «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ» رواهُ التِّرْمذيُّ وقال : حديثٌ حسنٌ.
الشرح
عن أبي ذَرٍّ جُنْدَبِ بْنِ جُنَادةَ، وأبي عبْدِ الرَّحْمنِ مُعاذِ بْنِ جبل رضيَ اللَّه عنهما، عنْ رسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال : «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ» رواهُ التِّرْمذيُّ وقال : حديثٌ حسنٌ.
عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قال: “اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت“. هٰذا الأَمْرُ، وَإِنْ كانَ مُوَجَّهًا لأَبِي ذَرٍّ جُنْدَبِ بْنِ جُنَادَةَ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمٰنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، إِلّا أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِكُلِّ النّاس بِتَقْوَى الله مُؤْمِنِهِم وَكافِرِهِم، وَإِنْ كانَ اللَّفْظُ وُجِّهَ إِلَى هذَيْن الصّحابِيَّين إِلّا أَنَّ المقْصُودَ بِلُزُومِ التَّقْوَى كُلُّ النّاس، فقَدْ جاءَ فِى كِتابِ اللهِ القُرْءان أَمْرُ اللهِ تعالى النّاسَ جَمِيعَ الناس، مُؤْمِنَهُم وَكافِرَهُم، بِتَقْواه، فقالَ تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾فَكَلِمَةُ﴿النَّاسُ﴾ يَدْخُلُ فِيها المؤْمِن وَالكافِر وَلا بُدَّ لِيَنْطَبِقَ هذا الأَمْرُ عَلَى الكافِر أَنْ يُحَصِّلَ ابْتِداءً الإِيمانُ باللهِ وَبِالرّسُول، ثُمَّ بَعْدَ هذا هُوَ مُطالَبٌ بِلُزومِ تَقْوَى اللهِ بَعْدَ الإِيمان. فَإِذًا هذا أَمْرُ لِكُلِّ النّاسَ، لِلْمؤْمِنِ وَلِلكافِر، أَنْ يَلْزَمُوا تَقْوَى الله. هذا أَمْرٌ عامٌ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾. وَهُناكَ أَمْرٌ خاصٌّ خَصَّ اللهُ تعالى بِهِ المؤْمِنِين وَهُوَ أَمْرٌ بِالتَّقْوَى أيْضًا فَقالَ تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾إِذًا هذاأَمْرٌ خاصٌّ بِالمؤْمِنِين بَعْدَ الَأمْرِ العامِّ لِكُلِّ النّاس.
وَالتَّقْوَى عُرِّفَت بِتَعارِيفَ مُتَقارِبَة. كُلُّ هذه التّعارِيف مَعانِيها تَكادُ تَكُونُ واحِدَةً مُتَّفِقَةً. مِنْهُم مَنْ قال: “التَّقْوَى لُزُومُ الطّاعَة”، أَنْ يَبْقَى الإِنْسانُ مُلازِمًا ثابِتًا على طاعَةِ الله. وَمِنْ طاعَةِ الله أَداءُ الواجِبات وَاجْتِنابُ المحرَّمات، لأَنَّ اللهَ تعالى أَمَرَنا باجْتِنابَ المحرَّماتِ امْتِثالًا لأَمْرِ الله طاعَةٌ لله، وَفِعْلُ ما أَمَرَ الله عَلَى الوَجْهِ الذي أَمَرَ اللهُ سُبحانَهُ، بِالطّرِيقَةِ التي أَمَر أَيضًا طاعَةٌ للهِ. فَلِذلِكَ قالُوا: “التَّقْوَى هِيَ لُزُومُ الطّاعَة”، عِبارَةٌ مُخْتَصَرَة إِلّا أَنَّها تَتَضَمَّنُ مَعانِيَ كَثِيرَة. وَهِيَ فِى الحَقِيقَةِ أَداءٌ لِجَمِيعِ الواجِبات واجْتِنابٌ لِجَمِيعِ المحَرَّمات.
فَللتَّقْوَى رُكنانِ:
- الرُّكْنُ الأَوَّل: هُوَ أَداءُ كُلِّ الواجِبات، يَعْنِى أَنْ لا يَترُكَ واجِبًا فَرضًا أَمَرَ اللهُ تعالى بِهِ، وَحَثَّ عَلَيْهِ نَبِيُّهُ حَثًّا مُؤَكَّدًا.
- الرُّكْنُ الثانِي مِنْ أَركانِ التَّقْوَى: هُوَ اجْتِنابُ كُلِّ المحَرَّمات. إِذا أَدَّى الإِنْسانُ رُكْنَ أَداءِ كُلِّ الواجِبات ورُكْنَ اجْتِنابِ كُلِّ المحَرَّمات، يَصِيرُ عَبْدًا تَقِيًّا.
وَبَعُضُهُم عَرَّفَ التَّقْوَى كَما عَرَّفَها سيِّدُنا عَلِيٌّ فقال: “التَّقْوى الخَوْفُ مِنَ الجَلِيل”، الذي هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسماءِ الله، “التّقوى الخَوْفُ مِنَ الجَلِيل”، أَيْ مِنَ الله، “وَالعَمَلُ بِالتَّنْزِيل”، يَعْنِى أَنْ يَلْزَمَ الواحِدُ مِنّا كُلَّ أَمْرٍ أَمَرَ اللهُ تعالى بِهِ عِبادَهُ فِى الكِتابِ المنَزَّل “بِالتَّنْزِيل”، يَعْنِى فِى القُرءان، لِيَفْعَلَه وَأَنْ يَنْتَهِيَ عَنْ كُلِّ شىءٍ نَهَى اللهُ عَنْهُ فِى التّنزِيل يَعْنِى فِى القُرءان. فَإِذًا: “التَّقوى الخَوْفُ مِنَ الجَليل وَالعَمَلُ بِالتَّنْزِيل وَالقَناعَةُ بِالقَلِيل”، يَعْنِى أَنْ يَقنَعَ الإِنْسانُ بِما قَسَمَ اللهُ لَهُ سُبْحانَه مِنَ الرِّزْق، بِما قَسَمَ اللهُ لَهُ سُبْحانَه مِنَ زَوْجَة، بِما قَسَمَ اللهُ لَهُ سُبْحانَه مِنَ دار، بِما قَسَمَ اللهُ لَهُ سُبْحانَه مِنْ صِحَّة وَأَنْ لا يَعْتَرِضَ عَلَى اللهِ تعالى إِنْ كانَ رِزْقُهُ قَليلًا “وَالقَناعَةُ بِالقَلِيل والاسْتِعْدادُ ليَوْمِ الرَّحِيل” يَعْنِى أَنْ يَتَهَيَّأَ الإِنْسانُ لَيْومِ مُفارَقَتِهِ لِهذه الحَياة بالموت بِزادٍ يَتَزَوَّدُهُ يَنتَفِعُ بِهِ فِى قَبْرِهِ وَفِي يَومِ القِيامَة. إِذًا التَّقْوَى كَما فَسَّرَها سيُّدُنا عَلِيّ وَهذا التَّعْريف مُتَّفِقٌ وَمُنْسَجِمٌ مَعَ التَّعْرِيف الأَوَّل الذي هُوَ لُزُومُ الطّاعَة وَمَعَ التعْرِيف الثانِي الذي هُوَ أَداءُ جَمِيع الواجِبات وَاجْتِنابُ جَمِيعِ المحرَّمات لأَنَّ الإِنْسانَ إِذا كانَ فِى قَلْبِهِ خَوْف مِنَ الجَليل وَالعَمَلُ بِالتَّنْزِيل وَالقَناعَةُ بِالقَلِيل والاسْتِعْدادُ ليَوْمِ الرَّحِيل”، فِى الحَقِيقَة يَكُونُ مُلازِمًا لِطاعَةِ اللهِ تعالى وَمُنْتَهِيًا عَمّا نَهَى عَنْهُ سبْحانَهُ. وَالواحِدُ مِنّا إِنّما خَلَقَهُ اللهُ تعالى وَأَمَرَهُ بِعِبادَتِهِ وَلُزومِ طاعَتِهِ، هذا هُوَ المقْصُود الذي لأَجْلِهِ خُلِقَ الواحِدُ مِنّا وَوُجِدَ فِى هذه الحياةِ الدُّنْيا. فَإِذا عاشَ حَياتَهُ وَلَمْ يُطَبِّق ما أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ هذا الإنسانَ بِه، فى الحقيقةِ يَخْسَرُ يَومَ القِيامَةِ خُسْرانًا عَظِيمًا. لذا قالَ بعضُ الشُّعَراءِ:
إِذا المرءُ لَمْ يَلْبَس ثِيابًا مِنَ التُّقَى
تَقَلَّبَ عُرْيانًا وَلَوْ كانَ كاسِيَا
لَوْ كانَ لابِسا ثِيابا، إِلّا أَنَّهُ فارِغٌ مِنْ مَضْمُونِ التَّقْوَى لَيسَ فِى قَلْبِهِ تَقْوَى اللهِ، لَوْ كانَ لابِسًا ثِيابًا، هذا فِى الحَقِيقَة عُرْيان! لأَنَّ الله تعالى قال ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾اللهُ تعالى بَيَّنَ لَنا أَنَّ خَيرَ ما يُلابِسُ الإِنْسانَ وَيُلازِمُ الإِنْسانَ تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلّ، لِذلِكَ قالَ ذاكَ الشّاعِرُ:
إِذا المرءُ لَمْ يَلْبَس ثِيابًا مِنَ التُّقَى
تَقَلَّبَ عُرْيانًا وَلَوْ كانَ كاسِيَا
ثُمَّ قال: “وَخَيْرُ لِباسِ المَرْءِ طاعَةُ رَبِّهِ وَلا خَيْرَ فِيمَنْ كانَ للهِ عاصِيا”.
وحالُ الإِنْسانِ الْمُتَّقِي لِرَبِّهُ كَحالِ الإِنْسانِ الذي يَمْشِي عَلَى أَرْضٍ فِيها شَوْكٌ يَحْذَرُ مِنْ أَنْ يُصِيبَ هذا الشَوْكُ رِجْلَهُ! هذا المعْنَى لَخَّصَهُ أَيْضًا بَعْضُ الشُّعَراء فَقال:
خَلِّ الذُّنُوب صَغِيرَها وكَبِيـرَها ذاكَ التُّـقَـى
واصْنَع كَماشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذّرُ ما يَرَى
لا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً إِنَّ الجِبالَ مِـنَ الحَــصَـى
قَوْل الشّاعِر: “خَلِّ الذُّنُوب صَغِيرَها وكَبِيـرَها ذاكَ التُّـقَـى”، اتْرُك الذُّنوب صَغِيرَها وكَبِيـرَها، هذا هُوَ التُّقَى، “واصْنَع كَماشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذّرُ ما يَرَى” كَإِنْسانٍ يَمْشِي عَلَى أَرْضٍ فِيها شَوْك، يَحْذَر وَيَخاف مِنْ أَنْ يُصِيبَ هذا الشَّوْكُ قَدَمَه. “لا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً إِنَّ الجِبالَ مِـنَ الحَــصَـى”، الجِبال العَظِيمَة أَصْلُها مِنَ الحَصَى، مَعناهُ لا يَنبَغِي أَنْ يَقُولَ الواحِدُ مِنّا: هذه مَعصِيَةٌ صَغِيرَة أَفْعَلُها ثُمَّ أَتُوبُ مِنْها بَعْدَ هذا! لا! هذه المَعصِيَةُ الصَغِيرَةُ قَدْ تجُرُّ إِلَى مَعصِيَةٍ أُخْرَى ثُمَّ هذه الْمَعصِيَةُ قَدْ تجُرُّ إِلَى أُخْرَى فَإِذا اسْتَسْهَلَت نَفْسُهُ فِعْلَ الْمَعْصِيَة الصَغِيرَة، تَجَرَّأَت نَفْسُهُ بَعْدَ هذا عَلى مُواقَعَةِ الكَبائِر وَقَدْ يَخُوضُ فِى الكبائِرِ كما تَخُوضُ الإِبِلُ فِى الوَحْلِ وَيَسْتَلِذُّ ذلِكَ وَيسْتَطِيبُهُ حَتّى يَصِيرَ فِعْلُهُ لِهذه الذُّنُوب عادَة! يَعْتاد عَلَى أَنْ يَفْعَلَ هذه الذُّنُوب وَالمعاصِي إِلّا مَنْ رَحِمَ رَبِّي سبْحانَهُ وَتَعالى.
ثُمّ إِنَّ الرّسُولَ قالَ: “اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت“. “حَيْثُ” إِنما هُوَ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ للْمكانِ غالِبًا “حَيْثُمَا كُنْت“، يَعْنِى فِى أَيِّ مَوْضِعٍ كُنْتَ فِيهِ، فِى أَيِّ مَكانٍ كُنْتَ فِيهِ، أَنْتَ مُطالَبٌ بِتَقْوَى الله. سَواءٌ كُنْتَ فِى بيْتِكَ خالِيًا، وَحْدَكَ، أَنْتَ مُطالَبٌ بِتَقْوَى الله. أَنْتَ مُطالَبٌ بِتَقْوَى الله فِى أَيِّ مكانٍ حَلَلْتَ فِيهِ وَنَزَلْتَ فِيهِ، لأَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْكَ. لا يَخْفَى عَلَيْهِ شىءٌ مِنْ أَعْمالِكَ. أَيْنَما كُنْتَ وَحَيثُما تَوَجَّهْتَ، وَفِى أَيِّ مَكانٍ حَلَلْتَ، اللهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْكَ وَحَقُّ رَبِّنا سبْحانَهُ وَتعالى، عَلَيْكَ أَنْ تَتَّقِيَه وَأَنْ تَجْتَنِبَ ما نَهاكَ عَنْهُ سبحانه وَأَنْ تَفْعَلَ ما أَمَرَك! فَاحْرِصْ أَخِي أَن لا يَراكَ اللهُ حَيْثُ نَهاك وَلْيَرَاكَ اللهُ حَيثُ أَمَرَك! إِذًا: “اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت“. فَإِنَّ التّقوى وَإِنْ قَلَّ لَفْظُها، إِلّا أَنَّها كَلِمَةٌ جامِعَةٌ حاوِيَةٌ لِكُلِّ خَير!
ولِهذه التَّقْوَى بَرَكات عَظِيمَة وَمَنافِع عَظِيمَة وَهِيَ الكَلِمَة التي أَوْصَى اللهُ تَعالى بِها الأَوَّلِين والآخِرِين. اللهُ تَعالى أَوْصَى النّاسَ جَمِيعَهُم أَوَّلَهُم وَءاخِرَهُم بِتَقْواه. واحِدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْم، أَرادَ تِلْمِيذُهُ أَنْ يُفارِقَه، أَنْ يُسافِر فَقالَ له: “أَوْصِنِي”، فَقالَ هذا الشيخ مُوصِيًا تِلميذَه: “أُوصِيكَ بِوَصِيَّةِ رَبِّ العالَمِين لِلأَوَّلِين والآخِرِين” ثُمَّ تَلَى عَلَيْهِ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلّ ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗوَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [سورة النساء:131] معناهُ هذه وَصِيَّةُ اللهِ لِمَنْ قَبْلَكُم وَوَصِيَّتُهُ سبْحانَهُ لِهذه الأُمَّة أَنِ اتَّقُوا الله!
- مِنْ جُمْلَةِ هذه الفَوائِد التي فِى القُرءان لِمَنِ اتّقَ اللهَ عَزَّ وَجَلّ أَنَّها سَبَبٌ للحِفْظِ مِنَ الأَعْداء وَالحِراسَة مِنَ الذينَ يُرِيدُونَ إِيذاءَك، لأَنَّ تعالى قالَ ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖوَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًاۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾كَيْدُ الأَعْداء لا يَضُرُّكُم إِنْ كُنْتُم عَلَى صِفَةِ الصَّبرِ وَصِفَةِ التَّقْوَى.
- وَمِنْها أَنَّ فِيها إِصْلاحَ العَمَل وَغُفْرانَ الذُّنُوب. بِسَبَبِ التَّقوَى اللهُ تعالى يُصْلِحُ لَنا أَعْمالَنا فِى الحَياةِ الدُّنيا وَفِى الآخِرَة وَتَكُونُ سَبَبًا لِتَكْفِيرِ الذُّنوبِ وَمَحْوِها. قالَ تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾.
- مِنْ ثَمَراتِ وَفَوائِدِ التّقوَى أَنَّ هذا العَبدَ الْمُتَّقِيَ لِرَبِّهِ يَصِيرُ حَبِيبًا للهِ تعالى، لأَنَّ اللهَ تعالى قالَ ﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. مَعْناهُ اللهُ تَعالى بِمَشِيئَتِهِ يُنْعِمُ عَلَيْهِم وَيُكْرِمُهُم فِى قُبُورِهِم وَفِى الآخِرَة. هذه مَحَبَّةُ الله. مَحَبَّةُ اللهِ لِعَبْدِهِ ليْسَت تَأَثُّرًا وَانْفِعالًا!! ليْسَت رِقَّةَ قَلْب كَما يَحْصُلُ بَيْنَ الْمُتَحابِّينَ مِنْ خَلْقِ الله! لأَنَّ اللهَ تعالى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الانْفِعال وَلا التَّأَثُّر فِى ذاتِهِ ولا فِى صِفاتِهِ سُبحانَه.
- مِنْ فَوائِدِ التَّقْوَى أَنَّ العَبْدَ الْمُتَّقِيَ لِرَبِّهِ يَكُونُ ذا كَرامَة، لَهُ شَأْن عِنْدَ اللهِ تعالى كَما قالَ تَعالى فِى القُرءان ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
- مِنْ فَوائِدِ التَّقْوَى البِشارَة عِنْدَ الْمَوْت. يَعْنِى تَأْتِي مَلائِكَةُ الرَّحْمَة لِتُبَشِّرَ هذا الإِنْسانَ التَّقِيَّ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوانِهِ. قالَ الله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة يونس:63-64] ﴿الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ﴾ يَعْنِى قَبْلَ مُفارَقَةِ أَرْواحِهِم لأَبْدانِهِم عِنْدَ الموْت تَأْتِيهِم مَلائِكَةٌ تُبَشِّرُهُم بِرَحْمةِ اللهِ وَرِضْوانِهِ. هذه البِشارَة فِى الحَياةِ الدُّنْيا. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أَمّا فِى الآخِرَة فَلَهُم نَعِيمٌ فِى القَبْرِ وَلَهُم نَعِيمٌ فِى جَنّاتِ رَبِّنا سبْحانَه.
- وَمِنْ فَوائِدِ وَمنافِعِ التَّقْوَى أَنَّها سَبَبٌ للنَّجاةِ عِنْدَ العُبُورِ عَلَى الصِّراط. النّاس يَوم القِيامَة، كُلُّ واحِدٍ مِنْهُم يَرِدُ النّار، يَعنِى يَكُونُ وارِدًا لِلنّار، إِمّا أَنَّهُ يَرِدُها فَيَدْخُلُها، وَإِمّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى الصِّراطِ فَوْقَ جَهَنَّم ثُمَّ يَنْجُو حالَةَ عُبُورِهِ عَلَى الصِّراط وَلا يَدْخُلُ النّار. فَالوُرُود إِمّا وُرُود دُخُول فِى النّار وَإِمّا وُرُود مُرُور وَعُبُور. الله تَعالَى قالَ فِى القُرءان ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَاكَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾انظُر كَيْفَ أَنَّ المتَّقِين يَنجُونَ مِنْ دُخُولِ النّار وَيَكُونُ وُرودُهُم للنّارِ وُرُود مُرُور وَعُبُور. مِنْهُم مَنْ يَكُونُ مُرُورُهُ فِى هَواءِ النّار كَالبَرق مِنْهُم مَنْ يَكُونُ مُرورُهُ عَلَى الصِّراط كالرِّيح المرْسَلَة يَعنِي قَوِيّة الهُبوب مِنْ سُرْعَةِ وُرُودهِ، وَمِنْهُم مَنْ يَعْبُرُ الصراط، فِى هَواءِ الصِّراط، كَأَجاوِيد الخَيْل. قالَ ﷺ: “تَجْرِي بِهِم أَعْمالُهُم” مَعْناهُ عَلَى قَدْرِ قُوَّةِ أَعْمالِكَ فِى الدُّنْيا، يَكُونُ عُبُورُكَ عَلَى الصِّراط! كَأَنَّ أَعْمالَهُم هِيَ التي تُسَيِّرُهُم عَلَى الصِّراطِ، فَإِذا كانَ عَمَلُكَ صالِحًا، أَدَّيْتَ ما أَوْجَبَ اللهُ واجْتَنَبْتَ ما حَرَّمَ الله، كُنْتَ عَبْدًا تَقِيًّا، يَكُونُ عُبُورُكَ لِلْصِّراطِ بِسُرْعَة. “تَجْرِي بِهِم أَعْمالُهُم“! فَاللهُ تَعالى جَعَلَ سَبَبَ النَّجاةِ مِنَ النّار وَسَبَبَ عُبُورِ الصِّراطِ بِسُرْعَة تَقْوَى الله ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
- مِنْها أَنَّها سَبَبٌ لِلدَّرَجاتِ العالِيَة فِى الجَنّة، كَما قالَ تعالى ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، معْناهُ أَهْلُ التَّقْوَى لَهُم دَرَجات عالِيَة فِى الجَنّة وَليسَ كُلُّ أَهْلِ الجَنّة عَلَى دَرَجَةٍ واحِدَة. العَبْدُ الْمُتَّقِي لِرَبِّهِ ليسَ مِثْلَ العَبْدِ الذي ماتَ وعَلَيْهِ ذُنُوب وَمَعاصٍ، إِلّا أَنَّهُ حافَظَ عَلَى إِيمانِهِ وَإِسْلامِهِ إِلَى الممات!! لا شَكَّ أَنَّ التَّقِيَّ دَرَجَتُهُ أَعْلَى!
- وَمِنْ فَوائِدِ وَمَنافِعِ التَّقْوَى أَنَّها سَبَبٌ للنَّجاةِ مِنَ الشَّدائِدِ وَالتَّخْلِيصِ مِنَ الكُرُبات! قالَ اللهُ تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجًا﴾ما مَعنَى ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ يَعنِى يُهَيِّئُ اللهُ تعالى لَهُ بابَ النَّجاة وَالخَلاص مِنَ الشَّدائِد إِذا وَقَعَ فِيها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ يَعنِى اللهُ تعالى يُوَسِّعُ عَلَيْهِ فِى الرِّزْقِ بِسَبَبِ تَقْواه مِنْ حَيثُ لا يَظُنُّ أَنَّ الرِّزْقَ يَأْتِيهِ مِنْ هذا الباب. وَكَثِيرٌ مِنَ المفَسِّرين ذَهَبَ أَنَّ سَببَ نُزُولِ هذه الآيَة أَنَّ عَوْفَ بْنَ مالِك الأَشْجَعِيّ الصّحابِيّ، كانَ لَهُ ابنٌ أَسَرهُ الكُفّار. أَخَذُوهُ أَسِيرًا. وَبَقِيَ عِنْدَ الكُفّارِ زَمانًا حَتَّى ضاقَ الأَمْرُ عَلَى أُمِّهِ. فَصارَت تَبْكِي بُكاءً عَظِيمًا عَلى فِقْدانِ وَلَدِها أَسِيرًا فِى أَيْدِي الكُفّار! فجاءَ الأَب عَوْفُ بْنُ مالِك الأَشْجَعِيّ إِلَى رَسُولِ الله يَشْكُو إِلَيْهِ الحال الذي هُم عَلَيْها، فَقالَ لَهُ: “يا عوف، اصبِر وَاتَّقِ اللهَ وَأَكثر أَنت وَزَوْجك مِنْ قَوْلِ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِالله” فَرَجَعَ عَوْفُ بْنُ مالِك إِلَى زَوْجِهِ ثُمَّ كَلَّمَها بِما أَوْصَى بِهِ رَسُولُ الله ﷺ وَجَعَلا يُكْثِرانِ مِنْ قَوْلِ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا الله. هذه الكَلِمَة الطّيبَة، وَرَدَ فِى مسْتَدْرَكِ الحاكِمِ وَغَيرِهِ أَنَّها سَببٌ لِدَفْعِ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ داءً، أَقَلُّ هذه الأَمْراض الهَمّ! فغَفَلَ الكُفّارُ ذاتَ يَوْمٍ عَنِ الوَلَد وَاسْمُهُ سالِم فاسْتَطاعَ أَنْ يَفِرَّ مِنْهُم، أَيْ أَنْ يَهرُبَ مِنَ الأَسْر، ثُمَّ وَجَدَ عِندَهُم غَنَمًا كَثِيرًا فَساقَ الغَنمَ مَعَهُ وَرَجِعَ إِلَى أَهْلِهِ. أَرْبَعَةَ آلافِ شاة! ساقَها خَلْفَهُ وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. جُمْهُورُ المفَسِّرِين أَنَّ هذه الآيَة نَزَلَت فِى عَوْفُ بْنُ مالِكٍ الأَشْجَعِيِّ ووَلَدِهِ الذي كانَ مَأْسُورًا فَرَزَقَهُ اللهُ تعالى وَأَنْقَذَهُ مِنَ الشَّدائِدِ وَجَعَلَ لَهُ مِنْها مَخْرَجا بِسَبَبِ صبرِ وَتَقوَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
إِذا نَظَر الواحِدُ مِنّا، يَجِدُ أَنَّ التَّقْوَى سَبَب واضِح، بَيِّن، جَلِيّ فِى نَجاةِ سيدِنا يُوسُف مِنَ الشَّدائِدِ والابْتِلاءات التي تَعَرَّضَ لَها ابتِداءً حِينَ كادَ لَهُ إِخْوَتَهُ الْقَوْهُ فِى الجُبّ. هُمْ أَرادُوا قَتْلَهُ. وأَرادُوا أَنْ يُلْقُوا عَلَيهِ الصُّخُور لَكنَّ بَعْضَ إِخْوَتِهِ أَلْقَى اللهُ تعالى فِي قُلُبهِ الرَّحْمَة، فقالَ: اتْرُكُوهُ فِى البِئرِ هُوَ يَمُوتُ وَحْدَهُ! لا تَرْمُوهُ بهذه الصُّخُور، لَكِنّ اللهَ تعالى أَنْقَذَهُ مِنَ الهَلاكِ وَالْمَوْتِ بِسَبَبِ تَقْواه وَبِسَبَبِ نَشْأَتِهِ النَّشْأَةَ الحَسَنَة التي تُرْضِي اللهَ عَزَّ وَجَلّ. اللهُ تعالى رَفَعَهُ مِنْ حَضِيضِ البِئْرِ إِلَى عِلِّيَّةِ الحُكم وَالْمُلْك. ألَيسَ بَعْدَ ذلِكَ صارَ قائِمًا عَلَى خَزائِنَ مِصر وَاحْتاجَ لَهُ إِخْوَتُهُ فِيما بَعْدَ ذلِك فِى أَمْرِ طَعامِهِم وَشَرابِهِم؟ رَجَعُوا إِلَيْهِ فَكانَ السَّبَبَ فِي أَنْ أَمَدَّهُم وَأَعانَهُم بِالطَّعامِ وَالشّراب وَسامَحَهُم عَلَى ما فَعَلُوا بَعْدَ تَوْبَتِهِم وَرُجُوعِهِم إِلَى الإِسْلام، لأَنَّ إِخْوَةَ يُوسُف سِوَى بِنْيامِين كَفَرُوا بِسبَبِ إِيذائِهِم واستخفافهم بابِيهِم نَبِيِّ الله يَعقُوب وَإِيذاءُ النّبِيِّ خروج من الدين. الذي يُؤْذِي نَبِيًّا مِنْ أَنْبِياءِ اللهِ أَوْ يُسَفِّهُ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِياءِ اللهِ لا يَكُونُ مُسْلِمًا! وَيَعقُوبُ كانَ نَبِيًّا، لَذلِكَ حِين كانَ سَفَّهُوا أَباهُم يَعقُوب، وَنَعَتُوهُ بِخِلافِ الحِكْمَة كَفَرُوا وَالعِياذُ بالله! ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾حِينَ قالُوا لأَبِيهِم إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ القَدِيم. بَعْدَ هذا تابُوا وَرَجَعُوا إِلَى الإِسلام فَسامَحَهُم بَنِيُّ اللهِ يوسُف بَعْدَ أَنْ وَصَلَ إِلَى الحُكم ثُمَّ بِسَبَبِ تَقْوَى نَبِيُّ اللهِ يُوسُف وَصَلاحِهِ، أَنْقَذَهُ اللهُ تعالى مِنَ الْمِحْنَةِ النِّسائِيَّة التي تَعَرَّضَ لَها مع امرأةِ العَزيز التي أَرادَتِ الفاحِشَةَ بِهِ فَامْتَنَع نَبِيُّ اللهِ يوسُف وَأَخَذَ ناحِيَة الباب فَشَقَّت قَمِيصَهُ مِنْ دُبُر كَما هُوَ فِى كِتابِ اللهِ أَنْقَذَهُ اللهُ تعالى بِما أَلْهَمَهُ وَبِما أَلْقى فِى قَلْبِهِ أَنَّكَ يا يوسُف، إِنْ دَفَعْتَها عَنْ نَفْسِك، لَتَتَّخِذَنَّ هذه حُجَّةً لَها عَلَيْك أَنَّكَ أَنْتَ الذي أَرَدْتَ الفاحِشَةَ بِها! اللهُ تعالى أَلْقى فِى قَلْبِهِ البُرْهانَ وَالحُجَّة أَنْ يَتَّجِهَ ناحِيَةَ الباب، فَشَقَّت قَمِيصَهُ مِنْ دُبُر فَكانَ هذا سببًا لِبَراءَتِهِ مِمّا اتَّهَمَتْهُ بِهِ امرأةُ العَزيز. ثُمَّ هِيَ بَعْدَ ذلِكَ اعْتَرَفَت ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ۚ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾اعْتَرَفَت أَنَّها هِيَ التي أَرَادْتِ الفاحِشَةَ وَأَنَّهُ بَرِيئٌ مِمّا اتَّهَمَتْهُ بِهِ. سَببُ نَجاتِهِ وَإِنْقاذِهِ مِنْ هذه الشَّدائِد هُوَ تَقْواهُ وَصَلاحُهُ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
- ثُمَّ عاقِبَةُ التَّقْوَى خَير. فِى الآخِرَة الْمُتَّقُون لَهُم خَيرٌ عَظِيم. يَكُونُونَ فِى الآخِرَةِ مُمَيَّزِينَ عَنْ سائِرِ المؤمِنِين بِسَبَبِ أَنَّهُم حازُوا هذه الصِّفَةَ وَهِيَ تَقْوَى اللهِ تعالى فِى الدُّنْيا. فَتَقْوَى اللهِ بَرَكاتٌ وَنَفَحاتٌ وَإِمْداداتٌ لصاحِبَها فِى الدُّنيا وَيَنالُ مِنْ بَرَكاتِها وَخَيراتِها فِى الآخِرَة.
وَأَيْضًا هذا الحَدِيث بِما أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَل وَرُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ الغِفارِيّ فِى قِصَّةِ إِرْسالِ الرّسُولِ لِمُعاذِ بْنِ جَبَل إِلَى اليَمَن، الرّسُولُ خَرَجَ مَعَهُ يَمْشِي وَهُوَ ماسِكٌ بِزِمامِ الدّابَّة الذي يَرْكَبُ عَلَيْها مُعاذ وَيُوصِيهِ بِوَصايا قَبْلَ سَفَرِهِ. مِنْ جُمْلَةِ الوَصايا التي أَوْصاهُ الرّسُولُ بِها هذا الحَدِيث: “اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت” لأَنَّ الرسُول أَرسَلَ مُعاذ مِنَ المدِينَة إِلَى اليَمَن، فَأَرادَ الرسُولُ أَنْ يُعْلِمَه أَنَّ تَقْوَى الله لا تَخْتصُّ بأَرْضٍ دُونَ أَرض وَأَنَّ الإِنْسانَ إِذا كانَ فِي مَدِينَةِ الرسُول حَيْثُ نَزَلَ أَغْلَبُ الوَحِي عَلَى الرَّسُول وَحَيْثُ مَسْجِدُهُ النَّبَوِيُّ، لا يَنْبَغِي أَنْ يَظُنَّ ظانٌّ أَنّ اتِّقاءَ اللهِ تعالى فَقَط فِى هذا الموْضِع وفِى المكانِ الذي فِيهِ الرّسُول، بَلْ إِنَّ تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ شىءٌ أَمَرَ اللهُ تعالى بِهِ النّاسَ أَيْنَما كانُوا وَحَيْثُما حَلُّوا، لِذلِك الرسُولُ أَشارَ إِلَى أَنَّكَ يا مُعاذ، لَوْ رَحَلْتَ إِلَى اليَمَن واتَّقَيْتَ اللهَ، فَأَنْتَ قَرِيبٌ مِنَ اللهِ وإِنْ كُنْتَ بَعِيدًا عَنْ رَسُولِ الله فِى جَسَدِك، وإِنْ كُنْتَ بَعِيدًا عَن مَسْجِدِ وَمَدِينَةِ رَسُولِ الله فِى جَسَدِك، أَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ مِمّن هُوَ قَرِيبٌ مِنَ رَسُولِ الله وَمَدِينَةِ رَسُول الله بِجَسَدِه، إِلّا أَنَّهُ لَيسَ تَقِيًّا. فَالعِبْرَةُ فِى الأَصْلِ بِتَقْوَى الله، أَيْنَما كانَ هذا الإِنْسان وَأَيْنَما حَلّ. نَعَم، إِذا اجْتَمَعَ تَقْوَى اللهِ مَعَ القُربِ الحِسِّيِّ مِنْ رَسُولِ الله، مُلازِمًا للرّسُول يَعْنِى بِجَسَدِهِ، كانَ أَعْلَى فِى الدّرَجَة. لِماذا؟ لأَنَّهُ تَعُودُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوارِ وَبَرَكاتِ رَسُولِ الله بِسَببِ دُنُوِّهِ جِسَدِيًّا مِنَ الرّسُول ما لا تَعُودُ عَلَيْهِ فِيما إِذا كانَ بَعِيدًا. فَإِذا اجْتَمَعَ القُرْبُ الْمَعْنَوِيُّ وَالقُرْبُ الحِسِيُّ فَهٰذا غايَةُ الكَمال. لِذٰلِكَ وَرَدَ فِى كَلامِ بعْضِ عُلَماءِ السَّلَف أَنْ قال: “لا تُقَدِّسُ الَأَرضُ أَحَدا إِنَّما يُقَدِّسُ الرَّجُلَ عَمَلُهُ” قَدْ يَجْعَلُكَ مُقَدَّسًا أَيْ مُطَهَّرًا مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمعاصِي عِنْدَ الله اتِّقاءُكَ لِرَبِّك لا كَوْنُكَ فِى مَدِينَةِ رَسُولِ الله تَسْكُنُها أَوْ فِى مَكَّةَ المكرَّمَة عِنْدَ الكَعبَة إِلّا أَنَّكَ مُتَلَطِّخٌ بِالذُّنُوبِ! الأَرْضُ التي أَنْتَ فِيها لا تجْعَلُكَ ذا شَرَفٍ عِندَ الله إِنّما الذي يَجْعَلُكَ ذا شَرَفٍ عِندَ الله إِتِّقاءُكَ لِرَبِّكَ وَإِنْ كُنْتَ بَعِيدًا بِالجَسَدِ عَنْ رَسُولِ الله أَو عَنِ الأَراضي المشَرَّفَة كَالمدِينَة وَمَكَّة. لِذلِكَ الرسُولُ حِين خَرَجَ لِيُوَدِّعَ مُعاذَ بن جَبَل قالَ لَهُ: “اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت“، وَبَيَّنّا أَنَّ كَلِمَة “حَيثُ” تُسْتَعْمَلُ للمَكانِ غالِبًا مَعْناهُ لَوْ حَللْتَ فِى أَرْضِ اليَمَن، أَنْتَ مُطالَبٌ بِتَقْوَى اللهِ وَإِنْ كُنْتَ بَعِيدًا عَنْ مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ بِالجَسَدِ.
نكمل شرح الحديث الشريف الدرس القادم بإذن الله تعالى.
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَحْكَمَ بِحِكْمَتِهِ مَا فَطَرَ وَبَنَى، وَأَمَرَنَا بطاعتِه لا لِحاجَةٍ بَلْ لَنَا، يَغْفِرُ الْخَطَايَا لِمَنْ أَسَاء وَجَنَا، وَيُجْزِلُ الْعَطَايَا لِمَنْ كَانَ مُحْسِنًا، بَيَّنَ لِقَاصِدِيهِ سَبِيلا وَسُنَنًا، وَوَهَبَ لِعَابِدِيهِ جَزِيلا يُقْتَنَى، وَأَثَابَ حَامِدِيهِ أَلَذَّ مَا يُجْتَنَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أَحْمَدُهُ مُسِرًّا لِلْحَمْدِ وَمُعْلِنًا، وَأُصَلِّي وأسلم عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الذي أسس قواعد الدين وبنى، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الْمُتَخَلِّلِ بِالْعَبَا رَاضِيًا بِالْعَنَا، وَهُوَ الَّذِي أُريدَ بِقَوْلِهِ تعالى ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وَعَلَى عُمَرَ الْمُجِدِّ فِي عِمَارَةِ الإِسْلامِ فَمَا وَنَى، وَعَلَى عُثْمَانَ الصابر فنال الجنة ثمنا، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي إِذَا مدحناه فَالْفَخْرُ لَنَا. أما بعد: فنكمل كلامَنا على الحديث الحادي والستين.
قال الحافظ النووي رحمه الله: الثَّاني (أي الحديث الثاني من باب المراقبة): عن أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادةَ، وأبي عبْدِ الرَّحْمنِ مُعاذِ بْنِ جبل رضيَ اللَّه عنهما، عنْ رسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قال: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ» رواهُ التِّرْمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ.
وصلنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ.
مَعْنَى “وَأَتْبِعِ” مَعناهُ عَلَيْكَ أَنْ تُلْحِقَ. أَتْبِع يَعْنِى أَلْحِق، افْعَل. الرّسُولَ عَلَّمَهُ حَقَّ الْمُكَلَّفِ فى نَفْسِهِ فقال: “وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا” قال: “وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ“. السَّيِّئَة هِيَ اسْمٌ جامِعٌ للمَعْصِيَةِ الصّغِيرَة وَلِلمَعْصِيَةِ الكَبيرَة. فَإِذا وَقَعَ إِنْسانٌ ما فِى سيئَة ما، صَغِيرَةٍ أَوْ كَبيرَةٍ، فَلْيُلْحِق هذه المعصِيَة، هذه السيئَة بحَسَنَة، يَعنى فَليَفعَل بَعْدَ هذه السيئَةِ حَسَنَةً. وَالحَسَنَةُ اسْمٌ جامِعُ لِكُلِّ خَيرٍ يُقَرِّبُ إِلَى الله، لِكُلِّ طاعَةٍ تُقَرِّبُ إِلَى الله، سَواءٌ كانَت هذه الطّاعَةُ صَلاةً أَوْ وُضُوءً أَوْ صَدَقَةً أَوْ قِراءَةَ قُرءان أَوْ ذِكْرًا بِاللسانِ أَوْ بِالقَلب. كُلُّ هذا يُسَمَّى الحَسَنَة. فَإِذا فَعَلَ الإِنْسانُ سَيّئَةً ما، فَهُوَ مُطالَبٌ من باب الوجوب أَنْ يَتُوبَ مِنْ هذه السيئَة وَليُبادِر إِلَى فِعْلِ حَسَنَةٍ بَعْدَ هذه السيئَة لِتَكُونَ هذه الحَسَنَةُ أَيْضًا سبَبًا فِى مَحْوِ هذه الْمَعصِيَةِ وَمَحْوِ أَثَرِها. قالَ: “وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا“. مَعنَاهُ أنَّ فِعلَ بعضِ الحسنات بعضِ الطّاعات، تَكونُ سبَبًا فِى مَحْوِ السيِّئات. وَهذا فِيهِ تَفْصِيل. الْمَعاصِي الصّغِيرَة تَمْحُوها الحسَنات والطّاعات، أَمّا المعاصِي الكبِيرَة، الذُّنوب الكَبيرَة، فَهذه بَعضُ هذه الذُّنُوب الكبيرَة تَمْحُوها الحسَنات والطّاعات وَبَعْضُ هذه الذُّنُوب الكبيرَة لا تَمْحُوها الحسَنات والطّاعات بَلْ تَحْتاجُ إِلَى تَوْبَة، إِلَى رُجُوعٍ عَنْ هذا الذَّنْب وَعَزْمٍ فِى القَلْب عَلَى أَنْ لا يَعُودَ إِلَى هذه المعْصِيَة وَالإِقْلاعِ عَنْها، أَيْ عَنْ هذه المعْصِيَة. هُوَ كُلُّ المعاصِي والذُّنوب الكَبيرَةِ وَالصّغِيرَة تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْها. هذا أَصل، لَكن جَعَلَ اللهُ تعالى فِى الطّاعاتِ خاصِّيَّةً أَنَّها تُكَفِّر وَتَمْحُو الْمعاصِي الصّغِيرَة وَبَعْض الذُّنوب الكبيرَة. مِثالٌ لهذا قالَ رَسُول الله ﷺ “إِذا تَوَضَّأَ العَبْدُ المُسلِمُ” أَوْ “المُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِكُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْها بِعَيْنِهِ مَعَ الماء أو مَعَ ءاخِرِ قَطْرِ الماء” كُلّ مَعْصِيَة عَصَتْها عَيْنُهُ، تَخْرُجُ هذه المعْصِيَةُ مَعَ غَسْلِهِ لِوَجْهِهِ، مَعَ الماء الذي يَغْسِلُ بِهِ وَجْهَهُ أَوْ مَعَ ءاخِرِ قَطْرِ الماء يَعْنِى حَبّات الماء، مَعناهُ هذا الغَسْلُ بِالماء بِنِيَّةِ الوُضُوء ماذا يَفْعَلُ فِى هذه المعاصِي التي ارْتَكَبَها بِعَيْنِهِ؟ تَكُونُ سَبَبًا فِي مَحْوِها وَإِزالَتِها، كَأَنَّها أَوْساخٌ حِسِّيَّة أَصابَتِ العينَ اَوِ الوَجْهَ فَغَسَلَها ماءُ الوُضُوءِ وَنَظَّفَها. والمراد هنا الذنوب الصغيرة
ثُمَ قالَ رَسُولُ الله ﷺ “فَإِذا غَسَلَ يَدَيْهِ” يَعْنِى فِى الوُضُوء، “خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كانَ بَطَشَتْها يَداهُ مَعِ الماءِ أوْ معَ ءاخِرِ قَطْرِ الماء“، يَعْنِى قَدْ يَكُونُ عَمِلَ بَعض المعاصِي بِيَدِهِ. هذه المعْصِيَةُ التي عَمِلَها بِيَدِهِ، إِذا تَوَضَّأَ وَغَسَلَ كِلْتا يَدَيْهِ، هذا الوُضُوء يَمْحُو وَيُذْهِبُ هذه السيئة.
وَقالَ رَسُول الله ﷺ:”فَإِذا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَت كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْها رِجْلاهُ مَعَ الماءِ أَوْ مَعَ ءاخرِ قَطْرِ الماء حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوب“. يَعْنِى بِسَبَبِ الوُضُوء، هذه الحَسَنَة، هذه الطّاعَة التي هِيَ الوُضُوء، تَكُونُ سَبَبًا فِى مَحْوِ هذه الذُّنُوب الصَّغِيرَة التي فَعَلَها بِعَيْنِهِ أَوْ فَعَلَها بِيَدِهِ أَوْ فَعَلَها بِرِجْلِهِ. بِسَبَبِ الوُضُوء تُمْحَى عَنْهُ. هذا الكَلام مِنَ الرسُول، ليسَ فِيهِ تَشْجِيع للناس عَلَى فِعْلِ الذُّنُوب وَالمعاصِي الصَّغِيرَة! بَلْ هذا فِيهِ بَيانٌ للحُكمِ الشرْعِيّ. هُوَ يَجِبُ عَلَيْنا أَنْ نَتَجَنَّبَ كُلَّ الذُّنُوب وَيَجِبُ عَلَيْنا أَنْ نَبْتَعِدَ عَنْ كُلِّ المعاصِي صَغِيرِها وَكَبيرِها لكِنَّ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، وهذا مِنْ فَضْلِ اللهِ تعالى وَرَحْمَتِه أَنَّ الطّاعات كَالوُضُوء وَالصَّدَقَة وَالصّلاة وَنَحْوِ ذلِك تَكُون سَبَبًا لِمَحْوِ الذُّنُوبِ الصّغِيرَة وَبَعْضِ الذُّنُوبِ الكَبيرَة. هذا مِنْ فَضْلِ اللهِ تعالى وَرَحْمَتِه أَنَّه جَعَلَ رَبُّنا سبْحانَهُ وَتعالى الحَسَنات تُذْهِبُ السَّيئات، لا العَكْس! يَعْنِى لَوْ أَنَّ الإِنْسان يَذْهَبُ فِى مُقابِلِ كُلِّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُها عَشْرَ حَسَنات، لَكانَ هذا فِيهِ مَشَقَّة عَلَى العِباد، لكِنَّ اللهَ تعالى مِنْ عَظِيمِ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِه، أَنْ جَعَلَ الحَسَنَةَ الواحِدَةَ تُكَفِّرُ وَتَمْحُو سيِّئاتٍ، لذلِك واحِد مِنَ الصّحابَة يُقالُ لَهُ نَبَهان التَّمّار كانَ يَبِيعُ التَّمْرَ، جاءَت إِلَيْهِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّة ذاتُ جَمال فَأَعْجَبَتْهُ هذا الصحابِيُّ، نَبَهان التّمّار وَكانَ يَبِيعُ التَّمْرَ فِى دُكّانِهِ فَجاءَتْهُ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ جَمِيلَةٌ فانْفَتَنَ بِها فقالَ لها: عِنْدِي فِى داخِل الدُّكّان تَمْرٌ أَجْوَد. فَدَخَلَت خَلْفَهُ لِيُرِيَها التّمرَ الأَجْوَد فَتَمَسَّكَ بِها ثُمَّ قَبَّلَها وَضَمَّها إِلَى نفْسِهِ إِلّا أَنَّهُ لم يُجامِعْها، ثُمَّ إِنَّهُ نَدِم فَذَهَبَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقالَ لَهُ: “يا رَسُولَ اللهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ”، ظَنَّ أَنَّهُ بِهذا، التَّقْبِيل وَالضَّمّ، مُوجِبًا للحَدّ لأَنَّهُ ليسَ زِنًى (هُوَ بِلا شَكّ حَرام لَكِنَّهُ ليسَ مُوجِبًا للحَدِّ). فَالرَسُولُ جَعَلَ يُنَحِّي وَجْهَهُ جانِبًا وذاكَ الرَّجُلُ يُعِيدُ: “يا رَسُولَ اللهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ”، وَالرَسُولُ يَنْآى بِرَأْسِهِ، لا يُرِيدُ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهِ. حَتَّى قالَ عُمَرُ بْنُ الخطّاب رَضِيَ اللهُ عَنْه لِهذا الصّحابِيِّ: “سَتَرَكَ اللهُ فَخَيْرٌ لَكَ أَنْ تَسْتُرَ عَلَى نَفْسِك”! يَعْنِى كانَ يَكْفِيك بِما أَنَّكَ عَصَيْتَ رَبَّك أَنْ تـَتُوبَ إِلَى اللهِ وَليسَ شَرْطًا أَنْ تَأْتِيَ إِلَى رَسُولَ اللهِ ﷺ لِتَفْضَحَ نَفْسَكَ بِما فَعَلْتَ مِنْ مَعْصِيَةِ رَبِّك. لِذلِك، إِذا إنْسانٌ وَقَعَ فِى مَعْصِيَةٍ فليَسْتُر هذه المعصية عَنِ الناس، لا يَدُورُ بَيْنَ النّاس يَقُولُ أَنا فَعَلْتُ كَذا وَعَصَيْتُ رَبِّي فِى كذا!! يَتُوبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ وَيَسْتُرُ عَلَى نَفْسِهِ. هذا أَحْسَنُ عِنْد اللهِ مِنْ أَنْ يَدُورَ بيْنَ النّاس فَيَتَكَلَّمَ بِما فَعَلَ منَ المعْصِيَة، لأَنَّ الرّسُول قال: “فَمَنِ ابْتُلِيَ بهذِه القاذُورات فَلْيَسْتَتِر بِسِتْرِ الله“. سَمّى الرسُول المعاصِيَ قاذُورات، يَعْنِى مِثل الأَشياء الوَسِخَة، التي تُوَسِّخُ البَدَنَ وَالجَسَدَ وَالثَّوْب وَمَعنَى “فَلْيَسْتَتِر بِسِتْرِ الله” أَنَّ هذا أَقْرَبُ إِلَى الله أَيْ يَستُرَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَنْ لا يَفْضَحَ نَفْسَهُ وَيَقُولَ أَنا عَمِلْت كَذا وَعَمِلْتُ كَذا مِنْ مَعصِيَةِ الله. لذلِكَ سيدُنا عُمَرُ بنُ الخَطّاب قالَ له: سترَكَ الله فاستُر على نفسِك، معناهُ هذا أقرَبُ إلى الله أَحسَن أَنْ تَسْتُرَ عَلَى نَفْسِكَ وَأَنْ لا تَفْضَحَ نَفْسِكَ. ثُمَّ إِنَّ هذا الرَّجُلَ قَصَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ ما حَصَلَ مَعَهُ فَعَرفَ الرسولُ أَنَّهُ لَمْ يَزْنِي إِنَّما قَبَّلَها وَضَمَّها إِلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يَزْنِ فَوَقَع فِى المعْصِيَة دُونَ الزِّنَى الحَقِيقِيّ، فَقالَ لَهُ الرسُول: “اذْهَب فَتَوَضَّأ“، فَذَهَبَ هذا الصحابِي وَتَوَضَّأَ وُضُوءً حَسَنًا ثُمَّ أُقِيمَتِ الصّلاةُ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمغرِبَ وَالعِشاءَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ بِسَبَبِ هٰذا الصّحابِيِّ نَزَلَ قَوْلُ اللهِ تعالى﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾أَي أَنَّ الظَّهْر وَالصّبح طَرَف وَالعَصْر هُوَ الطَّرَف الثّانِي، الْمُسَمَّى بِالعَشِيّ ﴿وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ أَي ساعاتٍ مِنَ اللَّيْل وَالْمُرادُ بِهذا الكَلامِ المغْرِب وَالعِشاء. فَصَلَّى هٰذا الرَّجُل خَلْفَ رَسُولِ هذه الصَّلوات وَنَزَلَ فِى هذه الآيَةِ قَولُ اللهِ عَزَّ وَجَلّ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ معناهُ وُضُوءُكَ وَصَلاتُكَ التي صَلَّيْتَ مَعَ الرّسُول كانَت سَببًا فِى مَحْوِ هذه المعصِيَة التي أَلْمَمْتَ بِهذه المرأَة فقالَ: يا رسولَ الله أَلِيَ خاصَّة؟ يَعنِى أَهذا الحكم خاصٌّ بِي دُونَ الأُمَّة؟ فقال رَسُول الله ﷺ: “بَلْ لِجَمِيعِ أُمَّتي“، مَعناهُ أَنَّ الوُضُوء وَالصّلاة يُمْحُو الذّنبَ الصّغِير ليسَ خاصًّا لِهذا الصّحابِيِّ بَلْ هُوَ لِعُمُومِ أُمَّةِ رَسُولِ الله، وَهٰذا مِنْ فَضْلِ اللهِ تعالى وَرَحْمَتِهِ أَنْ جَعَلَ الحَسَنَةَ إِنْ عَمِلْتَها، تُكْتَبُ لَكَ عَشرَ حَسَنات إِلَى سَبْعِ مائَةِ ضِعْف! إِلَى أَضْعافٍ كَثِيرَة! قَدُ يُعْطِ اللهُ تعالى العَبْدَ عَلَى حَسَنَةٍ عَمِلَها مليون أَوْ عَشَرَةَ ملايين حَسَنَة عَلَى طاعَةٍ واحِدَةٍ عَمِلَها. رَبُّكَ سبْحانَهُ واسِعٌ كَريم وَجَعَلَ اللهُ تعالَى السّيّئَةَ تُكْتَبُ سيئَةً واحِدَة. لا مُضاعَفَةَ فِى السيئات وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِالعِباد أَنْ جَعَلَ الحَسَنَاتِ هُنَّ اللاتِي تَمْحُوا السيئات لا العَكْس. كُلُّ سيئة تَعْمَلُها لا يَذْهَبُ فِى مُقابِلِها حسَنَاتٍ كُنْتَ عَمِلْتَها مِنْ قَبل! لَكِنَّ الحَسَنَةَ الواحِدَةَ قَدْ يَمْحُو اللهُ تعالى بِها بَعْضَ السيئات التي فَعَلْت.
أَيْضًا حَدِيثُ رَسُولِ الله ﷺ: “الْصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ ما اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرَ“، “مُكَفِّرَاتٌ” يَعنِى للذُّنُوبِ الصّغِيرَة مَعناهُ اللهُ تعالى جَعَلَ فِى هذه العِبادات التي هِيَ الصَّلَوات وَالصِّيام سببًا لِمَحوِ الذُّنُوبِ الصغيرة بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ اجْتَنَبْتَ الذُّنوبَ الكَبيرَةَ. الذنوبُ الكَبيرَة لا تَمْحُها الصَّلاةُ وَإِنْ كانتِ الصلاةُ أَفْضَلُ العِباداتِ العَملِيَّة عَلَى الإِطْلاق، لأَنَّ الرّسُولَ قالَ: “واعْلَمُوا أَنَّ أَفْضَلَ أَعْمالِكُم الصَّلاةُ بِوَقْتِها“، لـَمّا قُلْنا “العَمَلِيَّة” يَعنى لا نَتَكَلَّمُ عَنِ الإِيمان والإِسلام. الإِيمانُ والإِسلامُ أَفْضَلُ الأَعْمالِ عَلَى الإِطْلاق. وَلِذلِكَ قالَ ﷺ: “الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ مُكَفِّرَاتٌ لِما بَيْنَهُنّ يَعنى مِنَ الذُّنُوبِ الصّغِيرَةما لَمْ تُغْشَ الكَبائِر” مَعناهُ ما لَمْ تُفْعَل الكَبائِر. مَعناهُ الصّلاة لا تَمْحُ الذَّنبَ الكَبير إِنّما تَمحُو الذَّنبَ الصّغِير وَأَمّا الذنبُ الكَبيرُ فَيْحتاجُ إِلَى توْبَة.
وقالَ ﷺ أَيْضًا: “ما مِنِ امْرِءٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَة أَي مَفروضَة، الصلوات الخَمس فَيُحْسِنُ وُضُوءَها وَخُضُوعَها وَخُشُوعَها وَرُكُوعَها إِلّا كانَت كَفّارَةً لِما قَبْلَها مِنَ الذُّنُوب ما لَمْ يُؤْتَ كَبِيرَة” مَعناهُ هذا الصّلاة، إِذا صَلّاها الإِنْسانُ مَعَ الإِتْيانِ بِخُشُوعِها وَخُضُوعِها وَرُكُوعِها بِآدابِها تَكُونُ سببًا فِى مَحْوِ الذُّنُوب الصّغِيرَة يَعْنِى لَوْ أَنَّ الإِنْسانَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَلَمَّ بِذَنْبٍ صَغِيرٍ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ صَلاةً مُوافِقَةً لِصَلاةِ رَسُولِ الله، هذه الصلاة، صَلاةُ العَصْرِ، تَمْحُو هذا الذَّنْبَ الصَّغِيرَ الذي فَعَلَهُ بينَ صَلاةِ الظُّهر وصَلاةِ العَصْرِ. وهذا ما يُعْطِيهِ حَدِيثُ رَسُول الله.
وَلِيعْلَم أَحْبابَنا أن التوبة الصحيحة تمحو الصغائر والكبائر . لأَنَّ التّوبَة بالشًّروط التي ذَكَرْناها قَبْلَ قَليل، تَـمْحُو الذُّنُوبَ الصّغِيرَة والكَبيرَة. أَمّا بَعْضُ الطاعات فَتَمْحُو الصغِيرَةَ دُونَ الكَبيرَة. وَبعضُ الطّاعات تَمحُو أَيْضًا الذُّنُوبَ الكَبيرَة. اللهُ تعالى مُتَفَضِّلٌ عَلَى العِباد، خَصَّ بَعْضَ الحسناتِ بِمزايا وَخَصائِص ليسَت فِى بَعْضٍ ءاخَر مِنَ الطّاعات. مَثَلًا الرسُولُ أَرْشَدَ إِلَى أَنَّ الذي يَقُولُ: “أَستَغْفِرُ اللهَ الذي لا إِلٰه إِلا هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْه”، وَيَصِحُّ أَنْ تَقُول: “الحَيُّ القَيُّومُ”، كِلاهُمَا يَصِحُّ، بِالرَّفْعِ وَبِالنَّصْبِ وَكُلٌّ لَهُ إِعْرابٌ فِى النَّحْوِ. الرسُولُ عَلَّمَ الأُمَّةَ أَنَّ مَنْ قالَ هذا الوِرْدَ وَلَوْ مَرَّةً واحِدَةً فِى نَهارِهِ، يُغْفَرُ لَهُ وَلَوْ كانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ! وَالحِدِيثُ صَحِيحٌ رَواهُ الإِمامُ أَبُو داودَ فِي سُنَنِهِ وَغَيرُهُ. مَعناهُ هذا الوِرد وَإِنْ كانَ دُوَن الصّلاة فِى الدّرَجَة، إِلّا أَنَّهُ سَبَبٌ فِى مَحْوِ الذَّنْبِ الكَبير لأَنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ، أَيْ هَرَب مِنْ أَرْضِ المعرَكَة مِنْ غَيرِ عُذر بَعدِ أَن وَقَعت المَعرَكَة بَينَ المسلِمِين وَالكُفّار، لا يَجُوزُ للمُسلِمِ أَنْ يفِرَّ مِنْ أَرْضِ المعرَكَة بِلا عُذر، لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهْرُبَ، بِحَيثُ يُوَلِّي ظَهْرَهُ أَرْضِ القِتال. هذه مَعْصِيَة كَبيرَة. فَالرّسُولُ عَلَّمَنا فِى هذه الحَدِيث أَنَّ الذي يَقُول هذا الوِرد يغْفِرُ اللهُ لَهُ الذَّنبَ الكَبير الذي هُوَ الفِرارُ منَ الزّحف. لِذلكَ قُلتُ بَعض الطاعاتِ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ الصَّغِيرَة وَبَعضُ الطاعاتِ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ الصَّغِيرَةَ والكَبِيرَةَ أَيْضًا.
ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ قال: “وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ“. “وَخَالِقِ النَّاسَ” يَعْنِى عاشِرِ النّاس، عامِلِ النّاس. يَعْنِى كُنْ فِى مُعامَلَتِكَ وَتَعاطِيكَ مَعَ النّاس ذا خُلُقٍ حَسَن. قَوْلُهُ ﷺ: “النَّاسَ” وَلَمْ يَقُلْ وَخَالِق الْمُؤمِنِين، لَمْ يَقُلْ وخَالِق المسلِمين ، إِنَّما قال: “وَخَالِقِ النَّاسَ” وَكَلِمَةُ الناس تَشْمَلُ المؤمِنَ وَالكافِرَ. إِذًا دِينُنا يحُضُّنا عَلَى أَنْ نُعامِلَ النّاس، جَمِيعَ الناس بِخُلُقٍ حَسَن لِذلِكَ النبيُّ وَصَفَهُ رَبُّهُ فِى القُرءانِ فقال ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِى القُرءان ءايَةٌ فِيها مدْحُ اللهِ لِرَسُولِهِ إِلّا هذه الآيَة، لَكانَت كافِيَةً! قَوْلُهُ تعالى ﴿لَعَلَى﴾ تُفِيدُ التَّمَكُّن فِى الخُلُقِ الحَسن مَعناهُ الرّسُولُ مُتمَكِّنٌ راسِخٌ فِى هذا الخُلُقِ الحَسن. هذا ما تُعْطِيهِ هذه الكَلِمَة. مَعناهُ الرّسُولُ كانَ يُعامِلُ كُلَّ الناسَ جِميعِهِم، مُؤْمِنِهِم وَكافِرِهِم، عَلَى خُلُقٍ حَسَن، لأنَّ هذا الخُلُقَ الحَسن يُوثِّرُ في القُلُوب وَيجْذِبُها إِلَى الإِيمان وَإِلَى الرُّسُوخِ فيهِ كما يَجْذِبُ المغناطِيسُ ذَرّات الحَدِيد. الخُلُقُ الحَسَن يَكُونُ سَبَبًا لجَلبِ مَحَبَّةِ الناسِ لَك إِنْ كنتَ ذا خُلُقٍ حَسَن، يُقَرِّبُ لَكَ البَعِيد وَيُسَهِّلُ لَكَ الصّعب. كَمْ أَسْلَمَ مِنْ أُناسٍ بِسببِ حُسْنِ خُلُق النبيّ فِى تَعامُلِهِ مَعَهُم، إِذًا فِى مَقامِ الدَّعْوِةِ إِلَى الله باللّسانِ وَالبيان، لا بدَّ أَنْ يَكون تَعاطِيهِ مَعَ الناس بِاللين والملاطَفَة والخُلُق الحَسَن لِيُقَرِبَ هذا الكافِر إِلَى الإِسْلام ما أعظم حُسْنَ القَوْل وحسن الخلق لذلِك قال الله تعالى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ﴿للناس﴾، كَقَولِ الرّسُولِ: “وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ“، أَي مُؤْمِنَهُم وكافِرَهُم.
وَالخُلُقُ الحَسَن عَرَّفَهُ سيِّدُنا عَبْدُ اللهِ بنُ الْمُبارَك، الإِمامُ التّابِعِيُّ الجلِيل المجتَهِد فقال: “بَسْطُ الوَجْهِ وَبَذْلُ المَعْرُوفِ وَكَفُّ الأَذَى“. “بَسْطُ الوَجْهِ” يَعْنِى بَشاشَةُ الوَجْهِ وَطَلاقَةُ الوَجْهِ فِى لُقْياكَ للنّاس يَعْنِى أَنْ تُظْهِرَ حُسْنَ مُلاقاة لأَصْدِقائِك ولِجِيرانِك وَأَهْلِك وَأَحبابِك لَعَلَّكَ تُخَفِّفُ بِذلك حُزْنَ المحزون وَكَآبَةِ المكرُوب، لَيِّنًا فِى معامَلَتِكَ مَعَ الناس بِحُسْنِ الخُلُق لِذلِكَ قالَ حُسن الخُلُق “بَسْطُ الوَجْهِ“. “وَبَذْلُ المعْرُوفِ” يَعْنِى أَنْ تُحْسِنَ للناس وَلَوْ قَليلا. قَدْ تُحْسِنُ إِلَى إِنسانٍ بِكَلِمَة، تُخَفِّفُ عَنْهُ حُزْنَه أَوْ تَعَبَه. قَدْ تُحْسِنُ إِلَى إِنسانٍ فَتَبْذُلُ لَهُ مَعْرُوفًا بِأَنْ تُعِينَهُ عَلَى حَمْلِ بَعْضَ مَتاعِهِ. رَأَيتَهُ فِى الطَريق وَأَنْتَ فِى سيارَتِك تُرْكِبُهُ مَعَك. هذا كُلُّهُ مِنْ بَذْلِ المعرُوفِ للنّاس وَلَهُ وَقع وَأَثَر فِى قُلُوبِ الناس. ثُمَّ قال: “وَكَفُّ الأَذَى” يَعْنِى أَنْ لا يُؤْذِيَ الناس لا بِلِسانِهِ وَلا بِيَدِه وَلا بِغَيرِ ذلِك مِنَ الجَوارِح وَلِذلِكَ كانَ الرّسُولُ يَحُثُّ عَلَى هذا الْخُلُق الحسَن فِى أَحادِيثَ كَثِيرَة وَبَيَّنَ أَنَّ حُسْنَ الخُلُق يُثَقِّلُ الميزان فِى الآخِرَة، فقالَ ﷺ: “ما مِنْ شىءٍ يُوضَعُ فِى المِيزان أَثْقَلُ مِنَ الْخُلُقِ الحَسَن وَإِنَّ صاحِبَ الْخُلُقِ الحسَن لَيَبْلُغُ دَرَجَةَ صاحِبِ الصَّلاةِ وَالصَّوْم“، يَعْنِى كَالذي يَصُومُ الدَّهْرَ نفلا، لا يُفْطِر وَيَقُومُ اللّيالِيَ لا يَفْتُر أَي لا يَتْعَب. كَمْ لَهُ مِنَ الأَجْر؟ قَليلٌ مِنَ النّاس مَنْ يَصُومُ بَعْدَ شَهْرُ رَمضان الأَيّامَ السِّتَّة مِنْ شَوّال وَقَليلٌ مِنَ النّاس مَنْ يَدُاومُ عَلَى صِيامِ الاثْنَين وَالخَمِيس وَالأَيّام البِيض الثالِثَ عَشَر وَالرّابِعَ عَشَر وَالخامِس عَشَر. البَعض لا يَعُودُ بَعْدَ رَمَضان إِلَى هذه العِبادَة العَظِيمَة إِلّا إِلَى رَمَضانَ السّنَة القادِمَة! فَلَوْ أَنَّ الواحِدَ مِنّا تَخَيَّلَ أَنَّهُ يَصُومُ كُلَّ يَوْم كُلَّ يَوْم كُلَّ يَوْم، لا يُفْطِر إِلّا الأَيامَ الخَمْسَة التي حَرَّمَ اللهُ تعالى عَلَيْنا صِيامَها، يَوْمُ عِيدِ الفِطْر، يَوْمُ عِيدِ الَأضْحَى وَثَلاثَة أَيّام التشرِيق التي تَلِي عِيدَ الأَضْحَى، يَكُونُ عَمِلَ عِبادَةً عَظِيمَة. وَلوْ أَنَّ الإِنْسانَ يَقُومُ كُلَّ ليلَة يُصَلِّي العِشاء ثُمَّ يُلاطِفُ أَهْلَهُ ثُمَّ بَعْدَ نِصْفِ الليل يَقوم يَتَوَضَّأ وَيُصَلِّي ما شاءَ اللهُ تعالى لَهُ مِنْ رَكَعاتٍ هذا اسْمُهُ قِيام الليل وَالناسُ نائِمُون، يَتَهَجَّد لِساعَتَين أَوْ ثَلاثَة، هذا أَليسَ فِيهِ مَشَقَّة وَتَعَب؟؟ بَلَى لأَنَّ النَّوم عَزيز وَتَمِيلُ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النفوس. البَعض يَنام أَكثَر مِنْ عشر ساعات وَالبَدَن يَكْفِيهِ خَمس أَو سِتّ ساعات! الإِنْسانُ الذي هُوَ ذا خُلُقٍ حَسَن، يُشْبِهُ مِنْ بَعْضِ النّواحِي وَالحِيْثيات فِى دَرَجَتِهِ، دَرَجَةَ الذي يَصُومُ الدَّهْر، لا يُفْطِر وَدَرَجَةَ الذي يَقُومُ كُلَّ ليلَة كُلَّ ليلَة لا يَتعَب وَلا يَكْسُل صاحِبُ الخُلُقِ الحَسَن، يُشْبِهُ هذا مِنْ حَيثُ الدَّرَجَةُ وَالأَجْر! “ما مِنْ شىءٍ يُوضَعُ فِى المِيزان أَثْقَلُ مِنَ حُسْنِ الْخُلُقِ وَإِنَّ صاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ دَرَجَةَ صاحِبِ الصَّلاةِ وَالصَّوْم“، وَهذا الحَدِيثُ فِى سُنَنِ التِّرْمِذِيّ وَالرَّسُولُ ﷺ كانَ يَقُول: “إِنَّ مِنْ خِيارِكُم أَحْسَنَكُم أَخْلاقا” وَقالَ ﷺ: “إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُم إِلَيّ أَحْسَنَكُم أَخْلاقا” ليسَ شىءٌ سَهْل أَنْ يَكُونَ مَحْبُوبًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ يُحِبُّك، دَرَجَة عالِيَة هذه! بِحُسْنِ الخُلُق تَصِيرُ محبوبًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
أَذْكُرُ لَكم قِصَّة تَدُلُّ عَلَى حُسْنِ الخُلُق وَعَلى بَذْلِ الإِحْسانِ والمعروف وَكَفِّ الأَذَى عَنِ النّاس حَصَلَت مَعَ صَحابِيٍّ يُقالُ لَهُ قَيسُ بنُ عاصِم الْمِنْقَرِيّ. هذا كانَ فِى الجاهِلِيَّة قَبْلَ بِعْثَةِ رَسُولِ الله ﷺ أَوَّلَ مَنْ وَأَدَ بِنْتًا (أَنْ تُدْفَنَ البِنتَ وَهِيَ حَيَّة) وَأَوَّل مَنْ أَحْيى مَوْءُودَةً، يَعْنِى أَنْقَذَها مِنْ قَبْرِها هُوَ صعْصَعَة جَدُّ الفَرَزْدَق الشّاعِر. بَذَلَ مالًا كانَ يَشْتَرِي البَنات مِنَ الآباء يَأْخُذُها يُرَبِّيها. أَبُوها كانَ يُرِيدُ أَنْ يَدْفِنَها، فَيَدْفَعُ لَهُ مالًا حَتَّى يُنْقِذَها مِنَ الوَءْدِ، لذلِكَ الفَرَزْدق مَدَحَ جَدَّهُ هذا، فَقال:
وَمِنّا الذي مَنَعَ الوائِداتِ
فَأَحْيا الوَئِيدَ فَلَمْ يُوأَدِ
يَعْنِى بِهِ جَدَّهُ صعْصَعة. أَمّا قَيسُ بنُ عاصِم الْمِنْقَرِيّ، فَهُوَ أَوَّل مَنْ وَأَدَ بِنْتًا ثُمَّ أَدْرَكَ بِعْثَةَ الرّسُول فَأَسْلمَ وَحَسُنَ إِسْلامُهُ وَكانَ ذا خُلُقٍ حَسَن فِيهِ مِنَ الحِلْمِ وَالأَناة وَحُسنِ الخُلُق الشىء العَظِيم. اللهُ تعالى أَكرَمَهُ بالإِسْلام فَاجْتَمَعَ فِيهِ الإِسْلامُ وَالإِيمانُ الحِلْمُ وَالأَناة وَحُسْنُ الخُلُق. سُئِلَ الأحنف: مِمّن تَعَلَّمْتَ الحِلْمَ وَالأَناة وَحُسنَ الخُلُق؟ فَقالَ من قيس بنِ عاصِم الْمِنْقَرِيّ. شَهِدْتُهُ وَقَدْ جَلَسَ فِى قَوْمِهِ يُحَدِّثُهُم وَقَدِ احْتَبَى بِحَمائِلِ سيْفِهِ وكانَ وَجِيهًا فِى قَوْمِهِ وَكانَ يُكَلِّم النّاس، فَجاءُوا بابْنِهِ مَقْتُولًا! وَابْنِ أَخِيهِ مَكْتُوفًا فَلَمْ يَلْتَفِت! بَقْيَ يُتابِعُ حَدِيثَهُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ شيْئًا حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ، حَلَّ حَبْوَتَهُ ثُمَّ قالَ لِوَلَدِهِ الآخَر: “قُم عَلَى أَخِيك، غَسِّلْهُ وَكَفِّنْهُ وَوارِهِ، ادْفِنْهُ، ثُمَّ فُكَّ كِتافَ ابْنِ عَمِّك وَسُقْ مائَةَ ناقَة إِلَى أُمِّك، دِيَةَ وَلَدِها لأَنَّها غَرِيبَة” (يَعْنِى ليسَت مِنْ عَشِيرَتِنا. أَنا تَزَوَّجْتُها مِنْ عَشِيرَة أُخْرَى)، تَكَفَّلَ هُوَ بِدَفْعِ مائَةَ ناقَة دِيَة بَدَلًا مِنَ القاتِل! وَعَفَى عَنِ ابْنِ أَخِيهِ وَقالَ لَهُ واعِظًا وَناصِحًا: “عَصَيْتَ رَبَّك وَقَطَعْتَ رَحِمَك، وَقَتَلْتَ ابنَ عَمِّك، تُبّ إِلَى الله” هذا الذي قالَهُ لَهُ فقط! هذا يَدُلُّ عَلَى خُلُقٍ عَظِيم وَعَلى حِلْم هؤلاءِ يُوجَدُ مِنْهُم فِى هذه الأُمَّة فى زَمانِنا لَكن قَلَّ ذلِكَ فِى النّاس! وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “إِنَّكُمْ لا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ” رواه البيهقي. وقال أنس رضي الله عنه قال: “لَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَلَمْ يَقُلْ لِشَىءٍ فَعَلْتُهُ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا، وَلا لِشَىءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ أَلا فَعَلْتَ كَذَا” متفق عليه.
نَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يرْحَمنا بِرَحَماتِهِ الواسِعَة وَأَنْ يَعْفُوَ عَنّا وَأَنْ يُبَلِّغَنا مَقاصِدَنا.