من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه | رياض الصالحين (67-68)

الدرس ٥٦ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٤٠:٢٣

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ، وَجَعَلَ أُمَّتَنَا خَيْرَ أُمَّةٍ، وَبَعَثَ فِينَا رَسُولًا مِنَّا يَتْلُو عَلَيْنَا آيَاتِهِ، وَيُزَكِّينَا وَيُعَلِّمُنَا الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ. أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ الْجَمَّةِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَكُونُ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهَا خَيْرَ عِصْمَةٍ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ لِلْعَالَمِينَ رَحْمَةً، وَفَرَضَ عَلَيْهِ بَيَانَ مَا أَنْزَلَ إِلَيْنَا، فَأَوْضَحَ لَنَا كُلَّ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَخَصَّهُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَرُبَّمَا جَمَعَ أَشْتَاتَ الْحِكَمِ وَالْعُلُومِ فِي كَلِمَةٍ، أَوْ شَطْرِ كَلِمَةٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، صَلَاةً تَكُونُ لَنَا نُورًا مِنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ: 

الحديث السابع والستون

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثامن: عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ». حديث حسن رواه الترمذي وغيرُه.

الشرح

الثامن (أي الثامن من كتاب المراقبة وهو الحديث السابع والستون من كتاب رياض الصالحين): عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «(هَذَا الْحَدِيثُ من جوامع الكلم التي أعطيت لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الْأَدَبِ، وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الصَّلَاحِ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ إِمَامِ الْمَالِكِيَّةِ فِي زَمَانِهِ أَنَّهُ قَالَ: جِمَاعُ آدَابِ الْخَيْرِ وَأَزِمَّتُهُ تَتَفَرَّعُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ: قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي اخْتَصَرَ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ: «لَا تَغْضَبْ» وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، وَعَنْ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ نَظَرْتُ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ، فَإِذَا هُوَ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدِيثٍ، ثُمَّ نَظَرْتُ، فَإِذَا مَدَارُ أَرْبَعَةِ آلَافِ حَدِيثٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ: حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: «الْحَلَّالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ،» وَحَدِيثُ عُمَرَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ» الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ ‌مَا ‌لَا ‌يَعْنِيهِ.» قَالَ: فَكُلُّ حَدِيثٍ مِنْ هَذِهِ رُبُعُ الْعِلْمِ. وَعَنْ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا، قَالَ كَتَبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، انْتَخَبْتُ مِنْهَا مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْكِتَابُ – يَعْنِي كِتَابَ ” السُّنَنِ ” – جَمَعْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَثَمَانِمِائَةِ حَدِيثٍ، وَيَكْفِي الْإِنْسَانَ لِدِينِهِ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَالثَّانِي: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ ‌مَا ‌لَا ‌يَعْنِيهِ،» وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَتَّى لَا يَرْضَى لِأَخِيهِ إِلَّا مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ» ، وَالرَّابِعُ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، قَالَ: أُصُولُ السُّنَنِ فِي كُلِّ فَنٍّ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ: حَدِيثُ عُمَرَ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَحَدِيثُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ» ، وَحَدِيثُ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ، وَحَدِيثُ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» . وَلِلْحَافِظِ أَبِي الْحَسَنِ طَاهِرِ بْنِ مُفَوِّزٍ الْمُعَافِرِيِّ الْأَنْدَلُسِيِّ:

عُمْدَةُ الدِّينِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ
أَرْبَعٌ مِنْ كَلَامِ خَيْرِ الْبَرِيَّهْ

اتَّقِ الشُّبُهَاتِ وَازْهَدْ وَدَعْ مَا … لَيْسَ يَعْنِيكَ وَاعْمَلَنَّ بِنِيَّهْ) مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيْهِ (قال ابن رجب: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِهِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يَعْنِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ؛ وَمَعْنَى يَعْنِيهِ: أَنَّهُ تَتَعَلَّقُ عِنَايَتُهُ بِهِ، وَيَكُونُ مِنْ مَقْصِدِهِ وَمَطْلُوبِهِ، وَالْعِنَايَةُ: شِدَّةُ الِاهْتِمَامِ بِالشَّيْءِ، يُقَالُ عَنَاهُ يَعْنِيهِ: إِذَا اهْتَمَّ بِهِ وَطَلَبَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَتْرُكُ مَا لَا عِنَايَةَ لَهُ بِهِ وَلَا إِرَادَةَ بِحُكْمِ الْهَوَى وَطَلَبِ النَّفْسِ، بَلْ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَالْإِسْلَامِ وَلِهَذَا جَعَلَهُ مِنْ حُسْنِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا حَسُنَ إِسْلَامُ الْمَرْءِ، تَرَكَ مَا لَا يَعْنِيهِ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَقْتَضِي فِعْلَ الْوَاجِبَاتِ كَمَا ورد فِي شَرْحِ حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَإِنَّ الْإِسْلَامَ الْكَامِلَ الْمَمْدُوحَ يَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» وَإِذَا حَسُنَ الْإِسْلَامُ، اقْتَضَى تَرْكَ مَا لَا يَعْنِي كُلَّهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُشْتَبِهَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، وَفُضُولِ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَعْنِي الْمُسْلِمَ إِذَا كَمُلَ إِسْلَامُهُ، وَبَلَغَ إِلَى دَرَجَةِ الْإِحْسَانِ، وَهُوَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ تَعَالَى كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَرَاهُ، فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى اسْتِحْضَارِ الْمُرَاقَبَةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ عَلَى اسْتِحْضَارِ قُرْبِ اللَّهِ مِنْهُ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ، فَقَدْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ كُلَّ مَا لَا يَعْنِيهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَشْتَغِلَ بِمَا يَعْنِيهِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ وَتَرْكُ كُلِّ مَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ كَمَا وَصَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنَ اللَّهِ كَمَا يَسْتَحْيِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ صَالِحِي عَشِيرَتِهِ لَا يُفَارِقُهُ. وَفِي ” الْمُسْنَدِ ” وَالتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ” «الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَأَنْ تَذْكُرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» ” قَالَ بَعْضُهُمْ: اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ، وَخَفِ اللَّهَ عَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ. وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِذَا تَكَلَّمْتَ، فَاذْكُرْ سَمْعَ اللَّهِ لَكَ، وَإِذَا سَكَتَّ، فَاذْكُرْ نَظَرَهُ إِلَيْكَ. وَقَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}، وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}. وَأَكْثَرُ مَا يُرَادُ بِتَرْكِ مَا لَا يَعْنِي حِفْظُ اللِّسَانِ مِنْ لَغْوِ الْكَلَامِ كَمَا أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ فِي الْآيَاتِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ فِي سُورَةِ (ق) وَفِي ” الْمُسْنَدِ ” مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ قِلَّةَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ». وَخَرَّجَ الْخَرَائِطِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مُطَاعٌ فِي قَوْمِي فَمَا آمُرُهُمْ؟ قَالَ لَهُ: مُرْهَمْ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَقِلَّةِ الْكَلَامِ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِمْ». وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ «عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللَّهِ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا لِثَلَاثٍ: تَزَوُّدٌ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ (أي الاكتفاء بما هو ضروري للحياة)، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ؛ وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ، قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ». قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مَنْ عَمَلِهِ، قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَعُدُّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ، فَيُجَازِفُ فِيهِ، وَلَا يَتَحَرَّى، وَقَدْ غَابَ هَذَا عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بُرْهَةً حَتَّى «سَأَلَ عَنْهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَنُؤَاخَذُ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» وَقَدْ نَفَى اللَّهُ الْخَيْرَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَتَنَاجَى بِهِ النَّاسُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}. وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ إِلَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». وَقَدْ تَعَجَّبَ قَوْمٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، فَقَالَ سُفْيَانُ: وَمَا تَعَجُّبُكُمْ مِنْ هَذَا، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا}. وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ – يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ رَجُلٌ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَلَا تَدْرِي، فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ أَوْ بَخِلَ بِمَا لَا يُغْنِيهِ» وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي بَعْضِهَا: أَنَّهُ قُتِلَ شَهِيدًا. وَخَرَّجَ الْعُقَيْلِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أَكْثَرُ النَّاسِ ذُنُوبًا أَكْثَرُهُمْ كَلَامًا فِيمَا لَا يَعْنِيهِ». قَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمَلَائِيُّ: مَرَّ رَجُلٌ بِلُقْمَانَ وَالنَّاسُ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى عِنْدَ جَبَلِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: بَلَى، فَقَالَ: فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى؟ قَالَ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَطُولُ السُّكُوتِ عَمَّا لَا يَعْنِينِي. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلَانِ بَلَغَتْ بِهِمَا عِبَادَتُهُمَا أَنْ مَشَيَا عَلَى الْمَاءِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ فِي الْبَحْرِ إِذْ هُمَا بِرَجُلٍ يَمْشِي عَلَى الْهَوَاءِ فَقَالَا لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بِأَيِّ شَيْءٍ أَدْرَكْتَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ؟ قَالَ: بِيَسِيرٍ مِنَ الدُّنْيَا: فَطَمْتُ نَفْسِي عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَكَفَفْتُ لِسَانِي عَمَّا لَا يَعْنِينِي، وَرَغِبْتُ فِيمَا دَعَانِي إِلَيْهِ، وَلَزِمْتُ الصَّمْتَ، فَإِنْ أَقْسَمْتُ عَلَى اللَّهِ، أَبَرَّ قَسَمِي، وَإِنْ سَأَلْتُهُ أَعْطَانِي. وَدَخَلَ بعضُهم عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي مَرَضِهِ وَوَجْهُهُ يَتَهَلَّلُ، فَسَأَلُوهُ، عَنْ سَبَبِ تَهَلُّلِ وَجْهِهِ، فَقَالَ مَا مِنْ عَمَلٍ أَوْثَقُ عِنْدِي مِنْ خَصْلَتَيْنِ: كُنْتُ لَا أَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِينِي، وَكَانَ قَلْبِي سَلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ مُوَرِّقٌ الْعِجْلِيُّ: أَمْرٌ أَنَا فِي طَلَبِهِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سَنَةً لَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ وَلَسْتُ بِتَارِكِ طَلَبِهِ أَبَدًا، قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْكَفُّ عَمَّا لَا يَعْنِينِي. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا. وَرَوَى أَسَدُ بْنُ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، فَقَامَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَأَخْبَرُوهُ، وَقَالُوا: أَخْبِرْنَا بِأَوْثَقِ عَمَلِكَ فِي نَفْسِكَ، قَالَ: إِنَّ عَمَلِي لَضَعِيفٌ، وَأَوْثَقُ مَا أَرْجُو بِهِ سَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي». وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الْحَسَنِ البصري قَالَ: مِنْ عَلَامَةِ إِعْرَاضِ اللَّهِ تَعَالَى، عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ شُغْلَهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: مَنْ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، حُرِمَ الصِّدْقَ، وَقَالَ مَعْرُوفٌ: كَلَامُ الْعَبْدِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ خِذْلَانٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ مَا لَا يَعْنِي الْمَرْءَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِهِ، فَإِذَا تَرَكَ مَا لَا يَعْنِيهِ، وَفَعَلَ مَا يَعْنِيهِ كُلَّهُ، فَقَدْ كَمُلَ حُسْنُ إِسْلَامِهِ، وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ بِفَضْلِ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ وَأَنَّهُ تُضَاعَفُ حَسَنَاتُهُ، وَتُكَفَّرُ سَيِّئَاتُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَثْرَةَ الْمُضَاعَفَةِ تَكُونُ بِحَسَبِ حُسْنِ الْإِسْلَامِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ» فَالْمُضَاعَفَةُ لِلْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَابُدَّ مِنْهُ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تَكُونُ بِحَسَبِ إِحْسَانِ الْإِسْلَامِ، وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ وَالْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ وَفَضْلِهِ، كَالنَّفَقَةِ فِي الْجِهَادِ، وَفِي الْحَجِّ، وَفِي الْأَقَارِبِ، وَفِي الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَأَوْقَاتِ الْحَاجَةِ إِلَى النَّفَقَةِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَتْ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} فِي الْأَعْرَابِ، قِيلَ لَهُ: فَمَا لِلْمُهَاجِرِينَ؟ قَالَ: مَا هُوَ أَكْثَرُ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) (قَوْلُهُ ﷺ: “مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ“، ذَكَرَ نَبِيُّنا، لَفظَةَ “مِنْ حُسْنِ” وَلَمْ يَقُل: حُسْنُ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ! بَلْ قال: “مِنْ حُسْنِ“، لأَنَّ “مِنْ” هٰهُنا تَدُلُّ عَلَى التَّبْعِيض، يَعْنِى عَلَى أَنَّ المَذْكُورَ هٰهُنا بَعْضُ “حُسْنِ إِسْلامِ“، جُزْءٌ مِنْ “حُسْنِ إِسْلامِ“. بَعْضُ “حُسْنِ إِسْلامِ“، أَنْ يَتْرُكَ الإِنْسانُ ما لا يَعْنِيهِ، ما لا يَهُمُّهُ فِى أَمْرِ دِينِهِ! أَمّا حُسْنُ الإِسْلامِ كُلُّهُ فَيَكُونُ بِأَنْ يَتْرُكَ الإِنْسانُ ما لا يَعْنِيه وَأَنْ يَفْعَلَ الإِنْسانُ ما يَعْنِيه. إِذًا حِينَ قال عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسلام: “مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ“، ذَكَرَ “مِنْ” التي تَدُلُّ عَلَى التَّبْعِيضِ والتَّجَزُّء، لِبَيانِ أَنَّ هذا المذْكُورَ هُنا بَعْضُ مَحاسِنِ الإِسْلام. بَعْضُ ما يَنبَغِي أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ المُسْلِم وَإِلّا كُلُّ حُسْنِ الإِسْلام يَكُونُ بِشَيْئين: بِأَنْ يَتْرُكَ الإِنْسانُ ما لا يَعْنِيه، يَعنِى ما لا يَهُمُّهُ وَيَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ أَوْ فِى دُنْياه الْمُوصِلَةِ إِلَى دِينِهِ. هذا شىء، وَالشىء الثّانِي أَنْ يَفْعَلَ الإِنْسانُ ما يَعْنِيه يَعنِى ما يَهُمُّهُ وَيَنْفَعُهُ فِى أَمْرِ دِينِهِ أَوْ دُنْياه الْمُوصِلِ إِلَى ءاخِرَتِهِ. لذلِكَ اسْتَعْمَلَ الرّسُولُ لَفظَةَ “مِنْ“. ثُمّ إِنَّ الرّسُولَ قال: “مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ“، وَلَمْ يَقُل: “مِنْ حُسْنِ” إِيمانِ “المَرْءِ“. اسْتَعْمَلَ لَفْظَةَ الإِسْلام وَلَمْ يسْتَعْمِل لَفْظَةَ الإيمان فِى هذا الْمَوْضِع لأَنَّهُ مَرَّ مَعَنا فِى حَدِيثٍ جِبريلَ أَنَّ الإِسْلامَ عادَةً المرادُ بِهِ الأَعمال التي يَعْمَلُها الإِنسانُ ظاهِرًا. يَعْنِى الصّلاة عَمَلٌ ظاهِرِيٌّ، الصّيام عَمَلٌ ظاهِرِيٌّ، والحجّ، أَليسَ فِيهِ طَواف وَسَعِيّ بينَ الصّفَى وَالمروة وَالوُقُوف بِعَرَفَة وَالحلق أَوِ التّقصِير إِلَى غَيرِ ذلِكَ؟ هذا عَمَلٌ ظاهِرِيٌّ، دَفْعُ الزّكاة، إِعْطاءُها للمُسْتَحِقِّين، مُناوَلَتُهُم لَها، هذا عَمَلٌ ظاهِرِيٌّ. فَالإِسْلامُ عادَةً يَكُونُ بِالأَعمال الظّاهِرَة أَمّا الإِيمان، فَهُوَ عَمَلٌ قَلبِيٌّ لأَنَّ الإِيمانَ فِى أَصْلِ مَعْناهُ التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ بِجَمِيعِ ما جاءَ عَنِ الله وَبِجَمِيعِ ما ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَلَمّا كانَ تَرْكُ ما لا يَهُمُّ فِى أَمْرِ الدِّين مِنَ الأَعْمالِ الظّاهِرَة، عبَّرَ ﷺ فَقال: “مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ“، وَلَمْ يَقُلْ: “مِنْ حُسْنِ” إِيمانِ “المَرْءِ” لأَنَّ تَرْكَ ما لا يعْنِي مِنَ الأَعْمالِ الظّاهِرَة التي تَدْخُلُ تَحْتَ مُسَمَّى الإسْلام. ثُمّ إِنَّ الرّسُولَ قال: “مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ“. عَبَّرَ بِكَلِمَة “حُسْنِ إِسْلامِ“، لماذا؟ أَتَى بِلَفْظِ “حُسْن” وَلَمْ يَقُل ﷺ: مِنْ إِسْلامِ “المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ“، بَلْ قالَ: “مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ” لِلإِشارَة إِلَى أَنَّ العِبْرَةَ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلّ بِحَقِيقَةِ الأَعْمالِ المُوافِقَةِ لِشَرْعِ الله. وَتَرْكِ الأَعْمالِ التي تُخالِفُ شَرعَ الله، لا بِصُوَرِ الأَعمال لأَنَّ صُوَرَ الأَعْمال، إِنْ لَمْ تَكُن مُوافِقَةً لِشَرْعِ الله، لا يَقْبَلُها اللهُ عَزَّ وَجَلّ. إِذا إِنْسانٌ أَتَى بِصُورَةِ الصّلاة وَأَخَلَّ بِالنِّيَّة، لَمْ يَنْوِ الصّلاةَ بالمَرَّة، لَكِنَّهُ رَكَع واعْتَدَل وَسَجَد هَلْ يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صلاتَهُ إِنْ لَمْ يَنْوِ الصّلاة؟؟ لا يَقْبَلُها مِنْهُ! صُوَرُ الأَعْمال لا يَقْبَلُها اللهُ تعالى أَمّا إِذا كانت هذه الأَعمالُ مُوافِقَةً لِشَرْعِ اللهِ تعالى، فَهذا يُقْبَلُ عِنْدَ اللهِ تعالى وَهُوَ مِنْ حُسْنِ الإِسلام. فَإِذا تَوَفَّرَت فِى الأَعْمالِ الشُّروط والأَركان واجْتُنِبَت المبْطِلات لِهذه الأَعْمالِ، هذا شىءٌ مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المرء. ثُمّ إِنَّ قَوْلَهُ ﷺ: “مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ“، يَعْنِى أَنْ يَدَعَ وَأَنْ لا يَفْعَلَ ما لا يَعْنِيهِ“، أَيْ أَنَّ مِنْ كَمالِ إِسْلامِ المرء وَتَمامِهِ، أَنْ يَسْتَسْلِمَ الإِنْسانُ لِأَحْكامِ دِينِ اللهِ مَعَ رِضَى قَلب وَطُمَأْنِينَةِ بال وَأَنْ يَتْرُكَ “ما لا يَعْنِيهِ“، يَعنِى ما لا يَنْفَعُهُ فِى أَمْرِ دِينِهِ. ما لا تَتَعَلَّقُ عِنايَتُهُ بِهِ قوْلًا أَوْ فِعْلًا مِمّا يَنْفَعُهُ لأَمْرِ ءاخِرَتِهِ. يَعْنِى أَنْ يَدَعَ وَيَتْرُكَ كُلَّ قَوْلٍ لا يُقَرِّبُهُ إِلَى الله وأَنْ يَدَعَ وَيَتْرُكَ كُلَّ فِعْلٍ لا يُقَرِّبُهُ إِلَى اللهِ لأَنَّ اللهَ تعالى إِنّما خَلَقَنا وَأَمَرَنا بِعِبادَتِهِ. قالَ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أَيْ إِلّا لآمُرَهُم بِعِبادَتِي. فالإِنسانُ مَأْمُورٌ أَنْ يصْرِفَ أَنْفاسَهُ فِيما يُقَرِّبُهُ إِلَى اللهِ وَفِيما يَنْفَعُهُ فِى ءاخِرَتِهِ، سَواءٌ صَرَفَ أَنْفاسَهُ فِى أَقْوالٍ كالذِّكْرِ وَتِلاوَةِ القُرءان وأَمْرٍ بِمَعروفٍ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ وَكلِمَةٍ طَيِّبَةٍ يُخَفِّفُ بِها عَنْ قَلْبٍ مَحْزون، أَوْ يُغِيثُ بِها مَلْهُوفًا أَوْ كانَ هذا العَمَلُ الطّيِّبُ فِعْلًا يَفْعَلُهُ بالجّوارِح كَأَنْ يسْعَى بِقِدِمَيْهِ لِمُساعَدَةِ الأَرامِلِ والأَيْتام أَوْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ دارِهِ لِيُقِيمَ الصّلاةَ فِى جَماعَةٍ فِى مَسْجِدٍ أَوْ أَنْ يَقْدَمَ إِلَى مَجْلِسِ عِلْمٍ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِى أُمُورِ دِينِهِ. كُلُّ هذه الأُمُور إِنَّما هِيَ مِمّا يَعْنِي الإِنْسان أَيْ مِمّا يَنْفَعُهُ فِى أَمْرِ دِينِهِ وَفِى أَمْرِ ءاخِرَتِهِ. وَيَنْبَغِي عَلَى الإِنْسانِ أَنْ لا يَصْرِفَ أَنْفاسَهُ وَيُضَيِّعَها فِيما يُعِيقُ هذا الهَدَف الذي لأَجْلِهِ خَلَقَنا اللهُ تعالى. لذلِكَ نَسْمَعُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَوْلِياءِ هذه الأُمَّة لَمّا عرَفُوا هذا المقْصِدَ الرَّفِيع الشّأْن تَجِدُهُم كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِكُلِّ دَقِيقَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهِم مِنْ دَقائِقِ حَياتِهِم يَصْرِفُونَها فِيما يَنْفَعُهُم فِى ءاخِرَتِهِم فَكانُوا إِذا خَرَجُوا لِلعَمَل، لا يَعْمَلُونَ إِلَى قَدْرٍ يَصْرِفُونَ كُلَّ نهارِهِم فِيه لاكْتِسابِ المال، بَلْ كانَ الواحِدُ مِنْهُم يَخْرُجُ لِيَعْمَل، فَإِذا وَجَدَ مِنْ عَمَلٍ عَمِلَهُ لِساعَة أَوْ لِساعَتَيْن ما يَسُدُّ بِهِ جُوعَهُ ذلِكَ اليَوْم وَجُوعَ زَوْجِهِ وَأَوْلادِهِ، رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ بِهذا الطّعام وَصَرَفَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَيْلِهِ فِى طاعَةِ الله. فَكانُوا يَقْتَصِرونَ عَلَى ما يَحْتاجُونَهُ ضَرُورَةً فِى كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيّامِ أَعْمالِهِم. لِماذا؟ لأَنَّهُم عَرَفُوا أَنَّهُم ما خُلِقُوا فقَط لِكَسْبِ المال. ما خَلَقَهُمُ الله لِيَصْرِفُوا أَنْفاسَهُم فِى الدُّنيا بَلْ خَلَقَهُمُ الله لِيَصْرِفُوا أَنْفاسَهُم فِى طاعَةِ الله فَكانُوا يَأْخُذُونَ لِمَعاشِهِم مِنَ المالِ ما لا بُدَّ مِنْهُ وَيَعْمَلُونَ بالقَدْرِ الذي يَجِدُونَ فِيهِ النَّفَقَةَ التي تَسُدُّ حاجاتِهُمُ الضَّرُورِيَّة وَكانُوا يَصْرِفُونَ بَقِيَّةَ الأَنْفاس فِى ذلكَ اليَوْمِ وَالليلَة فِى طاعَةِ الله. لِذا نَسْمَعُ أَنَّ الإِمامَ أَبا حَنيفَة رَضِيَ اللهُ عَنْه كانَ يَعْمَلُ بِبَيْعِ الثِّياب ثُمَّ يَبِيعُ فَإِذا وَجَدَ ما يَسُدُّ حاجَتَهُ انْصَرَفَ إِلَى مجالِسِ العِلْم تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا وَإِلَى عِبادَةِ اللهِ تعالى فَنَسْمَعُ أَنَّهُ كانَ يُصَلِّي الفَجْرَ بِوُضُوءِ العِشاء أَرْبَعِينَ سَنَة! يَعْنِى يَتَوَضَّأُ لِيُصَلِّي العِشاء ثُمَّ يَقُومُ الليل، يَبْقَى عَلَى هذا الوُضُوء إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرَ وَهُوَ يَقُومُ الليل، يُصَلِّي يُصَلِّي يُصَلِّي. هؤلاءِ عَرَفُوا قِيمَةَ النَّفَس فَصَرَفُوهُ فِى طاعَةِ اللهِ تعالى. وَنَسْمَعُ أَنَّ سيِّدَنا عُثْمانَ بْنَ عَفّان رَضِيَ اللهُ عَنْه وَمِثْلُهُ تَمِيمٌ الدّارِيّ وَمِثْلُهُما سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر مِنْ سادَةِ التّابِعِين. أَمّا تَمِيمٌ الدّارِيّ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّحابَة وَعُثْمانَ بنَ عَفّان لا يَخْفَى قَدْرُهُ عَلَى واحِدٍ مِنَ النّاسِ الآن، كانُوا يَقْرَؤونَ القُرءان كُلَّهُ، كُلَّهُ فِى رَكْعَةٍ واحِدَة!! يَقُومُونَ بِرَكْعَةِ الوتر فَيَخْتِمُونَ القُرءانَ كُلَّهُ مِنْ بَعْدِ العِشاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْر. هؤلاءِ بَشَرٌ، تَمِيلُ نُفُوسُهُم إِلَى النَّوم تَمِيلُ نُفُوسُهُم إِلَى الرّاحَة، كَما تَمِيلُ نُفُوسُنا إِلَى النّومِ وَإِلَى الرّاحَة، لَكِنَّ الواحِدَ مِنْهُم كانَ يُجاهِدُ نَفْسَهُ لِيُلْزِمَها طاعَةَ الله وَلأَجْلِ أَنَّهُم أَرادُوا ما عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلّ فَهانَ عَلَيْهِمُ التَّعَب فِى طاعَةِ الله. الذي يَعْرِفُ قَدْرَ الآخِرَة وَما أَعَدَّ اللهُ تعالى فِيها لأَهْلِها مِنْ نَعِيمٍ فِى الجَنَّة، يَهُونُ عَلَيْهِ التَّعَبُ فِى الدُّنيا فِى طاعَةِ الله وَتَهُونُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَتَجِدُهُ يَصْرِفُ أَنْفاسَهُ فِيما يَعْنِيهِ، أَيْ فِيما يَنْفَعُهُ لآخِرَتِهِ. مِنَ الأُمُور التي لا تَعْنِي الإِنْسان، لا تَهُمَّهُ فِى أَمْرِ دِينِهِ وَكَثُرَ فِى زَمانِنا، لاسِيَّما بيْنَ الشّباب الذين هُم فِيى مُقْتَبَل العُمُر، كَثْرَةُ اللَّعِب وَكَثْرَةُ الْمِزاح وَكَثْرَةُ الهَزْل. هٰذا مِمّا لا يَعْنِى الإِنْسان! لأَنَّ كَثْرَةَ الْمِزاح تُسْقِطُ هَيْبَةَ هٰذا الإِنْسان. وَأَقَلُّ ما يُحَصِّلُهُ مِنْ صَرْفِ أَنْفاسِهِ فِى هٰذا الْمِزاح تَضْيعُ العُمُر! نَحنُ لا نَقُول: لا تَمْزَح أَبَدا، لَكِن لا تُكْثِر مِنَ الْمِزاحِ بِحَيثُ تُعْرفُ بِهِ! فَإِنَّ نَبِيَّنا ﷺ قالُوا لَهُ: “إِنَّكَ لَتُخالِطُنا“، أَيْ لَتُمازِحُنا، فقال ﷺ: “نَعَم، وَلا أَقُولُ إِلّا حَقّا“! لَكِنَّ مِزاحَهُ عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسلام إِنّما كانَ قَلِيلًا جِدًا كَمِقْدارِ الْمِلْح الذي يُجْعَلُ فِى الطّعامِ. الْمِلْحُ، قِياسًا بالطّعامِ يَكُونُ قَليلًا جِدًا وَكَذلِكَ الْمِزاح لا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا بلْ يَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ قَليلًا فِى كَلامِكَ فِى ليْلِكَ وَنَهارِك وَليَكُنْ مِزاحُكَ إِنْ مَزَحْتَ، لِمَقاصِدَ حَسَنَة. فَإِنَّ النّبِيُّ إِذا مازَحَ أَصْحابَهُ إِنّما يُمازَحُهُم لِتَقْرِيبِهِم إِلَى دِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ وَلِيُنَشِّطَهُم عَلَى العَمَلِ للآخِرَة وَلِيُعَلِّقَ قُلُوبَهُم أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ بِحُبِّهِ ﷺ وَتَعَلُّقُ القُلُوبِ بِحُبِّهِ طاعَةٌ للهِ وَمَقْصِدٌ حَسَنٌ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ ﷺ. فَفِي مِزاحِهِ مَعَ أَصْحابِهِ، كانَ يَكْتَسِبُ الأُجُورَ وَالحَسَنات لأَجْلِ أَنَّ لَهُ مَقاصِدَ حَسَنَة ﷺ. كذلِكَ أَنا أَنْصَحُ الشّباب الذينَ فِي مُقْتَبَل العُمُر وَالصِّبيات أَنْ لا يَعْتادُوا عَلَى كَثرَةِ اللَّعِب. يَعْنِى نَجِدُ الآن رِجالًا كِبارًا يَصْرِفُونَ كَثيرًا مِنَ الأَوْقات فِى اللَّعِب عَلَى التلفونات وَما شابَه!! إِذا فَكَّرَ الإِنْسان أَنَّ هذه الأَنْفاس التي يُضَيِّعُها فى هٰذا اللَّعِب سَيَتَحَسَّرُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلَى ذَهابِها وَفَواتِها وَعَدَمِ الانْتِفاعِ بِها جَدِيرٌ بِهِ أَنْ لا يَصْرِفَها فِى هٰذا!! الواحِدُ مِنّا ما خُلِقَ للّعِبِ يا أَحبابَنا! الرّسُولُ ما كانَ مِنْ دَأْبِهِ فِى حالِ صِغَرِهِ اللَعِب! اللهُ تعالى حَفِظَهُ مِنَ اللَّعِب فِى حالِ صِغَرِهِ فَضْلًا عَنِ الزَّمَنِ الذي أُوتِيَ فِيهِ النُّبُوَّةَ! فَلِذا قالَ ﷺ: “ما أَنا مِنْ دَدٍ وَلا الدَّدُ مِنِّي” مَعْناهُ ما خُلِقْتُ للَّعِبِ فَلَيسَ اللَّعِبُ مِنْ صِفَتِي. لا أَلْعَب وَلا يُوجَدُ فِى قَلْبِي المَيْلُ للَّعِب، لأَنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّسُولَ للآخِرَة فَما كانَ ﷺ لِيُضَيِّعَ أَوْقاتَهُ فِى اللَّعِب لِذا قالَ ﷺ: “ما أَنا مِنْ دَدٍ ولا الدَّدُ مِنِّي“. وَلَيسَ مِمّا يَعْنِى الإِنْسانَ أَنْ يَصْرِفَ أَوْقاتَهُ وَأَنْفاسَهُ فِى طَلَبِ المناصِب وَالجاه فِى الدُّنْيا!! بَعْضُ النّاس يَعِيشُ عُمُرَهُ وَيَصْرِفُ أَنْفاسَهُ لِيَنالَ مَنْصِبًا فِى الدُّنيا! يَصْرِفُ سِنين مِنْ عُمُرِهِ جاهِدًا لِيَصِلَ إِلَى مِثْلِ هٰذا. الإِنْسان يَنْبَغِى أَنْ يَنْظُرَ العَمَلَ الذي يُقَرِّبُهُ إِلَى الله. أَليْسَ قَدْ يَكُونُ هذا المنصِبَ سببًا لِانْزِلاقِهِ فِى مَهْلَكَة؟؟ قَدْ يُصِيبُهُ العُجُب وَالكِبر بِما وَصَلَ إِلَيْهِ فَيَهْلِك!! بَعْضُ النّاس إذا لَمْ يَجْلِس فِى الصَّفِ الأَوّل فِى الصالُونات بيَعمِل حكايَة!!! كأَنَّ الجُلُوس فِى الصَّفِ الأَوّل غايَةُ الْمُنَى التي تُقَرِّبُ إِلَى دَرَجاتٍ عُلْيا فِى الجَنَّة! هذا لا يُقَدِّمُ وَلا يُؤَخِّرُ عِنْدَ الله وليسَ هٰذا الذي يُقَدِّسُكَ عِنْدَ اللهِ!! الذي يُقَدِّسُ الرَّجُلَ عَمَلُهُ! الذي يَجْعَلُكَ طاهِرًا ذا جاهٍ وَذا قَدْرٍ عِنْدَ اللهِ طاعَةُ اللهِ سبْحانَه! ثُمَّ بَعْدَ هٰذا، إِيّاكَ أَنْ تَكُونَ مِمَّن يَقْصِدُ ثَناءَ الناسِ وَمَدْحَهُم لَك وَإِجْلالَهُم وَتَعْظِيمَهُم لَك، فَإِنَّ هٰذه مَهْلَكَةٌ وَأَيُّ مَهْلَكَة! إِذا انْغَرَسَ فِى قَلْبِكَ حُبُّ تَعْظِيمِ النّاس، تَسُوءُ أَعْمالُك وَتَسْلُكُ طَرِيقًا تُفْضِي بِكَ إِلَى نارِ جَهَنَّم! لأَنَّ النّاس أَسْباب! ليْسُوا هُمُ الذينَ يَخْلُقُونَ لَك النَّفْع وَلا هُمُ الذينَ يَخلُقُونَ لَكَ دَفْعَ الضُّرّ إِنّما الخالِق للنَّفْعِ لَكَ هُوَ الله. وَالذي يَخْلُقُ انْدِفاعَ المضَرَّةِ عَنْكَ هُوَ الله. فَعَلِّق قَلْبَكَ بالفاعِلِ الْمُؤَثِّرِ عَلَى الحَقِيقَةِ وَهُوَ الله وَلا تُعَلِّق قَلْبَكَ بالنّاس الذينَ هُم أَسْبابٌ وَلَيسُوا بِخالِقِينَ للنَّفْع! النّاسُ لا يَخْلُقُونَ لَكَ النَّفْع وَلا يَخْلُقُون لَكَ رِفْعَةَ الدَّرَجاتِ عِنْدَ الله وَلا يَجْتَلِبُونَ لَكَ هذا إِنّما الذي يَخْلُقُ لَكَ التنَّفْعَ هُوَ الله سبْحانَهُ. فَعَلِّق قَلْبَكَ بِطاعَةِ اللهِ تعالى واقْصِدْ فِى عَمَلِكَ كُلِّها طَلَبَ رِضاه. هٰذا الذي لأَجلِهِ خُلِقْتَ ولأَجْلِهِ يَنْبَغِي أَنْ تَسْعَى وَأَنْ تعْمَل! الإِمامُ الغَزالِيُّ يَقُول: “عِلاجُ تَرْكِ ما لا يَعْنِيك أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَوْتَ بيْنَ يَدَيْهِ وَأَنَّهُ مَسْؤُولٌ عَنْ كُلِّ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها وَأَنَّ أَنْفاسَهُ رَأْسُ مالِه وَأَنَّ أَنْفاسَهُ رَأْسُ مالِهِ وأَنَّ لِسانَهُ شَبَكَتُهُ، يَقْدِرُ أَنْ يصْطادَ بِها الحُورَ العِين فَإِهْمالُهُ وَتَضْييعُهُ فِيما لا يَعْنِيه خُسْرانٌ مُبِين“. حَسّانُ بنُ أَبِي سِنان وَهُوَ مِنْ كِبارِ أَهْلِ العِلْمِ وَالوِلايَة، مَرَّة، ذاتَ يَوْمٍ فِى طَرِيقِهِ رأَى غُرْفَة، يَعْنِى شىء مُرْتَفِع عَنِ الأَرْض فَقال: “مَتَى بُنِيَت هذه الغُرْفَة؟” ثُمَّ تَنَبَّه، فَأَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ يُعاتِبُها وَيَلُومُها وَقالَ لَها: “يا نَفْسُ، تَسْأَلِينَ عَمّا لا يَعْنِيكِ؟؟” أَي إِن عرفتَ مَتَى بُنِيَت هذه الغُرْفَة أَوْ لَمْ تَعْرِف، هذا يُقَرِّبُنِي إِلَى الله؟ لا يُقَرِّبُنِي إِلَى الله، إِذًا سُؤالي: “مَتَى بُنِيَت هذه الغُرْفَة؟” شىء لا يَعْنِينِي، شىء لا يَرْفَعُ مِنْ دَرَجَتِي عِنْدَ الله فِى الجَنَّة! فَجَعَلَ يُعاتِبُ نَفْسَهُ!! “يا نَفْسُ، تَسْأَلِينَ عَمّا لا يَعْنِيكِ؟؟ لأَصومَنَّ سَنَة!!“، فَصامَ سَنَة تَطَوُّعًا للهِ تعالى لِيُأَدِّبَ نَفْسَهُ وَيُهَذِّبَها أَنْ لا تَسْأَلَ عَمّا لا يَنْفَعُها! فَكُلُّ واحِد مِنّا يسْأَل نَفْسَهُ علَى أَيِّ حالٍ هُوَ عَلَيْه! وَعَظَ سيِّدُنا عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضاه رَجُلًا فَقالَ لَه: “لا تَتَكَلَّم فِيما لا يَعْنِيك واعْتَزِل عَدُوَّكَ وَاحْذَر صَدِيقَكَ إِلّا الأَمِينَ وَلا أَمِينَ إِلّا مَنْ يَخْشَى الله وَلا تَمْشِي مَع الفاجِر فَيُعَلِّمَكَ مِنْ فُجُورِهِ وَلا تُطْلِعْهُ عَلَى سِرِّك وَلا تُشاوِر فِى أُمُورِكَ إِلّا الذينَ يَخْشَوْنَ اللهَ عَزَّ وَجَلّ“)». حديث حسن رواه الترمذي وغيرُه.

الحديث الثامن والستون

التاسع: عن عُمَرَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيمَ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ». رواه أبو داود وغيره.

الشرح

التاسع (أي التاسع من باب المراقبة وهو الحديث الثامن والستون من كتاب رياض الصالحين): عن عمر رضي الله عنه عن النبيّ قال: لا يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيْمَ (أي: بأيِّ سبب) ضَرَبَ امْرَأَتَهُ (لاحتمال أن يكون السبب مما يستحيا من ذكره كالامتناع من التمكين، بل يُترك ذلك إليه وإلى مراقبته لولاه إلا إن احتاج الأمر إلى جريان الأحكام والرفع إلى الحكام فتبين الأمور). رواه أبو داود وغيره.اهـ

نسأل الله العظيم أن يرحمنا وأن يجعل الآخرة مَقْصِدَنَا وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه بجاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.