حق الله على العباد وحق العباد على الله | رياض الصالحين (62)

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاء مُزَيَّنَةً بِزِينَةِ النُّجُومِ، وَثبَّتَ الأَرْض بِجِبَالٍ فِي أَقَاصِي التُّخُومِ، عَلِمَ الأَشْيَاء كلها وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَعْلُومُ، وقدَّر الْمَحْبُوب وَالْمَكْرُوه وَالْمَحْمُود وَالْمَذْمُوم، واطَّلَعَ عَلَى بَوَاطِنِ الأَسْرَارِ وخَفَايَا الْمَكْتُومِ، جَلَّ أَنْ تُحِيطَ بِهِ الأَفْكَارُ أَوْ أن تَتَخَيَّلَهُ الْوُهُومُ، وَقَضَى ما يكون فَقَضَاؤُهُ مَحْتُومٌ، وَبِتَقْدِيرِهِ مَعْصِيَةُ الْعَاصِي وَعِصْمَةُ الْمَعْصُومِ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ والصلاة والسلامُ على رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ النبيِّ المعصوم، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ المتصدقِ عَلَى السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَعَلَى عُمَرَ الْمُنْتَصِفِ بَيْنَ الظَّالِمِ وَالْمَظْلُومِ، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمُتَهَجِّدِ إِذَا رَقَدَ النَّئُومُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي حَازَ الشَّرَفَ وَالْعُلُومَ، أما بعد:

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثَّالثُ: عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهمَا قَالَ: “كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يوْمًا فَقالَ: “يَا غُلامُ إِنِّي أُعلِّمكَ كَلِمَاتٍ: “احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، واعلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَو اجتَمعتْ عَلَى أَنْ ينْفعُوكَ بِشىْءٍ لَمْ يَنْفعُوكَ إِلَّا بِشَىْءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَىْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بَشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عليْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ”. رواهُ التِّرمذيُّ وقَالَ: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ. وفي رواية غيرِ التِّرْمِذيِّ: “احفظَ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ في الرَّخَاءِ يعرِفْكَ في الشِّدةِ، واعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَك، وَمَا أَصَابَكَ لمْ يَكُن لِيُخْطِئَكَ واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْب، وأَنَّ مَعَ الْعُسرِ يُسْرًا”. 

تضمن هذا الحديث وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين وأجلها. حتى قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي في كتابه ((صيد الخاطر)): ((تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش))، ثم قال: ((فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث، وقلة الفهم لمعناه)). 

وفي رواية لهذا الحديث عند أحمد حديثُ حَنَش الصنعاني عن ابن عباس قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا غلام -أو يا غُليم- ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟)) فقلت: بلى. فقال: ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة. وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائنٌ، فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيءٍ لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيءٍ لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)). 

يَقُولُ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَعْنِى رَضِيَ اللهُ عَنْ عَبْدِ الله وَعَنْ أَبِيهِ العَبّاسِ بنِ عَبْدِ المطَّلِب عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: “كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وَسلَّمَ يَوْمًا، مَعْناهُ كانَ يَرْكَبُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ، وَكانَ غُلامًا قَليلَ اللَّحْمِ لأَنَّهُ قَدْ يَتَبادَرُ إِلَى ذِهْنِ بَعْضِ الناس كَيفَ يَرْكَبُ اثْنانِ عَلَى بَغْلَةٍ واحِدَة؟ هذه البَغْلَة كانَت تُطِيقُ ذلِك وابنُ عَبّاس كانَ صَغِيرًا غُلامًا قَليلَ اللَّحْمِ. “كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وَسلَّمَ يَوْمًا، (أي: في ساعة منه كما يدل عليه تنكيره) فَقَالَ: “يَا غُلَام!”. خاطَبَهُ بِذلِك بِقَوْلِهِ: “يَا غُلَام!” لأَنَّهُ كانَ صَغِيرَ السِّنِّ نَحْوًا مِنْ عَشْرِ سِنين. (وكلمة غلام: بضم الميم لأنه نكرة مقصودة، وهو الصبيّ من حين يُفطم إلى البلوغ) (ويورد بعض العلماء هذا الجزء من الحديث في كتب الآداب، لأنه يدل على تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه من تواضعه كان يُردِف الصحابة خلفه والرديف : هوالَّذِي يَرْكَب خَلْف الرَّاكِب.كما روى البخاري في صحيحه عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟»، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا». وفى الحديث:{كانَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ وَيَضَعُ طَعَامَهُ عَلَى الأَرْضِ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ المَمْلُوكِ وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ}:رواه الحاكم عن أنس، وقال الطبرى : فيه البيان على أنه صلى الله عليه وسلم مع محله من الله أي ما له من المنزلة عند الله وجلالة منزلته لم يكن يرفع نفسه عن أن يحمل ردفًا معه على دابته، ولكنه كان يُردف لتتأسى به فى ذلك أمته ، فلا يأنفوا مما لم يأنف منه ولا يستنكفوا مما لم يستنكف منه. وقال ابن علان: خلف النبي أي: على دابته كما جاء في رواية، ففيه جواز الإرداف على الدابة إن أطاقته. 

“إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ:” (ينفعك الله بهن كما في رواية أخرى وذكره ليتنبه السامع فيشتد شوقه ويلقي سمعه فيقع في نفسه فيكمل نفعه. وتأهيله لهذه الوصايا الرفيعة المقدار الجامعة من العلوم والمعارف ما يفوق الحصر دليل على أنه علم ما يؤول إليه أمر ابن عباس من العلم والمعرفة وكمالِ الأخلاق وحسنِ الأحوال) ابتَدَأَ النّبِيُّ تَعْلِيمَ ابْنِ عَبّاس بِهذه الكَلِمات: “إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ” وَلَمْ يبْدَأ فَوْرًا بِتَعْلِيمِهِ ما يُرِيدُ تَعْلِيمَه لِيَكُونَ هذا تَشْوِيقًا وَتَنْشِيطًا لابْنِ عَبّاس أَنْ يُلْقِيَ سَمْعَه مَعَ الوَعْيِ وَالفَهْمِ لِما يسْمَعُهُ مِنَ الرسُول، لأَنَّهُم يَقُولون: “الْمَوْصُولُ إِلَيْهِ بَعْدَ الطَّلَب أَعَزُّ مِنَ الْمُساق إِلَيْكَ بِلا تَعَب”. لِذلِكَ الرّسُولُ بَدَأَ بِهذه المقَدِّمَة لِتَنْشِيطِ ابْنِ عَبّاس أَنْ يُلْقِيَ بِسَمْعِهِ لِيَحْفَظَ وَيَعيَ فَقالَ لَهُ: ” يَا غُلَام! إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ” بَدَأَ بِهذه المقَدِّمَة بِهذا المعْنَى حَتّى يسْتَشْعِرَ ابْنُ عَبّاس أَهَمّيَّةَ هذه الكَلِمات التي يُرِيدُ الرّسُولُ ﷺ تَعليمَهُ إِيّاها. وَقالَ لَهُ الرّسُولُ ﷺ: “كَلِمَاتٍ” لِيُفْهِمَهُ أَنَّ الذي يُرِيدُ قَوْلَهُ كَلِماتٌ قَليلَة حَتّى يَحْفَظَها ابنُ عَبّاس لأَنَّهُ مِنْ جُمُوعِ القِلَّة. 

وكلمات هي جمع كلمة والكلام في العربية له معانٍ عدةٌ، في اللغة له معنى وفي النحو له معنى، في اللغة يقولون هذا كلام عن كل ما أعطى معنى مفيدا كالإشارة وكعقد الأصابع وكحدود البلد وكالمحراب في المسجد كلاما لأنه يعطي معنى صحيحا، وفي النحو يقال كلام عن اللفظ المركب المفيد وأن يكون مقصودا، قال ابن مالك: 

‌كلامنا ‌لفظ ‌مفيد كاستقم
واسمٌ وفعلٌ ثمّ حرفٌ الكَلِمْ 

وفي الفقه يقولون: من مبطلات الصلاة: أن يقول المصلي وهو ذاكر أنه في الصلاة ستَّ كلمات عرفية، فهذا من مبطلات الصلاة، والستُّ كلمات هنا ما يحسن الوقوف عليه من المتكلم والسامع. 

قال ابن رجب: ‌‌فقوله – صلى الله عليه وسلم -: “احفظ الله يحفظك”: يعني: احفظ حدود الله وحقوقه وأوامره ونواهيه وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا تتجاوز ولا تتعدى ما أمر به إِلَى ما نهى عنه. فدخل في ذلك فعل الواجبات جميعًا وتركُ المحرمات كلها، كما في حديث أبي ثعلبة المرفوع: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوها، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا» وذلك كله يدخل في حفظ حدود الله، كما ذكره الله في قوله: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ … } [التوبة: 112]. وقال تعالى: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق: 32، 33]. وفسر الحفيظ ها هنا بالحافظ لأوامر الله، وفسر بالحافظ لذنوبه حتى يرجع منها، وكلاهما يدخل في الآية. ومن حفظ وصية الله لعباده وامتثلها فهو داخل أيضا، والكل يرجع إِلَى معنى واحد. 

فقَوْلُهُ ﷺ: “احْفَظِ اللَّهَ” مَعْناهُ احْفَظ أَوامِرَ الله. أَدِّ ما أَمَرَكَ الله، عَلَى الوَجْهِ الذي أَمَرَك! وَاجتَنِب ما حَرَّمَ الله عَلَى الوَجْهِ الذي نَهاكَ. “احْفَظِ اللَّهَ” أَيْ احْفَظ حُدُودَ الله أي الأمور التي حدَّها الله لكم، وَاحْفَظ أَوامِرَه وَطَبِّقْها عَلَى نَفْسِك. ما ثَمَرَةُ هذا الحِفْظ لِلواحِدِ مِنّا لأَوامِرِ اللهِ وَاجْتِنابِ مَناهِيه؟؟ الثَّمَرَةُ وَالنَّتِيجَةُ جاءَت فى قَوْلِهِ ﷺ: “يَحْفَظْك”. “احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْك”، أَيْ يَحْفَظْكَ فِى دِينِك ويَحْفَظْكَ فِى دُنْياك وَيَحْفَظْكَ فِى نَفْسِك وَيَحْفَظْكَ فِى مالِكَ وَيَحْفَظْكَ فِى أَهْلِكَ وَوَلَدِك وَيَحْفَظْكَ وَيحفَظ دُوَيْرَةَ أَهْلِك، يَعني الناس الذينَ هُم بِجِوارِك قَدْ يُحْفَظُونَ بِصَلاحِ هذا الإِنْسان وَحِفْظِهِ لأَوامِرِ اللهِ تعالى. “احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْك”، هذه أَيضًا فِى اللغَةِ العَرَبِيّة يُسَمُّونَها الْمُشاكَلَة. لَمْ يَقُلِ الرّسُولُ مَثَلًا: احفَظِ الله يرْعَك. أَوْ احفَظِ الله يُصَحِّح بَدَنَك، إِنّما قال: “احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْك”، معناهُ إِنْ حَفِظْتَ أَوامِرَ الله، اللهُ تعالى يَحفَظُكَ فِيما ذَكَرْنا. 

إذًا : “احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْك”، أَيْ إِحْفَظ أَوامِرَ الله، بِالتَّطْبِيقِ عَلَى نَفْسِك، أَنْ تُطَبِّقَ أَوامِرَ اللهِ عَلَى نَفْسِك، عَلَى الوَجْهِ الذي أَمَرَ الله وَشَرَطَ الله وَشَرَعَ الله وَأَنْ تَنْتَهِيَ عَمّا نَهاكَ عَنهُ رَبُّك،  تَجْتَنِب الْحَرام  وَتَبْتَعِد عَنْه. إِنْ حَفِظْتَ الله، أَيْ حَفِظْتَ أَوامِرَهُ، فَطَبَّقْتَها وَابْتَعَدْتَ عَنْ نَواهِيهِ فَلَمْ تَقْرَبْها، “يَحْفَظْك”، أَيْ جَزاءُ ذٰلك أَنْ يَحْفَظَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ فِى نَفْسِك فَيَدْفَعُ عَنْكَ الضُّرّ وَالْمَهالِك، وَيُبارِكُ لَكَ فِى أَهْلِك وَفِى مالِك وَفِى زَوْجِك وَفِى وَلَدِك (يَجْعَلُهُم بارِّينَ بِكَ) وَيَحْفَظكَ فِى خاصَّةِ نَفْسِك فِى خاصَّةِ أَهْلِك وَيَحفَظ لَكَ زَوْجَك وَقَدْ يَحْفَظُ الله بِصَلاحِك دُوَيْرَةَ أَهلك يَعنِي جِيرانَك وَما حَوْلَكَ مِنْ مسلمين. إِنْ حَفِظْتَ أَوامِرَ الله، “يَحْفَظْك” وَيُنْقِذْكَ مِنَ الهَلَكات، وَيَنْفَعْكَ بِأَنْواعٍ مِنَ البركات وَلِذا نَجِد أَنَّ سَفِينَة وَهُوَ صَحابِيٌّ جَليل كانَ مَوْلى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أَيْ فِى مَقامِ الخادِمِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أَرْسَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، بِرِسالَة لِيُوصِلَهَا إِلَى إِنْسان وَهُوَ فِى الطَّرِيق، أَضاعَ طَرِيقَه وَالصّحراءُ واسِعَة، فَسَخَّرَ اللهُ لَهُ أَسَدًا فَصارَ هذا الأَسَدُ يُهَمْهِمُ، يُصْدِرُ صَوْتًا. فَكَلَّمَهُ سَفِينَةُ. كَلَّمَهُ وَكَأَنَّهُ يَعْقِلُ وَيَفْهَم، وَقالَ لَه: أَنا سَفِينَةُ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِنِّي فِى حاجَةِ رَسُولِ اللهِ، مَعناهُ أَرْسَلَنِي الرسول لِقَضاءِ أَمْرٍ ما، فَأَنا خَرَجْتُ تَنْفِيذًا لأَمْرِهِ ﷺ. فَجَعَلَ هذا الأَسَدُ يَمْشِي أَمامَه يَدُلُّهُ عَلَى الطّرِيق حَتَّى وَصَلَ إِلَى مُفْتَرَقِ طَرِيقٍ فَوَدَّعَه وَهَمْهَمَ بِصَوتِهِ ثُمَّ تَمَسَّحَ بِهِ وتَرَكَه، بَعْدَ أَنْ دَلَّه عَلَى طَرِيقِ مَسِيرِهِ. حِينَ وَقَع فِى هذه الشِّدَّة، وهذا الضِّيق، اللهُ تعالَى هَيَّأَ لَهُ هٰذا الحَيَوانَ الْمُفْتَرِسَ وَسَخَّرَهُ لَهُ بِقُدْرَتِهِ سُبحانَه حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الطّرِيقِ وَنَجَى مِنَ الهَلَكَة وَما ذاكَ إِلّا لأَنَّهُ خَرَجَ ساعِيًا لِتَنْفِيذِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ! “احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْك”! 

ومن أعظم ما يجب حفظه من المأمورات الصلوات الخمس، قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34]. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: “من حافظ عليها كان له عند الله عهدًا أن يدخله الجنة … ” (رواه مالك في الموطأ). وفي حديث آخر: ” «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه الطبراني). وكذلك الطهارة فإنها مفتاح الصلاة، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: “لا يحافظ عَلَى الوضوء إلا مؤمن” (رواه الدارمي). فالمحافظة عَلَى الوضوء للصلاة دليل عَلَى ثبوت الإيمان في القلب. ومما أمر الله بحفظه الأيمان لمَّا ذكر كفارة اليمين قال: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89]، وكان السَّلف كثيرًا يحافظون عَلَى الأيمان، فمنهم من كان لا يحلف بالله ألبتة، ومنهم من كان يتورع حتى يُكَفر عما شك في الحَنث فيه. ووصى الإمام أحمد -رحمه الله- عند موته أن تخرج عنه كفارة يمين. وقال: أظن أني حنثت في يمين حلفتها. وقد ورد التشديد العظيم في الحلف الكاذب،

 ومما يلزم المؤمن حفظه رأسه وبطنه، كما في حديث ابن مسعود المرفوع: “الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَتحْفَظَ البَطْنَ وَمَا حَوَى” خرجه الإمام أحمد والترمذي. وحفظ الرأس وما وعى، يدخل فيه السمع والبصر واللسان من المحرمات. وحفظ البطن وما حوى: يتضمن حفظ القلب عن الإصرار عَلَى محرم. وقد جُمع ذلك كله في قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]. ويدخل في حفظ البطن وما حوى: حفظه من إدخال الحرام. إِلَيْهِ من المأكولات والمشروبات. ومما يجب حفظه من المنهيات: حفظ اللسان والفرج. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم: “من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة” خرجه الحاكم وخرّجه البخاري  من حديث سهل بن سعد عن النبي صلّى الله عليه وسلم ولفظه: “من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه، أضمن له الجنة”. وقد أمر الله بحفظ الفروج خاصة ومدح الحافظين لها، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ … } [النور: 30]. وقال تعالى: {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ} [الأحزاب: 35]. وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ … } [المؤمنون: 5، 6]. 

‌‌قوله صلى الله عليه: “يحفظك”: يعني أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه، حفظه الله، فإن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40]. وقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]. وقال: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7].. وفي حديث ابن عمر قال: لم يكن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي». خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وهذا الدعاء منتزع من قوله -عز وجل-: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} الآية [الرعد: 11]. قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلوا عنه. وقال علي رضي الله عنه: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يُقَدَّرْ، فإذا جاء القَدَرُ خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة. وقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما من شيء يأتيه إلا قال: وراءك، إلا شيئًا قد أذن الله فيه فيصيبه. ومن حفظ الله للعبد: أن يحفظه في صحة بدنه وقوته وعقله وماله. قال بعض السَّلف: العالم العامل لا يحزن، وقال بعضهم: من جمع القرآن وعمل به متع بعقله. وتأول ذلك بعضهم عَلَى قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] وهو أرذل العمر {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: 6]. وقال محمد بن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فما يزالون في حفظ من الله وسَتره. هذا مِثْلُ قَوْلِ اللهِ تعالى ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة البقرة:40] معْناهُ إِنْ وَفَيْتُم بِما عاهَدْتُم عَلَيْهِ الله، اللهُ تعالى يُعْطِيكُم ما وَعَدَكُم. وَمِثْلُ هذا قَوْلُ اللهِ تعالى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة:152] معناهُ إِنْ ذَكَرْتُمُونِي، ذَكَرْتُم اللهَ عَزَّ وَجَلّ بِأَلْسِنَتِكُم أَوْ بِقُلُوبِكُم، اللهُ تعالى يُهَيِّئ مَلائِكَةً فِى الْمَلَا الأَعْلَى تَذْكُرُكُم بِخَير لأَنَّكُم ذَكَرْتُمُ اللهَ عَزَّ وَجَلّ. فَجَزاءُ العَمَل مِنْ جِنْسِ العَمَل، وَهُنا رَسُول الله ﷺ قال: “احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْك”. إِنْ حَفِظْتَ أَوامِرَ اللهِ فَطَبَّقتَها عَلَى نَفْسِك، اللهُ يَحْفَظْكَ فِى دِينِك وَفِى دُنياك، يُوَسِّعُ عَليكَ فِى الرِّزق بِسَبَبِ تَقواكَ وَصَلاحِك، يَحفَظُ وَلَدَك، لِذلكَ كانَ سيدُنا سَعِيدُ بنُ الْمُسيَّب رَضِيَ اللهُ عَنْه يقول لابنَه: “إِنّي لَأُصَلِّي لِأَجْلِك”، يَعنِى رَجاءَ أَنْ يَحفَظَكَ اللهُ بِصَلاتِي للهِ تعالَى. يَعْنِى أَنا أُصَلِّي أَفْعَلُ هذا العَمَلَ الصالِح لِيَحْفَظَكَ اللهُ تعالى. 

إِذا الواحِدُ حَفِظَ أَوامِرَ الله وَطَبَّقَها عَلَى نَفْسِهِ وَصارَ صالِحًا اللهُ تعالَى يَحفَظُهُ فِى أَهْلِهِ وَفِى مالِهِ وَفِى وَلَدِهِ وَفِى صِحَّتِهِ وَبَدَنِهِ وجَوارِحِه، لِذلِكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قالَ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل:97] انتبْهوا للشّرط ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إِذًا مُؤْمِن وَعَمِلَ صالِحًا. هذا يُفْهَمُ مِنهُ أَنَّ الإِيمانَ شَرط لِقَبُولِ العَمَلِ الصّالِح. فَإِذًا هذا مُؤْمِن يقْبَلُ اللهُ مِنهُ العَمَلَ الصالِح إِنْ عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا مَعَ الإِيمان، اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قالَ جَزاءُهُ عَلَى هذا ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. كَثِيرٌ مِنَ المفَسِّرِين قالُوا: قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ أيْ فِى الدُّنيا. لماذا فِى الدُّنيا؟؟ بِسَبَبِ ما جاءَ بَعْدَ هذه الكَلِمات. فِى الدُّنيا، يَحْفَظُ اللهُ الإنسان بِسَبَبِ صَلاحِهِ وإِيمانِهِ فِى بَدَنِهِ وَمالِهِ وَجَوارِحِهِ وَأَعْضائِهِ لِذلِكَ نَسْمَع أَنَّ الحَسَنَ البِصْرِيّ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ التّابِعِين رَضِيَ اللهُ عَنْه وَالبَغَوِيّ مِنَ الْمُفَسِّرِين، وَغَيرُهُما عاشَ أَكْثَرَ مِنْ مائَةِ سَنَة وَبَقِيَت جَوارِحُهُ سَلِيمة. يعنِى بَصَرُهُ قَوِيّ وَسَمْعُهُ قَوِيّ وَبَدَنُهُ قَوِيّ وَعَقْلُهُ تامّ راجِح لَمْ يُصِبْهُ الخَرَف وَلا أَدْنَى مِنْ ذلِك. حِينَ سُئِلُوا عَنْ سَبَبِ صِحَّةِ جَوارِحِهِم وَقُوَّتِها، قالُوا: “حَفِظْناها فِى الصِّغَر فَحَفِظَها اللهُ لَنا فِى الكِبَر” مَعناهُ وَقْتَ الشّباب، كُنّا نَلتَزِمُ شَرعَ الله وَلا نَعْصِي اللهَ بِهذه الجَوارِح فَحَفِظَ اللهُ تعالى لنا هذه الجَوارِح إِلَى الكِبَر وَمِثلُ هذا يُروَى عَن أَبي الطّيِّب القاضِي أبي شجاع الشافعي المشهور. عاشَ نَحْوًا مِنْ مائَةِ وَسِتِّينَ سَنَة وَعَقْلُهُ راجِح وَسَمْعُهُ قَوِيّ وَبَصَرُهُ قَوِيّ وَنُطْقُهُ جَيِّد وَمِشْيَتُهُ قَوِيّة. عادَةً ابن مائَةِ وَسِتينَ سَنَة يكونُ ضَعِيفا يحتاج إِلَى مَنْ يُعِينُهُ بالمشي، لكِنهُ بَقِيَ قَوِيَّ البَدَن. فَسُئِلَ عَنْ ذلِك. ما سَبَبُ هذا؟ فقال: ما عَصَيْتُ اللهَ تعالى بِعُضْوٍ مِنْها! لِذلِكَ إِذا أَرَدْتَ حَياةً طَيِّبَة فِى الدُّنيا، قُوَّة فِى بَدَنِك، رُجْحان فِى عَقْلِك، حِفْظ مِنَ الله وَتَيْسِير لَكَ فِى مالِك وَفِي تَربيَةِ أَوْلادِك، إِلَى غَير ذلِكَ مِنْ مَصالِحِ الدُّنيا وَالدّين، فَعَلَيْكَ بِتَقوَى الله والتِزامِ دِين الله كَما يُحِبُّ الله تعالى ويَرْضي. وقال يحيى بن إسماعيل بن سلمة بن كُهيل: كان لي أخت أسنّ مني فاختلطت وذهب عقلها وتوحشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحنا، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، فبينما أنا نائم ذات ليلة إذا باب يدق نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: كجه، فقلت: أختي؟! قالت: أختك، ففتحت الباب فدخلت ولا عهد لها بالبيت أكثر من عشر سنين. فقالت: أُتيتُ الليلة في منامي فقيل لي: إن الله قد حفظ أباك إسماعيل لسلمة جدك، وحفظك لأبيك إسماعيل؛ فإن شئت دعوت الله فذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنة؛ فإن أبا بكر وعمر قد شفعا فيك إِلَى الله عز وجل بحب أبيك وجدك إياهما، فقلت: فإذا كان لابد من اختيار أحدهما فالصبر عَلَى ما أنا فيه والجنة، وإن الله عز وجل لواسع بخلقه لا يتعاظمه شيء، إن شاء أن يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: فإن الله قد جمعهما لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، قومي فانزلي، فأذهب الله تعالى ما كان بها. 

نسأل الله أن يحفظنا ويحفظ أبناء المسلمين بجاه نبينا محمد الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ونكمل ما في هذا الحديث العظيم من المعاني في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمدُ لله الَّذِي أرْشَدَ الخلقَ إلى أكْملِ الآداب، وفتَحَ لهم من خزائنِ رحمتِهِ وجودِهِ كُلَّ باب، أنَار بصائرَ المؤمنينَ فأدركوا الحقائقَ وطلبُوا الثَّواب، وأعْمَى بصائرَ المُعْرِضين عن طاعتِهِ فصار بينهم وبين نوره حجاب، هدى أولئك بفضله ورحمته وأضلَّ الآخرين بعدله وحكمته، إن في ذلك لذِكْرى لأولي الألبَاب. وأشْهدُ أنْ لا إِله إِلا الله وحده لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ الْعَزيزُ الوَهَّاب، وأشْهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسولهُ المبعوثُ بأجَلِّ العباداتِ وأَكمَلِ الآداب، صلَّى الله عليه وعلى جميع الآلِ والأصْحَاب، وعلى التابعين لَهم بإحْسَانٍ إلى يومَ المـَآب. أما بعد: 

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثَّالثُ: عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهمَا قَالَ: “كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يوْمًا فَقالَ: “يَا غُلامُ إِنِّي أُعلِّمكَ كَلِمَاتٍ: “احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، واعلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَو اجتَمعتْ عَلَى أَنْ ينْفعُوكَ بِشىْءٍ لَمْ يَنْفعُوكَ إِلَّا بِشَىْءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَىْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بَشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عليْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ”. رواهُ التِّرمذيُّ وقَالَ: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ. 

وفي رواية غيرِ التِّرْمِذيِّ: “احفظَ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ في الرَّخَاءِ يعرِفْكَ في الشِّدةِ، واعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَك، وَمَا أَصَابَكَ لمْ يَكُن لِيُخْطِئَكَ واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْب، وأَنَّ مَعَ الْعُسرِ يُسْرًا”. 

قال النبي صلى الله عليه وسلم في بداية وصيته لابن عمه حبرِ الأمة عبد الله بن العباس رضي الله عنهما: احفظ الله يحفظك: قلنا أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: احفظ الله، أي احفظ أوامر الله عز وجل، فإنك إذا كنت كذلك فإن الله يحفظك بإذنه عز وجل فتكون من الرابحين. فمتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله فإن الله عز وجل يحفظه في تلك الحال، كما في مسند الإمام أحمد عن حميد بن هلال عن رجل قال: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الطُّفَاوَةِ طَرِيقُهُ عَلَيْنَا، فَأَتَى عَلَى الْحَيِّ، فَحَدَّثَهُمْ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي عِيرٍ لَنَا، فَبِعْنَا بِيَاعَتَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَلَآتِيَنَّ مَنْ بَعْدِي بِخَبَرِهِ، قَالَ: فَانْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ يُرِينِي بَيْتًا، قَالَ: ” إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِيهِ فَخَرَجَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَكَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عَنْزًا لَهَا، وَصِيصيَتَهَا  أي صنارتها كَانَتْ تَنْسِجُ بِهَا “، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ إِنَّكَ قَدْ ضَمِنْتَ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِكَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي قَدْ فَقَدْتُ عَنْزًا مِنْ غَنَمِي، وَصِيصِيَتِي، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ عَنْزِي، وَصِيصِيَتِي “، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ شِدَّةَ مُنَاشَدَتِهَا لِرَبِّهَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” فَأَصْبَحَتْ عَنْزُهَا وَمِثْلُهَا، وَصِيصِيَتُهَا وَمِثْلُهَا، وَهَاتِيكَ فَأْتِهَا فَاسْأَلْهَا إِنْ شِئْتَ (أي اذهب إليها فاسألها إن شئت) “، قَالَ: قُلْتُ: بَلْ أُصَدِّقُكَ “. 

وكان شيبان الراعي يرعى غنمًا في البرية، فإذا جاءت الجمعة خط عليها خطًّا وذهب إِلَى الجمعة ثم يرجع وهي كما تركها. وكان بعض السَّلف في يده الميزان يزن بها دراهم، فسمع الأذان فنهض ونفضها عَلَى الأرض وذهب إِلَى الصلاة، فلما عاد جمعها فلم يذهب منها شيء. 

ومن أنواع حفظ الله لمن حفظه في دنياه: أن يحفظه من شر كل من يريده بأذى من الجن والإنس. كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] قالت عائشة رضي الله عنها: يكفيه غم الدُّنْيَا وهمها. وقال الربيع بن خثيم: يجعل له مخرجًا من كل ما ضاق عَلَى الناس. وكتب بعض الخلفاء إِلَى الحكم بن عمرو الغفاري كتابًا يأمره فيه بأمر يخالف كتاب الله، فكتب إِلَيْهِ الحكم: إني نظرت في كتاب الله فوجدته قَبلَ كتاب أمير المؤمنين، وإن السماوات والأرض لو كانتا رتقًا عَلَى امرئ فاتقى الله عز وجل، جعل الله له مخرجًا، والسلام. وقال بعضهم شعرًا: 

بتقوى الإلهِ نجا من نجَا
وفازَ وصارَ إلى مَا رَجَا

ومن يتقِّ اللَّهِ يجعلْ له
كما قالَ من أمره مَخْرَجَا

ويرزقه من حيث لا يحتسب
وإن ضاق أمرًا به فرجًا

كتب بعض السَّلف إِلَى أخيه: أما بعد: فإنه من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه، والله الغني عنه. ومن عجيب حفظ الله تعالى لمن حفظه: أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى وساعية في مصالحه، فقد كان أبو إبراهيم السائح قد مرض في برية بقرب دير، فَقَالَ: لو كنت عند باب الدير لنزل الرهبان فعالجوني، فجاء السبع فاحتمله عَلَى ظهره حتى وضعه عَلَى باب الدير فرآه الرهبان فأسلموا وكانوا أربعمائة. فمن حفظ الله حفظه من الحيوانات المؤذية بالطبع، وجعل تلك الحيوانات حافظة له. 

ومن ضيع أوامر الله ضيعه الله بين خلقه، حتى يدخل عليه الضرر بشيء ممن كان يرجو أن ينفعه، ويصير أخص أهله به وأرفقهم به يؤذيه. كما قال بعضهم: إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق خادمي وحماري. يعني: أن خادمه يسوء خلقه عليه ولا يطيعه، وحماره يستعصي عليه فلا يواتيه لركوبه. فالخير كله مجموع في طاعة الله والإقبال عليه، والشر كله مجموع في معصيته والإعراض عنه. 

النوع الثاني من الحفظ: وهو أشرفها وأفضلها، حفظ الله تعالى لعبده في دينه، فيحفظ عليه دينه وإيمانه في حياته من الشبهات المردية والبدع المضلة، والشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه عَلَى الإسلام. قال الحكم بن أبان عن أبي مكي: إذا حضر الرجل الموت يقال للملك: أنظر رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن. قال: أنظر قلبه. قال: أجد في قلبه الصيام، قال: أنظر قدميه. قال: أجد في قدميه القيام. قال: حفظ نفسه فحفظه الله عز وجل. أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا. وقد ثبت في “الصحيحين” في حديث البراء بن عازب أن النبي صلّى الله عليه وسلم علَّمه أن يقول عند منامه: “اللهم إن قبضت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين”. وفي حديث عمر عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ احْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَائِمًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ رَاقِدًا، فَلَا تُطِعْ فِيَّ عدوًا ولا حاسدًا، خرجه ابن حبان في “صحيحه. وكان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا وَدَّعَ من يريد السفر يقول له. “أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك” وفي رواية، وكان يقول: “إن الله إذا استودع شيئًا حفظه” خرجه النسائي وغيره. وكان عمر رضي الله عنه يقول في خطبته: اللهم اعصمنا بحفظك وثبتنا عَلَى أمرك. ودعا رجل لبعض السَّلف بأن يحفظه الله فَقَالَ: يا أخي، لا تسأل عن حفظه، ولكن قل يحفظ الإيمان. يعني: أن المهم هو الدعاء بحفظ الدين، فإن الحفظ الدنيوي قد يشترك فيه البر والفاجر، فالله يحفظ عَلَى المؤمن دينه ويحول بينه وبين ما يفسده عليه بأسباب قد لا يشعر العبد ببعضها وقد يكون يكرهه. وهذا كما حفظ يوسف -عليه السلام- قال: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] فمن أخلص لله خلصه الله من السوء والفحشاء وعصمه منها من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أسباب المعاصي المهلكة. كما رأى معروف الكرخي شبابًا يتهافتون في الخروج إِلَى القتال في فتنة، فَقَالَ: اللهم احفظهم، فقِيلَ لَهُ: تدعو لهؤلاء؟ فَقَالَ: إن حفظهم لم يخرجوا إِلَى القتال. وسمع عمر -رضي الله عنه- رجلاً يقول: اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه، فَحُلْ بيني وبين معاصيك. فأعجب ذلك عمر ودعا له بخير. ورُوي عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24]، قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إِلَى النار. حج بعضُ المتقدمين فبات بمكة مع قوم فهمَّ بمعصية، فسمع هاتفًا يهتف يقول: ويلك، ألم تحج؟ فعصمه الله مما هم به. وخرج بعضهم مع رفقة إِلَى معصية، فلما همَّ بمواقعتها هتف به هاتف: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] فتركها. ودخل رجل غيضة ذات شجر فَقَالَ: لو خلوت ها هنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع صوتًا ملأ ما بين حافتي الغيضة: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]. وهمَّ رجل بمعصية فخرج إليها فمرَّ في طريقه بقاصٍّ يقص عَلَى الناس، فوقف عَلَى حلقته فسمعه يقول: أيها الهامُّ بالمعصية، أما علمت أن خالق الهمة مطلع عَلَى همَّتك؟ فوقع مغشيًا عليه فما أفاق إلا من توبة. ومنهم من عُصِمَ بموعظة جرت عَلَى لسان من أراد منه الموافقة عَلَى المعصية، كما جرى لأحد الثلاثة الذين دخلوا الغار وانطبقت عليهم الصخرة، فإنَّه لما جلس من تلك المرأة مجلس الرجل من امرأته، قالت له: يا عبد الله. اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقام عنها. وراود رجل امرأة عن نفسها وأمرها بغلق الأبواب ففعلت، وقالت له: قد بقي باب واحد، قال: وأي باب هو؟ قالت: الباب الَّذِي بيننا وبين الله -عز وجل- فلم يتعرض لها. وهذا كله من ألطاف الله وحيلولته بين العبد ومعصيته. قال الحسن -وذكر أهل المعاصي-: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم. وقال بشر: ما أصر عَلَى معصية الله كريم، ولا آثر الدُّنْيَا عَلَى الآخرة حكيم. ومن أنواع حفظ الله لعبده في دينه: أن العبد قد يسعى في سبب من أسباب الدُّنْيَا، إما الولايات أو التجارات أو غير ذلك، فيحول الله بينه وبين ما أراده لما يعلم له من الخيرة في ذلك وهو لا يشعر مع كراهته لذلك. قال ابن مسعود: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإني إن يسَّرته له أدخلته النار. فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير، يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله عز وجل. وأعجب من هذا أن العبد قد يطلب بابًا من أبواب الطاعات، ، فيحول الله بينه وبينه صيانة له وهو لا يشعر. وخرج الطبراني وغيره حديث أنس مرفوعًا. “يقول الله عز وجل إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْفَقْرُ، وَإِنْ بَسَطْتُ عَلَيْهِ أَفْسَدَهُ ذَلِكَ, وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لَأَفْسَدُهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ, وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ يَطْلُبُ بَابًا مِنَ الْعِبَادَةِ فَأَكُفُّهُ عَنْهُ لِكَيْ لَا يَدْخُلَهُ الْعُجْبُ، إِنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِي بِعِلْمِي بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ إِنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.

وفي الجملة: فمن حفظ حدود الله وراعى حقوقه، تولى الله حفظه في أمور دينه ودنياه، وفي دنياه وآخرته. وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنَّه وليُّ المؤمنين، وأنه يتولى الصالحين، وذلك يتضمن أنَّه يتولى مصالحهم في الدُّنْيَا والآخرة، ولا يكلهم إِلَى غيره، قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257]. وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11]. وقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]. وقال: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36]. فمن قام بحقوق الله عليه فإن الله يتكفل له بالقيام بجميع مصالحه في الدُّنْيَا والآخرة؛ فمن أراد أن يتولى الله حفظه ورعايته في أموره كلها فليراع حقوق الله عليه، ومن أراد ألا يصبيه شيء مما يكره فلا يأت شيئًا مما يكرهه الله منه. كان بعض السَّلف يدور عَلَى المجالس ويقول: من أَحَبّ أن تدوم له العافية فليتق الله. وقال العمري الزاهد لمن طلب منه الوصية: كما تحب أن يكون الله لك فهكذا كن لله -عز وجل، وقال صالح بن عبد الكريم يقول الله -عز وجل- “وعزتي وجلالي لا أطلع عَلَى قلب عبد أعلم أن الغالب عليه حب التمسك بطاعتي، إلا توليت سياسته وتقويمه”. وفي بعض الكتب المتقدمة: يقول الله عز وجل “يا ابن آدم، ألا تعلم ما يضحكك؟! يا ابن آدم، اتقيني ونم حيث شئت”. والمعنى: أنك إذا قمت بما عليك لله من حقوق التقوى فلا تهتم بعد ذلك بمصالحك، فإن الله هو أعلم بها منك، وهو يوصلها إليك عَلَى أتم الوجوه من غير اهتمام منك بها. فهذا يدل عَلَى أنَّه على قدر اهتمام العبد بحقوق الله وبأداء حقوقه ومراعاة حقوقه ومراعاة حدوده، واعتنائه بذلك وحفظه له يكون اعتناؤه به وحفظه له، فمن كان غاية همه رضى الله عنه وطلب قربه ومعرفته ومحبته وخدمته، فإن الله يكون له عَلَى حسب ذلك كما قال تعالى {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40] بل هو سبحانه أكرم الأكرمين، فهو يجازي بالحسنة عشرًا ويزيد، ومن تقرَّب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا. ومن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة. فما يؤتى الإنسان إلا من قِبل نفسه ولا يصيبه المكروه إلا من تفريطه في حق ربه -عز وجل. كما -قال علي -رضي الله عنه-: لا يرجوَنَّ عبد إلا ربه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه. وقال بعضهم: من صَفَّى صُفِّي له، ومن خلَّطَ خُلِّطَ عليه. وقال مسروق: من راقب الله في خطرات قلبه، عصمه الله في حركات جوارحه. 

“احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك”. كذٰلك، إِنْ حَفِظْتَ أَوامِرَ الله، “تَجِدْهُ تُجَاهَك”، أَيْ أَمامَكَ بِالإِعانَةِ، وَكَلِمَة “تُجَاهَك” أَصْلُها “وُجاهَك” بالواو وَمَعْناها أَمامَكَ أَيْ جِهَةَ أَمامِك وَلَكِن لَمّا كانَتِ الجِهاتُ السِّتّ، جِهَةُ أَمام وَجِهَةُ خَلْف وَجِهَةُ يَمِين وَجِهَةُ شِمال وَجِهَةُ فَوْق وَجِهَةُ تَحت كُلُّها تَسْتَحِيلُ عَلى الله لأَنَّ اللهَ هو خالِقُ الجِهاتِ فَلا جِهَةَ لَه، لا يحويهِ جِهةٌ منها سبحانَه. لَمّا اسْتحالَت الجِهَةُ عَلَى الله، قالُوا إِذًا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: “تَجِدْهُ تُجَاهَك”، أَي أَمامَكَ بِالحِفْظِ وَالرِّعايَةِ، أَي اللهُ تعالى يَنْصُرُك وَيُؤَيِّدُك وَيَحْفَظُك وَيَدْفَعُ عَنْكَ أَنْواعَ الضُّرّ لأَنَّكَ حَفِظْتَ أَوامِرَ الله، طَبَّقْتَها عَلَى نَفْسِك. معناه أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه، وجد الله معه في جميع الأحوال، يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده، فإنَّه قائم عَلَى كل نفس بما كسبت، وهو تعالى مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. أَي مَعِيَّة الحِفْظِ وَالنُّصْرة، كتب بعض السَّلف إِلَى أخ له أما بعد؛ فإن كان الله معك فمن تخاف؟ وإن كان عليك فمن ترجو؟ والسلام. وهذه المعية الخاصة بالمتقين، غير المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] وقوله: {وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108] فإن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، كما قال تعالى لموسى وهارون: {لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]. وقوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]. وكان – صلى الله عليه وسلم – قد قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في تلك الحال: “ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ “. فهذا غير المعنى المذكور في قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ … } الآية [المجادلة: 7]. فإن ذلك عام لكل جماعة، ومن هذا المعنى الخاص الحديث القدسي وقوله فيه: “وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا”. إِلَى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الدالة عَلَى قرب الله سبحانه وتعالى قرب الحفظ والإنعام والإكرام ممن أطاعه واتقاه، وحفظ حدوده وراعاه.

 فمن حفظ الله وراعى حقوقه وجده أمامه وتجاهه عَلَى كل حال، فاستأنس به واستغن به عن خلقه. وفي الحديث: “أفضل الإيمان أن يعلم العبد أن الله معه حيث كان” خرجه الطبراني وغيره، والمعنى أنه من أفضل الأعمال. وكان بعض العُلَمَاء الربانيين كثير السفر وحده، فخرج الناس مرة معه يودعونه فردهم، وأنشد: 

إِذَا نَحْنُ أَدْلَجْنَا وَأَنْتَ أَمَامَنَا
كَفَى لِمَطَايَانَا بِذِكْرِكَ هَادِيًا

وقال ابن علان: أي: تجده معك بالحفظ والإحاطة والتأييد والإعانة حيثما كنت فتأنس به وتغنى به عن خلقه، فهو كالتأكيد لما قبله، وهو من المجاز البليغ لاستحالة الجهة التي هي مدلول «تجاه» عليه تعالى،: أي: تجده معك بالحفظ فهو نظير {إن الله مع المتقين} (التوبة: 36) ونحوه، إذ هي معية معنوية لا ظرفية، وخص الإمام من بين باقي الجهات الستّ بالذكر إشعارا بشرف المقصد وبأن الإنسان مسافر إلى الآخرة والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير، فكأنّ المعنى: تجده حيثما توجهت وتيممت من أمر الدنيا والآخرة.

نسأل الله أن يجعل توكلنا عليه واعتمادنا عليه وأن يثبتنا على طاعته والتسليم لأمره عز وجل، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

نكمل في شرح هذا الحديث العظيم النفع في  الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

الحمدُ للهِ مُعطِي الجزيلِ لمنْ أطاعهُ ورَجَاهُ، وشديدِ العقابِ لمـَن أعرَضَ عن ذكْرِهِ و عصاهُ، اجْتَبى من شاء بفضلِهِ فقرَّبَهُ وأدْناهُ، وأبْعَدَ مَنْ شاء بعَدْلِه فولَّاهُ ما تَولَّاهُ، أنْزَل القرءانَ رحمةً للعالمينَ ومَنَارًا للسّالِكين مَنْ تمسَّك به نال مُنَاهُ، ومنْ تعدّى حدودَهُ وأضاع حقُوقَه خسِر دينَهُ ودنياهُ، أحْمَدُهُ على ما تفضَّلَ به من الإِحسانِ وأعطاهُ، وأشْكرُهُ على نِعَمِهِ الدّينيةِ والدّنيويةِ وما أجْدَرَ الشّاكرَ بالمـَزِيدِ وأوْلاهُ، وأشهدُ أنْ لا إِلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له الكاملُ في صفاتِهِ المـُــتعالي عنِ النُّظَراءِ والأشْباهِ، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه الَّذِي اختاره على البشرِ واصْطفاهُ، صلَّى اللهُ عليه وعلى ءالِهِ وأصحابِهِ والتابعينَ لهم بإِحسانٍ ما انْشقَّ الصّبحُ وأشْرقَ ضِياهُ. أما بعد: 

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثَّالثُ: عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهمَا قَالَ: “كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يوْمًا فَقالَ: “يَا غُلامُ إِنِّي أُعلِّمكَ كَلِمَاتٍ: “احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، واعلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَو اجتَمعتْ عَلَى أَنْ ينْفعُوكَ بِشىْءٍ لَمْ يَنْفعُوكَ إِلَّا بِشَىْءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَىْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بَشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عليْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ”. رواهُ التِّرمذيُّ وقَالَ: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ. 

وفي رواية غيرِ التِّرْمِذيِّ: “احفظَ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ في الرَّخَاءِ يعرِفْكَ في الشِّدةِ، واعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَك، وَمَا أَصَابَكَ لمْ يَكُن لِيُخْطِئَكَ واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْب، وأَنَّ مَعَ الْعُسرِ يُسْرًا”. 

وصلنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ” إذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ” أَيْ خَيرُ وَأَوْلَى مَنْ تَسأَلُهُ هُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ وَاعْلَم أَنَّ السؤالَ مِنْ حَيْثُ الجُمْلَة يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْن: سُؤال، أَيْ طَلَب، لا يَنْبَغِي أَنْ نَسأَلَه وَلا أَنْ نَطْلُبَه إِلّا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلّ وسُؤال يَجُوزُ لَنا أَنْ نَطْلُبَهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلّ وَأَنْ نَطْلُبَهُ (أَنْ نَسْأَلَهُ) مِنَ المخْلُوق. أَمّا القِسمُ الأَوّل، فَهُوَ السؤالُ الذي لا يَنْبَغِي لِلواحِدِ مِنّا أَنْ يَسْأَلَهُ إِلّا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلّ كَسُؤالِ الهُدَى وكسؤال مغفرة الذنوب وَكَسُؤالِ الرِّزْق عَلَى الحَقِيقَة. فَإِنَّ الهُدَى هُدَى الله. لا يَسْتَطِيعُ الواحِدُ مِنّا أَنْ يَسْأَلَ الإِنْسانَ أَنْ يَخْلُقَ فِيهِ الاهْتِداء لأَنَّ خالِقَ الهُدَى هُوَ الله وَخالِقَ الاسْتِقامَةِ عَلَى الحَقّ هُوَ الله، وَخالِقَ التَّوْفِيق لأَداءِ الطاعَات وَاجْتِنابِ الْمُحَرَّمات هُوَ اللهُ. فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يسْأَلَ مَخْلُوقًا الهُدَى بِمَعْنَى خَلْقِ الاهْتِداء وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ مَخْلُوقًا الرِّزْقَ عَلَى الحَقِيقَة لأَنَّ الرَّازِقَ عَلَى الحَقِيقَةِ هُوَ الله. وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ مَخْلُوقًا التَّوْفِيقَ لأَداءِ الطّاعَات وَاجْتِنابِ الْمُحَرَّمات لأَنَّ الْمُوَفِّقَ لِذلك عَلَى الحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ. وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ إِنْسانٍ خَلْقَ نَفْعٍ أَوْ خَلْقَ دَفْعِ ضُرٍّ لأَنَّ الْضّارَّ وَالنّافِعَ عَلَى الحَقِيقَةِ  هُوَ اللهُ. وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ مَخْلُوقًا أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ذَنْبَه لأَنَّ مَغْفِرَةَ الذَّنْبِ لا تُطْلَبُ إِلّا مِنَ الله، قالَ الله تعالى ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة ءال عمران:135]  لا أَحَدَ يَهْدِي إِنْسانًا عَلَى مَعنَى خلق الاهْتِداء فِى قَلْبِهِ إِلّا الله وَلا أَحَدَ يَرْزُقُ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلّا الله وَلا أَحَدَ يَدْفَعُ ضُرًّا عَنْكَ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلّا الله وَلا أَحَدَ يَجْلِبُ لَكَ نَفْعًا عَلَى الحَقِيقَةِ إِلّا الله وَلا أَحَدَ يَغْفِرُ ذنْبَكَ إِلّا الله. فَإِذًا هُناكَ سُؤال لا يَجُوزُ لَنا أَنْ نَسَأَلَهُ أَوْ أَنْ نَطْلُبَهُ مِنْ غَيرِ الله كَمِثْلِ هٰذه الْمَذْكُورات التي ذَكَرْناها.

اللهُ تعالى هُوَ الذي يَدْفَعُ عَنْكَ الضُّرَّ عَلَى الحَقِيقَةِ. البَشَر أَسْباب. قَدْ يُعِينُكَ إِنْسان عَلَى دَفْعِ ضُرّ، لَكِنَّ هذا الإِنْسان، غايَةُ أَمْرِهِ أَنَّهُ سَبب فِي دَفْعِ الضُّر عَنك وغايَتُهُ أَنَّهُ سَبَب فِى جَلْبِ النَّفْعِ لَك. لٰكِن مَنِ الذي خَلَقَ انْدِفاعِ الضُّرِّ عَنْكَ عَلَى الحَقِيقَة؟؟ الله! وَالذي يَنْفَعُكَ عَلَى الحَقِيقَة هُوَ الله لأَنَّ اللهَ هوَ الْمُؤَثِّرُ الحَقِيقِيُّ فِى الكَوْنِ كُلِّهِ. هُوَ الفاعِلُ عَلَى الحَقِيقَة وَلا فاعِلَ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلّا هُوَ سُبْحانَه. البَشَرُ قَدْ يَنفَعُ بَعضُهُم بَعْضًا عَلَى مَعْنَى الأَخْذِ بِالأَسباب وقَدْ يَضُرُّ بَعْضُهُم بَعْضًا عَلَى وَجْهِ الأَخْذِ بِالأَسْباب وَقَدْ يُعْطِيكَ إِنْسانٌ مالًا تَنْتَفِعُ بِهِ وَهُوَ رِزْق لكِنَّ إِعْطاءَ هٰذا الإِنْسانِ لَكَ هٰذا المال إِنَّما غايَةُ أَمْرِهِ أَنَّهُ سبب فِى أَنْ ساقَ اللهُ تعالى لكَ الرِّزق وَمَنْ رَزَقَكَ على الحَقِيقَةِ إِنَّما هُوَ الله وهٰذا الإِنسان الذي أَعْطاكَ المال سَبَب. أَنْتَ إِذا أَخْطَأْتَ مَعَ إِنْسان، ءاذَيْتَ إِنْسانًا ثُمَّ جِئْتَ إِلَيْهِ تَسْتَسْمِحُه، تَقُولُ لَهُ: سامِحْنِي، اغْفِر لِي، عَلَى مَعْنَى سامِحْنِي، مِن غَيرِ أَنْ تُضِيفَ عَلَيْها كَلِمَةَ “ذَنْبِي”، لا مانِعَ مِنْ ذٰلِك. أَمّا مَغْفِرَةُ الذَّنْب، أَنْ تَقُولَ: يا رَبِّي اغْفِر لِي ذَنْبِي، هٰذا لا يُطْلبُ إِلّا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلّ. غافِرُ الذَّنب اسْمٌ مِنْ أَسْماءِ اللهِ الخاصَّةِ بِهِ، لا تَطْلَقُ عَلَى غَيرِهِ. وَطَلَبُ مَغْفِرَةِ الذَّنْب لا يَكُونُ إِلّا مِنَ الله. إِذًا، اللهُ تعالى هوَ الْمُؤَثِّرُ الحَقِيقِيُّ فِى هٰذا الكَوْنِ. قالَ تعالى ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة يونس:107] لا أَحَدَ يَكْشِفُ عَنْكَ هٰذا الضُّرّ عَلَى الحَقيقَة غَيرُ الله. ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ إِنْ أَرادَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ لكَ أَنْ يُصِيبَك خَيرٌ ما، فَلا يستَطِيعُ أَحَدٌ يقدر على أَنْ يدْفَعَ وُصُولَ هٰذا النَّفْعِ لكَ.

فَقَوْلُهُ ﷺ: “إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ” لَيسَ مَعْناهُ لا تَسْأل غَيرَ الله! أَوْ لا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَسْألَ غَيرَ الله! هُناكَ أَشْياء لا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَطْلُبَها إِلّا مِنَ الله. ذَكَرنا أَمْثِلَةً لِهذا، وَهُناكَ أَشياء يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَطْلُبَها مِنَ اللهِ وَأَنْ تَسأَلَها الله يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَسْأَلَها أَخاك، صاحِبَك، صَدِيقَك، وَلَدَك، كأَنْ تسأَلَ شخْصًا مَثلًا: أَسأَلُك أَنْ تُعِيننِي لِحَمْلِ أَغْراضِي، فَلا مانِع مِنْ هٰذا السؤال، أَوْ أَنْ تسأَل شخصًا: أَسأَلُك أَنْ تُعِيننِي بِأَمْرِ الزِّراعَة، بِأَمْرِ خِياطَةِ الثَّوْب، إِلَى غَيرِ ذلِكَ مِنَ الأُمُور الكَثِيرَة التي يَتَعاطَى الناسُ فِيما بَيْنَهُم فيها عَلَى وَجْهِ السَّبَبِيَّة. هذا يُعِينُ هٰذا وهذا يُعِينُ هذا. نَزَلَت بِكَ مُصِيبَة فَطَلَبْتَ العَوْنَ وَسَأَلْتَهُ مِنْ أخِيك، أَنْ يُعْطِيَكَ مالًا لأَنَّكَ فِى ضائِقَة وَفى شِدَّة وَوَصَلْتَ إِلَى حالِ ضَرُورَة. سَأَلْتَهُ أَنْ يُعِينك بِما أَعْطاك اللهُ مِنْ مال فَلا مانِعَ مِنْ ذلك. هذا سُؤال لِمَخْلُوق لكِنَّهُ جائِز. وَأَمْرُ المعِيشَة قائِمٌ عَلَى الأَخْذِ بِالأَسْباب. صَلاحُ مَعِيشَةِ البَشَر قائِمٌ عَلَى إِعانَةِ فُلانٍ لِفُلان وَمُساعَدَةِ فُلانٍ لِفُلان وَتَفْرِيجِ فُلانٍ كُرْبَةَ فُلان بِما يَمُدُّهُ مِنَ العَوْنِ وَيَكُونُ سبَبًا فِى دَفْعِ هذا الضَّرَرِ عَنْهُ. إِذا مَرِضْتَ تَأْخُذُ الدَّواء. أَخْذُكَ للدَّواء يكون سَببًا مِنْ أَسْبابِ الشِّفاء وَلا يَتَعارَضُ هذا وَلا يَتَناقَضُ مَعَ اعْتِقادِكَ أَيُّها المسْلِم أَنّ اللهَ تعالى هُوَ الشّافِي الْمُعافِي عَلَى الحَقيقَة. أَلَيسَ الواحِدُ مِنّا يَعْتَقِد جَزْمًا أَنَّ اللهَ هُوَ الذي يَشْفِي عَلَى الحَقِيقَة؟ بَلَى! نَأْخُذُ الدَّواء لأَنَّ ذلِكَ لا يَتَعارَض وَلا يَتَنافَى مَع اعْتِقادِ المسْلِم أَنَّ اللهَ تعالى هُوَ الشّافِي الْمُعافِي عَلَى الحَقيقَة وَغايةُ أَمرِكَ حِينَ تَأْخُذُ الدّواء أَنَّ أَخْذَكَ للدَّواء سَبب مِنْ أَسْبابِ الشِّفاء وَالأَخْذُ بالأَسْبابِ لا يَتَعارَضُ وَلا يَتناقَضُ مَع التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلّ أَوِ اعْتِقادِ تَأْثِيرِهِ عَلى الحقِيقَةِ فِى الكَون أَو اعتِقادِ فاعلِيَّتِهِ وَخالِقِيَّتِهِ سبْحانَهُ عَلَى الحقيقة. إِن جعت تأْكُل أَوْ إِنْ عطِشْتَ تَشْرَب لأَنَّ شُرْبَ الماءِ وأَكْلَ الطَّعام سبب لِدَفْعِ الجوع والعَطَش عَنْك. فَإِذًا هٰذه أَسباب لا مانِعَ أَنْ يسْأَلَها المخْلوقُ للمَخْلُووق. وَلا يَتَعارَضُ هٰذا مَعَ حَدِيثِهِ عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسلام: “إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ” أَيِ الأَوْلَى أَنْ تَسْألَ الله وليسَ مَعناهُ أَنَّكَ إِنْ سَأَلْتَ مَخْلُوقًا أَنْ يَكُونَ سبَبًا لَك فِى جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرّ أَنَّهُ يَكُونَ حَرامًا مُمْتَنِعًا لأَنَّ اللهَ تعالى عَلَّمَنا أَنَّ ذِكْرَهُ سبْحانَهُ سَببٌ لِعُلُوِّ شَأْنِ الإِنْسانِ عِنْدَ اللهِ وَلِتَفْريجِ كَرْبِهِ وَلِذَهابِ الهَمِّ وَالغَمّ عَنْ صَدْرِهِ. الذِّكر إِذًا سَبب مِن أَسْبابِ جَلْبِ الطُّمَأْنِينَة فى لقَلبِ وَالبال ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد:28] وَفِى القُرْءانِ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة:152] مَعناهُ إِنْ ذَكَرْتُمُ اللهَ، يَكُونُ ذلِكَ سببًا فِى رِفْعَةِ شَأْنِكُم عِنْدَ الله. إِنْ ذَكَرْتُمُ الله، تَنْجَلِي هُمُومُكُم وَتَنْدَفِعُ كُرُباتُكُم عَنْ قُلوبِكُم وَتَطْمَئِنُّ بِهِ صُدُورُكُم. فالذِّكْرُ سبب وَهذا سببٌ حَسَن لا مانِعَ أَنْ يُطَبِّقَهُ الواحِدُ مِنّا على نَفْسِهِ. إِذا وَقَعْتَ فِى هَمِّ أَوْ غَمّ، ورَدَ فِى الصَّحيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: “دعْوَة ذِي النُّون أَي يونُسَ عَلَيْهِ السلام حِينَ ابْتَلَعَهُ الحُوت: لا إلٰهَ إِلّا أَنْتَ سُبْحانَك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِين، ما دَعَا بِها مَهْمُومٌ أَوْ مَغْمُوم إِلّا اسْتَجابَ اللهُ لَه” وَفى رِوايَة عِنْدَ الحاكِم أَنَّ المهْموم أَوِ المغْموم أَوِ المكْرُوب إِذا دَعَا بِدعوةِ نَبِيِّ اللهِ يُونُسَ عَلَيْهِ السلام أَرْبَعِينَ مَرَّة، فَرَّجَ اللهُ تعالَى عَنْهُ هَمَّه وَإِنْ ماتَ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ هَمِّهِ، كانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيد وَإِنْ بَرأ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ هَمِّهِ، بَرَأَ أَيْ شُفِيَ وَلَهُ أَجْرُ شَهِيد. إِذًا هذا سبب مِنْ أَسباب تَفرِيج الهَمّ وانْدِفاعِ الضُّرّ. وَكذلِكَ المسلِمُ للمُسْلِم، قَدْ يُفَرِّجُ عَنْهُ كَرْبَهُ بِكَلِمَة طَيِّبَة! فَالأَخْذُ بِالأَسْبابِ سَواءٌ كانَ أَخْذُ الدّواء أَو كَلِمَة طَيِّبَة أَوْ أَنْ تُعِينَ أَخاكَ بِحَمْلِ مَتاعِهِ، شَىءٌ لا يَتَعارَضُ مَعَ اعْتِقادِ المسْلِم أَنَّ اللهَ تعالى هُوَ المؤَثِّرُ الحَقِيقِيُّ فِى هذا الكَوْن. وَمِنْ أَسْبابِ تَيْسِيرِ الأُمُور وَتَفْرِيجِ الكُرُبات وَقَضاءِ الحاجات، كَما نَصَّ عَلَى هٰذا الحافِظُ النوويُّ فِى شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسلِم: قَصْدُ قُبُورِ الأَنْبياءِ وَالأَوْلِياء وَالتَّوَسُّلُ بِهِم، لأَنَّ التَّوَسُّلَ بِهِم إِلَى اللهِ هُوَ سبب مِنْ أَسْبابِ تَحْقِيقِ الْمُراد وتَفْرِيجِ الكُرُبات وتَحْصِيلِ الْمَنافِع، وَقَصْدُ قُبُورِ الأَنْبياءِ وَالأَوْلِياء لِسُؤالِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ عِنْدَ هذه الْمَواضِع المبارَكَة، غايَةُ أَمْرِهِ أَنَّهُ سببٌ مِنْ أَسْبابِ جَلْبِ النَّفع وانْدِفاعِ الضُّرّ والخالِقُ لِهذا كُلِّهِ إِنَّما هُوَ اللهُ تعالى. اللهُ تَعالى هُوَ الذي يَخْلُقُ لَكَ النَّفْع وَهُوَ الذي يَدْفَعُ عَنْكَ الضُّرَّ عَلَى الحَقِيقَة لَكِنَّ قَصْدَ قُبُورِ الأَنبياءِ وَالأَوْلِياء أَوِ التَّوَسُّلَ بِهِم إِلَى اللهِ هُوَ سببٌ مِنْ أَسْبابِ جَلْب النَّفع وانْدِفاعِ الْمَضارِّ، فَما مِنْ مُسْلِمٍ يَعْتَقِدُ أَنَّ النبيَّ يَخْلُقُ شيئًا وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ النبيَّ أَوِ الوَلِيَّ يَخْلُقُ شيئًا فَلا يَكُونُ مُسْلِما. الذي يَخْلُقُ هُوَ اللهُ تعالى وَلَكِنَّ الأَخذَ بِالأَسْبابِ عَلَيْهِ مَدارُ الناس وَصَلاحُ حَياتِهِم. فالتَّوَسُّلَ بِالأَنبياءِ لِجَلبِ مَنفَعَة أَوْ دَفْعِ مَضَرَّة إِنَّما هُوَ فِي الحَقيقةِ طَلبٌ مِنَ الله بِما لِهذا النبيِّ أَوْ بِما لِهذا الوَلِيِّ مِنْ جاهٍ عِنْدَ الله وَأَنبياءُ اللهِ لَهُم جاه، لهم شَرف، لَهُم قَدْر، لهم عُلُوُّ مَنزِلَة عِندَهُ سُبْحانَه! قالَ تعالى فِى حَقِّ سيدِنا مُوسى عَليهِ السّلام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [سورة الأحزاب:69] يَعنِى ذا جاه، ذا شَرَف.

أَضْرِبُ لَكُم مِثالًا مِنَ القُرءانِ عَلَى هذه المسأَلة، حِينَ جاءَ جِبريلُ عَلَيهِ السلام لِمريَمَ عَليْها السلام وَنَفَخَ فِى جَيبِ دِرْعِها. مريمُ فِى بادِئِ الأَمْر خافَت مِنْهُ. ظَنَّتْهُ إِنْسانًا يُرِيدُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَها بِسُوء! فَأَرادَ جِبريلُ عَلَيْه السّلام أَنْ يَطَمْئِنُها أَنَّهُ لا يُرِيدُ بِها الأَذِيَّةَ فقالَ لَها ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾[سورة مريم:19] كُلُّ المسلِمين يَعتَقِدُونَ فِى قُلُوبِهِم جَزْمًا أَنَّ الواهِبَ عَلى الحقيقَة هُو الله لا جِبريل. الواهِبُ عَلى الحقيقَة وَالْمُعْطِي عَلى الحقيقَة وَالْمانِعُ عَلى الحقيقَة وَالضارُّ عَلى الحقيقَة وَالنّافِعُ عَلى الحقيقَة هُو الله، فَكَيفَ قالَ جِبريلُ كَما فِى كِتاب الله القُرءان ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ وَاللهُ هُوَ الواهِبُ الحَقِيقِيُّ؟ قالَ عُلَماءُ التَّفْسِير: أَيْ لأَكُونَ سَببًا بِأَنْ يَهَبَ اللهُ وهو الواهِبُ الحَقيقيُّ لَكِ عِيسى، أَمّا أَنا فَسَبب. فَإِذًا الأَخذُ بِالأَسباب لا يتنافى مَعَ اعْتِقادِنا خالِقِيَّةَ اللهِ لِكُلِّ شىء وتَأْثِيرَ اللهِ التَّأْثِيرَ الحَقيقيَّ فى كُلِّ شىء. البَعضُ يُحَرِّمُونَ الأَخْذَ بالأَسْباب. يَقُولون: “إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ” وَيُحَرِّمُونَ عَلَى النّاس أَنْ يَأْخُذُوا بِأَسْبابِ جَلْبِ النَّفْع وَدَفْعِ الضُّرّ وَالأَخْذُ بِالأَسْباب شىءٌ لا بَأْسَ بِهِ! شىءٌ لا يَتَنافَى مَعَ كَمالِ التَّوَكُّلِ عَلَى الله. 

وفي “الترمذي” عن ابن مسعود مرفوعًا: “سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يُسأل”. وفيه أيضا: “إن الله يحب الملحين في الدعاء”. وفي حديث آخر: “ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع”. سئل يوسف بن الحسين ما بال المحبين يتلذذون بذلهم في المحبة؟ فأنشد:

ذل الفتى في الحب مكرمة
وخضوعه لحبيبه شرف

وهذا الذل وهذه المحبة لا تصلح إلا لله وحده وهذا هو حقيقة العبادة التي يختص بها الإله الحق. كان الإمام أحمد رحمه الله يقول في دعائه: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك. وقال أبو الخير الأقطع: كنت بمكة سنة فأصابتني فاقة وضر، فكنت كلما أردت أن أخرج إِلَى المسألة هتف بي هاتف يقول: الوجه الَّذِي يسجد لي تبذله لغيري؟ وفي هذا المعنى يقول بعضهم: 

ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله
بدلًا وإن نال الغنى بسؤال

وإذا السؤال مع النوال وزنته
رجح السؤال وخف كل نوال

فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا
فابذله للمتكرم المفضال

ولهذا المعنى كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس عَلَى وجهه مزعة لحم، كما ثبت ذلك في “الصحيحين” لأنّه أذهب عز وجهه وصيانته وماءه في الدُّنْيَا، فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه الحسي فيصير عظمًا بغير لحم ويذهب جماله وبهاؤه المعنوي، فلا يبقى له عند الله وجاهة. فكيف يسأل الفقير العاجز ويترك الغني القادر؟ إن هذا لأعجب العجب! قال بعض السَّلف: إني لأستحي من الله أن أسأله الدُّنْيَا وهو يملكها فكيف أسألها من لا يملكها؟! يعني: المخلوق. وحصل لبعض السَّلف ضيق في معيشته حتى هم أن يطلب من بعض إخوانه، فرأى في منامه قائلا يقول: 

أيحسن بالحرِّ المريد
إذا وجد عند الله ما يريد

أن يميل بقلبه إِلَى العبيد 

فاستيقظ وهو من أغنى الناس قلبًا. 

وقال بعض السَّلف: قرأت في بعض الكتب المنزلة: “يقول الله عز وجل: أَيُؤَمَّلُ غَيْرِي لِلشَّدَائِدِ؟! وَالشَّدَائِدُ بِيَدِي وَأَنَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ, وَيُرْجَى غَيْرِي وَيُطْرَقُ بَابُهُ بِالْبُكْرَاتِ؟! وَبِيَدِي مَفَاتِيحُ الْخَزَائِنِ، وَبَابِي مَفْتُوحٌ لِمَنْ دَعَانِي, مَنْ ذَا الَّذِي أَمَّلَنِي لِنَائِبَةٍ فَقَطَعْتُ بِهِ أَوْ مَنْ ذَا الَّذِي رَجَانِي لِعِظَمٍ فَقَطَعْتُ رَجَاءِهِ, وَمَنْ ذَا الَّذِي طَرَقَ بَابِي فَلَمْ أَفْتَحْهُ لَهُ؟ أَنَا غَايَةُ الْآمَالِ، فَكَيْفَ تَنْقَطِعُ الْآمَالُ دُونِي؟! أَبَخِيلٌ أَنَا؟ فَيُبَخِّلُنِي عَبْدِي! أَلَيْسَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَالْكَرْمُ وَالْفَضْلُ كُلُّهُ لِي؟! فَمَا يَمْنَعُ الْمُؤَمِّلِينَ أَنْ يُؤَمِّلُونِي, لَوْ جَمَعْتُ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ أَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَعْطَيْتُ الْجَمِيعَ وَبَلَّغْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَمَلَهُ، لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي عُضْوَ ذَرَّةٍ. وكيف ينقص ملك أنا مالكه؟؟ فيا بؤسًا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسا لمن عصاني وتوثّب عَلَى محارمي”.

ومنها: أن الله يحب أن يسأل، ويريد من عباده أن يرغبوا إِلَيْهِ ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إِلَيْهِ، ويحب الملحين في الدعاء. والمخلوق غالبًا يكره أن يُسأل لفقره وعجزه. قال ابن السَّمَّاك: لا تسأل من يفر منك من أن تسأله، واسأل من أمرك أن تسأله. وقال أبو العتاهية: 

الله يَغضبُ إنْ تَرَكتَ سُؤالهُ
وبُنيَّ آدَمَ حِينَ يُسألُ يَغضبُ

فاجعل سؤالك للإله فإنما
في فضل نعمة ربنا نتقلب

كان يحيى بن معاذ يقول: يا من يغضب عَلَى من لا يسأله لا تمنع من قد سألك. 

وأنشد بعض الأعراب:

أيا مالك لا تسأل الناس والتمس
يكفيك فضل الله فالله أوسع

ولو يسأل الناس التراب لأوشكوا
إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا

ولا تنسوا أن الله -تعالى- يرسل الملك فينادي عباده لسؤاله، وينادي الملك مبلغا عن الله تعالى كل ليلة: هل من سائل فأعطيه سؤاله؟ هل من داع فأستجيب له؟ “. وقد قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]. فأي وقت دعاه العبد وجده سميعًا قريبًا مجيبًا ليس بينه وبينه حجاب ولا بواب، وأما المخلوق فإنَّه يمتنع بالحجاب والأبواب، ويعسر الوصول إِلَيْهِ في أغلب الأوقات. قال طاوس لعطاء: إياك أن تطلب حوائجك إِلَى من أغلق دونك بابه ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إِلَى يوم القيامة، أمرك أن تسأله ووعدك أن يجيبك. وقال وهب بن منبه لبعض العُلَمَاء: ألم أخبر أنك تأتي الملوك وأبناء الملوك تحمل إليهم علمك؟! ويحك تأتي من يغلق عليك بابه، ويظهر لك فقره ويواري عنك غناه! وتَدَعُ من يفتح لك بابه بنصف الليل وبنصف النهار ويظهر لك غناه؟ ويقول: ادعني استجب لك؟!. ورأى ميمون بن مهران الناس مجتمعين عَلَى باب بعض الأمراء فَقَالَ: من كانت له حاجة إِلَى سلطان فحجبه فإن بيوت الرحمن مُفتحة، فليأت مسجدًا فليصل ركعتين ثم ليسأل حاجته. وكان بكر المزني يقول: من مثلك يا ابن آدم؟! متى شئت تطهرت ثم ناجيت ربك ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان. وسأل رجل بعض الصالحين أن يشفع له في حاجة إِلَى بعض المخلوقين، فَقَالَ له: أنا لا أترك بابًا مفتوحًا، وأذهب إِلَى باب مغلق. وفي هذا المعنى يقول بعضهم: قل للذين تحصنوا عن سائل
بمنازل من دونها حجّاب

إن حال دون لقائكم بوابكم
فالله ليس لبابه بوّاب

ولبعض العُلَمَاء:

لا تجلس بباب من
يأبى عليك دخول داره

وتقول حاجتي إِلَيْهِ
يعوقها إن لم أداره

واتركه واقصد ربها
تقضى ورب الدار كاره

وخرَّج ابن أبي الدُّنْيَا من حديثِ أبي عبَيدةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ “أنَّ رجلا جاءَ إلى النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – فقالَ يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ بَني فُلانٍ أغاروا عليَّ فذهبُوا بابنِي وإبلِي. فقالَ له النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: إنَّ آلَ محمَّدٍ كذا وكذا أهلَ بيتٍ ما لهُم مدٌّ منْ طعامٍ أو صاعٍ، فاسألِ اللَّهَ عزَّ وجلَّ. فرجعَ إلى امرأتهِ، فقالت: ما قالَ لكَ؟ فأخبرَهَا، فقالتْ: نِعْمَ ما رَدَّ عليكَ. فما لبثَ أن ردَّ اللَّهُ عليه ابنَه وإبلَهُ أوفرَ ما كانتْ. فأتى النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – فأخبرَهُ فصعدَ المنبرَ فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ، وأمرَ الناسَ بمسألةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ والرغبة إليهِ، وقرأَ عليهِمْ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3]. وسأل رجل ثابتًا البناني أن يشفع له إِلَى قاض في قضاء حاجة له، فقام ثابت معه، فكان كلما مر بمسجد في طريقه دخل فصلى فيه ودعا، فما وصل إِلَى مجلس القاضي إلا وقد قام منه، فعاتبه طالب الحاجة في ذلك فَقَالَ: ما كنت إلا في حاجتك. فقضى الله حاجته، ولم يحتج إِلَى القاضي. وكان إِسْحَاقُ بْنُ عَبَّادٍ الْبَصْرِيُّ نَائِمًا، فَرَأَى فِي مَنَامِه قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: أَغِثِ الْمَلْهُوفَ. فاسْتَيْقَظَ فَسَأَلَ: هَلْ فِي جِيرَانِهِ مُحْتَاجٌ؟ قَالُوا: مَا نَدْرِي؟ ثُمَّ نَامُ فَأَتَاهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَقَالَ لَهُ: أَتَنَامُ وَلَمْ تُغِثِ الْمَلْهُوفَ؟ فَقَامَ وَأَخَذَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةَ دِرْهَمٍ، وَرَكِبَ بَغْلَته فخرج إِلَى البَصْرَةِ حَتَّى وَقَفَ بِهِ عَلَى بَابِ مَسْجِد يُصَلَّى فِيهِ عَلَى الْجَنَائِزِ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي فَلَمَّا أحَسَّ بِهِ انْصَرَفَ فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؟! مَا أَخْرَجَتْكَ؟ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ كَانَ رَأْسُ مَالِي مِائَةَ دِرْهَمٍ فَذَهَبَتْ مِنْ يَدَيَّ وَلَزِمَنِي دَيْن هو مِائَتَا دِرْهَمٍ. فَأَخْرَجَ لَهُ الدَّرَاهِمَ وَقَالَ: هَذِهِ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ خُذْهَا. فَأَخَذَهَا ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ لَهُ: أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبَّادٍ، فَإِنْ نَابَتْكَ نَائِبَةٌ فَأْتِنِي فَإِنَّ مَنْزِلِي فِي مَوْضِعِ كَذَا. فَقَالَ لَهُ: رَحِمَكَ اللهُ إِنْ نَابَتْنَا نَائِبَةٌ فَزِعْنَا إِلَى مَنْ أَخْرَجَكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ حَتَّى جَاءَ بِكَ إِلَيْنَا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أصبحنا ذات يوم فقالت أمي لأبي: والله ما في بيتك شيء يأكله ذو كبد. فقام فتوضأ ولبس ثيابه ثم صلّى في بيته، قال: فالتفتت إليّ أمي، فقالت: إن أباك ليس يزيد عَلَى ما ترى، فاخرج أنت. فخرجت، فخطر ببالي صديق لنا تمّار فجئت إِلَى سوقه، فلما رآني صاح بي وذهب بي إِلَى منزله وأطعمني، ثم أخرج لي صرة فيها ثلاثون دينارًا من غير أن أذكر له شيئًا من حالنا إلا ابتداء منه. وقال: اقرأ عَلَى أبيك السلام، وقل له: إنا جعلنا له شركًا في كل شيء من متجرنا وهذا نصيبه منه. وعن شقيق البلخي قال: كنت في بيتي قاعدًا فَقَالَ لي أهلي: ترى ما بهؤلاء الأطفال من الجوع، ولا يحل لك أن تجمل عليهم ما لا طاقة لهم به؟ قال: فتوضأت، وكان لي صديق لا يزال يقسم عَلَيَّ بالله إن يكن لي حاجة أن أعلمه بها ولا أكتمها عنه فخطر ذكره ببالي، فلما خرجت من المنزل مررت بالمسجد فذكر ما رُوي عن أبي جعفر قال: من عرض له حاجة إِلَى مخلوق فليبدأ فيها بالله عز وجل. فدخلت المسجد وصليت ركعتين، فلما كنت في التشهد أفرغ عَلَيَّ النوم، فرأيت في منامي أنَّه قيل: يا شقيق، أتدل العباد عَلَى الله ثم تنساه! فاستيقظت وعلمت أن ذلك تنبيه نبهني به ربي، فلم أخرج من المسجد حتى صليت العشاء الآخرة ثم انصرفت إِلَى المنزل، فوجدت الَّذِي أردت أن أقصده قد حركه الله وأجرى لأهلي عَلَى يديه ما أغناهم. وعن إبراهيم بن أدهم أنَّه خرج إِلَى الغزو مع أصحابه، وأنهم تناهدوا فوضع كل واحد منهم دينارًا، ففكر فيمن يقصد من إخوانه ويستقرض منه ثم استفاق فبكى وقال: واسوءتاه أطلب من العبيد، وأترك مولاهم فيقول لي: من كان أحق أن تطلب منه: أنا أو عبدي؟ فتوضأ وصلى ركعتين وخرّ ساجدًا، وقال: يا رب، قد عَلِمْتَ ما كان مني وذلك بخطئي وجهلي فإن عاقبتني عليه فأنا أهل لذلك، وإن عفوت عني فأنت أهل لذلك وقد عرفت حاجتي فاقضها برحمتك. ثم رفع رأسه فإذا هو بنحو أربعمائة دينار فتناول منها دينارًا واحدًا وذهب. وعن أصبغ بن زيد قال: مكثت أنا ومن عندي ثلاثًا لم نطعم شيئًا، فخرجت إِلَيَّ ابنتي الصغيرة وقالت: يا أبتِ، الجوع! فأتيت الميضأة فتوضأت وصليت ركعتين وألهمتُ دعاء دعوت به وفي آخره: “اللهم افتح عَلَيّ منك رزقًا لا تجعل لأحد عليّ فيه منة، ولا لك علي في الآخرة فيه تبعة، برحمتك يا أرحم الراحمين”. ثم انصرفت إِلَى البيت فإذا بابنتي الكبيرة قد قامت إِلَيّ وقالت: يا أبتِ جاء عمي الساعة بهذه الصرة من الدراهم وحمَّال عليه دقيق، وحمَّال عليه من كل شيء في السوق، وقال: أقرئوا أخي السلام، وقولوا له: إذا احتجت إِلَى شيء فادع بهذا الدعاء تأتك حاجتك. قال أصبغ: والله ما كان لي أخ قط ولا أعرف من كان هذا القائل، ولكن الله عَلَى كل شيء قدير!. 

نسأل الله تعالى أن يغنينا بالافتقار إليه سبحانه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

نكمل في شرح هذا الحديث الشريف الحلقة القادمة بإذن الله تعالى. 

الحمد لله الذي يمحو الزلل ويصفح، ويغفر الذنب ويسمح، كل من لاذ به أنجح، وكل من عامله يربح، تشبيهه بخلقه قبيح وجحده أقبح، رفع السماء بغير عمد فتأمل والمح، وأنزل القطر فإذا الزرع في الماء يسبح، والمواشي بعد الجدب في الخصب تسرح، أغنى وأفقر والفقر في الأغلب أصلح، كم من غني طرحه البطر والأشَرُ أسوأ مطرح، هذا قارون ملك الكثير وبالقليل لم يسمح، نبه فلم يزل نومه، وليم فلم ينفع لومه “إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ” أحمده تعالى ما أمسى المساء وما أصبح، وأصلي وأسلم على رسوله محمد الذي أُنزل عليه “أَلَمْ نَشْرَحْ” وعلى أبي بكر صاحبه في الدار والغار لم يبرح، وعلى عمر الذي لم يزل في إعزاز الدين يكدح، وعلى عثمان ولا أذكر ما جرى ولا أشرح، وعلى علي الذي حارب من كان في الدين يقدح. أما بعد: 

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثَّالثُ: عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهمَا قَالَ: “كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يوْمًا فَقالَ: “يَا غُلامُ إِنِّي أُعلِّمكَ كَلِمَاتٍ: “احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، واعلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَو اجتَمعتْ عَلَى أَنْ ينْفعُوكَ بِشىْءٍ لَمْ يَنْفعُوكَ إِلَّا بِشَىْءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَىْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بَشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عليْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ”. رواهُ التِّرمذيُّ وقَالَ: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ. 

وفي رواية غيرِ التِّرْمِذيِّ: “احفظَ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ في الرَّخَاءِ يعرِفْكَ في الشِّدةِ، واعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَك، وَمَا أَصَابَكَ لمْ يَكُن لِيُخْطِئَكَ واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْب، وأَنَّ مَعَ الْعُسرِ يُسْرًا”. 

وصلنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: “وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ”، اللهُ تعالى هُوَ الذي يَخْلُقُ لَكَ العَوْن عَلَى الحَقيقَة وَهذا لا يَمنع أَنْ تَسْتَعِينَ بِأَخِيك، كأَنِ انْقَطَعت سيارتك، لا بَأْسَ أَنْ تَسْتَعِينَ بشخص عِنْدَهُ عِلْم بالسيارات. طلب العون بينَ الناس لا يمنعه شَرعٌ وَلا عَقلٌ قالَ تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة:2]،وَقالَ : “واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العبدُ في عَوْنِ أَخِيهِ”  وَأَمّا الاسْتِعانَة الخاصّة بِمَعْنَى خَلقِ العَوْن للعَبْد، هذا لا نَطْلُبُهُ إِلّا مِنَ الله! وَهُوَ المرادُ بِقَوْلِ اللهِ عَزّ وَجَلَّ فِى سُورَةِ الفاتِحَة ﴿وَإِيّاكَ نَسْتَعِين﴾ أَي نَسْتَعِينُ بِكَ يا رَبَّنا الاسْتِعانَةَ الخاصّة، أَيْ يَخْلُقَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ لَكَ العَوْن. 

وليس معنى قوله صلى الله عليه وسلم إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ: أنه لا يتوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين، لا ، بل إنه ثبت في العقل والنقل جواز ذلك من باب الأخذ بالأسباب والأخذ بالأسباب مع اعتقاد أن الله خالق كل شيء لا يعارض الدين ولا يقدح في التوحيد وهو أمر جائز مجمع على جوازه، قال الفقيه المجتهد عليّ السبكي في كتابه شفاء السقام: « اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى، وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسِيَرِ السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين ولم ينكر أحدٌ ذلك » أي من العلماء المعتبرين. اهـ التوسل هو طلب حصول منفعة أو اندفاع مضرة من الله بذكر اسم نبي أو ولي إكرامًا للمُتوَسَّل به. الطلب من الله لأن الأنبياء والأولياء لا يخلقون مضرة ولا منفعة ولكن نحن نسأل الله بهم رجاء تحقيق مطالبنا فنقول: اللهمّ إني أسألك بجاه رسول الله أو بحرمة رسول الله أن تقضي حاجتي وتفرّج كربي، فالتوسّل بالأنبياء والأولياء جائز في حال حضرتهم وفي حال غيبتهم، ومناداتهم جائزة في حال غيبتهم وفي حال حضرتهم كما دلّت على ذلك الأدلّة الشرعية. فرسول الله صلى الله عليه وسلم علّم الأعمى أن يتوسّل به فتوسل الأعمى الضرير برسول الله، توسّل بحبيب الله، توسّل بأفضل خلق الله فردّ الله تعالى إليه بصره. فلقد علّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: اللهمّ إني أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبي الرحمة يا محمّد إني أتوجّه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي. ثم هذا الأعمى لم يكن حاضرًا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل أن راوي الحديث عثمان بن حنيف قال لَمّا روى حديث الأعمى: فوالله ما تفرّقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجل وقد أبصر.اهـ فمن قوله: “حتى دخل علينا” علمنا أن هذا الرجل لم يكن حاضرًا في المجلس حين توسّل برسول الله صلى الله عليه وسلم . الحديث رواه جمع من الحفاظ كالحافظ الطبراني وصححه، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: “وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمّان عن مالك الدار قال أصاب الناس قحطٌ (أي مجاعة) في زمن عمر (أي في خلافته) فجاء رجل (من الصحابة) إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسقِ لأمتك فإنهم قد هلكوا، (معناه اطلب من الله المطر لأمتك) فأتى الرجل في المنام فقيل له إيتِ عمر فاقرئه مني السلام وأخبره أنهم يسقون (أي سيأتيكم المطر) وقل له عليك الكيس الكيس (أي اجتهد في أمر الأمّة) فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: يا ربّ ما ءالوا إلا ما عجزت” أي لا أقصّر مع الاستطاعة أي سأسعى ما في وسعي لخدمة الأمّة. وهذا الرجل هو بلال بن الحارث المزني الصحابي قصد قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم للتبَرّك وقال « يا رسول الله استسقِ لأمّتك فإنهم قد هلكوا » فلم ينكر عليه عمر ولا غيره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من قال إذا خرج إلى المسجد: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك (أي بجاه) وبحق ممشاي هذا، فاني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أقبل الله عليه بوجهه (أي يرضى الله عنه) واستغفر له سبعون ألف ملك ». رواه ابن ماجه وأحمد والطبراني والبيهقي. وأخرج البزار من حديث عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن لله ملائكة سياحين في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله ». وقد ألف علماء الإسلام الكتب في الاستشفاع والتوسل نذكر منها: 1- كتاب الوفاء في فضائل المصطفى لابن الجوزي، أفرد بابا حول التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبابا للاستشفاء بقبره الشريف. 2- شفاء السقام لتقي الدين السبكي حيث تعرض لمسألة التوسل بشكل تحليلي معتبر. 3- مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام لمحمد بن نعمان المالكي وغيرهم كثير. روى البخاري في الأدب المفرد ما نصه: حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن أبي اسحق عن عبد الرحمن بن سعد قال: ” خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل : اذكر أحب الناس إليك فقال : يا محمد “ا.هـ . وقد ذكر البخاري هذا الحديث تحت عنوان : “باب ما يقول الرجل إذا خدرت رجله”. وفي كتاب البداية والنهاية لابن كثير في المجلد الذي فيه الجزء السابع والثامن ص 104-105 يذكر فيه عن بلال ابن الحارث المزني الصحابي الذي قصد قبر النبي وطلب منه ما لم تجري به العادة وتوسل به، وفيه يقول : “إن أهله طلبوا منه أن يذبح لهم شاة فقال ليس فيهِنَّ شيء فألحوا عليه فذبح الشاة فإذا عظمها حُمُرٌ فقال: “يا محمداه”، ما كفر ولا كفره أحد من الصحابة. وثبت أن خبيبَ بن عدى الصحابي حين قُدّم للقتل نادى : يا محمّد. رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني. وهذا دليل على أن نداء النبي صلى الله عليه وسلم في غيبته بــيا محمّد جائز.. وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه كان شعار كتيبته يوم اليمامة “يا محمداه” فخالد نادى بذلك ونادى بندائه الجيش فهل يكون هذا إلا إقرارًا من هذا الجيش الكريم على تصويب ما أمر به خالد رضي الله عنه وقد كان في الجيش من الحفاظ والعلماء والبدريين وعِليَة الصحابة. رواه ابن الأثير في الكامل. 

أحبابي ولكننا نقول إننا إذا دعونا الله بجاه الأنبياء أو الأولياء فإن هذا دعاء لله عز وجل وليس دعاء لغيره فإننا لم نترك التوجه إلى الله ونتوجه إلى غيره بل اتخاذهم سببا هو من باب القربة إلى الله عز وجل والأخذ بالأسباب لا يعارض الدين، وقد حثنا الشرع الحنيف على أن نسأل الله كل شيء نريده من خيري الدنيا والآخرة وعلى هذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم، فقد روي عن الحكم بن موسى قال: أصبحت يومًا، فقالت لي المرأة: ليس عندنا دقيق ولا خبز! فخرجت ولا أقدر عَلَى شيء، فقلت في الشارع: “اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تعلم أنَّه لا دقيق لي ولا خبزًا -وقال: ولا دراهم- فأتنا بذلك”. فلقيني رجل، فَقَالَ: خبزًا تريد أو دقيقًا؟ فقلت له: أحدهما ثم مشيت نهاري أجمع لا أقدر عَلَى شيء فرجعت فقدّم أهلي إِلَيَّ خبزًا، ولحمًا واسعًا، فقلت: من أين هذا لكم؟ قالوا: من الَّذِي وجهت به. فَسَكَتُّ. وعن الأوزاعي قال: رأيت رجلا في الطواف وهو متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: يا رب، إني فقير كما ترى، وصبيتي قد عروا كما ترى، وناقتي قد عجفت كما ترى، فما ترى يا من ترى ولا يُرى؟ فإذا بصوت من خلفه: يا عاصم، يا عاصم، الحق عمك! فقد هلك بالطائف وقد خلف ألف نعجة، وثلاثمائة ناقة وأربعمائة دينار، وأربعه أعبد، وثلاثة أسياف يمانية، فامض فخذها فليس له وارث غيرك. قال: فقلت: يا عاصم، إن الَّذِي دعوت لقد كان قريبًا منك. قال: يا هذا، أما سمعت قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]. وروى الشيخ أبو الفرج في “تاريخه الكبير” بإسناده عن الحسن بن سفيان الحافظ أنَّه كان مقيمًا بمصر مع جماعة من أصحابه يكتبون الحديث، فاحتاجوا فباعوا ما معهم حتى لم يبق لهم ما يباع، وبقوا ثلاثة أيام جياعًا لا يجدون شيئًا يكون وأصبحوا في اليوم الرابع وقد عزموا عَلَى المسألة لشدة الضرورة، فاقترعوا عَلَى من يسأل لهم، فخرجت القرعة عَلَى الحسن بن سفيان قال: فتحيرت ودهشت ولم تطاوعني نفسي بالمسألة، فعدلت إِلَى زاوية المسجد أصلي ركعتين طويلتين وأدعو الله -عز وجل- لكشف الضر وسياقة الفرج، فلم أفرغ من الصلاة حتى دخل المسجد رجل معه خادم في يده منديل، فَقَالَ: من منكم الحسن بن سفيان؟ فرفعت رأسي من السجود وقلت: أنا. فَقَالَ: إن الأمير ابن طولون يقرئكم السلام والتحية، ويعتذر إليكم في الغفلة عن تفقد أحوالكم والتقصير الواقع في رعاية حقوقكم، وقد بعث إليكم بما يكفي نفقة الوقت، وهو زائر لكم غدًا ومعتذر إليكم بلفظه ووضع بين يدي كل واحد منا صرة فيها مائة دينار، قال: فتعجبنا وسألناه عن السبب، قال: إنه كان اليوم نائمًا فرأى فارسًا في الهواء يقول له: قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه؛ فإنهم منذ ثلاثة أيام جياع في المسجد الفلاني! فَقَالَ له: من أنت؟ قال: أنا رضوان صاحب الجنة. قال الحسن: فشكرنا الله -عز وجل- وأصلحنا أحوالنا وسافرنا تلك الليلة من مصر خشية أن يزورنا الأمير، فيطلع الناس عَلَى أسرارنا وخوفامن الرياء والسمعة. 

‌‌وقوله – صلى الله عليه وسلم -: “وإذا استعنت فاستعن بالله” فيه إشارة:

لما أمر عليه السلام بحفظ الله والتعرف إِلَيْهِ في الرخا، وذلك هو العبادة حقيقة ثم أرشد إِلَى سؤال الله وحده ودعائه كما في حديث النعمان بن بشير عن النبي صلّى الله عليه وسلم ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]. 

وفي استعانة الله وحده فائدتان: إحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات. والثانية: أنَّه لا معين له عَلَى مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول. وفي الحديث الصحيح عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: “احرص عَلَى ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز”. وكان – صلى الله عليه وسلم – يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا: “الحمد لله نستعينه ونستهديه”. وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: “اللهم أعني عَلَى ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”. وكان من دعائه – صلى الله عليه وسلم -: “يا رب أعني ولا تعن عليّ”. وفي دعاء القنوت الَّذِي كان يدعو به عمر وغيره: “اللهم إنا نستعينك”. وفي الأثر المعروف -ويقال إن موسى -عليه السلام- قال لما ضرب البحر فانفلق-: اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالعبد محتاج إِلَى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وفي ترك المحظورات، وفي الصبر عَلَى المقدورات كما قال يعقوب -عليه السلام- لبنيه: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18]. ولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا. وقال موسى لقومه: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا} [الأعراف: 128]، وقال الله لنبيه – صلى الله عليه وسلم -: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 112]، ولما بشَّر – صلى الله عليه وسلم – عثمان بالجنة عَلَى بلوى تصيبه قال: الله المستعان. ولما دخلوا عَلَى عثمان وضربوه جعل يقول والدماء تسيل عليه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعيذ بك عليهم وأستعينك عَلَى جميع أموري، وأسألك الصبر عَلَى ما ابتليتني. ورُوي عن أبي طلحة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في بعض غزواته حين لقي العدو: “يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قال أبو طلحة: فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ تُصْرَعُ” خرَّجه أبو الشيخ الأصبهاني. فالعبد محتاج إِلَى الاستعانة بالله في مصالح دينه ودنياه، كما قال الزبير في وصيته لابنه عبد الله بقضاء دينه: إن عَجزتَ فاستعن بمولاي. فَقَالَ له: يا أبت من مولاك؟ قال: الله. قال: فما وقعت في كُربة من دَيْنِهِ إلا قلتُ: يا مولى الزبير، اقض عنه دينه فيقضيه. وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في أول خطبة خطبها عَلَى المنبر: ألا إنما مثل العرب كمثل جمل أنف قد أَخَذْتُ بخطامه، ألا وإني حامله عَلَى المحجة ومستعين بالله عليه. وكذلك يحتاج العبد الاستعانة بالله عَلَى أهوال ما بين يديه من الموت وما بعده. لما احتضر خالد بن الوليد قال رجل ممن حوله: والله، إنه ليسوؤه -يعني: الموت- قال خالد: أجل، فأستعين الله عز وجل. وبكى عامر بن عبد الله بن الزبير عند موته وقال: إِنَّمَا أبكي عَلَى حر النهار وبرد القيام -يعني: صيام النهار وقيام الليل- وقال: إني أستعين الله عَلَى مصرعي هذا بين يديه. ومن كلام بعض المتقدمين: يا رب، عجبت لمن يعرفك يرجو غيرك! عجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك!. وكتب الحسن إِلَى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: لا تستعن بغير الله فيكلك الله إِلَيْهِ. وقال بعضهم: فاستعن بالله واستعنه فإنَّه خير مستعان. 

قوله صلى الله عليه وسلم: “وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك”، الأُمَّة يَعْنِي جَمِيع البَشَر وَجَمِيع الجِنّ، لَوِ اجْتَمَعُوا وَعاوَنُوا بَعْضُهُم بَعْضا لِيَنْفَعُوكَ بِشىء مِنْ خَيرَي الدُّنْيا وَالآخِرَة، “لَمْ يَنْفَعُوكَ إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك” أَي شاء اللهُ تعالى وُصُولَهُ إِلَيْك وَقَدَّرَ اللهُ سبْحانَهُ فِى الأَزَل أَنْ يَصِلَك. إِنْ لَمْ يُرِدِ اللهُ وَلَمْ يَشِإِ اللهُ ذلك، لا يسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُوصِلَ هذا النَّفْعِ لَك. وَقَوْلُهُ: “قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك”، أَيْ أَمَرَ اللهُ القَلَمَ الأَعْلَى أَنْ يَكْتُبَهُ فِى اللوح الْمَحْفُوظ، قالَ تعالى، كَما فِى الحَدِيث: “اكْتُب ما هُوَ كائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيامَة”، ما يَقَعُ وَما يَحْصُلُ فِى الكَوْن فِى هذه الدُّنْيا، مُسْتَطَرٌ مَكْتُوبٌ عَلَى اللوحِ المحفُوظ مَتَى يَمُوتُ فُلان وَكَم يعِيشُ فُلان، هَلْ يَكُونُ سَعِيدًا أَمْ شَقِيًا، مُؤمِنًا أَوْ كافِرًا طائِعًا أَوْ فاجِرا، مُوَسَّعًا عَلَيهِ فِى رِزْقِهِ أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيهِ فِى رِزْقِهِ، لَوِ اجْتَمَعُوا الإنس وَالجِنّ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بشَىء “لَمْ يَنْفَعُوكَ إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك” أَيْ فِى اللوْحِ المحفُوظ. هذا النَّفْعُ الذي أَرادَ اللهُ أَنْ يَصِلَكَ مَوْجُودٌ فِى اللوْحِ المحفُوظ لَوِ اجْتَمَعَ الإنس وَالجِنّ قاطِبَةً عَلَى أَنْ يَمْنَعُوا وُصُولَ هذا النَّفْعِ لَك، ما اسْتَطاعُوا لأَنَّهُم أَسباب واللهُ هُوَ النّافِع والمعْطِي والضّارُّ وَالمانِع عَلَى الحَقِيقَة. 

قال: “وَإِنِ اجْتَمَعُوا يَعْنِى الإنس وَالجِنّ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّا بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك؛” كَذلِكَ الضَّرَر لا يَصِلُكَ إِلّا بِإِرادَةْ اللهِ وَمَشِيئَتِه ولَوِ اجْتَمَعُوا الإنس وَالجِنّ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوا وُصُولَ الضُّرِّ لَك، لَنْ يسْتَطِيعُوا لأَنَّ هذا مَكْتُوبٌ فِى اللَّوْحِ المحفُوظ. والمرادُ: أَغْلَبُ الأُمُور التي كُتِبَت فِى اللوْحِ المحفُوظ لا بُدَّ أَنَّها واقِعَة عَلَى ما أَرادَ اللهُ وشاء لأَنَّ هُناكَ أُمُورًا كُتِبَت فِى اللوْحِ المحفُوظ عَلَى وَجْهِ الإبْرام، مَعناهُ لا تَتَغَيَّر، وَلا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَحُولَ دُونَ وُقُوعِها وَتَحْقِيقِها وَهُناكَ أُمُورًا كُتِبَت فِى اللوْحِ المحفُوظ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيق.  ما كُتِبَ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيق، مِثالُهُ أَنْ يُكْتَبَ فِى اللوْحِ المحفُوظ: إِنْ وَصَلَ زَيْدٌ رَحِمَهُ، يَكُونُ عُمُرُهُ ثَمانُونَ سَنَة وَإِنْ لَمْ يَصِلْ رَحِمَهُ يَكُونُ عُمُرُهُ سِتُّونَ سَنَة هذا اسْمُهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيق. اللهُ تعالَى يَعْلَمُ أَيَّ الأَمْرَيْنِ سيَقَع. عالِمٌ بِذلِكَ أَزَلًا وَأَبَدا، لَكِنَّهُ كُتِبَ فِى اللوْحِ المحفُوظ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيق فَالملائِكَة يَكْتُبُونَ هذا الشىءَ الْمُعَلَّقَ فِى صَحائِفِهِم، ثُمَّ يَنْتَظِرونَ، هَلْ يَصِلُ زَيْدٌ رَحِمَهُ أَمْ لا؟ فَإِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ، يَكونُ عُمُرُهُ ثَمانُونَ سَنَة وَإِنْ لَمْ يَصِلْ رَحِمَهُ يَكونُ عُمُرُهُ سِتُّونَ سَنَة. الملائِكَةُ تُقارِنُ الذي كَتَبَتْهُ بِما وَقَع فَتَجِدُهُ وَقَعَ عَلَى حَسَبِ ما أَرادَ اللهُ وَعَلِم، فَتَزْدادُ الملائِكَةُ يَقِينًا عَلَى يَقِينِهِم بِكمالِ عِلْمِ اللهِ وَشُمُولِ إِرادَتِهِ لِكُلِّ شىء. 

يريد بذلك أن ما يصيب العبد مما يضره أو ينفعه في دنياه فكله مقدر عليه، ولا يمكن أن يصيبه ما لم يكتب له ولم يُقدَّر عليه ولو اجتهد عَلَى ذلك الخلق كلهم جميعًا، وقد دلّ القرآن أيضا عَلَى مثل هذا في قوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51] وقوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [الحديد: 22] وقوله: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154]. وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ». واعلم أن مدار جميع هذه الوصية من النبي صلّى الله عليه وسلم لابن عباس عَلَى هذا الأصل، وما بعده وما قبله متفرع عليه وراجع إِلَيْهِ، فإنَّه إذا علم العبد أنَّه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر أو نفع أو ضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم جميعًا عَلَى خلاف المقدور غير مفيد شيئًا ألبتة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضار النافع والمعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه -عز وجل- وإفراده أيضا بالعبادة والطاعة؛ وإفراده بالاستعانة الخاصة وذلك يشمل حال الشدة وحال الرخاء. ثم ذكر بعد هذا كله الأصل الجامع الَّذِي تنبني عليه هذه المطالب، وهو: تفرد الله- سبحانه وتعالى- بالضر والنفع والعطاء والمنع على معنى الخلق، وأنه لا يصيب العبد من ذلك كله إلا ما سبق تقديره وقضاه له، وأن الخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو ضر غير مقدَّر في الكتاب السابق. وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق، وعن سؤالهم واستعانتهم ورجائهم بجلب نفع أو دفع ضر بغير مشيئة الله، وخوفهم من إيصال ضر أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالعبادة، وأن تُقدم طاعته عَلَى طاعة الخلق، وأن يُتقى سخطه، وقد جاء في حديث أبي سعيد مرفوعًا: «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسُخْطِ اللهِ، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللهِ، وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يَؤْتِكَ اللهُ، إِنَّ رِزْقَ اللهِ لَا يَجُرُّهُ إِلَيْكَ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَرُدُّهُ كُرْهُ كَارِهٍ». وقال بعضهم: 

ما قدر الله لي لا بد يدركني
من ذا الَّذِي يدفع المقدور بالحذر 

الله أولى بنا منا بأنفسنا
إن نحن إلا مماليك المقتدر 

وشكا رجل إِلَى فضيل الفاقة، فَقَالَ له فضيل: أمدبِّرًا غير الله تريد؟! وقال بعضهم:

دبر فليس بمغن عنك تدبير
وليس يعدوك بالتدبير تقدير

إن الأمور لها رب يدبرها
فما قضى الرب ساقته المقادير

“إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك؛ رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ”. “رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ” معْناهُ عَنِ الكِتابَة لأَنَّ القَلَمَ الأَعْلَى كَتَبَ وَفَرَغَ مِنَ الكِتابَة. جاءَ فِى صِيغَةِ الجَمع  “الْأَقْلَامُ” ولكن فِى الحَقيقة هُوَ قَلَمٌ واحِد لِتَعْظِيمِ هذا القَلَمَ “وَجَفَّتِ الصُّحُفُ”.كذلِكَ جاءَ بِكَلِمَة “الصُّحُفُ” وَالمرادُ هُوَ اللوْح المحفُوظ أَيْضًا لِتَعْظِيمِ اللوْحِ المحفُوظ لأَنَّ اللوْحَ المحفُوظ جِرْمٌ لَهُ شَأْن وَلَهُ شَرَف عِنْدَ الله. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: “وَجَفَّتِ الصُّحُفُ” معناهُ جَفَّتِ الكِتابَةُ عَلَى اللوْحِ المحفُوظ بَعْدَ رَفْعِ هذا القَلَمِ وَكَفِّهِ عَنِ الكِتابَة. معناهُ ما قَدَّرَ اللهُ وَشاء حُصُولَه، لا بُدَّ أَنْ يَحْصُل وَالصَّحابَةُ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِم حِينَ كانُوا يُسْأَلُونَ عَنِ القَدَر، يُجِيبُونَ بِهذا الجواب، يَقُولونَ للسّائِل: “لَوِ اجْتَمَعَ الإِنْسُ وَالجِنّ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلَّا بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّا بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك”، كانُوا يُعَرِّفُونَ القَدَر بِهذه الكلِمات مَا أَصابَك لَمْ يَكُن لِيُخطئك وَما أَخطَأَك لَمْ يَكُن لِيُصِيبَك وَأَنَّ ما أَرادَ اللهُ حُصُولَه لا يستَطِيع بَشَرٌ وَلا جِنٌّ أَنْ يَمْنَعُوا نَفاذَه!

نسأَلُ اللهَ تعالَى أَنْ يُوَفِّقَنا لِرِضاه وَأَنْ يَخْتِمَ لَنا بِخِتامِ خَير. 

نكمل ما تبقى من شرح هذا الحديث الحلقة الكاملة بإذن الله تعالى.

الحمدُ للهِ القديمِ الأولِ، الذي لَا يزولُ ملكُهُ ولَا يَتَحَوَّلُ، خالقُ الخلائقِ، وعالِمُ الذراتِ والحقائقِ، مفنِي الأممِ، ومحيي الرممِ، ومعيدُ النِّعَمِ، ومُبِيْدُ النِّقَمِ، وكاشفُ الغُمَمِ، وصاحبُ الجودِ والكرمِ، لَا تأخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نومٌ، وَلَا تُغَيِّرُهُ سَنَةٌ وَلَا يَومٌ، لَا إله إلَّا هوَ كلُّ شىءٍ هالكٌ إلَّا وجهَهُ لَهُ الحكمُ وإليهِ ترجعونَ، وأشهدُ أنْ لَا إله إلَّا اللهُ تعالَى عَمَّا يشركونَ، وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ إلَى الخلقِ أجمعينَ، الْمُنَزَّلُ عليهِ نبأُ القرونِ الأولينَ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى ءالهِ وصحبِهِ وسلَّمَ مَا تعاقَبَتِ الليالي والأيامُ، وتَدَاوَلَتِ اللحظاتُ والأعوامُ. أما بعد: 

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثَّالثُ: عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهمَا قَالَ: “كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يوْمًا فَقالَ: “يَا غُلامُ إِنِّي أُعلِّمكَ كَلِمَاتٍ: “احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، واعلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَو اجتَمعتْ عَلَى أَنْ ينْفعُوكَ بِشىْءٍ لَمْ يَنْفعُوكَ إِلَّا بِشَىْءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَىْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بَشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عليْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ”. رواهُ التِّرمذيُّ وقَالَ: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ. 

وفي رواية غيرِ التِّرْمِذيِّ: “احفظَ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ في الرَّخَاءِ يعرِفْكَ في الشِّدةِ، واعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَك، وَمَا أَصَابَكَ لمْ يَكُن لِيُخْطِئَكَ واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْب، وأَنَّ مَعَ الْعُسرِ يُسْرًا”. 

قَوْلُهُ ﷺ: “احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمامَك”، أَيْ بِالإِعانَة وَالنُّصْرَة وَالتَّأْييد. إِذا حَفِظْتَ الله، أَيْ حَفِظْتَ أَوامِرَ الله أَيْ طَبقْتَها وَنَفَّذْتَها كما أَمَرَ الله وَاجْتَنَبْتَ الحَرام، اللهُ تعالى يُعِينُكَ وَيَحْفَظُك وَيَنْصُرُك وَيُؤَيِّدُك. وَبَيَّنّا سابقا اسْتِحالَةَ الجِهَة على الله، جِهَةُ أَمام وَجِهَةُ خَلْف وَجِهَةُ يَمِين وَجِهَةُ شِمال وَجِهَةُ فَوْق وَجِهَةُ تَحت مستحيلة عَلَى للهِ لأَنَّ اللهَ لا تَحْوِيهِ الجِهاتُ السِّتُّ وَلا هُوَ مَحْوِيٌّ فِى مكان، بَلْ هُوَ خالِقُ ذلِكَ كُلِّهِ فَلا يَحتاجُ إِلَى شىءٍ مِمّا خَلَق.

“تَعَرَّف إِلى اللهِ فِى الرَّخاء”، أَيْ تَحَبَّب إِلَى الله سبْحانَهُ وَتعالى بِالطّاعَة. أَكْثِر مِنَ الطّاعَةِ لِيُحِبَّكَ الله، فَإِنْ صِرْتَ حَبيبًا لَهُ سبْحانَه وَاحْتَجْتَ إِلَى إِنْقاذٍ مِنْ هَلَكَة أَوْ نجاةٍ مِنْ شِدَّة وَضِيق تَجِدِ اللهُ يُهَيِّئُ لَكَ أَسَبابَ هٰذه النَّجاة. “تَعَرَّف إِلى اللهِ فِى الرَّخاء”، يَعْنِي فِى حالِ البَسْطِ الصِّحَة وَسُهُولَةِ العيش، كُنْ مُطِيعًا لِرَبِّكَ مُلْتَزِمًا لأَوامِرِه، مُجْتَنِبًا لِنَواهِيه، “يَعْرِفْكَ فِى الشِّدَّة”، وَقْتَ حاجَتِكَ إِلَى نُصْرَةٍ وَإِعانَة تَجِدِ اللهُ يُنْقِذُكَ مِنَ الهَلَكات وَيُسْعِفُكَ بِمَنافِعِ البَرَكات. والمعنى: أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه وصحته، فقد تعرف بذلك إِلَى الله وكان بينه وبينه معرفة، فعرفه ربه في الشدة وعرف له عمله في الرخاء، فنجاه من الشدائد بتلك المعرفة. وهذه أيضا معرفة خاصة تقتضي القرب من الله عز وجل، ومحبته لعبده، وإجابته لدعائه، وليس المراد بها المعرفةََ العامة فإن الله لا يخفى عليه حالُ أحد من خلقه، كما قال تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النجم: 32] وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق: 16]. قال أبو جعفر السائح: أتى الحسنُ إِلَى حبيب أبي محمد هاربًا من الحَجَّاج، فَقَالَ: يا أبا محمد احفظني من الحرس، هم عَلَى إثري. فَقَالَ: استحييتُ لك يا أبا سعيد، أليس بينك وبينه من الثقة ما تدعوه فيسترك من هؤلاء؟! ادخل البيت فدخل الحرس عَلَى إثره فلم يروه. فذكروا ذلك للحجاج فَقَالَ: بل كان في بيته إلا أن الله طمس أعينهم فلم يروه. ومتى حصل هذا التعرف الخاص للعبد حصل للعبد معرفة خاصة بربه تجعل له الأنس به والحياء منه، وهذه معرفة خاصة غير معرفة المؤمنين العامة. ومدار العارفين كلهم عَلَى هذه المعرفة وهذا التعرف، وإشاراتهم تومئ إِلَى هذا.. ولما اختفى الحسن البصري من الحجاج قِيلَ لَهُ: لو خرجت من البصرة فإنا نخاف أن يدل عليك، فبكى ثم قال: أخرج من مصري وأهلي وإخواني؟ إن معرفتي بربي وبنعمته عليّ تدلني عَلَى أنَّه سينجيني ويخلصني منه إن شاء الله تعالى؟ فما ضرَّه الحجاج بشيء، ولقد كان يكرمه بعد ذلك إكرامًا شديدًا ويحسن ذكره. وقال رجل لمعروف: ما الَّذِي هيجك عَلَى الانقطاع والعبادة وذكر الموت والبرزخ والجنة والنار؟ فَقَالَ معروف: إن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا. ومما يبين هذا ويوضحه الحديث الذي خرجه “الترمذي” من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم. من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء”. قال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس عليه السلام- كان يذكر الله، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143، 144]. وإن فرعون كان طاغيًا ناسيًا لذكر الله، فلما أدركه الغرق قال: آمنت، فَقَالَ الله تعالى: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 91]. وقال رشد بن سعد: قال رجل لأبي الدرداء أوصني، فَقَالَ: اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء. فإذا علم أن التعرف إِلَى الله في الرخاء يكون سببا الى معرفة الله لعبده في الشدة، فلا شدة يلقاها المؤمن في الدُّنْيَا أعظم من شدة الموت، وهي أهون مما بعدها إن لم يكن مصير العبد إِلَى خير، وإن كان مصيره إِلَى خير، فهي آخر شدة يلقاها. فالواجب عَلَى العبد الاستعداد للموت قبل نزوله بالأعمال الصالحة والمبادرة إِلَى ذلك، فإنَّه لا يدري المرء متى تنزل به هذه الشدة من ليل أو نهار. وذكر الأعمال الصالحة عند الموت مما يحسن ظنَ المؤمن بربه، ويهون عليه شدة الموت ويقوي رجاءه. قال بعضهم: كانوا يستحبون أن يكون للمرء خبيئة من عمل صالح، ليكون أهون عليه عند نزول الموت. وقال النخعي: كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يَحسُنُ ظنُه بربه. قال أبو عبد الرحمن السُّلمى في مرضه: كيف لا أرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضان؟!. ولما احتُضِر أبو بكر بن عياش وبكوا عليه قال: لا تبكوا، فإني ختمت القرآن في هذه الزاوية ثلاث عشرة ألفَ ختمة. ورُوي عنه أنَّه قال لابنه: أترى أن الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم القرآن كل ليلة؟. وقال بعض السَّلف لابنه عند موته ورآه يبكي: لا تبك فما أتى أبوك فاحشة قط. وختم آدم بن أبي إياس القرآن وهو مسجى للموت ثم قال: بحبي لك إلا رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك، لا إله إلا الله. ثم قضى رحمه الله.. ولما هجم القرامطة عَلَى الحُجَّاج وقتلوهم في الطواف، وكان علي بن باكُويَه الصوفي يطوف فلم يقطع الطواف والسيوف تأخذه حتى وقع، فأنشد: 

ترى المحبين صرعى في ديارهُمُ
كفتيةِ الكهف لا يدرون كم لبِثُوا

تالله لو حلف الأحباب أنهم
موتى من الحب أو قتلى لما حنثوا

فمن أطاع الله واتقاه وحفظ حدوده في حياته تولاه الله عند وفاته، وتوفاه عَلَى الإيمان، وثبته بالقول الثابت في القبر عند سؤال الملكين، ودفع عنه عذاب القبر، وآنس وحشته في تلك الوحدة والظلمة. قال بعض السَّلف: إذا كان الله حافظا لك عند دخول القبر، فلا بأس عليك ولا وحشة. ورؤي بعض العُلَمَاء الصالحين في النوم بعد موته، فسئل عن حاله فَقَالَ: يؤنسني ذكر ربي عز وجل. قال قتادة في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] قال: من الكرب عند الموت ومن أفزاع يوم القيامة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: ننجيه من كل كرب في الدُّنْيَا والآخرة. وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [الأحقاف: 13] قال: يُبَشَّر في ذلك عند موته، وفي قبره ويوم يبعث، فإنَّه لفي الجنة وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه. وقال ثابت البناني في هذه الآية: بلغنا أن المؤمن حيث يبعثه الله من قبره يتلقاه ملكاه اللذان كانا معه في الدُّنْيَا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن، فيؤمِّن الله خوفه ويقر الله عينه، فما من عظيمة تغشى الناس يوم القيامة إلا وهي للمؤمن قرة عين، لما هداه الله ولما كان يعمل في الدُّنْيَا. خرج ذلك كُلَه ابن أبي حاتم وغيره. وأما من لم يتعرف إِلَى الله في الرخاء، فليس له من يعرفه في الشدة لا في الدُّنْيَا ولا في الآخرة.

  “واعْلَم أَنَّ ما أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَما أَصابَكَ لَمْ يكُنْ لِيُخْطِئَكَ”، “واعْلَم أَنَّ ما أَخْطَأَكَ”، يَعْنِي لَنْ تَنَالهُ “لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ” مَعْناهُ لَمْ يَكُنْ لِتَصِلَ إِلَيْهِ، “وَما أَصابَكَ”، يَعْنِى وَما نِلْتَهُ وَحَظِيتَ بِهِ، “لمْ يكُنْ لِيُخْطِئَكَ”،  لأَنَّ اللهَ قَدَّرَ وَشاءَ أَنْ تَصِلَ إِلَى هذا الشىء، فَلا يسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ وُصُولِ هذا الشىءِ لَك. 

وقال أنس: خدمت النبي صلّى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلت كذا وكذا؟ ولا شيء لم أفعله: ألا فعلت كذا. وقال: وكان إذا لامني بعض أهله، قال: “دعوه فلو قُدِّرَ شيء كان” خرّجه الإمام أحمد. وخرَّج ابن أبي الدُّنْيَا حديثًا مرسلا أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: “لا تكثر همك ما يُقدَّرْ يكن، وما ترزق يأتِك” وفي حديث أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: “لا حول ولا قوة إلا بالله، دواء من تسعة وتسعين داء، أيسرها: الهم” خرّجه الطبراني والحاكم. فإن تحقيق هذه الكلمة يقتضي تفويض الأمور إِلَى الله، وأنه لا يكون إلا ما شاء والإيمان بذلك يُذهب الهم والغم، وقال ابن عون: ارض بقضاء الله عَلَى ما كان من عسر ويسر؛ فإن ذلك أقلّ لهمك، وأبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك، واعلم أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء كرضاه عند الغنى والرخاء، وللرضا بالقضاء أسباب منها: 

يقين العبد بالله وثقته بأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلا وهو خير له، وقد يستغرق العبد في ذلك حتى ينسى ألَمَ المقضي به كما رُوي عن بعض الصالحات من السلف أنها عثرت فانكسر ظفرها، فضحكت وقالت: أنساني لذة ثوابه مرارة ألمه. 

قالَ ﷺ: “وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مع الصَّبر”، مَعناهُ أَيُّها الإِنْسانُ، إِنْ لَزِمْتَ الصَّبْرَ عَلَى الشَّدائِد اللهُ تعالَى يَنْصُرُك ويُؤَيِّدُك. إِمّا أَنَّكَ تَنالَ النُّصْرَة ظاهِرًا فِى الدُّنْيا وَإِمّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمَنْصُورِينَ عاقِبَةً لَكَ عَلَى صَبْرِك فِى الآخِرَة فَالصَّبْرُ حَلِيفُ الصّابِرِين فِى الدُّنْيا وفِى الآخِرَة. وَلذلِكَ قالُوا: “الشَّجاعَة صَبرُ ساعَة”، قالَ ﷺ: “وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْر”، ليعلم أَنَّ الصَّبْرَ بِجَمِيعِ أَنْواعِهِ فَلاحٌ للعَبْدِ. وَلَوْلا أَنَّ الصَّبْرَ ثَمَرَتُهُ حُلْوَة فِى الآخِرَة وَالعاقِبَة، لَما ابْتَلَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنبياءَهُ وَأَوْلِياءَهُ بِشَتَّى أَنْواعِ البَلايا والمصائِب. الرَّسُولُ ﷺ ذَكَرَ الصَّبْرَ فَقالَ: “الْصَّبْرُ مِنَ الإِيمان كَالرَّأْسِ مِنَ الجَسَد”. تَخَيَّل، لَوْ قُطِعَ رَأْسُ إِنْسان لَصارَ بَعْدَ هُنَيْهَة جُثَّةً هامِدَة، لا نَفْعَ فِيها! (أَيِ النَّفْع الدُّنْيَوِيّ) أَليسَ كذلِك؟ وَالإِيمان كالجَسَد وَالصَّبر كَالرَّأْسِ بِالنِّسْبَةِ لِهذا الجَسَد، لأَنَّ كَثِيرًا مِنَ العِباداتِ وَالطّاعات حتَّى نَقُومَ بِها وَنُؤَدِّيَها عَلَى الوَجْهِ الذي يُرْضِي الله، لا بُدَّ لَنا مِنَ الصّبر. وَلِذا رَبُّنا ذَكَرَ الصّبرَ فِى القُرءان حَوالِيَ (ما يَقْرُبُ مِنْ) سَبْعِينَ مَرَّة!

 وقالَ ﷺ: “وَأَنَّ الفَرَجَ مَع الْكَرْب”. الفَرَج مَعْناهُ السُّهُولَةُ وَاللين وَتَخْفِيفُ الْمَصائِبِ وَالبلايا عَنْك. “مَع الْكَرْب” مَعْناهُ إِذا نَزَلَ بِكَ ضِيقٌ وَشِدَّة، إِنْ كُنْتَ خَبَّأْتَ لِنَفْسِكَ خَبيئَةَ سِرّ مِنْ طاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ، اللهُ تعالَى يُفَرِّجُ عَنْكَ كَرْبَك يُذْهِبُ عَنْكَ هذا الكَرْب. 

قال سليمان الخواص: الصبر دون الرضا، فالرضا: أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضيا بأي ذلك كان، والصبر: أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر. وحقيقة الفرق بين الصبر والرضا: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، والرضا يعمل على انشراح الصدر وسعته، وإن وجد الإحساس بأصل الألم لكن الرضا يخفف الإحساس بالألم لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، ولهذا قالت طائفة كثيرة من السَّلف منهم عمر بن عبد العزيز، والفضيل، وأبو سليمان، وابن المبارك، وغيرهم: إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها بخلاف الصابر. 

وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله عَلَى عبد نعمة فانتزعها منه، فعاضه مكان ما انتزع منه الصبر إلا كان ما عوضه خيرًا مما انتزع منه، ثم تلا: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]. وكان بعض الصالحين في جيبه ورقة يفتحها كل ساعة فينظر فيها، وفيها مكتوب: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48]. والصبر الجميل هو أن يكتم العبد المصيبة ولا يخبر بها. كان الأحنف بن قيس قد ذهبت عينه من أربعين سنة ولم يذكرها لأحد. وذهبت عين عبد العزيز بن أبي روَّاد من عشرين سنة، فتأمله ابنه يومًا فَقَالَ له: يا أبت، قد ذهبت عينك! فَقَالَ: نعم يا بني، الرضا عن الله أذهب عين أبيك من عشرين سنة. وكان الإمام أحمد لا يشتكي ما به من المرض إِلَى أحد، وذُكرَ له أن مجاهدًا كان يكره الأنين في المرض، فتركه فلم يئن حتى مات، وكان يقول لنفسه: يا نفسي، اصبري ولا تندمي. كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه يشدون عَلَى بطونهم الحجارة من الجوع. وروي أن أُويس كان يلتقط الكسر من المزابل، والكلابُ تزاحمه، فنبح عليه كلب يومًا فَقَالَ: يا كلب، لا تؤذ من لا يؤذيك، كل مما يليك وآكل ما يليني، فإن دخلتُ الجنة فأنا خير منك، وإن دخلتُ النار مخلدا فيها فأنت خير مني. وكان إبراهيم بن أدهم يلتقط السنبل مع المساكين، فرأى منهم كراهة لمزاحمته، فَقَالَ: أنا تركت ملك بلخ أفأزاحم المساكين عَلَى لقط السنبل؟ فكان بعد ذلك لا يلتقط إلا مع الدواب التي ترعى فيه. كانت مصائب الدُّنْيَا عندهم نعمًا وقال بعض السَّلف: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد الله إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمد الله إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني. انتظار الفرج بالصبر عبادة، فإن البلاء لا يدوم: 

اصبر لكل مصيبة وتجلد
واعلم بأن الضر غيرُ مؤبد

واصبر كما صبر الكرامُ فإنها
نُوَبٌ تنوب اليوم تكشف في غد

إذا غُمِسَ أعظم الناس بلاء في الدُّنْيَا في نعيم الجنة غمسة، قِيلَ لَهُ: هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك بؤس قط؟ قال: لا يا رب.

يا نفس ما هي إلا صبرُ أيام
كأن مدتَها أضغاثُ أحلام

يا نفس جوزي عن الدُّنْيَا مبادرَةً
وخل عنها فإن العيش قُدام

وقد قص الله في كتابه قصصًا كثيرة تتضمن وقوع الفرج بعد الكرب والشدة، كما قص نجاة نوح ومن معه في الفلك من الكرب العظيم، مع إغراق سائر أهل الأرض. وكما قص نجاة إبراهيم -عليه السلام- من النار التي ألقاه المشركون فيها، وأنه جعلها عليه بردًا وسلامًا، وكما قص قصة إبراهيم عليه السلام مع ولده الَّذِي أمر بذبحه ثم فداه بذبح عظيم. وكما قص قصة موسى -عليه السلام- مع أمه لما ألقته في اليم حتى التقطه آل فرعون، وقصته مع فرعون لما نجّى الله موسى في البحر وأغرق عدوه. وكما قص  قصص أيوب ويونس ويعقوب ويوسف- عليهم السلام- وقصة قوم يونس لما آمنوا. وكما قص الله قصص محمد – صلى الله عليه وسلم – ونصرَه عَلَى أعدائه ونجاتَه منهم في عدة مواطن مثل قصته في الغار وقصته يوم بدر ويوم أُحد ويوم حنين. وكما قص سبحانه قصة عائشة رضي الله عنها في حديث الإفك وبرأها مما رميت به. 

قالَ ﷺ: “وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا”، العُسْرُ هُوَ الضِّيقُ وَالشِّدَّة وَأَمّا اليُسْرُ فَهُوَ الغِنَى وَالسُّهُولَة. إِذا عَسُرَ عَلَيْكَ أَمْر، فالْجَأ إِلَى الله. إِنْ كُنْتَ عَبْدًا مُطِيعًا لِرَبِّكَ، يُيَسِّرُ اللهُ تعالَى لَكَ كُلَّ عَسِير. وَقَدْ جاءَ فِى القرءان ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [سورة الشرح:6]  وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَقِيلَ عَنِ الحَسَنِ البِصْرِيّ التّابِعي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كما رَوَى الحاكِم: “وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن” لأَنَّ قَولَهُ تعالَى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ** إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [سورة الانشراح: 5،6]  العُسْرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عُسْرٌ واحِد فَأَمّا اليُسْرُ الأَوَّل فَغَيرُ اليُسْرِ الثانِي، فَهُما يُسْران! “وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن” لِماذا؟ لأَنَّ عُلماءَ البَيانِ يَقُولون: “الْمَعْرِفَةُ إِذا تَكَرَّرَت فَهِيَ غَيرُ مُتَعَدِّدَة”، أَي تَكُونُ واحِدَة. إِذا نَظَرنا فِى هذه الآيات فِى سُورَةِ الانْشِراح، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، “العُسُر” مُعَرَّفَة بِالأَلف وَاللام. وَالآية التالِيَة ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ “العُسُر” كذلِكَ مُعَرَّفَ بِالأَلف وَاللام. فَكَلِمَة “العُسُر” فِى الْمَوْضِعَيْنِ مَعْرِفُة بِالأَلفِ وَاللام، فَيَكُونُ العُسر الأَوَّل هُوَ العُسر الذي ذُكِرَ فِي الموْضِع الثّانِي، كِلاهُما عُسْرٌ واحِد لأَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِذا تَكَرَّرَت فَهِيَ غَيرُ مُتَعَدِّدَة، تَكُونُ واحِدَةً. وَأَمّا اليُسْرُ فِى الْمَوْضِعَيْنِ فَنَكِرَة. وَقالَ عُلماءُ البَيان: “الْنَّكِرَةُ إِذا تَكَرَّرَت فَهِيَ مُتَعَدِّدَة”، فَاليُسْرُ فِى الْمَوْضِعِ الأَوَّل غَيرُ اليُسْرِ فِى الْمَوْضِعِ الثانِي، لذلِكَ رُوِيَ فِى الأَثَر: “وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن”. كُلَّما تَعَسَّرَ مَعَكَ أَمْرٌ فالْجَأْ إِلَى اللهِ وسَلْهُ فَإِنَّهُ سبْحانَهُ يُحِبُّ مِنْكَ أَنْ تَسأَلَه، يُحِبُّ مِنْكَ أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ وَرُبَّما عَلَّقَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ تَيْسيرَ أُمُورِك عَلَى طَلَبِكَ مِنْهُ وَسُؤالِكَ مِنه! فلا تَبْخَل عَلَى نَفْسِك فِي أَنْ تَسأَلَ الله تعالَى واسأل الله قد تَجِدُ الأَمرَ العَسيرَ قَدْ يُيَسِّرُهُ اللهُ لَك.

حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَ البَحْرَ فَكُسرَت سَفِينَتُهُ فرَكِبَ عَلَى لَوْحِ خَشَب حَتَّى أَلْقاهُ عَلَى جَزِيرَة ليسَ فِيها أَحَد. ليسَ فيها طَعام وَلا شَراب وَلا بَشَر. فقالَ: هَيهات أَنْ يَأْتيَ إِلَيَّ مَنْ يُنْقِذُنِي! بَقِيَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ بِلا طَعام وَبِلا شَراب، أَوْشَكَ عَلَى الهَلاك! فَتَمَثَّلَ بيْتَ شِعْر: 

إِذا شابَ الغُرابُ أَتَيْتُ أُهْلِي
وَصارَ القارُ كَاللَّبَنِ الحَلِيبِ 

الغُراب لَوْنُهُ أَسْوَد، هَلْ يَشِيب معَ الأَيام؟ لا، فمَعْنَى البيت الأَوَّل أَنا يَئِسْتُ، لَنْ آتِيَ أَهْلِي كَما أَنَّ الغُرابَ الأَسْوَدَ لا يَصِيرُ أَبْيَض شائِبا! “وَصارَ القارُ”، يَعْنِى الزِّفت الأَسْوَد “كَاللَّبَنِ الحَليبِ” الزِّفت هَلْ يَصِيرُ أَبْيَض؟؟ لا! معناهُ هذا الرَّجل يَأْسان وَهُو فِى ضِيقٍ شَديد وَهَمّ! فَسَمِعَ هاتِفًا (شَخْصًا يَتَكَلَّم مِنْ غَيرِ أَنْ يَرَى شَخْصَهُ) يَقُول: 

عَسَى الْكَرْبُ الْذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ
يَكُونُ وَراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ

بَعْدَ مُدَّة ليسَ طَوِيلَة مَرَّت بِهِ سَفِينَة فَأَخَذَتْهُ، حَمَلَتْهُ مَعها! لِذا سُورَةُ الانْشِراح إِذا وَقَعْتَ فِى ضِيقٍ أَوْ فِي عُسْرٍ فاقْرأْها واتْلُها. وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ: “إِذا اشْتَدَّت بِكَ البَلْوَى فَفَكِّر بِأَلْمْ نَشْرَح”، أَيْ فَكِّر بِسُورَةِ الانْشِراح، “فَعُسْرٌ بَيْنَ يُسْرَيْنِ مَتَى تَذْكُرْهُما تَفْرَح”، مَعْناهُ يُذَكِّرُكَ أَمْرُ اليسرِ بَعْدَ العُسر أَنَّ اللهَ قادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْقِذَكَ بَعْدَ العُسرِ الذي نَزَلَ بِك فَفَوِّض إِلَيْهِ جَمِيعَ أَمْرِك. 

وقد ذكر الفقهاء نبذة يسيرة من لطائف البلايا وفوائدها وحكمها، فمنها: تكفير الخطايا بها، والثواب عَلَى الصبر عليها ومنها:  أنها تذكر العبد بذنوبه؛ فربما تاب ورجع منها إِلَى الله عز وجل. ومنها: زوال قسوة القلوب وحدوث رقتها… ومنها: أنها توجب للعبد الرجوع بقلبه إِلَى الله عز وجل، والوقوف ببابه والتضرع له والاستكانة، وذلك من أعظم فوائد البلاء، وقد ذم الله من لا يستكين له عند الشدائد، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 76]. وفي بعض الكتب السابقة: إن الله ليبتلي العبد وهو يحبه ليسمع تضرعه. وقال سعيد بن عبد العزيز: قال داود -عليه السلام-: سبحان مستخرج الدعاء بالبلاء، وسبحان مستخرج الشكر بالرخاء. وكان بعضهم إذا فتح له في الدعاء عند الشدائد لم يحب تعجيل إجابته خشية أن ينقطع عما فتح له. ومنها: أن البلاء يوصل إِلَى قلبه لذة الصبر عليه والرضا به، وذلك مقام عظيم جدًّا ومنها: أن البلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إِلَى مخلوق ويوجب له الإقبال عَلَى الخالق وحده. فالبلاء يوجب للعبد تحقيق التوحيد بقلبه وذلك من أعلى المقامات وأشرف الدرجات. وقد قيل: وإذا اشتد الكرب وعظم الخطب كان الفرج حينئذٍ قريبًا في الغالب. قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف: 110] وقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. وأخبر عن يعقوب -عليه السلام- أنَّه لم ييأس من لقاء يوسف، وقال لإخوته: {اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف: 87] وقال: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83]. ومن لطائف أسرار اقتران الفرج باشتداد الكرب أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى وُجِدَ الإياس من كشفه من جهة المخلوق ووقع التعلق بالخالق وحده، ومن انقطع عن التعلق بالخلائق وتعلق بالخالق، استجاب الله له وكشف عنه؛ فإن التوكل هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين، كما قال الإمام أحمد، واستدل عليه بقول إبراهيم لما عرض له جبريل في الهواء وقال: ألك حاجة؟ فَقَالَ: أما إليك فلا!. والتوكل من أعظم الأسباب التي تُطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]. وفي الترمذي عن أبي أمامة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: “عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا، وَأَجُوعُ يَوْمًا؛ فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ”. 

نسأَلُ اللهَ تعالَى أَنْ يُوَفِّقَنا لِرِضاه وأن يتقبل منا بجاه نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم