جزاء الصبر على فقد الأحبة: الجنة | رياض الصالحين (32)

الدرس ٩ من ١٦ في هذا البابنزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٢٥:٥٧

الحمد لله الذي رفع من أرادَ به خيرًا بالعلم والإيمان، وخذل الـمـُعرضِين عن الهدى وَعَرَّضَهم لكلِّ هلاكٍ وهوان، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكريم المنَّان، سبحانه لا يـجري عليه زمان، ولا يحويه مكان، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الّذي كمّل الله له الفضائل والـحـُسنَ والإحسان، فصلّى اللهُ وسلّم على سيّدنا محمّدٍ مدى الأزمان، وعلى ءاله وأصحابه الطّيبين والتابعين لهُم بإحسان. أما بعد: 

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله: وعن أبي هريرة – رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لعَبدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلاَّ الجَنَّةَ». رواه البخاري. 

الشرح والتعليق على هذا الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله: وعن أبي هريرة – رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى (قال ابن علان: وهذا الحديث من الأحاديث القدسية وهي التي جاءت عن الله تعالى وهي أكثر من مائة حديث وقد جمعها بعضهم في جزء كبير والفرق بينه وبين الوحي المتلو أي القرآن أن القرآن أشرف الكلام المضاف إليه تعالى ليميزه عن غيره بإعجازه من أوجه مذكورة في الشفاء وغيره وكونُه معجزةً باقيةً على ممر الدهور محفوظةً من التغيير والتبديل وتحريمُ مسِه للمحدث وتلاوتِه لنحو الجنب  وتحريمُ روايتِه بالمعنى وتعيُنُه في الصلاة وبتسميته قرآنًا وبأن كل حرف منه بعشرة ثوابًا والأحاديث القدسية لا يثبت لها شيء من ذلك فيجوز مسه وتلاوته لمن ذكر وروايته بالمعنى ولا يجزئ في الصلاة ولا يسمى قرآنًا ولا يعطى قارئه بكل حرف عشرًا ويقال في الحديث القدسي قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه عن ربه ويقال قال تعالى فيما روى عنه نبيه – صلى الله عليه وسلم – والمعنى واحد بخلاف القرآن فلا يضاف إلا إليه تعالى فيقال فيه قال الله تعالى وهذا مما ينبغي أن يحفظ لنفاسته وعموم الحاجة إليه) (ويجب أن يُعتقد يا أحبابي أن الله متكلم موصوف بكلام أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية ليس ككلامنا ليس بحرف ولا لغة ولا صوت وكلامه واحد سبحانه لا يتجزأ ولا يتبعض، فقد اتَّفَقَ أَهلُ السُّنَّةِ عَلَى وَحْدَةِ كلامِ اللهِ تعالى قالَهُ الإمامُ أَبُو عَلِيٍّ السَّكُونِيُّ الإشبِيلِيُّ المُتَوَفَّى سنةَ 717 مِنَ الهجرةِ، وكذلكَ البيهقيُّ ذَكَرَ وَحْدَةَ الكلامِ فِي كِتَابَينِ مِن كُتُبِهِ. وكذلكَ أهلُ السُّنَّةِ يعتقدونَ أَنَّ اللهَ تعالَى صفاتُهُ لا تُشبِهُ صِفَاتِ خَلقِهِ، اللهُ متكلمٌ بكلامٍ ليسَ حَرفًا ولا صَوتًا لأَنَّ الكلامَ الذي يكونُ بالحرفِ والصوتِ مخلوقٌ، اللهُ لا يَتَّصِفُ بِحادثٍ. قالَ أَبُو حنيفةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فِي كتابِهِ الفقهِ الأكبرِ (نَحنُ نَتكلَّمُ بالآلاتِ والحروفِ واللهُ يَتَكلَّمُ بلا ءالةٍ ولا حَرفٍ) الكلامُ القائِمُ بذاتِ اللهِ أي الثابت له ليسَ حَرفًا وصَوتًا، يَسمَعُهُ الإنسُ والجِنُّ في الآخرةِ. وأمَّا الكلامُ الذي هُو حرفٌ وصوتٌ كالقرءانِ الذي نَقرَؤُهُ بالحروفِ والتَورَاةِ والإنْجيلِ والزبورِ هؤلاءِ عباراتٌ عن كلامِ اللهِ لَيسَتْ عينَ الكلامِ الذاتِيِّ. ثُمَّ إِنَّ اللهَ تبارَكَ وتَعالَى أَخبَرَ فِي القرءانِ أَنَّهُ يَخلُقُ الأشياءَ بكلامِهِ، وكلُّ ما خَلَقَ اللهُ وما سيخلُقُهُ وجودُهُ بكلامِ اللهِ تعالَى، وهذا معنَى قولِهِ تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، معنَى الآيةِ أنَّ الشىءَ الذي أرادَ اللهُ وجودَهُ يَخلقُهُ بكلامِهِ الأزلِيِّ ليسَ المعنَى أنَّهُ يَنطِقُ بالكافِ والنُّونِ، النطقُ بالكافِ والنونِ مِن صفاتِنَا، ثُمَّ القولُ بأَنَّ اللهَ يَخلُقُ الأَشياءَ بالكَافِ والنُّونِ مَعنَاهُ أَنَّهُ يَخلُقُ الأشياءَ بعدَ النُّطقِ بالكافِ والنونِ، وهذا مستحيلٌ إنَّمَا المعنَى أنَّهُ يَخلقُ الأَشياءَ التِي أَرَادَ وجودَهَا بالكلامِ الأزلِيِّ الذي ليسَ حرفًا وصوتًا هذا معنَى الآيةِ (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذا أرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). وأمَّا مَا يقولُهُ بعضُ الناسِ (سبحانَ مَن أَمرُهُ بينَ الكافِ والنونِ) فكلامٌ فاسِدٌ لا هو قرءانٌ ولا حديثٌ ولا هو كلامُ أَهلِ العِلمِ. قال الشيخ أَبُو مَدْيَنَ شُعَيْبُ بنُ حُسَيْنٍ الأَنْدَلُسِيُّ المالكي الزَّاهِدُ في عقيدته (الحمد لله الذي تنـزه عن الحد والأين والكيف والزمان والمكان المتكلمُ بكلام قديم أزلي صفةٍ من صفاته قائم ٍبذاته لا منفصلٍ عنه ولا عائدٍ إليه ولا يحُل في المحدثات ولا يجانس المخلوقات ولا يوصف بالحروف والأصوات تنـزَّهت صفات ربنا عن الأرض والسمـٰوات، اللهم إنّا نُوَحِّدُك ولا نَحُدُّك ونؤمن بك ولا نكَيِّفُك ونعبدك ولا نُشَبِّهُك ونعتقد أن من شبهك بخلقك لم يعرف الخالق من المخلوق). اﻫ): مَا لعَبدِي المُؤْمِنِ (مرتبة العبودية لله تعالى مرتبة عظيمة وهي أن يكون الواحد منا عبدا مؤمنا لله عز وجل، فالعبادةُ أشرفُ الخصالِ: وقالَ بعضُهم: لَمَّا كانتِ العبادةُ أشرفَ الخصالِ والتسمي بها أشرفَ الخُطَطِ سَمَّى نبيَّه عبدًا فقدْ وردَ أنَّه لَمَّا وصلَ النبيُّ محمَّدٌ صلواتُ اللهِ عليهِ إلى الدرجاتِ العاليةِ والمراتبِ الرفيعةِ أوحى اللهُ تعالى إليهِ: ((يَاْ مُحَمَّدُ بِمَ أُشَرِّفُكَ؟ قَالَ: رَبِّ بَأَنْ تَنْسُبَنِي إِلَى نَفْسِكَ بِالْعُبُوْدِيَّةِ) فأنزلَ اللهُ فيهِ: ” سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ” وللهِ درُّ القاضي عياضٍ المالكيِّ حيثُ قالَ: 

وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًــا وَتِـيـــهًا
وَكِـدْتُ بِأَخْمَصِـــي أَطَـــأُ الثُّرَيَّـــا

دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي
وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيًّــــا

عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ (قال ابن الجوزي في كشف المشكل والمراد به المصطفى كالولد والأخ وقال ابن الأثير في النهاية صفي الرجل الذي يصافيه الود يخلصه له فعيل بمعنى فاعل أو مفعول اهـ) مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا (وهي دار الفناء والعمل والزوال فيها تتقلب الأحوال، ويكفيها من بلاغة الوصف لها ودقته ما جاء في كتاب الله عز وجل: ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)) [الحديد:20]. قال البغوي في قوله تعالى: ” وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ” باطل وغرور. وقال: سُمّيت الدنيا لدنوها وقيل: لدناءتها وسُميت الآخرة لأنها بعد الدنيا. اهـ قال المناوي: (خيركم أزهدكم في الدنيا) لدناءتها وفنائها (وأرغبكم في الآخرة) لشرفها وبقائها فالعاقل من نزه نفسه عن الدنيا وجعلها خادمة له وأجمَلَ في الطلب وسعى في التخلص فإنه إذا أعرض عنها أتته راغمة خادمة والذي يصل إليه منها وهو يقبل عليها هو الذي يصل إليه وهو معرض عنها نسأل الله السلامة) ثُمَّ احْتَسَبَهُ (قال ابن الأثير: أَيْ طَلَبا لوجْه اللَّهِ وَثَوَابِهِ. فالاحْتِسَاب مِنَ الحَسَبِ، كالاعْتِداد مِنَ العَدّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِمَنْ يَنْوي بعَمَله وجْه اللَّهِ احْتَسَبَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَعْتَدَّ عَملَه، فجُعِل فِي حَالِ مبُاشَرة الفِعل كَأَنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ. والحِسْبَةُ اسْمٌ مِنَ الاحْتِسَاب، كالعدَّة مِنَ الِاعْتِدَادِ، والاحْتِسَاب فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، هُوَ البِدَارُ إِلَى طَلَب الأجْر وَتَحْصِيلِهِ بالتَّسْليم والصَّبر، أَوْ بِاسْتِعْمَالِ أَنْوَاعِ البِرّ وَالْقِيَامِ بِهَا عَلَى الوجْه المرْسُوم فِيهَا طَلَبًا للثَّواب المرْجُوّ مِنْهَا.اهـ وقيل: بأن يرجو ثوابه ويدخره عند الله تعالى وذلك ينبئ عن الصبر والتسليم) إلَّا الجَنَّةَ (قال بعض الفقهاء: والجنة هي الدار الآخرة المشتملة على جميع النعم التي سُمِع بها والتي لم يُسمع بها أي ما أراد الله إيجاده منها سميت بذلك لاشتمالها على الجنان التي هي البساتين.اهـ يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى في القرءانِ الكريم: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأعراف]، ويقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « إنَّ اللهَ سبحانَهُ وتَعالى يَقولُ لأهلِ الجنَّةِ: يا أَهْلَ الجنَّةِ. فَيقولونَ: لبَّيْكَ ربَّنا وسَعْدَيْكَ والخيرُ كلُّهُ في يَديْكَ فيقولُ: ألا أُعْطيكُمْ أفْضَلَ مِنْ ذلكَ. فيقولونَ: يا ربَّنَا وأيُّ شىءٍ أفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ. فَيقولُ: أُحِلُّ عَليْكُمْ رِضْواني فلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أبدًا» رواه البخاري. وأمّةُ سيدِنا محمَّدٍ فيهمْ سبعونَ ألفًا وجوهُهُمْ كالقَمَرِ ليلةَ البَدْرِ يَدْخُلونَ الجنَّةَ دُفعةً واحدةً بلا حِسابٍ ولا عقابٍ وهؤلاءِ همْ أُناسٌ مِنْ أولياءِ اللهِ الصالحينَ، ويَليهِمْ أُناسٌ وجوهُهُمْ كَأَشَدّ كوكبٍ دُرّيّ معَ كلّ ألفٍ مِنَ السَّبعينَ ألفًا المذكورينَ سَبْعونَ أَلفًا مِثْلُهُمْ يدخلونَ الجنةَ بلا حِسابٍ ولا عِقابٍ ومَعهمْ زيادةٌ عليهمْ لا يعلمُ عددَهُمْ إلا اللهُ، يدخلونَ الجنَّةَ أيْضًا بلا حِسابٍ ولا عِقابٍ، وأمَّةُ سيدنا مُحَمَّدٍ خَيْرُ الأُمَمِ وأَكْرَمُها على اللهِ. ويوجد في هذهِ الدُنيا أشياءُ أصلُها مِنَ الجنّةِ منْها: مقامُ إبراهيمَ عليهِ السلامُ. فقد جاءَ في كتابِ الجامعِ لأحكامِ القرءانِ للْقُرْطُبِيّ في تفسيرِ الآيةِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [سورة البقرة] أنَّهُ الحَجَرُ الذي تَعْرِفُهُ النّاسُ اليومَ الذي يُصَلُّونَ عندَهُ رَكعَتينِ بعدَ الطوافِ. وفي البُخاريّ أنَّهُ الحجرُ الذي ارتفعَ عليهِ إبراهيمُ عليهِ السلامُ حينَ ضَعُفَ عَنْ رفْعِ الحجارةِ التي كانَ إسماعيلُ عليهِ السلامُ يناوِلُهُ إيَّاها في بناءِ الكعبةِ وغَرِقَتْ قدَمَاهُ فيهِ. قالَ أنسٌ: رأيتُ في المقامِ أثَرَ أصابِعِهِ وعَقِبِهِ وأخْمَصِ قدمَيْهِ غيرَ أنَّهُ أَذْهَبَهُ مَسْحُ النَّاسِ بِأيديهِمْ. حكاهُ القُشَيْرِيُّ. وكذلِكَ الحجرُ الأسودُ أصلُهُ ياقوتةٌ مِنْ يواقيتِ الجنَّةِ. فقدْ روى الترمذيُّ مِنْ حديثِ ابنِ عباسٍ «الحجرُ الأسودُ مِنَ الجنةِ». وعنْ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو عندَ أحمدَ: « الحجرُ الأسودُ من حجارةِ الجنةِ لولا ما تَعَلَّقَ بهِ مِنَ الأيدي الفاجِرَةِ ما مَسَّهُ أَكْمَهُ ولا أَبْرَصُ ولا ذو داءٍ إلاّ بَرِئ ». أخرجَهُ سعيدُ بنُ مَنصورٍ. وروى الترمذيُّ: نَزَلَ الحجرُ الأسودُ مِنَ الجنَّةِ وهوَ أشَدُّ بياضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خطايا بَني ءادمَ. وقالَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو أيضًا قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ وهُوَ مُسْندٌ ظَهْرَهُ إلى الكعبةِ: « الرُّكْنُ والمقامُ ياقوتتانِ مِنْ يَواقيتِ الجنّةِ لولا أنَّ اللهَ طَمَسَ نورَهُما لأضَاءا ما بينَ المشرقِ والمغربِ » أَخْرَجَهُ أحمدُ وابنُ حِبَّان. ومِمَّا نَزَلَ مِنَ الجنّةِ سَيّدُنا ءادمُ عليهِ السَّلامُ وحوّاءُ والبراقُ، كمَا نَزَلَ أيضًا إبليسُ لعَنَهُ اللهُ. والكَبْشُ الذي فُدِيَ بهِ إسماعيلُ منَ الجنّةِ أيضًا، وعصا موسى قيلَ إنّها نزلَتْ مِنَ الجنَّةِ أيضًا. وأصلُ الحِنْطَةِ والأرزّ ونحوِهِما ممّا نَأْكُلُهُ مِنَ الجنَّةِ، لكنَّها لمّا نَزَلَتْ إلى أرضِنا هذِه تغيَّرَتْ عمَّا كانَتْ عليهِ. كذلِكَ النّيلُ والفراتُ وسَيْحانُ وجَيْحانُ أَصْلُها منَ الجنّةِ، هذهِ الأنهارُ كانَتْ في الجنّةِ ثمَّ نُقِلَتْ، أَدْخَلَها اللهُ في الأرضِ ثمَّ أَخْرَجَها في مكانٍ ءاخرَ، أمَّا دِجْلَةُ فهو فَرْعٌ مِنَ الفراتِ، رَوى مُسْلِمٌ في صحيحه: سَيْحانُ وجَيْحانُ والفراتُ والنّيلُ كلٌّ مِنْ أنهارِ الجنَّةِ . وهوَ حديثٌ صحيحٌ. اللهمَّ ارْزُقْنا الجنَّةَ وما قَرَّبَ إليها مِنْ قولٍ أو عملٍ. فالجنّة يجب الإيمان بها، الجنّة هي دار السلام دار النعيم المقيم الدائم والنعيم فيها قسمان: نعيم لا يناله إلا الأتقياء ونعيم يناله كلّ أهل الجنّة ومن هذا النعيم العامّ أنّ أهل الجنّة كلّهم شباب لا يهرمون أبدًا وكلّهم أصحّاء لا يسقمون ولا يمرضون أبدًا وكلّهم في سرور لا يصيبهم همّ وحزن ونكد وكرب وكلّهم يبقون أحياء في نعيم دائم لا يموتون أبدًا واسمعوا معي ما جاء في وصفها عن النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وسلّم: روى ابن ماجه وابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم قال: « أَلاَ هَلْ مِنْ مُشَمِّرٍ لِلْجَنَّةِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لاَ خَطَرَ لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلأْلأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهْرٌ مُضطَّرِدٌ وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مُقَامٍ أَبَدِيٍ فِي حُبْرَةٍ وَنُضْرَةٍ فِي دَارٍ عَالِيَّةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّة ». وهي مخلوقة الآن ولا تفنى، قال الطحاوي في عقيدته: “والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلًا”. قال تعالى: (أُعِدَت للمتقين) [آل عمران:133]، أي خلقت. وأنكرت الفلاسفة وجود الجنة والنار وأنكرت المعتزلة أنهما مخلوقتان الآن وتخلقان يوم الجزاء)». 

(وهذا الحديث يبين فضل المؤمن عند الله عز وجل وأن الجزاء الحسن والرحمة في الآخرة هي للمؤمن فقط، فالله تعالى أخبرنا أن رحمته في الآخرة خاصةٌ بالمؤمنين. قال الله تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [سورة الأعراف آية 156]. هذه الآيةُ دليلٌ على أنّ الله تعالى يرحمُ المؤمنين والكافرين في الدنيا وذلك بأن يُعطيَهُم الصحةَ والرزقَ والهواءَ العليلَ والماءَ الباردَ وما أشبهَ ذلكَ، أما في الآخرة فيخُصُّها للمؤمنين. ﴿ ورحمتي وسعت كل شىء ﴾ أي في الدنيا ﴿ فسأكتبها ﴾ أي في الآخرة ﴿ للذين يتقون ﴾ أي يجتنبون الشرك وجميع أنواع الكفر. كما جاء في الحديث الصحيح: « إن الله يعطي الدنيا لِمن يُحب ولِمن لا يُحب ولا يُعطي الإيمانَ إلا لِمن يُحب » وفي رواية « إن الله يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا لمن يحب ». الله تبارك وتعالى فضلًا منه وكرمًا جعلَ رحمتَه في الدنيا عامة شاملة للمؤمنينَ والكافرينَ وجعلها خاصةً في الآخرةِ بالمؤمنينَ دونَ الكافرينَ عدلاً منهُ لأنه تبارك وتعالى ليس ملزمًا بشىء. يقول الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ الآيةَ [سورة الأعراف 156] أي وسعت رحمة الله في الدنيا كلّ مؤمن وكافر، أمّا في الآخرة فقد جعلها الله خاصّة بالمؤمنين. لذلك إنّ الترحّم على الكافر في حال حياته جائز لأنّه يجوز أن يهتديَ فيسلمَ فيموت على الإسلام، أمّا إذا مات على حالة الكفر فقد فاته الإيمان، فلا يجوز الترحّم عليه بعد موته. فمن قال لمن مات على الكفر: ( الله يرحمه ) بقصد أن يريحه في قبره فقد خرج عن دين الله. فمن مات على غير الإيمان على غير الإسلام لا يجوز القول اللهمّ اغفر له أو اللهمّ ارحمه لأنّ الله أخبر في القرءان العظيم أنّه لا يغفر للكافر بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [سورة النساء آية 156] فمن كنتَ تَسمعه في الدنيا يسبّ الله أو الأنبياء أو يستخفّ بالملائكة أو يعتقد أنّ الله جسم أو ضوء ثمّ بلغك أنّه مات على ذلك ليس لك أن تترحّم عليه بقول الله يرحمه، والعلماء ذكروا في كتبهم أنّ من مات على الكفر لا يصلّى عليه أي لا تجوز الصلاة عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين أي لا يجوز دفنه في مقابر المسلمين. قال الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [سورة التوبة آية 113]. هذه الآية نزلت عندما مات عمّ النّبي أبو طالب كافرا. فالإيمان شرط لقبول الأعمال الصّالحة. قال الله تعالى: ﴿ مَثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ [سورة إبراهيم ءاية 18]. وقال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: « وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ في الدُّنْيَا حَتّى إِذا أَفْضَى إِلى الآخِرَةِ لَم يَكُنْ لُهُ مِنْهَا نَصِيبٌ ». وقال الإمام أبو حنيفة رَضيَ الله عنه : « لا يَكون إسلامٌ بلا إيمانٍ ولا إيمانٌ بلا إسلامٍ فهُما كالظّهرِ مع البَطنِ ». فغير المسلم لا يجوز أنْ يُسمّى مؤمِنا). 

أحبابي: إن هذا الأجر المذكورَ في الحديث عرفه الصالحون والذين ابتلاهم الله فصبروا واحتسبوا أجورهم عند الله عز وجل، 

روي عن زياد بن أبي حسان، أنّه شهد عُمَرَ بنَ عبد العزيز رحمه اللّه حين دفن ابنَه عبد الملك، فلما سُوِّيَ عليه قبرُه بالأرض، وجعلوا على قبره خشبتَينِ من زيتونٍ، إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ثم جَعل قبرَه بينه وبين القبلة، واستوى قائما وأحاط به الناس، قال: رحمك اللَّه يا بُنَيَّ، فلقد كنتَ بَرًّا بأبيك، وما زلتُ مُذ وهبك اللَّه لي بك مسرورا، ولا واللَّه ما كنتُ قطُّ أشدَّ بك سرورا، ولا أرْجَى لحظّي من اللّه فيك، منِّي مُذْ وضعتُك في هذا الموضع الذي صَيَّرك اللَّه إليه، فغفر اللَّهُ ذنبَك، وجَزَاك بأحسنِ عَملِك، وتجاوَزَ عن سيِّئتك ورحم اللَّه كلَّ شافعٍ يشفع لك بخيرٍ من شاهدٍ أوْ غائب، رَضِينا بقضاء اللَّهِ، وسلّمْنا لأمره، فالحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين، ثم انصرف.اهـ