بداية باب الصبر

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: باب الصبر: 

قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وَقالَ تَعَالَى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} وَقالَ تَعَالَى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} وَقالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} وَالآياتُ في الأمر بالصَّبْر وَبَيانِ فَضْلهِ كَثيرةٌ مَعْرُوفةٌ.

قول الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا (قال النسفي: أي اصبروا على الدين وتكاليفه قال الجنيد رضي الله عنه الصبر حبس النفس على المكروه بنفي الجزع.اهـ وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: كتب أبو عبيدة بن الْجَرَّاحِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَذْكُرُ لَهُ جموعَ الرُّومِ وَمَا يَتَخَوَّفُ مِنْهُمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَهْمَا يَنْزِلُ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مَنْزِلِ شِدَّةٍ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ بَعْدَهَا فَرَجًا، وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”) وَصَابِرُوا (قال الشيخ رحمه الله تعالى: أي اغلبوا الكفار بصبركم عليهم. اهـ فلا ينبغي أن يكون أعداءُ الدين وهم على باطل يقضون أوقاتَهم ويُتعِبون أجسادَهم للفساد ولحرب الدين أصبرَ من أهل الحق وهم المناضلون عن الحق المدافعون عن حماه الرافعون لواءه في زمن غربة الإسلام) (قال القشيري: الصبر فيما تفرد به العبد، والمصابرة مع العدو. ويقال أول الصبر التصبر، ثم الصبر ثم المصابرة ثم الاصطبار وهو نهاية، ويقال اصبروا على الطاعات وعن المخالفات، وتصابروا فى ترك الهوى والشهوات، وقطع المنى والعلاقات، ورابطوا بالاستقامة فى الصحبة فى عموم الأوقات والحالات. ويقال اصبروا بنفوسكم وصابروا بقلوبكم، ورابطوا بأسراركم. والصبر مرّ مذاقه إذا كان العبد يتحسّاه مع غياب القلب وغياب التلذذ به، وهو لذيذ طعمه إذا شربه مستحضرا الثوابَ المترتبَ عليه)} (هذه الآية إذا تذكرها واستحضرها طالب العلم فإنه سيحمل نفسَه على الثبات على العلم ولذلك قيل اصبر على مر الجفا من معلم فان رسوب العلم في نفراته ومن لم يذق ذل التعلم ساعة تجرع ذل الجهل طول حياته ومن فاته التعليمُ وقتَ شبابه فكبر عليه أربعا لوفاته وذات الفتى بالعلم والله والتقى إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته وإذا تذكرها الداعية فإنه سيتحمل أذى الناس وأعداءَ الدين وإذا تذكرها المبتلى فإنه سيهون عليه بلاؤه وإذا تذكرها الصائم فَسَيَهُونُ عليه التعب الذي يلقاه من الصيام وإذا تذكرها قائم الليل فإنه سيسهُل عليه القيام وترك الفراش الدافئ لأجل الصلاة في جوف الليل وإذا تذكرها كل من يسير على الحق فإنه سيسهل عليه ما يلقاه من هذه الدنيا مما يُنَغِّصُ فؤادَه ويُعَكِّرُ مزاجَه فإن الدنيا دار بلاء والآخرةَ دارُ الجزاء، نسأل الله أن يجعلنا من الصابرين) وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ (قال النسفي: معناه: ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون على ما أنتم عليه من الطاعة أم لا [مع الانتباه أن الله يبتلينا أي يختبرنا ليس لأنه لا يعلم فإنه يعلم كل شيء كما سأبين، بل ليُعْلِمَنَا مَنِ الصابرُ ممن لا يصبر] وَالْبَلَاءُ يَكُونُ حَسَنًا وَيَكُونُ سَيِّئًا. وَأَصْلُهُ الْمِحْنَةُ ) بِشَيْءٍ (وهذا لَفْظٌ مُفْرَدٌ وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ. أي بقليل من كل واحدة من هذه البلايا المذكورة في هذه الآية وطرف منه وقليل منها ليُخبِرَهم أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن عَظُمَ ففوقه ما هو أشد منه ويريهم أن رحمته معهم في كل حال وأعلمهم بوقوع البلواء قبل وقوعها ليوطنوا نفوسهم عليها وليُجَهِزوا أنفسهم لقبول البلاء والصبر عليه) (قال القرطبي: وَقِيلَ: إِنَّمَا ابْتُلُوا بِهَذَا لِيَكُونَ آيَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ فَيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا صَبَرُوا عَلَى هَذَا حِينَ وَضَحَ لَهُمُ الْحَقُّ. وَقِيلَ: أَعْلَمَهُمْ بِهَذَا لِيَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ أَنَّهُ يُصِيبُهُمْ، فَيُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ فَيَكُونُوا أَبْعَدَ لَهُمْ مِنَ الْجَزَعِ، وَفِيهِ تَعْجِيلُ ثَوَابِ الله تعالى بناء على العزم من الصابر وتوطين النفس) مِنَ الْخَوْفِ (أَيْ خَوْفِ الْعَدُوِّ وَالْفَزَعِ فِي الْقِتَالِ، قَالَهُ ابن عباس. وقال الشافعي: هو خوف اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) وَالْجُوعِ (يَعْنِي الْمَجَاعَةَ بِالْجَدْبِ وَالْقَحْطِ، فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ الْجُوعُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ (بسبب الاشتغال بقتال الكفار. وقيل: الجوائح الْمُتْلِفَةِ. فقد يبتلى الشخص بنقص المال وليس هذا دافعا له لأن يعصي الله عز وجل بل ينبغي أن يصبر على هذا النقص) وَالْأَنْفُسِ (قَالَ ابن عباس: بالقتل والموت فِي الْجِهَادِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَعْنِي بِالْأَمْرَاضِ، فكم من أناس ابتلوا في أجسادهم فصبروا وكم من أناس ابتلوا في أجسادهم فكفروا بالله عز وجل والعياذ بالله) وَالثَّمَرَاتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمُرَادُ مَوْتُ الْأَوْلَادِ، وَوَلَدُ الرَّجُلِ ثَمَرَةُ قَلْبِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ، عَلَى مَا يَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُرَادُ قِلَّةُ النَّبَاتِ وَانْقِطَاعُ الْبَرَكَاتِ) وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (أَيْ بِالثَّوَابِ عَلَى الصَّبْرِ. وَالصَّبْرُ أَصْلُهُ الْحَبْسُ، وَثَوَابُهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ)} (قال القشيري: قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} ثُمَّ قَالَ فِي آخر الآية: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} فبشرهم بجميل الثواب عَلَى الصبر عَلَى مقاساة الجوع، وجاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِكسْرَةِ خُبْزٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْكِسْرَةُ يَا فَاطِمَةُ؟ قَالَتْ: قُرْصًا خَبَزْتُهُ وَلَمْ تَطْلُبْ نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُكَ بِهَذِهِ الْكِسْرَةِ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ أَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فَمُ أَبِيكِ مُنْذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ” ولهذا كَانَ الجوع من صفات الْقَوْم وَهُوَ أحد أركان المجاهدة فَإِن أصحاب السلوك تدرجوا إِلَى اعتياد الجوع والإمساك عَنِ الأكل ووجدوا ينابيع الحكمة فِي الجوع وكثرت الحكايات عَنْهُم فِي ذَلِكَ. وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: لو أَن الجوع يباع فِي السوق لما كَانَ ينبغي لطلاب الآخرة إِذَا دخلوا السوق أَن يشتروا غيره.. وَقَالَ يَحْيَي بنُ معاذ: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مكْرُمة. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ: جِئْتُ إِلَى بَابِهِ فَإِذَا هُوَ فِي الدِّهْلِيزِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ بِطِّيخَةٌ وَهُوَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: أَكَلْتِيهَا فَكَانَ مَاذَا؟ فَطَرَقْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ وَدَخَلْتُ وَقُلْتُ أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ تُعَاتِبُ نَفْسَكَ فِيهَا. فَقَالَ: 

صَبَرْتُ عَلَى الأَيَّامِ حَتَّى تَوَلَّتْ
وَأَلْزَمَتُ نَفْسي صَبْرَهَا فَاسْتَمَرَّتْ

وَمَا النَّفْسُ إِلا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الفتى
فَإِنْ طْمِعَتْ تَاقَتْ وَإِلا تَسَلَّتْ

وكانت على الأيام نفسي عزيزةً
فلما رأت صبري على الذل ذلّت

فقلت لها يا نفس موتي كريمةً
فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت

ثُمَّ رَمَى بِالْبِطِّيخَةِ إِلَيَّ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: 

(مَنْ نَالَ دُنْيَا بِغَيْرِ دين … بال وَبَالا عَلَى وَبَالِ) ) وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (أَيْ بِغَيْرِ تَحديدٍ.. وَقِيلَ:” بِغَيْرِ حِسابٍ” أَيْ بِغَيْرِ مُتَابَعَةٍ وَلَا مُطَالَبَةٍ كَمَا تَقَعُ الْمُطَالَبَةُ بِنَعِيمِ الدُّنْيَا) (وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ:” إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ” قَالَ: هُوَ الصَّبْرُ عَلَى فَجَائِعِ الدُّنْيَا وَأَحْزَانِهَا. وَلَا شَكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَلَّمَ فِيمَا أَصَابَهُ، وَتَرَكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ، فَلَا مِقْدَارَ لِأَجْرِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا وَاللَّهِ مَا هُنَاكَ مِكْيَالٌ وَلَا مِيزَانٌ، حَدَّثَنِي أَنَس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ فَيُؤْتَى بِأَهْلِ الصَّدَقَةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهُمْ بِالْمَوَازِينِ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَيُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلَاءِ فَلَا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ وَلَا يُنْشَرُ لَهُمْ دِيوَانٌ وَيُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْأَجْرُ بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:” إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ” حَتَّى يَتَمَنَّى أَهْلُ الْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا أَنَّ أَجْسَادَهُمْ تُقْرَضُ بِالْمَقَارِيضِ مِمَّا يَذْهَبُ بِهِ أَهْلُ الْبَلَاءِ مِنَ الْفَضْلِ”. وَعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:” أَدِّ الْفَرَائِضَ تَكُنْ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ وَعَلَيْكَ بِالْقُنُوعِ تَكُنْ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ، يَا بُنَيَّ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يُقَالُ لَهَا شَجَرَةُ الْبَلْوَى يُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلَاءِ فَلَا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ وَلَا يُنْشَرُ لَهُمْ دِيوَانٌ يُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْأَجْرُ صَبًّا” ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ”. } وَقالَ تَعَالَى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (قال القشيري: صَبَرَ على البلاء من غير شكوى، وَغَفَرَ- بالتجاوز عن الخصم- ولم تبق لنفسه عليه دعوى، بل يبرىء خصمه من كل دعوى، فى الدنيا والعقبى.. فذلك من عزم الأمور، أي من الأمور التي نُدِب إليها، وعُزِمَ على فعلها.اهـ وقال أبو سعيد القرشي: الصبر على المكاره من علامات الانتباه، فمن صبر على مكروه أصابه ولم يجزع أورثه اللّه تعالى حال الرّضا وهو أصل الأحوال ومن جزع من المصيبات وشكى وكله إلى نفسه ثم لم تنفعه شكواه. وقال بعض المفسرين: عند الصوفية الصادقين: ثلاث طبقات: العامة ينتصرون، والخاصة لا ينتصرون، لكن يرفعون أمرهم إلى اللّه فى أخذ حقهم من ظالمهم، وخاصة الخاصة يحسنون لمن أساء إليهم)} (قال القرطبي: وَالصَّبْرُ صَبْرَانِ: صَبْرٌ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَهَذَا مُجَاهِدٌ، وَصَبْرٌ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَهَذَا عَابِدٌ. فَإِذَا صَبَرَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَصَبَرَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ أَوْرَثَهُ اللَّهُ الرِّضَا بِقَضَائِهِ، وَعَلَامَةُ الرِّضَا سُكُونُ الْقَلْبِ بِمَا وَرَدَ عَلَى النَّفْسِ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمَحْبُوبَاتِ. وَقَالَ الْخَوَّاصُ: الصَّبْرُ الثَّبَاتُ عَلَى أَحْكَامِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَالَ رُوَيْمٌ: الصَّبْرُ تَرْكُ الشَّكْوَى. وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: الصَّبْرُ هُوَ الِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ: الصَّبْرُ حَدُّهُ أَلَّا تَعْتَرِضَ عَلَى التَّقْدِيرِ، فَأَمَّا إِظْهَارُ الْبَلْوَى عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الشَّكْوَى فَلَا يُنَافِي الصَّبْرَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ:” إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ ” مَعَ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ أنه قال: “مَسَّنِيَ الضُّرُّ”) وَقالَ تَعَالَى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ )وهذا في دليل لأهل السنة أن مجرد الاستعانة بغير الله على معنى السبب ليس شركا كما يقول البعض، فلو استعنتُ بالصبر والصلاة لا أكون مشركا أو بأي شيء يجوز الاستعانة به مما لا يعارض الدين كما يستعين الناس يوم القيامة بالرسول ليشفع لهم عند الله ويقام الحساب، أما معنى قوله صلى الله عليه وسلم “إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله” أي من باب الأولى، أو على معنى الخلق فهذا لا يقدر عليه إلا الله عز وجل) بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ (خَصَّ الصَّلَاةَ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ تَنْوِيهًا بِذِكْرِهَا وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزَعَ إِلَى الصَّلَاةِ وَمِنْهُ مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابن عَبَّاسٍ نُعِيَ لَهُ أَخُوهُ قُثَمُ- وَقِيلَ بِنْتٌ لَهُ- وَهُوَ فِي سَفَرٍ فَاسْتَرْجَعَ وَقَالَ: عَوْرَةٌ سترها الله، وَأَجْرٌ سَاقَهُ اللَّهُ. ثُمَّ تَنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ وَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ:” وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ” فَالصَّلَاةُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ هِيَ الشَّرْعِيَّةُ. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ الدُّعَاءُ عَلَى عُرْفِهَا فِي اللُّغَةِ فَتَكُونُ الْآيَةُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مُشْبِهَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى” إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ” [الأنفال 45] لِأَنَّ الثَّبَاتَ هُوَ الصَّبْرُ وَالذِّكْرَ هُوَ الدُّعَاءُ وَقَوْلٌ ثَالِثٌ قَالَ مُجَاهِدٌ: الصَّبْرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الصَّوْمُ وَمِنْهُ قِيلَ لِرَمَضَانَ شَهْرُ الصَّبْرِ فَجَاءَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي الْآيَةِ مُتَنَاسِبًا فِي أَنَّ الصِّيَامَ يَمْنَعُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَيُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا وَالصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَتَخَشُّعٌ وَيُقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنُ الَّذِي يُذَكِّرُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (أما تَفْسِيرُ مَعِيَّةِ اللَّهِ الْمَذْكُورَةِ فِى الْقُرْءَانِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْحَدِيدِ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ لا بِالْحِسِّ وَالْجِهَاتِ كَمَا فِى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ لِلْمُفَسِّرِ اللُّغَوِىِّ الْحَافِظِ أَبِى حَيَّانَ الأَنْدَلُسِىِّ وَتَأْتِى الْمَعِيَّةُ أَيْضًا بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْكِلاءَةِ أَيِ الحِفْظِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّبِيدِىُّ فِى التَّاجِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ النَّحْلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فَكِلا الْمَعْنَيَيْنِ أَىِ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ وَالنُّصْرَةُ وَالْكِلاءَةُ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ فِى الآيَتَيْنِ الآنِفَتَىِ الذِّكْرِ مَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْجِسْمِيَّةِ وَلَيْسَ الْمَعْنِىُّ بِهَا الْحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَىْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْحُلُولُ أَوِ الِاتِّصَالُ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ بِالْمَسَافَةِ فَلا يُقَالُ إِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْعَالَمِ وَلا إِنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ بِالْمَسَافَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ مِنْ صِفَاتِ الْحَجْمِ وَالْحَجْمُ هُوَ الَّذِى يَقْبَلُ الأَمْرَيْنِ مِنَ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ وَهُوَ حَادِثٌ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلا لَيْسَ بِحَادِثٍ وَقَدْ نَفَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾} وَقالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} (مَعْنَاهُ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِالْقَتْلِ وَجِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ حَتَّى نُمَيِّزَ أَىْ نُظْهِرَ لِلْخَلْقِ مَنْ يُجَاهِدُ وَيَصْبِرُ مِنْ غَيْرِهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَالِمًا قَبْلُ أَىْ فِى الأَزَلِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا نَقَلَ الْبُخَارِىُّ ذَلِكَ فِى كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بنِ الْمُثَنَّى مِنْ فَطَاحِلِ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ وَهَذَا شَبِيهٌ بِقَوْلِه تَعَالَى فِى سُورَةِ الأَنْفَالِ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أَىْ لِيُظْهِرَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مَنْ هُوَ الْخَبِيثُ وَمَنْ هُوَ الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِذَاتِهِ وَبِصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ بِعِلْمٍ وَاحِدٍ أَزَلِىٍّ أَبَدِىٍّ لا يَتَغَيَّرُ وَلا يَتَطَوَّرُ وَلا يَزِيدُ وَلا يَنْقُصُ وَمَا أَوْهَمَ تَجَدُّدَ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الأَنْفَالِ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ أَىْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ تَجَدُّدَ الْعِلْمِ أَىْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ خَفَّفَ عَنْكُمُ الآنَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْكُمْ مِنْ مُقَاوَمَةِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَضْعَافٍ كَثِيرةٍ مِنَ الْكُفَّارِ بِإِيجَابِ مُقَاوَمَةِ وَاحِدٍ لِاثْنَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ لِأَنَّهُ الآنَ عَلِمَ بِالضَّعْفِ الَّذِى فِيكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ التَّخْفِيفَ حَصَلَ الآنَ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ مَا فِيكُمْ مِنَ الضَّعْفِ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى نَقُولُ قَوْلُهُ ﴿وَعَلِمَ﴾ لَيْسَ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ ﴿الآنَ﴾ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى خَفَّفَ عَنْكُمُ الآنَ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِى الأَزَلِ أَنَّهُ يَكُونُ أَىْ يُوجَدُ فِيكُمْ ضَعْفٌ) وَالآياتُ في الأمر بالصَّبْر وَبَيانِ فَضْلهِ كَثيرةٌ مَعْرُوفةٌ (الصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى وَالطَّاعَاتِ مِنْ بَابِ جِهَادِ النَّفْسِ وَقَمْعِهَا عَنْ شَهَوَاتِهَا وَمَنْعِهَا مِنْ تَطَاوُلِهَا وَهُوَ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَالَ الشَّعْبِيُّ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَصَدَقَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ فَالصَّبْرُ عَلَى الْعَمَلِ بِالشَّرَائِعِ نَظِيرُ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي لَا تَمَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ) (مِنْ فَضْلِ الصَّبْرِ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (ليس أحدٌ أو ليس شيٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّبْرِ إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْحِلْمِ وَمَعْنَى وَصْفِهِ تَعَالَى بِالْحِلْمِ هُوَ تَأْخِيرُ الْعُقُوبَةِ عَنِ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا وَوَصْفُهُ تَعَالَى بِالصَّبْرِ لَمْ يَرِدْ فِي التَّنْزِيلِ وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَتَأَوَّلَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْحِلْمِ قَالَهُ ابْنُ فُورَكَ وَغَيْرُهُ. وَجَاءَ فِي أَسْمَائِهِ” الصَّبُورُ” لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْحِلْمِ عَمَّنْ عَصَاهُ).