المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للهِ الواحدِ الماجدِ العظيمِ، الدائمِ العالمِ القيومِ القديمِ، القويِّ العليِّ الغنيِّ الحكيمِ، قضى فسقِمَ الصحيحُ وتعافى السَّقيم، وقدَّرَ فأعانَ الضعيفَ وأوهى القويمَ، قَسَمَ عبادَه قِسمينِ طائعٍ وأثيمٍ وجعلَ مآلَهم إلى دارينِ دارِ النعيمِ ودارِ الجحيمِ، فمنهم من عصمهُ من الخطايا ومنهم من قضى له أن يبقَى على الذنوبِ ويُقيم، ومنهم من يترددُ بين الأمرينِ والعبرةُ بالخواتيمِ، أنعم علينا بالفضلِ الوافرِ العميمِ وهدانا بمنِّه إلى الصراطِ المستقيمِ، فهو مستحقُّ الحمدِ ومستوجبُ التعظيمِ.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له شهادة ننجو بها يومَ القيامةِ من العذابِ الأليمِ، وأشهدُ أن سيدَنا وحبينا محمدا عبده ورسولُه الهادي للنهجِ القويمِ، اللهم صلِّ وسلمْ وأنعمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه الطيبين الطاهرين.
فقد خَصّ الله محمدا ﷺ برتبة ليس دونها النّجوم، وفضّله بفضائل عظيمة لو أردنا بسط الكلام فيها لم يكفنا هذا الشهر بأكمله في ليله ونهاره، فَسِيرَةُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَخْلَاقُهُ وَأَقْوَالُهُ وَأَفْعَالُهُ مِنْ آيَاتِهِ، أَيْ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ، وَشَرِيعَتُهُ مِنْ آيَاتِهِ، وَكَرَامَاتُ صَالِحِي أُمَّتِهِ مِنْ آيَاتِهِ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِتَدَبُّرِ سِيرَتِهِ مِنْ حِينَ وُلِدَ إِلَى أَنْ بُعِثَ، وَمِنْ حِينَ بُعِثَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَتَدَبُّرِ نَسَبِهِ وَبَلَدِهِ وَأَصْلِهِ وَفَصْلِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشْرَفِ أَهْلِ الْأَرْضِ نَسَبًا مِنْ صَمِيمِ سُلَالَةِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، فَلَمْ يَأْتِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ نَبِيٌّ إِلَّا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ الرَّسُولُ ﷺ من قريش صفوة بنى إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ صَفْوَةِ قُرَيْشٍ، وَمِنْ مَكَّةَ أُمِّ الْقُرَى وَبَلَدِ الْبَيْتِ الَّذِي بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى حَجِّهِ، وَلَمْ يَزَلْ مَقصودا للحجّ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ، ونبينا كان مَذْكُورًا في كتب الأنبياء بأحسن وصف ولذلك ظهرت الدلائل الكثيرة التي تدل على نبوة محمد ﷺ قبل ولادته وفي أثناء الولادة وفي حياته قبل البعثة وبعد البعثة وبعد وفاته.
إعطاؤه ﷺ أعظم مما أوتيه يعقوب عليه الصلاة والسلام
دعا نبي الله يعقوب عليه السلام إلى دين الإسلام وإلى عبادة الله وحده وترك عبادة غير الله، وقد ابتلى اللهُ نبيَّه يعقوب بالبلايا الكثيرة فصبر ونال الدرجات العالية، ومن جملة البلاء الذي ابتُلي به عليه السلام أنه فقد بصره حزنًا على ولده يوسف الذي مكر به إخوته العشرة وهم من سوى بنيامين، ثم ردّ الله تعالى له بصره بعد أن جاء البشير بقميص يوسف ووضعه على وجهه فعاد بصيرًا بعد طول غياب وشدة حزن وألم على فقد ابنه وحبيبه يوسف عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [سورة يوسف/ الآية 96]. وقد اجتمع يعقوب بابنه يوسف عليهما السلام في مصر بعد طول غياب حيث مكث يوسف بعيدًا عن أبيه يعقوب ما يقارب الأربعين سنة.
روي في كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل أنّ مَلَكَ الْمَوْتِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَذِنَ لَهُ فَأَتَاهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أسالك بِالَّذِي خَلَقَكَ، قَبَضْتَ رَوْحَ يُوسُفَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ لَا تَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: قُلْ يَا ذَا الْمَعْرُوفِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا وَلَا يُحْصِيهِ غَيْرك فرج عني ما أهمني. قَالَ: فَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ حَتَّى أُتِيَ بِقَمِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فإن قالوا: إنّ يعقوب عليه السّلام صبر على فراق ولده وذهب بصره من الحزن.
قلنا: كان حزنه على ولده حزن تلاق واشتياق، ووجد وفِراق، ورسولُ الله ﷺ فُجع بأولاده، خصوصًا بِقُرَّةِ عينه إبراهيم في حياته – الذي مات وعمره سنتان-، فصبر ﷺ محتسبًا، ووفى بصدق الاختيار مستسلمًا، فقال ﷺ: ((تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، وَإِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ)) رواه ابن ماجه في سننه. في كل ذلك ينهج ﷺ سبيل الرضا عن الله عزّ وجلّ والاستسلام له في جميع أحكامه وأحواله،
أمّا حزن يعقوب يدلّك عليه قول الله عزّ وجلّ حكاية عن يعقوب عليه السّلام: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [سورة يوسف/ الآية 84]، فقد أصابه من الوجد ما أصابه بفقد ابن واحد من بنين كثيرة، ومحمّد ﷺ مات كل أولاده في حياته إلا فاطمة فلم يصبه مع ذلك جزع، وكان ﷺ موصوفًا بالرأفة والرحمة، فبان صبره على صبر يعقوب عليه السّلام.
فإن قالوا: إنّ يعقوب عليه السّلام عَظُمَ في الخير نصيبه، وجعل الأسباطُ من جملة ذريته، ومريم ابنة عمران من بناته، والهداة من ذريته، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [سورة العنكبوت/ الآية 27]. – ولكن يجدر التنبيه هنا أنّ الأسباط كانوا من أحفاد يعقوب وليسوا أولادَه المباشرين، فأبناء يعقوب غير يوسف وبنيامين لا تجوز عليهم النبوة، وهم من فعل تلك الأفاعيل القبيحة من تسفيههم أباهم يعقوب ورميهم يوسف بالبئر وغير ذلك، فالنبوة لا تجوز على من كان هذا حالَه، قال الله تعالى في إخوة يوسف عليه السلام: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[سورة يوسف/ الآية 8]، هذه الآية كل المفسرين متفقون أنّ الذي قال هذا الكلام هم أولاد سيدنا يعقوب أخوة يوسف المعروفون، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [سورة يوسف/ الآية 94-95]، ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ أي يعقوب، ﴿قَالُوا﴾ الظاهر أن الذين قالوا هم أولاد يعقوب؛ فبعض العلماء مشى على الظاهر لأن القاعدة أن الآية أو الحديث يحمل على الظاهر إلا أن يكون هناك دليل لإخراجه عن الظاهر، وهنا لا يوجد دليل لإخراجه عن ظاهره.
قال بعض المفسرين: المقصود أولاد أولاده ومن كان معه من أهل يعقوب. لكن بعض العلماء ما رأى داعيا إلى هذا التأويل فبقي على الظاهر وهذا الذي عليه أغلب المفسرين أي الجمهور، أي هذا القول الراجح.
قولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ الضلال معناه ينسبون الهوى وفساد الرأي إلى يعقوب؛ غلب الهوى عليه، وأكيد ما أحد قال المقصود بالضلال هو الكفر الخروج عن الهدى إلى الكفر.
فظاهر الكلام بالضلال في الآية الأولى والثانية أنه الركون إلى الهوى وإتِّباع الهوى وفساد الرأي، والذي ينسب إلى نبي من الأنبياء اتباع الهوى وفساد الرأي يكون ذامًّا له وهذا خروج عن الدين، بعض العلماء مشى على الظاهر وهذا ظاهر معنى الضلال؛ لذلك قالوا إن إخوة يوسف خرجوا عن الدين لنسبتهم هذا التنقيص إلى أبيهم، فأين الإشكال!!!
وقال بعض المفسرين: الضلال معناه المحبة. هذا قول قاله بعض قليل من المفسرين؛ أي ما زلت متعلقا بمحبة يوسف -.
قلنا: ومحمّد ﷺ أعظمُ بالخير نصيبا، وأوفرُ حظّا وأرفعُ ذكرا: جعلت فاطمة سيدةُ نساء هذه الأمة من بناته، روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُ، لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا، فَقَالَ: ((مَرْحَبًا بِابْنَتِي)) ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ؟ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَأَلْتُهَا مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِرَّهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ، بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ، لَمَا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: أَمَّا الْآنَ، فَنَعَمْ، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الْآنَ مَرَّتَيْنِ، ((وَإِنِّي لَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ)) قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ فَقَالَ: ((يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضِيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ)) قَالَتْ: فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ.
وروى الحاكم بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: يَا أَهْلَ الْجَمْعِ، غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَمُرَّ)).
وروى أيضًا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ فَاطِمَةَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَحَرَّمَ اللَّهُ ذُرِّيَتَهَا عَلَى النَّارِ)).
والحسن والحسين من ذريته، وهما أي الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، روى الترمذي في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ هَذَا مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلِ الأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَنَّ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ)).
وأعطي ﷺ الكتاب المحفوظ، لا يغير ولا يبدل، وأوجب الله على الخلق الاقتداء بسنته، وفتح عليه باب الحكمة، وآله يُذكَرون في كل صلاة بل إن الصلاة على آله ﷺ من سنن الصلاة، فهل من فضيلة أعظم من هذه؟!!
إعطاؤه ﷺأعظم مما أوتيه يوسف عليه الصلاة والسلام
فَإِن قيل: إنَّ يُوسُفَ مَوْصُوفٌ بِالْجَمَالِ فقد أوتي شطر الحسن.
قلنا: ونبينا ﷺ أوتي من الجمال ما لم يؤته أحد، ولم يؤت يوسف إلا شطرَ الحسن، وأوتي نبينا ﷺ الحسن جميعَه، إِنَّ جَمَالَ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي وَصَفَهُ بِهِ أَصْحَابُهُ لَا غَايَةَ وَرَاءَهُ إِذْ وَصَفُوهُ بِالشَّمْسِ الطَّالِعَةِ أَوْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَأَحْسَنَ مِنَ الْقَمَرِ وَوَجْهُهُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ يَسْتَنِيرُ كَاسْتِنَارَةِ الْقَمَرِ وَكَانَ عَرَقُهُ ﷺ لَهُ رَائِحَةٌ كَالْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، وروي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ: صِفِي لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ لَوْ رَأَيْتَهُ لَرَأَيْتَ الشَّمْسَ الطَّالِعَةَ، وروي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قُلْتُ لِهِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ: صِفْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ. قَالَ: نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَسَنَ الْوَجْهِ يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُأَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ.
وفي البخاري ومسلم عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ)). وروي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عَرَقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ وَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَنْوَرَهُمْ لَوْنًا،
روى البيهقي في السنن الكبرى عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ قَاعِدَةً أَغْزِلُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، فَجَعَلَ جَبِينُهُ يَعْرَقُ وَجَعَلَ عَرَقُهُ يَتَوَلَّدُ نُورًا فَبُهِتُّ، فَنَظَرَ إِلِيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((مَالَكِ يَا عَائِشَةُ بُهِتِّ؟)) قُلْتُ: جَعَلَ جَبِينُكَ يَعْرَقُ وَجَعَلَ عَرَقُكَ يَتَوَلَّدُ نُورًا، وَلَوْ رَآكَ أَبُو كَبِيرٍ الْهُذَلِيُّ لَعَلِمَ أَنَّكَ أَحَقُّ بِشِعْرِهِ قَالَ: ((وَمَا يَقُولُ أَبُو كَبِيرٍ؟)) قَالَتْ: قُلْتُ يَقُولُ:
| وَمُبَرَّأٌ مِنْ كُلِّ غَيْــرِ حَيْضَةٍ | وَفَسَـــادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُغَــيِّلِ |
| فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَسِرَّةِ وَجْهِهِ | بَرَقَتْ كَبَرْقِ الْعَارِضِ الْمُتَهَلِّلِ |
قَالَتْ: فَقَامَ إِلِيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنِيَّ وَقَالَ: ((جَزَاكِ اللهُ يَا عَائِشَةُ عَنِّي خَيْرًا مَا سُرِرْتِ مِنِّي كَسُرُورِي مِنْكِ)).
يَقُولُ هِنْدٌ: كان فِي أَعْيُنِنَا أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ.
وفي البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: ((كان النبي ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ)) لأن الله تعالى أعطاه كل الحسن، فجمال يوسف وكلُّ جمالٍ جزءٌ من جماله ﷺ، قال بعض الشعراء في مدح جمال محمد ﷺ:
| لا والذي خلق الجمالَ بصورةٍ | ما مثلُ أحمدَ صورةً وجمال |
وقد ثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم منهم من لم يكن يملأ عينيه منه، صلى الله عليه وسلم، مع أن الله تعالى أخفى عنهم جل جماله لطفًا بهم لئلا تطيشَ عقولهم.
قال الصاوي المالكي في حاشيته على الجلالين في تفسير سورة يوسف: وبالجملة لم يكن أحسنَ من يوسف عليه السلام إلا سيدنا محمد ﷺ فإن يوسف أعطي شطر الحسن، ورسول الله أعطي الحسن كاملًا، قال البوصيري:
| منزه عن شريك في محاسنه | فجوهرُ الحُسنِ فيه غيرُ منقَسِم |
فإن قلت: إذا كان كذلك، فلم لم تفتتن النساء بجمال محمد ﷺ كما افتتنَّ بجمال يوسف؟
أجيب: بأن جمال محمد قد ستره الله بالجلال كالشمس، لا يستطيع أحد أن يتأمل فيها إذا قرب منها، ولذا لم ترو أغلب الشمائل الشريفة، إلا عن صغار الصحابة، كالحسن والحسين وعبد الله بن عمر وغيرهم، لا عن كبارهم، لقيام الجلال بقلوبهم فيمنعهم من وصفه، وأما جمال يوسف فهو ظاهر، لم يستتر بجلال كالبدر، فحينئذ يتأمل فيه المتأمل ويصفه الواصف، غير أنه يعجز عن استعياب محاسنه.اهـ
رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: ((مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ وَكَانَ نَبِيُّكُمْ أَحْسَنَهُمْ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُمْ صَوْتًا)) يكون الْمُرَادُ أَنَّ يُوسُفَ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ الَّذِي أُوتِيهِ نَبِيُّنَا ﷺ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.اهـ
قال أبو نعيم: ويوسف ابتلي بفراقه عن أبويه وعن بيته، وعن وطنه، قلنا: ورسول الله ﷺ قاسى مرارة الغربة، وفارق الأهل والعشيرة، فخرج مهاجرا من حرم الله وأمنه ومسقط رأسه، وموطن آبائه. وإنه ﷺ وقف على الثنيّة وحوّل وجهه إلى مكة، وقال: إني لأعلم أنك أحب البقاع إلى الله عزّ وجلّ ولولا أنّ أهلك أخرجوني ما خرجت. فلما بلغ ﷺ الجحفة أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [سورة القصص/ الآية 85].
وقالوا: فإنّ يوسف عليه السّلام ألقي في الجب.
قلنا: ورسول الله ﷺ حبس نفسه في الغار أثناء الهجرة، حتى قال لصاحبه: ﴿لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ﴾ [سورة التوبة/ الآية 40] – أي أن الله حافظنا، فمعية الله تعالى تأتي على معنى الحفظ والكِلاءة وليس على معنى أنه حل في الغار، فالله تعالى منزّه عن الحلول في الأمكان، لا يحلّ في شيء ولا ينحل منه شيء ولا يحلّ فيه شيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11]، وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ، لا بِالْحِسِّ وَالْجِهَاتِ كَمَا فِى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ لِلْمُفَسِّرِ اللُّغَوِىِّ الْحَافِظِ أَبِى حَيَّانَ الأَنْدَلُسِىِّ. وَتَأْتِى الْمَعِيَّةُ أَيْضًا بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْكِلاءَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّبِيدِىُّ فِى التَّاجِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فَكِلا الْمَعْنَيَيْنِ؛ أَىِ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ وَالنُّصْرَةُ وَالْكِلاءَةُ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ فِى الآيَتَيْنِ الآنِفَتَىِ الذِّكْرِ مَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْجِسْمِيَّةِ وَلَيْسَ الْمَعْنِىُّ بِهَا الْحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ –.
فائدة: من خصائص ءاية الكرسي
- ومن خواصها: أنّ من قرأها بعدد حروفها 170 حرفًا وسأل الله تعالى أي حاجة قضيت باذن الله، من سعة رزق وقضاء دين وتفريج كرب.
- ومن خواصها: أنّ من قرأها بعدد كلماتها٥٠ مرة على قليل بورك له فيه وحفظ.
مِنْ خَوَاصِّ لفظِ الجلالةِ “اللهُ”: زيادةُ اليقينِ بتيسيرِ المقاصدِ المحمودةِ، ومَنْ دَاوَمَهُ كلَّ يومٍ ألفَ مرةٍ بصيغةِ “يَا اللهُ” رَزَقَهُ اللهُ قوةَ اليقينِ، ومَنْ تَلَاهُ يَوْمَ الجمعةِ قبلَ الصلاةِ على طهارةٍ ونظافةٍ خاليًا سرًّا مائتي مرة يَسَّرَ اللهُ لهُ مطلوبَهُ، وإنْ تَلَاهُ مريضٌ أَعْجَزَ الأَطِبَّاءَ عِلَاجُهُ بَرِأَ مَا لم يكنْ حَضَرَ أَجَلُهُ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ