شقّ صدر النبي ﷺ وابن الذبيحين وفصاحة لسانه

دلائل النبوة

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أسبغ علينا نعمه الظاهرة والباطنة، ونسأله الشكرَ على نعمائه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو العطايا الغامرة، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولهُ صاحبُ المعجزات الباهرة، ﷺ وعلى ءاله وأصحابه أولي الوجوه الناضرة صلاةً وسلامًا دائمَين إلى يوم الجمع بالساهرة، أما بعد:

تفضَّل الله على المؤمنين وعدد عليهم بعض نعمه؛ ومن أعظم نعمه أن أرسل إلينا نبيا به عرفنا الإيمان وعرفنا كيف نعبد الله عز وجل حق العبادة، به عرفنا الطهارة والصلاة وقبل ذلك التوحيد، عرفنا أن الله منزه عن النقائص واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، هو الذي علمنا التنزيه ونفي التشبيه وعلمنا أن الله لا يشبه شيئا من خلقه، لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وفضّل الله محمدا ﷺ على خلقه وعلى أنبيائه وجعل له مرتبة عظمى بين المخلوقات، 

الشرح

ونكمل في بيان ما فضّل الله به محمدا ﷺ على الأنبياء  بإذن الله تعالى فنقول:

إعطاؤه ﷺ أعظم مما أوتيه إسماعيل عليه الصلاة والسلام

أوتي إسماعيل عليه السلام الصبر على الذبح، وقد حصل في صفاته ﷺ شقّ الصدر وإن ذلك نظيره، بل أبلغ منه لأنه وقع حقيقة، والذبح لم يقع. 

فقد روى ابن سعد والبيهقي وغيرهما أنه كَانَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ السعدية تُحَدِّثُ أَنَّهَا لَمَّا فَطَمَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَكَلَّمَ، قَالَتْ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَلَامًا عَجِيبًا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ كَانَ يَخْرُجُ فَيَنْظُرُ إِلَى الصِّبْيَانِ يَلْعَبُونَ فَيَجْتَنِبُهُمْ. فَقَالَ لِي يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ: يَا أُمَّاهُ مَا لِي لَا أَرَى إِخْوَتِي بِالنَّهَارِ؟ قُلْتُ: فَدَتْكَ نَفْسِي، يَرْعَوْنَ غَنَمًا لَنَا فَيَرُوحُونَ مِنْ لَيْلٍ إِلَى لَيْلٍ. فَأَسْبَلَ عَيْنَيْهِ، فَبَكَى، فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ، فَمَا أَصْنَعُ هَهُنَا وَحْدِي؟ ابْعَثِينِيَ مَعَهُمْ. قُلْتُ: أَوَ تُحِبُّ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَلَمَّا أَصْبَحَ دَهَنْتُهُ، وَكَحَّلْتُهُ، وَقَمَّصْتُهُ، وَأَخَذَ عَصًا، وَخَرَجَ مَعَ إِخْوَتِهِ، فَكَانَ يَخْرُجُ مَسْرُورًا وَيَرْجِعُ مَسْرُورًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا مِنْ ذَلِكَ خَرَجُوا يَرْعَوْنَ بَهْمًا لَنَا حَوْلَ بُيُوتِنَا، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ إِذَا أَنَا بِابْنِي ضَمْرَةَ يَعْدُو فَزِعًا، وَجَبِينُهُ يَرْشَحُ بَاكِيًا يُنَادِي: يَا أَبَتِ، يَا أَبَهْ، وَيَا أُمَّهْ، الْحَقَا أَخِي مُحَمَّدًا فَمَا تَلْحَقَاهُ إِلَّا مَيِّتًا. قُلْتُ: وَمَا قِصَّتُهُ؟ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ قِيَامٌ نَتَرَامَى إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَأخذه مِنْ أَوْسَاطِنَا، وَعَلَا بِهِ ذِرْوَةَ الْجَبَلِ وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى شَقَّ مِنْ صَدْرِهِ، وَلَا أَدْرِي مَا فَعَلَ بِهِ، وَلَا أَظُنُّكُمَا تَلْحَقَاهِ أَبَدًا إِلَّا مَيِّتًا. قَالَتْ: فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأَبُوهُ، تَعْنِي: زَوْجَهَا، نَسْعَى سَعْيًا، فَإِذَا نَحْنُ بِهِ قَاعِدًا عَلَى ذِرْوَةِ الْجَبَلِ، شَاخِصًا بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَتَبَسَّمُ وَيَضْحَكُ، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ، وَقَبَّلْتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقُلْتُ: فَدَتْكَ نَفْسِي، مَا الَّذِي دَهَاكَ؟، قَالَ: خَيْرًا يَا أُمَّاهُ، بَيْنَا أَنَا السَّاعَةَ قَائِمٌ عَلَى إِخْوَتِي، إِذْ أَتَانِيَ رَهْطٌ ثَلَاثَةٌ، بِيَدِ أَحَدِهِمْ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، وَفِي يَدِ الثَّانِي طَسْتٌ مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ مِلْؤُهَا ثَلْجٌ، فَأَخَذُونِي، فَانْطَلَقُوا بِي إِلَى ذِرْوَةِ الْجَبَلِ، فَأَضْجَعُونِي عَلَى الْجَبَلِ إِضْجَاعًا لَطِيفًا، ثُمَّ شَقَّ صَدْرِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَلَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ حِسًّا وَلَا أَلَمًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَوْفِي، فَأَخْرَجَ أَحْشَاءَ بَطْنِي، فَغَسَلَهَا بِذَلِكَ الثَّلْجِ فَأَنْعَمَ غَسْلَهَا، ثُمَّ أَعَادَهَا. وَقَامَ الثَّانِي، فَقَالَ لِلْأَوَّلِ: تَنَحَّ، فَقَدْ أَنْجَزْتَ مَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ فَدَنَا مِنِّي، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَوْفِي، فَانْتَزَعَ قَلْبِي وَشَقَّهُ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ نُكْتَةً سَوْدَاءَ مَمْلُوءَةً بِالدَّمِ فَرَمَى بِهَا، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ يَا حَبِيبَ اللهِ، – أي هذا الشي الذي بواسطته في العادة يوسوس الشيطان لابن ءادم وهذا فيه زيادة في بيان شرفه – ثُمَّ حَشَاهُ بِشَيْءٍ كَانَ مَعَهُ، وَرَدَّهُ مَكَانَهُ، ثُمَّ خَتْمَهُ بِخَاتَمٍ مِنْ نُورٍ، فَأَنَا السَّاعَةَ أَجِدُ بَرْدَ الْخَاتَمِ فِي عُرُوقِي وَمَفَاصِلِي. وَقَامَ الثَّالِثُ، فَقَالَ: تَنَحَّيَا، فَقَدْ أَنْجَزْتُمَا مَا أَمَرَ اللهُ فِيهِ، ثُمَّ دَنَا الثَّالِثُ مِنِّي، فَأَمَرَّ يَدَهُ على صَدْرِي، وقَالَ الْمَلَكُ: زِنُوهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ. فَوَزَنُونِي فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: دَعُوهُ، فَلَوْ وَزَنْتُمُوهُ بِأُمَّتِهِ كُلِّهَا لَرَجَحَ بِهِمْ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَنْهَضَنِي إِنْهَاضًا لَطِيفًا، فَأَكَبُّوا عَلَيَّ، وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ، وَقَالُوا: يَا حَبِيبَ اللهِ، إِنَّكَ لَنْ تُرَاعَ، وَلَوْ تَدْرِي مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ لَقَرَّتْ عَيْنَاكَ. وَتَرَكُونِي قَاعِدًا فِي مَكَانِي هَذَا، ثُمَّ جَعَلُوا يَطِيرُونَ حَتَّى دَخَلُوا حِيَالَ السَّمَاءِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، وَلَوْ شِئْتُ لَأَرَيْتُكِ مَوْضِعَ دُخُولِهِمَا. قَالَتْ: فَاحْتَمَلْتُهُ، فَمَا أَتَيْتُ مَنْزِلًا مِنْ مَنَازِلِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ إِلَّا وَقَدْ شَمَمْنَا مِنْهُ رِيحَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، فَقَالَ النَّاسُ: رُدِّيهِ يَا حَلِيمَةُ عَلَى جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَخْرِجِيهِ مِنْ أَمَانَتِكِ. قَالَتْ: فَعَزَمْتُ عَلَى ذَلِكَ، فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي: هَنِيئًا لَكِ يَا بَطْحَاءَ مَكَّةَ، الْيَوْمَ يُرَدُّ عَلَيْكِ النُّورُ وَالدِّينُ، وَالْبَهَاءُ، وَالْكَمَالُ، فَقَدْ أَمِنْتِ أَنْ تُخْذَلِينَ أَوْ تَحْزَنِينَ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ. قَالَتْ: فَرَكِبْتُ أَتَانِيَ، وَحَمَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَ يَدَيَّ، أَسِيرُ حَتَّى أَتَيْتُ الْبَابَ الْأَعْظَمَ مِنْ أَبْوَابِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، فرددته إلى أمّه وجدّه. 

وأوتي إسماعيل عليه السلام ماء زمزم، وقصته كما وردت في السير 

مكث إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع زوجته سارة في فلسطين واستقر بها وكانت زوجته عقيمًا لا تلد وكان يحزنها أن ترى زوجها ليس له ولد. قيل: كان قد بلغ من العمر ستًا وثمانين سنة وهي قد جاوزت السبعين، فوهبت سارة هاجر وأعطتها لزوجها إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام، فقبل إبراهيم ذلك فلمّا أعطت سارة هاجر لإبراهيم عليه السلام صارت ملكُه وحلالا له في شريعة الله لأنها كانت أمة مملوكة، فلما دخل إبراهيم بهاجر ولدت له غلامًا زكيًا هو سيدنا إسماعيل عليه السلام الذي كان من نسله سيدنا محمد ﷺ، ففرح إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهذا المولود الجديد. 

ولمَّا بلغ إبراهيم مع ابنه إسماعيل وأمه هاجر مكة وكانت هاجر ترضع ابنها إسماعيل، وضعها إبراهيم مع ابنه عند دوحة – وهي الشجرة الكبيرة – فوق زمزم في أعلى المسجد، في ذلك المكان القفر وليس بمكة يومئذ أحد ولا بنيان ولا عمران ولا ماء ولا كلأ، تركهما هناك وترك لهما كيسًا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم لما أراد العودة إلى بلاد فلسطين وقفَّى راجعًا لحقته هاجر أم إسماعيل وهي تقول له: يا إبراهيم أين تتركنا في هذا المكان الذي ليس فيه سمير ولا أنيس؟ وجعلت تقول له ذلك مرارًا وكان يريد أن يطيع الله فيما أمره عند ذلك. فقالت له: ءالله أمرك بهذا؟ قال: نعم. 

فقالت له بلسان اليقين وبالمنطق القويم: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت.

ولما ابتعد إبراهيم عن ولده وأم إسماعيل هاجر قليلًا وعند الثنية التفت جهة البيت ووقف يدعو الله تبارك وتعالى ويقول: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 37].

مكثت هاجر أم إسماعيل مع ولدها إسماعيل حيث وضعهما إبراهيم عليه السلام وصارت ترضع ولدها إسماعيل وتشرب من ذلك الماء الذي تركه لهما إبراهيم، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعل يبكي ويتلوى من شدة العطش، وجعلت تنظر إليه وهو يتلوى، وانطلقت كراهية أن تنظر إليه في هذه الحالة وصارت تفتش له عن ماء، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فصعدت عليه، ثم استقبلت الوادي وصارت تسعى سعي المجهود حتى وصلت إلى جبل المروة، فصعدت عليه ونظرت فلم تجد أحدًا، فأخذت تذهب وتجيء بين الصفا والمروة سبع مرات، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: أغثنا إن كان عندك غَواث؟ فرأت ملكًا وهو جبريل عليه السلام يضرب بقدمه الأرض حتى ظهر الماء السلسبيل العذب وهو ماء زمزم، فجعلت أم إسماعيل تحوط الماء وتغرف منه بسقائها وهو يفور، وجعل جبريل يقول لها: لا تخافي الضياع فإنّ لله ههنا بيتًا وأشار إلى أكمة مرتفعة من الأرض يبنيه هذا الغلام وأبوه.

وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: ((يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم)) أو قال: ((لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا)).

شربت هاجر من ماء زمزم، وارتوت وأرضعت ولدها إسماعيل شاكرة الله الكريم اللطيف على عظيم فضله ورحمته وعنايته، ثم بدأت الطيور ترد ذلك الماء وتحوم حوله، ومرَّت قبيلة جرهم العربية فرأوا الطيور حائمة حول ذلك الماء، فاستدلّوا بذلك على وجود الماء، فوصلوا إلى ماء زمزم واستأذنوا من أم إسماعيل أن يضربوا خيامهم حول ذلك المكان قريبًا منه فأذنت لهم واستأنست بوجودهم حولها، ثم أخذ العمران يتكاثر ببركة هذا الماء المبارك الذي خلقه الله في ذلك المكان من هذه البقعة المباركة الطيبة.

قلنا إن إسماعيل عليه السلام أوتي ماء زمزم وكذلك عبد المطلب جد النبي ﷺ حفر زمزم بعد أن رآها في المنام لأيام متتالية بعد أن فني أثرها ونسيها الناس، وكانت هذه الحادثة إكراما لمحمد ﷺ، فقد روى البيهقي وغيره عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كانَ يَقُولُ وَهُوَ يُحَدِّثُ حَدِيثَ زَمْزَمَ، قَالَ: بَيْنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ بَرَّةً، فَقَالَ: وَمَا بَرَّةُ؟ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ نَامَ فِي مَضْجَعِهِ ذَلِكَ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرِ الْمَضْنُونَةَ، قَالَ: وَمَا مَضْنُونَةُ، ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ عَادَ فَنَامَ فِي مَضْجَعِهِ ذَلِكَ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ طَيْبَةَ، فَقَالَ: وَمَا طَيْبَةُ؟ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَادَ فَنَامَ بِمَضْجَعِهِ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمَ. فَقَالَ: وَمَا زَمْزَمُ؟ فَقَالَ: لَا تُنْزَفُ – لا تنزف: أي لا يفرغ ماؤها – وَلَا تُذَمُّ – لا تذم أي لا تعاب – ثُمَّ نَعَتَ لَهُ مَوْضِعَهَا فقالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ: وَأَيْنَ هِيَ؟ قِيلَ لَهُ: عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ – الموضع الذي يجتمع فيه-، حَيْثُ يَنْقُرُ الْغُرَابُ غَدًا. 

قَالَ: فَغَدَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمئِذٍ وَلَدٌ غَيْرُهُ فَوَجَدَ قَرْيَةَ النَّمْلِ، وَوَجَدَ الْغُرَابَ يَنْقُرُ عِنْدَهَا بَيْنَ الْوَثَنَيْنِ إِسَافٍ وَنَائِلَةَ، اللَّذَيْنِ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْحَرُ عِنْدَهُمَا فَجَاءَ بِالْمِعْوَلِ وَقَامَ لِيَحْفِرَ حَيْثُ أُمِرَ فَقَامَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ تَحْفِرُ بَيْنَ وَثَنَيْنَا اللَّذَيْنِ نَنْحَرُ عِنْدَهُمَا. 

فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِابْنِهِ الْحَارِثِ: ذُدْ عَنِّي – أي أبعدهم عني – حَتَّى أَحْفِرَ فَوَاللَّهِ لَأَمْضِيَنَّ لِمَا أُمِرْتُ بِهِ فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ غَيْرُ نَازِعٍ خَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَفْرِ، وَكَفُّوا عَنْهُ فَلَمْ يَحْفِرْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى بَدَا لَهُ الطَّيُّ فَكَبَّرَ، وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ صُدِقَ فَلَمَّا تَمَادَى بِهِ الْحَفْرُ وَجَدَ فِيهَا غَزَالَتَيْنِ مَنْ ذَهَبٍ اللَّتَيْنِ كَانَتْ جُرْهُمٌ قَدْ دَفَنَتْهُمَا، وَوَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعِيَّةً – منسوبة إلى بلد بالهند من جهة الصين – وَأَدْرَاعًا فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَنَا مَعَكَ فِي هَذَا شِرْكٌ وَحَقٌّ. قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هَلُمَّ إِلَى أَمْرٍ نِصْفٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ. قَالُوا: وَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ 

قَالَ: أَجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ قَدَحَيْنِ، وَلِي قَدَحَيْنِ، وَلَكُمْ قَدَحَيْنِ فَمَنْ خَرَجَ قَدَحَاهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ لَهُ، وَمَنْ تَخَلَّفَ قَدَحَاهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ. 

قَالُوا: أَنْصَفْتَ. فَجَعَلَ لِلْكَعْبَةِ قَدَحَيْنِ أَصْفَرَيْنِ، وَلَهُ أَسْوَدَيْنِ، وَلَهُمْ أَبْيَضَيْنِ، ثُمَّ أَعْطَوُا الْقِدَاحَ لِلَّذِي يَضْرِبُ عِنْدَ هُبَلَ، وَهُبَلُ أَكْبَرُ أَصْنَامِهِمْ، وَضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ الْقِدَاحَ فَخَرَجَ الْأَصْفَرَانِ عَلَى الْغَزَالَيْنِ لِلْكَعْبَةِ فَضَرَبَهُمَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي بَابِ الْكَعْبَةِ فَكَانَا أَوَّلَ ذَهَبٍ حُلِّيَتْهُ، وَخَرَجَ الْأَسْوَدَانِ عَلَى السُّيُوفِ وَالْأَدْرَاعِ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَخَذَهَا. 

فَلَمَّا حَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ وَدَلَّهُ اللهُ عَلَيْهَا وَخَصَّهُ بِهَا زَادَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا شَرَفًا فِي قَوْمِهِ، وَعُطِّلَتْ كُلُّ سِقَايَةٍ كَانَتْ بِمَكَّةَ حِينَ ظَهَرَتْ زَمْزَمُ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَيْهَا الْتِمَاسَ بَرَكَتِهَا وَمَعْرِفَةِ فَضْلِهَا لِمَكَانِهَا مِنَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهَا سُقْيَا اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وأوتي إسماعيل عليه السلام الفداء من الذبح وكذلك عبد الله أبو نبينا ﷺ فُدِيَ من الذبح.

أمّا فداء إسماعيل عليه السلام من الذبح فهو مذكور في القرآن الكريم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 99-111].

يذكر الله تبارك وتعالى عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه لما هاجر من بلاد قومه إلى حيث يتمكّن من طاعة الله وعبادته والجهاد في سبيله، سأل ربه أن يهبه ولدًا صالحًا فبشره الله تبارك وتعالى بغلام مبارك حليم وهو إسماعيل عليه السلام، لأنه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ومعنى قوله تعالى: ﴿فلمَّا بلغ معه السَّعْيَ﴾ أي شبَّ وصار يسعى في مصالحه الدنيوية والأخروية كأبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. رأى إبراهيم عليه السلام في منامه رؤيا أنَّ الله تعالى يأمره بذبح ولده إسماعيل ورؤيا الأنبياء وحي، فما كان من نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد أن استيقظ من النوم إلا أن سارع لتنفيذ أمر الله تبارك وتعالى دون تردد، 

فقد قيل: لما أراد إبراهيم عليه السلام ذبح ولده إسماعيل قال له: انطلق فنقرِّب قربانًا إلى الله عز وجل، فأخذ سكينًا وحبلًا ثم انطلق مع ابنه إسماعيل حتى إذا ذهبا بين الجبال قال له إسماعيل: يا أبت أين قربانك؟ فقال له إبراهيم: ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك* فانظر ماذا ترى﴾ يقال: عرض إبراهيم ذلك على إسماعيل ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرًا ويذبحه قهرًا، فبادر إسماعيل الحليم أباه بقوله: ﴿يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ فكان جواب إسماعيل لأبيه إبراهيم في غاية السداد والطاعة لأبيه إبراهيم عليه السلام. وأراد إسماعيل أن يخفف عن أبيه لوعة الثكل ويرشده إلى أقرب السبل ليصل إلى قصده فقال لأبيه إبراهيم: يا أبت اجعل لي وثاقًا وأحكم رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليك من دمي فتراه أمي فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي فإذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام مني، 

فأقبل إبراهيم برأفة وحنان الآباء يقبله ويبكي ويقول له: نعم العون أنت لي يا بني على أمر الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿فلمَّا أسْلما وتلَّهُ للجبين﴾ أي فلما استسلما لأمر الله وألقاه على وجهه، وقيل: أراد إبراهيم أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده في حال الذبح. وأَمَرَّ إبراهيم السكين على رقبة ولده إسماعيل فلم تقطع شيئًا لأن الله تبارك وتعالى لم يشأ لها أن تقطع، لأن السكين لا يقطع بطبعه وبذاته وإنما خالق القطع هو الله تعالى وحده، والسكين سبب للقطع فلا تقطع إلا بمشيئة الله فالله تبارك وتعالى خالقٌ للسكين وخالقٌ للقطع أي خالق للسبب والمسبب، فالأسبأب لا تخلق شيئًا وإنما الخالق هو الله تعالى وحده، كما أن الله تعالى هو خالق الإحراق وخالق النار التي هي سبب للإحراق، فالنار لم تحرق نبي الله إبراهيم عندما ألقي فيها لأن الله تعالى خالق الإحراق ولم يشأ لها أن تحرق نبيه إبراهيم عليه السلام يقول الله جلت قدرته: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [سورة الزمر/ الآية 62]، وهذا فيه بيان أمر من جملة عقائد أهل السنة وهو توحيد الله في الفعل أن الله خالق كل شي،

رُوِيَ عَنِ الْجُنَيْدِ إِمَامِ الصُّوفِيَّةِ الْعَارِفِينَ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنِ التَّوْحِيدِ أَنَّهُ قَالَ: “الْيَقِينُ” ثُمَّ اسْتُفْسِرَ عَنْ مَعْنَاهُ فَقَالَ: “إِنَّهُ لا مُكَوِّنَ لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ مِنَ الأَعْيَانِ وَالأَعْمَالِ خَالِقٌ لَهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى”، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 96]. 

شُهُودُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ بِالْقَلْبِ هُوَ الْيَقِينُ، فَلْيَجْعَلِ الْمُؤْمِنُ هَذَا عَقْدَ قَلْبِهِ وَلْيُكْثِرْ مِنْ شُهُودِ هَذَا الْمَعْنَى حَتَّى يَكُونَ مُوَحِّدًا لِلَّهِ تَعَالَى تَوْحِيدًا شُهُودِيًّا فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَفِي جَمِيعِ حَالاتِهِ فَتَهُونُ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ وَالْخَوْفُ مِنَ الْعِبَادِ، مَنْ جَعَلَ هَذَا الْمَعْنَى ذِكْرَهُ الْقَلْبِيَّ أَيْ جَعَلَ قَلْبَهُ يَسْتَشْعِرُ بِذَلِكَ دَائِمًا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ وَسَهُلَ عَلَيْهِ مَا يَتَوَقَّعُهُ أَنْ يَحْدُثَ مِنْ قِبَلِ النَّاسِ وَهَانَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ فَلا يَسْتَفِزُّهُ ذَلِكَ عَلَى نِسْيَانِ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي كُلِّ شَىْءٍ، هَذَا يُقَالُ لَهُ التَّوْحِيدُ الشُّهُودِيُّ. 

وَمَعْنَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ أَيْ خَلَقَ ذَوَاتِكُمْ ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ أَعْمَالَكُمْ حَرَكَاتِكُمْ وَسَكَنَاتِكُمْ هُوَ خَلَقَهَا، وَنِيَّاتُنَا هُوَ خَلَقَهَا.

   فَاللَّهُ هُوَ الأَزَلِيُّ الْخَالِقُ لِمَا سِوَاهُ، وَمَا سِوَاهُ حَادِثٌ وُجِدَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، 

وَقَدْ جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ: مَتَى كَانَ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ: لا يُقَالُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَتَى كَانَ إِنَّمَا يُقَالُ مَتَى كَانَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ، أَمَّا اللَّهُ تَعَالَى هُوَ قَبْلَ الْقَبْلِ وَبَعْدَ الْبَعْدِ.

وَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ صَانِعُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ))، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ. الصَّنْعَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُرَادُ بِهَا الْعَمَلُ الَّذِي يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ حَرَكَاتُهُ وَسُكُونُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ عَامِلٍ وَعَمَلِهِ. وَفِي هَذَا إِبْطَالٌ لِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ بِقُدْرَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ فِيهِ. فَالإِنْسَانُ جِسْمُهُ وَاحِدٌ، وَأَمَّا أَعْمَالُهُ حَرَكَاتُهُ وَسَكَنَاتُهُ تُعَدُّ بِالْمَلايِينِ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَ الْجِسْمَ فَقَطْ وَالْعَبْدُ يَخْلُقُ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ لَكَانَ مَخْلُوقُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ مَخْلُوقِ اللَّهِ.

إِذِ الْعِبَادُ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَإِنَّمَا يَكْتَسِبُونَهَا، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الرعد/ الآية 16]. اللَّهُ تَعَالَى تَمَدَّحَ بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ خَالِقُ أَجْسَامِنَا وَحَرَكَاتِنَا وَسَكَنَاتِنَا وَغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ فِعْلٍ ظَاهِرِيٍّ وَكُلِّ صِفَةٍ بَاطِنِيَّةٍ كَالتَّفْكِيرِ وَالْخَوَاطِرِ الَّتِي تَخْطُرُ بِبَالِ الْعَبْدِ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَهَا وَكُلِّ كَائِنٍ دَخَلَ فِي الْوُجُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَالِقَ ذَلِكَ كُلِّهِ بَلْ كَانَ خَالِقَ الأَجْسَامِ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَمَدُّحٌ لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا يَخْلُقُهُ الْعِبَادُ أَكْثَرُ مِمَّا يَخْلُقُهُ اللَّهُ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 162-163]. سَاقَ اللَّهُ الصَّلاةَ وَالنُّسُكَ وَالْمَحْيا وَالْمَمَاتَ فِي مَسَاقٍ وَاحِدٍ وَجَعَلَهَا مِلْكًا لَهُ. فَكَمَا أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ كَذَلِكَ اللَّهُ خَالِقٌ لِلأَعْمَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ كَالصَّلاةِ وَالنُّسُكِ، وَالْحَرَكَاتِ الِاضْطِرَارِيَّةِ مِنْ بَابِ الأَوْلَى.

فالْمَحْيَا وَالْمَمَاتُ مِنَ الأَفْعَالِ غَيْرِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَهِيَ خَلْقٌ لِلَّهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [سورة الملك/ الآية 2] فَإِذًا الأَعْمَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ وَغَيْرُ الِاخْتِيَارِيَّةِ خَلْقٌ وَمِلْكٌ لِلَّهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ مَعْنَاهُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ جَاءَ بِهَذَا الدِّينِ دِينِ التَّوْحِيدِ مِنْ بَيْنِ هَؤُلاءِ الْبَشَرِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فِي هَذَا الزَّمَنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنَ الْبَشَرِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرُهُ، أَيْ أَنَا أَوَّلُ مُسْلِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ. وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مُسْلِمٌ عَلَى الإِطْلاقِ. 

وكذلك ينبغي أن يعلم أَنَّهُ لا تَلازُمَ عَقْلِيٌّ بَيْنَ الأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ، إِنَّمَا هِيَ أَسْبَابٌ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَهَا الْمُسَبَّبَاتِ، يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ الأَكْلِ الشِّبَعَ وَعِنْدَ الشُّرْبِ الرِّيَّ وَقَدْ لا يَخْلُقُ الشِّبَعَ وَالرِّيَّ عِنْدَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، جَائِزٌ عَقْلًا أَنْ لا يَخْلُقَ الشِّبَعَ بَعْدَ الأَكْلِ وَالرِّيَّ بَعْدَ الشُّرْبِ، هَذَا يَجُوزُ وَهَذَا يَجُوزُ.

هَذِهِ الأَسْبَابُ لا تَخْلُقُ شَيْئًا، الأَكْلُ لا يَخْلُقُ الشِّبَعَ وَتَرْكُ الأَكْلِ لا يَخْلُقُ الضَّرَرَ، اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ الشِّبَعَ عِنْدَ الأَكْلِ وَيَخْلُقُ الضَّرَرَ عِنْدَ تَرْكِ الأَكْلِ إِنْ شَاءَ. وَكَذَلِكَ النَّارُ إِذَا مَسَّتْ شَيْئًا يَخْلُقُ اللَّهُ الإِحْرَاقَ عِنْدَ مُمَاسَّةِ ذَلِكَ الشَّىْءِ لِلنَّارِ وَقَدْ لا يَخْلُقُ اللَّهُ ذَلِكَ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ الأَزَلِيَّةِ، فَهَذَا سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَمَاهُ قَوْمُهُ فِي النَّارِ الْعَظِيمَةِ فَلَمْ تُحْرِقْهُ وَلا ثِيَابَهُ وَإِنَّمَا أَحْرَقَتِ الْقَيْدَ الَّذِي قَيَّدُوهُ بِهِ وَكَانَتِ النَّارُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلامًا، كُلُّ هَذَا فِيهِ دَلائِلُ عَلَى أَنَّ الأَسْبَابَ لا تَخْلُقُ مُسَبَّبَاتِهَا فَالدَّوَاءُ لا يَخْلُقُ الشِّفَاءَ كَمْ مِنْ مَرْضَى يَأْخُذُونَ دَوَاءً لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَهَذَا يَتَعَافَى وَالآخَرُ لا يَتَعَافَى، وَقَدْ قَالَ أَحَدُ شُعَرَاءِ الأَنْدَلُسِ فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ وَاسْمُهُ يَعْقُوبُ بنُ جَابِرٍ الْمِنْجَنِيقِيُّ:

قُلْ لِمَنْ يَدَّعِي الْفَخَارَ دَعِ الفَخَــرَلِذِي الْكِبْرِيَــــــاءِ وَالْجَبَرُوتِ
نَسْـــــجُ دَاوُدَ لَمْ يُفِدْ لَيْلَـــــةَ الْغَارِوَكَانَ الْفَخَــــــــارُ لِلْعَنْكَبُوتِ
وَبَقَاءُ السَّمَنْدِ فِي لَهَــــــــبِ النَّارِمُزِيلٌ فَضِيلَــــــــــةَ الْيَاقُوتِ
وَكَذَاكَ النَّعَـــــــــامُ يَلْتَقِمُ الْجَمْــرَوَمَا الْجَمْرُ لِلنَّعَــــــــامِ بِقُوتِ

   مَعْنَاهُ قُلْ لِلْمُتَفَاخِرِ الْمُتَبَجِّحِ اتْرُكِ الْكِبْرِيَاءَ وَالْفَضْلَ لِلَّهِ تَعَالَى، اللَّهُ تَعَالَى هُوَ يُفَضِّلُ بَعْضَ خَلْقِهِ عَلَى بَعْضٍ، الْفَخْرُ يَأْتِي بِمَعْنَى الْفَضْلِ وَالْفَخَارُ كَذَلِكَ. وَالْكِبْرِيَاءُ مَعْنَاهُ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْعَظَمَةِ لَيْسَ عَيْنَ الْعَظَمَةِ.

   وَنَسْجُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُوَ دُرُوعُ الْحَدِيدِ، اللَّهُ أَلانَ لَهُ الْحَدِيدَ فَكَانَ يَصْنَعُ بِيَدَيْهِ دُرُوعَ الْحَدِيدِ، وَلَيْلَةَ الْغَارِ أَيْ لَيْلَةَ كَانَ النَّبِيُّ مَعَ صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ وَلَحِقَ بِهِمَا الْمُشْرِكُونَ.

   وَأَمَّا السَّمَنْدُ فَهُوَ حَيَوَانٌ يَدْخُلُ النَّارَ يَنَامُ فِيهَا فَلا تُؤَثِّرُ فِيهِ وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا تَنْظِيفَ جِلْدِهِ رَمَوْهُ فِي النَّارِ فَيَحْتَرِقُ مَا سِوَاهُ، وَهُوَ حَيَوَانٌ نَادِرُ الْوُجُودِ كَانَ يُوجَدُ مِنْهُ فِي بِلادِ الصِّينِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْيَاقُوتَ حَجَرٌ فَلا يَعْجَبُ الإِنْسَانُ إِذَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ النَّارُ كَمَا يَعْجَبُ مِنْ عَدَمِ تَأْثِيرِهَا فِي السَّمَنْدَلِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، كَذَلِكَ ذَكَرَ كَيْفَ تَأْكُلُ النَّعَامُ الْجَمْرَ الأَحْمَرَ وَتَسْتَمْرِئُهُ مَعَ أَنَّ النَّعَامَ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، فَسُبْحَانَ الْقَدِيرِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ.

وعندما أَمَرَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام السكين على رقبة إسماعيل عليه السلام فلم تحك شيئًا ولم تقطع نُودي: ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات/ الآية 104-107]. أرسل الله عَظُمت قدرته لإبراهيم فداء لإسماعيل بذبح وهو كبش عظيم، قيل: كان قد رعى في الجنة أربعين سنة وكان هذا الكبش أبيضَ عظيمًا أقرنَ ذبحه إبراهيم بمنى فداء ابنه إسماعيل عليه السلام. 

ولَمَّا أراد إبراهيم ذبح إسماعيل تنفيذًا لأمر الله ظهر له إبليس ثلاث مرات عند موضع الجمرات الثلاث اليوم، وذلك ليوسوس له بالمعصية فرماه سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام عند هذه المواضع بالحصى إهانة له، فأمّة محمد ﷺ أمروا بهذا الرمي إحياء لسنة نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وفي ذلك رمز لمشروعية مخالفة الشيطان وإهانته وليس معنى الرجم أن الشيطان يسكن هناك.

فهذه قصة فداء إسماعيل عليه السلام ووالد النبي ﷺ عبد الله بن عبد المطلب فُدِيَ من الذبح كذلك، وما ذلك إلا تقديم وتكريم لنبينا ﷺ، وكان يقال للنبي ﷺ ابن الذبيحين: وذلك أن عَبْدَ الْمُطَّلِبِ جَدّ النبي صلى الله عليه وسلم من سادات وزعماء قريش، فهو رئيس بني هاشم وبني المطلب، وكان معروفا بالمحافظة على العهود، شريفًا مطاعًا جوادًا، وكانت قريش تسميه الفياض لسخائه،

نَذَرَ حِينَ لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ مَا لَقِيَ عِنْدَ حَفْرِ زَمْزَمَ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ، ثُمَّ بَلَغُوا مَعَهُ حَتَّى يَمْنَعُوهُ لَيَنْحَرَنَّ أَحَدَهُمْ عِنْدِ الْكَعْبَةِ فَلَمَّا تَكَامَلَ بَنُوهُ عَشَرَةً، وَعَرَفَ أَنَّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ، وَهُمُ الْحَارِثُ وَالزُّبَيْرُ وَحَجْلٌ وَضِرَارٌ وَالْمُقَوَّمُ وَأَبُو لَهَبٍ وَالْعَبَّاسُ وَحَمْزَةُ وَأَبُو طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ، جَمَعَهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِنَذْرِهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْوَفَاءِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ فَأَطَاعُوهُ، وَقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قِدْحًا، ثُمَّ يَكْتُبُ فِيهِ اسْمَهُ، ثُمَّ ائْتُونِي فَفَعَلُوا ثُمَّ أَتَوْهُ فَدَخَلَ بِهِمْ عَلَى هُبَلَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ وَكَانَ هُبَلُ عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ عِنْدَ هُبَلَ قِدَاحٌ سَبْعَةٌ، وَهِيَ الْأَزْلَامُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا إِذَا أَعْضَلَ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ جَاؤُوهُ فَاسْتَقْسَمُوا بِهَا فَمَا أَمَرَتْهُمْ بِهِ أَوْ نَهَتْهُمْ عَنْهُ امْتَثَلُوهُ.

وَإِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا جَاءَ يَسْتَقْسِمُ بِالْقِدَاحِ عِنْدَ هُبَلَ خَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ أَصْغَرَ وَلَدِهِ، وَأَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ فَأَخَذَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِيَدِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ إِلَى أصنامهم إِسَافٍ وَنَائِلَةَ لِيَذْبَحَهُ فَقَامَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ أَنْدِيَتِهَا فَقَالُوا: مَا تُرِيدُ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: أَذْبَحُهُ. فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ وَاللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا حَتَّى تُعْذَرَ فِيهِ لَئِنْ فَعَلْتَ هَذَا لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِابْنِهِ حَتَّى يَذْبَحَهُ فَمَا بَقَاءُ النَّاسِ عَلَى هَذَا. 

وقيل إنَّ الْعَبَّاسَ هُوَ الَّذِي اجْتَذَبَ عَبْدَ اللَّهِ مِنْ تَحْتِ رِجْلِ أَبِيهِ حِينَ وَضَعَهَا عَلَيْهِ لِيَذْبَحَهُ فَيُقَالَ: إِنَّهُ شَجَّ وَجْهَهُ شَجَّا لَمْ يَزَلْ فِي وَجْهِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ، ثُمَّ أَشَارَتْ قُرَيْشٌ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْحِجَازِ فَإِنَّ بِهَا عَرَّافَةً لَهَا تَابِعٌ – أي جنّي يخبرها بأمور – فَيَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ إِنْ أَمَرَتْكَ بِذَبْحِهِ فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَمَرَتْكَ بِأَمْرٍ لَكَ وَلَهُ فِيهِ مَخْرَجٌ قَبِلْتَهُ.

فَانْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوُا الْمَدِينَةَ فَوَجَدُوا الْعَرَّافَةَ، وَهِيَ سَجَاحُ بِخَيْبَرَ فَرَكِبُوا حَتَّى جَاؤُوهَا فَسَأَلُوهَا، وَقَصَّ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَبَرَهُ وَخَبَرَ ابْنِهِ فَقَالَتْ لَهُمُ: ارْجِعُوا عَنِّي الْيَوْمَ حَتَّى يَأْتِيَنِي تَابِعِي فَأَسْأَلُهُ فَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهَا فَلَمَّا خَرَجُوا قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُمْ: قَدْ جَاءَنِي الْخَبَرُ، كَمِ الدِّيَةُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ. وَكَانَتْ كَذَلِكَ قَالَتْ: فَارْجِعُوا إِلَى بِلَادِكُمْ، ثُمَّ قَرِّبُوا صَاحِبَكُمْ وَقَرِّبُوا عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ اضْرِبُوا عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى صَاحِبِكُمْ فَزِيدُوا مِنَ الْإِبِلِ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا عَنْهُ وَنَجَا صَاحِبُكُمْ، فَخَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ قَرَّبُوا عَبْدَ اللَّهِ وَعَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَزَادُوا عَشْرًا ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَزَادُوا عَشْرًا فَلَمْ يَزَالُوا يَزِيدُونَ عَشْرًا عَشْرًا، وَيَخْرُجُ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى بَلَغَتِ الْإِبِلُ مِائَةً، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ فَنُحِرَتْ ثُمَّ تُرِكَتْ لَا يُصَدُّ عَنْهَا إِنْسَانٌ ولا سبُعٌ وَلَا يُمْنَعُ.

 وقد روى الحاكم في المستدرك عن النبي ﷺ أنه أَتاهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ.اهـ والمراد إسماعيل عليه السلام وعبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله ﷺ.

وأوتي إسماعيل العربية فروى الحاكم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاما)) وروى أبو نعيم عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: «كانت لغة إسماعيل درست، فجاء بها جبريل فحفظنيها». وهو ﷺ أفصح الناس وأعدلهم لسانا وأوتي جوامع الكلم كما أخبر بذلك ﷺ. فهو القائل ﷺ: ((أنا أفصح العرب)) رواه البغوي.

من خصائص ءاية الكرسي

  • فمن خواصها: أنّ من قرأها دبر كل صلاة لا يمنعه من دخول الجنة إلا الموت. وهذا جاء في حديث رواه النسائي وابن حبان والدارقطني، بل ورد في بعض الرّوايات وكان في ذمّة الله، وهو حديث رواه الطبراني. وفي رواية ويموت شهيدًا إن شاء الله، وهو حديث رواه البيهقي.
  • ومن خواصها: أنّه من أكثر من تلاوتها حفظ من أذى الجن والإنس إن شاء الله، وإذا قرأها عند النوم حفظ من شرّ الشياطين.
  • ومن خواصها لقضاء الحوائج: أن تقرأ 12 مرة.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ