مقارنة معجزات الأنبياء بمعجزات النبي ﷺ

الدرس ٤ من ٤١دلائل النبوة

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ الذي أنشأَ وبَرَا، وخلقَ الماءَ والثَّرى، وأبْدَعَ كلَّ شَيْء وذَرَا، لا يَغيب عن بصرِه صغيرُ النَّمْل في الليل إِذَا سَرى، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)﴾ [سورة طه/ الآية 6-8]، أنْزلَ الكتابَ على محمد فيه البيَّناتُ والهُدَى، أحْمَدُه على نعمه التي لا تَزَالُ تَتْرَى، 

وأصلِّي وأسَلِّم على نبيِّه محمدٍ المبْعُوثِ في أُمِ القُرَى، صلَّى الله عليه وعلى صاحِبِهِ في الْغارِ أبي بكرٍ بلا مِرَا، وعلى عُمَرَ الْمُلْهَمِ في رأيه فهُو بِتوفيق الله يرى، وعلى عثمانَ زوجِ ابْنَتَيْهِ ما كان حديثًا يُفْتَرَى، وعلى ابن عمِّهِ عليٍّ بَحْرِ العلومِ وأسَدِ الشَّرى، وعلى آله وأصحابِه الذين انتَشَرَ فضلُهُمْ في الوَرَىَ، وسَلَّمَ تسليمًا كَثِيْرًا. أما بعد:

الشرح

لا خفاء عَلَى مَنْ مَارَسَ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ، أوْ خُصَّ بِأَدْنَى لَمْحَةٍ مِنَ الْفَهْمِ: بِتَعْظِيمِ اللَّهِ قَدْرَ نَبِيِّنَا ﷺ وخُصُوصِهِ إيَّاهُ بِفَضَائِلَ وَمَحَاسِنَ وَمَنَاقِبَ وَتَنويِهِهِ مِنْ عَظِيمِ قَدْرِهِ بِمَا تَكِلُّ عَنْهُ الْأَلْسِنَةُ وَالْأَقْلَامُ، وَتَخْصِيصِهِ بِالْمَحَاسِنِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَخلَاقِ الْحمِيدَةِ وَالْمَذَاهِبِ الْكَرِيمَةِ وَالْفَضَائِلِ الْعَدِيدَةِ وَتَأْيِيدِهِ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ وَالْكَرَامَاتِ البَيِّنَةِ، الَّتِي شَاهَدَهَا مَنْ عَاصَرَهُ، وَرَآهَا مَنْ أَدْرَكَهُ، وَعَلِمَهَا عِلْمَ يَقِينٍ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، حَتَى انْتَهَى عِلْمُ حَقِيقَةِ ذَلِكَ إِلَيْنَا، وَفَاضَتْ أَنْوَارُهُ عَلَيْنَا ﷺ، ومما يدلّ على أنّه أعظم الخلق منزلة وأعلاهم رتبة كثير من الآيات والآثار والأقوال والحوادث والدلائل، منها ما رواه الترمذي في سننه من حديث الإسراء، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ((أَنّ النَّبِيَّ أُتِيَ بالبراق لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جبريل: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذا، فَمَا رَكِبَكَ أحَدٌ أَكْرَمُ على الله منه؟)) قال: فَارْفَضَّ عَرَقًا. 

نكمل حديثنا إن شاء الله في معنى كلام الشافعي أنّ الله لم يعطِ نبيا من أنبيائه شيئا ولا معجزة إلا أعطى محمدا ﷺ مثلها أو أفضل منها: 

إعطاؤه ﷺ أعظم مما أوتيه هود عليه الصلاة والسلام

قال تعالى عن عاد قوم هود عليه السلام: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [سورة الذاريات/ الآية 41-42]، فإنه لَمَّا تجبر قوم هود عليه السلام ولم يستجيبوا لدعوة نبيهم هود عليه السلام بل عصوا رسول الله هودًا وكذبوه وجحدوا بآيات الله التي أقامها هود عليه السلام دلالة على صدقه في أنه مرسل من ربّه واتبعوا أمر كل جبّار عنيد من ملإ قومهم وأصرّوا على عبادة الأصنام أحلَّ الله تبارك وتعالى بهم نقمته وعذابه في الدنيا بعد أن أنذرهم سيدنا هود عليه السلام بالعذاب القريب الذي ينتظرهم، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 39-40]، وقال تعالى إخبارًا عن هود: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 71]، فأمسك الله عنهم المطر حتى جهدوا، وكان كلما نزل بهم الجهد ذكَّرهم هود بدعوة الله وأنّه لا ينجيهم من البلاء والعذاب إلا الإيمان والاستماع لنصائحه بالقبول، فكان ذلك يزيدهم عتوًا وعنادًا فازداد العذاب عليهم وصاروا في قحط وجفاف شديدين فطلبوا السقيا والمطر وأوفدوا وفدهم إلى مكة يستسقون لهم، فأنشأ الله سحابًا أسودَ وساقه إلى عاد فخرجت عليها من واد فلما رأوها استبشروا أنه سحاب مطر وسُقيا ورحمة فإذا هو سحاب عذاب ونقمة قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [سورة الأحقاف/ الآية 24-25]. وروى الإمام أحمد في مسنده أن الحارث بن حسان البكري قال قَدِمْتُ المدينةَ فدخلتُ علَى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فذَكَرتُ عندَهُ وافِدَ عادٍ فقلتُ لرسول الله ﷺ: “أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد”، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: ((وما وافدُ عادٍ؟)) قالَ، فقلتُ: على الخبيرِ سقطتَ، إنَّ عادًا لمَّا أُقْحِطَت بعثَت قيلًا فنزلَ على بَكْرِ بنِ معاويةَ بن وائل فسقاهُ الخمرَ وغنَّتهُ الجرادتانِ، ثمَّ خرجَ يريدُ جبالَ مَهْرةَ فقالَ: اللَّهمَّ إنِّي لم آتِكَ لمريضٍ فأداويَهُ ولا لأسيرٍ فأفاديَهُ فاسقِ عبدَكَ ما كنتَ مُسْقيَهُ، واسقِ معَهُ بَكْرَ بنَ معاويةَ، يشكرُ لَهُ الخمرَ الَّتي سقاهُ، فرُفِعَ لَهُ سحاباتٌ، فقيلَ لَهُ: اختر إحداهنَّ، فاختارَ السَّوداءَ منهنَّ، فقيلَ لَهُ: خُذها رمادًا رَمددًا، لا تذرُ من عادٍ أحدًا، وذُكِرَ أنَّهُ لم يُرسَلْ عليهم منَ الرِّيحِ إلَّا قدرُ هذِهِ الحلقةِ – يعني حلقةَ الخاتمِ – ثمَّ قرأَ: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [سورة الذاريات/ الآية 41-42]

فقد أرسل الله على قوم هود ريحًا باردة شديدة الهبوب سخرها الله على القوم الكافرين سبع ليال وثمانية أيام كوامل متتابعات حتى أهلكتهم وصاروا صرعى، وقد شبههم الله بأعجاز النخل التي لا رءوس لها، وذلك لأن هذه الريح كانت تجيء إلى أحدهم فتحلمه فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة هامدة بلا رأس، وكان بعد ذلك أن العرب إذا بعثوا وفدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد.

قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْلَكَ قَوْمَ هودٍ بِالرِّيحِ الْعَقِيمِ، وَقَدْ كَانَتْ رِيحَ غَضَبٍ، وَنَصَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ بِريح الصَّبَا يَوْمَ الْأَحْزَابِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 9]، ثُمَّ روى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ المرويُّ في البخاري ومسلم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ))، فكانت الريح عذابا لأقوام بعض الأنبياء وكانت نصرا لنبينا محمد ﷺ وعذابا لمخالفيه. 

وتفصيل ذلك أنّ الأحزاب من اليهود والعرب اجتمعوا لقتال المسلمين في غزوة الأحزاب وهي التي تسمى أيضا بغزوة الخندق، وذلك في السنة الخامسة للهجرة وحفر المسلمون الخندق حول المدينة ليحموها من المشركين، واشتد الجوع والخطب بالمسلمين وقامَ النّبِيُّ ﷺ في النّاسِ خطِيبًا فقال: ((أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ وَسَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ))، ثُمّ جعلَ ﷺ يَدعو على الأحزابِ فيقولُ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)) رواه البخاري، فقال المُسلِمون: يا رسولَ الله، هل مِن شىءٍ نَقولُه فقَد بلَغَتِ القُلوبُ الحناجِرَ أي عند اشتداد الخوف، فقال ﷺ: ((نَعَمْ، اللهم اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا)) رواه أحمد في مسنده، فأتاه جِبريلُ عليه السّلامُ فبَشَّرَه أنّ اللهَ يُرسِلُ عليهِم رِيحًا وجُنودًا، فأعلَم رسولُ اللهِ ﷺ أصحابَه بذلِكَ وشكَرَ الله عزّ وجلَّ وأثنَى عليهِ. وبعَثَ اللهُ تعالى رِيحًا عاصِفًا وهيَ الصَّبا وهي الرياح الشرقية في ليالٍ شَدِيدةِ البَردِ، فقلَعَتِ الأوتادَ وألْقَتْ علَى المُشرِكينَ الأبْنِيةَ، وأطْفأَتْ نِيرانَهُم، وصارَتِ الرِّيحُ تُلقِي الرِّجالَ على أمتِعَتِهم، وسَفَّتْ علَيهِم التُّرابَ ورَمَتْهُم بالحَصى، ولَم تُجاوزِ الرِّيحُ مُعسكرَهُم، وصارُوا يَسمَعُون في نَواحِي مُعسكَرِهم التّكبِيرَ وقَعْقعةَ السِّلاح – وكان ذلكَ مِن المَلائكةَ – وفي ذلكَ قالَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 9-11]، إلى قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 25]، وحصل اختِلافُ كَلِمةِ المُشركِينَ ودَبَّ في قُلوبِهم الرُّعبُ والقَلَقُ معَ شِدّةِ الظُّلمةِ الّتي حلَّتْ بهِم مِن انطِفاءِ نَيرانِهم بحيثُ كان الواحِدُ مِنهُم لا يَرَى إِصبَعه إذا مَدَّها.

إعطاؤه ﷺ أعظم مما أوتيه صالح عليه الصلاة والسلام

كان سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام يدعو قومه إلى الإيمان، واستمر قومه على عنادهم وتكبرهم من اتباع الحق، ولما وجدوا منه استمساكًا برأيه وإصرارًا على دعوته إياهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام خاف المستكبرون من قومه أن يكثر أتباعه وأن ينصرفوا عنهم إليه، وفي ذلك ذهابٌ لسلطانهم وتفتيت لقوتهم، فأرادوا أن يظهروا للناس أنه عاجز غير صادق في دعواه وهذا من خبث نفوسهم وظلام قلوبهم عن اتباع الحق، فطلبوا منه معجزة تكون دليلًا على صدقه وقالوا له: أخرج لنا من هذه الصخرة – وأشاروا إلى صخرة كانت هناك – ناقة ومعها ولدها وصفتها كيت وكيت وذكروا لها أوصافًا، وقالوا له: إن أخرجت لنا من هذه الصخرة ناقة ومعها ابنها ءامنا بك وصدقناك، فأخذ سيدنا صالح عليه السلام عليهم عهودهم ومواثيقهم على ذلك، وقام وصلى لله تبارك وتعالى ثم دعا ربه عز وجل أن يعينه ويجيبه إلى ما طلب قومه فاستجاب الله دعوته فأخرج لهم سيدنا صالح عليه السلام بقدرة الله ناقة ومعها ولدها من الصخرة الصمّاء. فقد أمر الله هذه الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة طويلة فيها الصفات التي طلبوها ومعها ابنها، فلما رأى قومه هذا الأمر الخارق للعادة الذي فيه الدليل القاطع والبرهان الساطع على صدق سيدنا صالح عليه السلام ءامن قسم منهم واستمر أكثرهم على كفرهم وعنادهم وضلالهم، وعندما أخرج لهم سيدنا صالح عليه السلام هذه الناقة مع فصيلها بقدرة الله تعالى قال لهم ما أخبرنا الله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 73] أضافها عليه السلام لله تعالى إضافة تشريف وتعظيم وأخبرهم أنها لهم دليل صدق على دعوته عليه السلام، وأمرهم أن يتركوها تأكل في أرض الله قال تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [سورة الشعراء/ الآية 155]، وحذرهم أن يتعرضوا لها بالقتل أو الأذى، وأخبرهم أنهم إن هم تعرّضوا لها بالسّوء يأخذهم عذاب وهلاك عظيم، قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الشعراء/ الآية 153-156]  فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيث شاءت من أرضهم، فتَرِدُ الماء يومًا بعد يوم، ويقال إنها كانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم، وقد مكثت ناقة صالح عليه الصلاة والسلام في قبيلة ثمود زمانًا تأكل من الأرض، وتَرِدُ الماء للشرب يومًا وتمتنع منه يومًا، مما استمال كثيرًا من قومه عليه السلام إذ استبانوا بها على صدق رسالة نبيهم صالح عليه السلام وأيقنوا بذلك، مما أفزع ذلك المستكبرين من قومه وخافوا على سلطانهم أن يزول ورأوا في هذه الناقة خطرًا جسيمًا عليهم فاتفقوا على أن يعقروها ليستريحوا منها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ [سورة القمر/ الآية 27] فقتلوها فحل بهم العذاب.

قال أبو نعيم: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَخْرَجَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِصَالِحٍ نَاقَةً جَعَلَهَا لَهُ عَلَى قَوْمِهِ حُجَّةً وَآيَةً لَهَا شِرْبُ يَوْمٍ وَلِقَوْمِهِ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ. قُلْنَا: قَدْ أَعْطَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى قَوْمِهِ حُجَّةً مِثْلَ ذَلِكَ فشَهِدَ لَهُ الْبَعِيرُ النَّادّ – أي النافر من صاحبه – شَاكِيًا إِلَيْهِ مَا هَمَّ بِهِ صَاحِبُهُ مِنْ نَحْرِهِ.

وهذه القصة رواها البيهقي وغيره عن جابر أنه قال: ثُمَّ سِرْنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَنَا فَجَاءَ جَمَلٌ نَادٌّ، فَلَمَّا كَانَ بَيْنَ السِّمَاطَيْنِ – أي الصفين من الناس – خَرَّ سَاجِدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ صَاحِبُ هَذَا الْجَمَلِ))، فَقَالَ فِتْيَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: هُوَ لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: ((فَمَا شَأْنُهُ؟)) قَالَ: سَنَوْنَا عَلَيْهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمَّا كَبِرَتْ سِنُّهُ وَكَانَ عَلَيْهِ شُحَيْمَةٌ وَأَرَدْنَا نَحْرَهُ لِنُقَسِّمَهُ بَيْنَ غِلْمَتِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((تَبِيعُونِيهِ؟)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هُوَ لَكَ، قَالَ: ((فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ نَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ مِنَ الْبَهَائِمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كان النساء لأزواجهن)).

وفي رواية عند ابن سعد: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بَيْنَا رسول الله ﷺ فِي مَسْجِدِهِ إِذْ أَقْبَلَ ‌جَمَلٌ ‌نَادٌّ حَتَّى وَضَعَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ وجرجر -أي اطلع صوتا من جوفه – فقال النبي ﷺ: ((إِنَّ هَذَا الْجَمَلَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لِرَجُلٍ وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْحَرَهُ فِي طَعَامٍ عَنْ أَبِيهِ الآنَ فَجَاءَ يَسْتَغِيثُ)). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا جَمَلُ فُلانٍ. وَقَدْ أَرَادَ بِهِ ذَلِكَ. فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الرَّجُلَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ. فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ بِهِ. فَطَلَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لا يَنْحَرَهُ. فَفَعَلَ. 

وفي رواية أن البعير دنا من الرسول فقال: يا رسول الله إن فلانا استعملني حتى إذا كبرت وعمرت يريد ذبحي، فأنا أستعيذ بك منه، فأرسل رسول الله ﷺ فاستوهبه فوهبه منه وخلاه، 

وروى الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء قوم من الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن لنا بعيرا قد ندّ في حائط فجاء إليه رسول الله ﷺ فقال: ((تعال))، فجاء مطأطئا رأسه حتى خطمه، وأعطاه أصحابه، فقال له أبو بكر: يا رسول الله، كأنه علم أنك نبيّ. فقال رسول الله ﷺ: ((ما بين لابتيها أحد إلا يعلم أني نبيّ إلا كفرة الإنس والجن)).

روى الطبراني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ لَهُ ‌فَحْلَانِ ‌فاغَتَلَمَا – اشتدت حدتهما -، فَأَدْخَلَهُمَا حَائِطًا فَسَدَّ عَلَيْهِمَا الْبَابَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي جِئْتُ فِي حَاجَةٍ وَإِنَّ فَحْلَيْنِ لِي اغْتَلَمَا فَأَدْخَلْتُهُمَا حَائِطًا، وسَدَدْتُ الْبَابَ عَلَيْهِمَا، فَأُحِبُّ أَنْ تَدْعُوَ لِي أَنْ يُسَخِّرَهُما اللهُ لِي فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: ((قُومُوا مَعَنَا)) فَذَهَبَ حَتَّى أَتَى الْبَابَ فَقَالَ: ((افْتَحْ)) فَأَشْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((افْتَحْ)) فَفَتَحَ الْبَابَ فَإِذَا أَحَدُ الْفَحْلَيْنِ قَرِيبٌ مِنَ الْبَابِ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ائْتِنِي بِشَيْءٍ أَشَدُّ بِهِ رَأْسَهُ، وأُمْكِنُكَ مِنْهُ)) فَجَاءَ بحطامٍ فَشَدَّ بِهِ رَأْسَهُ، وأَمْكَنَهُ مِنْهُ، ثُمَّ مَشَيَا إِلَى أَقْصَى الْحَائِطِ إِلَى الْفَحْلِ الْآخَرِ، فَلَمَّا رَآهُ وَقَعَ لَهُ سَاجِدًا فَقَالَ لِلرَّجُلِ: ((ائْتِنِي بِشَيْءٍ أَشَدُّ بِهِ رَأْسَهُ)) فَشَدَّ رَأْسَهُ وأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَقَالَ: ((اذْهَبْ فَإِنَّهُمَا لَا يَعْصيانِكَ)) فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَانِ فَحْلَانِ لَا يَعْقِلَانِ سَجَدَا لَكَ أَفَلَا نَسْجُدُ لَكَ قَالَ: ((لَا آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ وَلَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا يَسْجُدُ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا)).

وروى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من سفر حتى إذا دفعنا إلى حائط – أي بستان – من حوائط بني النّجار إذا فيه جمل لا يدخل أحد إلا شدّ عليه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فجاء حتى أتى الحائط فدعا البعير، فجاء واضعا مشفره إلى الأرض حتى برك بين يديه، فقال النبي ﷺ: ((هاتوا خطامه)) ودفعه إلى صاحبه ثم التفت إلى الناس، فقال: ((إنه ليس شيء بين السماء ‌والأرض ‌إلا ‌يعلم ‌أني رسول الله إلا عاصي الإنس والجن)). والمراد من كفر بالله ورسوله. 

وفي قصة أخرى رواها الإمام أحمد والنسائي بسند جيد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ لَهُمْ جَمَلٌ يَسْنُونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْجَمَلَ اسْتُصْعِبَ عَلَيْهِمْ، فَمَنَعَهُمْ ظَهْرَهُ، وَإِنَّ الْأَنْصَارَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ لَنَا جَمَلٌ نَسْنَى عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ اسْتُصْعِبَ عَلَيْنَا، وَمَنَعَنَا ظَهْرَهُ، وَقَدْ عَطِشَ الزَّرْعُ وَالنَّخْلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: ((قُومُوا)) فَقَامُوا، فَدَخَلَ الْحَائِطَ وَالْجَمَلُ فِي نَاحِيَتِهِ، فَمَشَى النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَهُ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ صَارَ مِثْلَ الْكَلْبِ الْكَلِبِ – أي الكلب المسعور-، وَإِنَّا نَخَافُ عَلَيْكَ صَوْلَتَهُ، فَقَالَ: ((لَيْسَ عَلَيَّ مِنْهُ بَأْسٌ)). فَلَمَّا نَظَرَ الْجَمَلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى خَرَّ سَاجِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَاصِيَتِهِ أَذَلَّ مَا كَانَتْ قَطُّ، حَتَّى أَدْخَلَهُ فِي الْعَمَلِ. فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، هَذِهِ بَهِيمَةٌ لَا تَعْقِلُ تَسْجُدُ لَكَ وَنَحْنُ نَعْقِلُ، فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ، فَقَالَ: ((لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا)).

وقد شهد له صلى الله عليه وسلم الضّبّ الميّت والنّاقة والغزالة والحجر وغيرهم بالنبوة والرسالة.

فائدة: من خصائص سورة الفاتحة

  • فمن خواصها لمرض الطاعون أو أي نوع من أنواع الوباء: أن تقرأ ٤١ مرة ثم ينفخ عليه وهذا لأي مرض إن شاء الله تعالى وخصوصًا لوجع العينين.
  • ومن خواصها: أنّه من داوم على قراءتها بين سنّة الفجر وفرضه ٤١ مرة لم يطلب منزلة إلا وجدها إن شاء الله تعالى، وإن كان فقيرًا أغناه الله، وإن كان مديونًا قضى عنه دينه، وإن كان مريضا شفاه الله.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ