مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الَّذِي أرْشَدَ الخلقَ إلى أكْملِ الآداب، وفتَحَ لهم من خزائنِ رحمتِهِ وجودِهِ كُلَّ باب، أنَار بصائرَ المؤمنينَ فأدركوا الحقائقَ وطلبُوا الثَّواب، وأعْمَى بصائرَ المُعْرِضين عن طاعتِهِ فصار بينهم وبين الحقّ حجاب، هدى أولئك بفضله ورحمته وأضلَّ الآخرين بعدله وحكمته، إن في ذلك لذِكْرى لأولى الألبَاب،
وأشْهدُ أنْ لا إِله إِلّا الله وحده لا شريكَ له، له الملكُ الْعَزيزُ الوَهَّاب، وأشْهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسولهُ المبعوثُ بأجَلِّ العباداتِ وأَكمَلِ الآداب، صلَّى الله عليه وعلى الآلِ والأصْحَاب، وعلى التابعين لَهم بإحْسَانٍ إلى يومَ المَآب، وسلَّم تسليمًا.
أما بعد:
الشرح
يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 45-46]، أرسل الله الأنبياء والرسل وختمهم بسيدنا محمد ﷺ فقد كان أفضلَهم وأعظمَهم وأجلَّهم وأعلاهم رتبة، والنبوة مرتبة عالية لا يوصل إليها بالاجتهاد بل إن الله عز وجل يختص بها من شاء من ذكور بني آدم، والنبوة مشتقة مِنَ النَّبَإِ أَىِ الْخَبَرِ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ إِخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ أَوْ مِنَ النَّبْوَةِ وَهِىَ الرِّفْعَةُ أَىْ عُلُوُّ الدَّرَجَةِ فَالنَّبِىُّ عَلَى هذا أَىْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اشْتِقَاقَهَا مِنَ النَّبَإِ نَبِىءٌ بِمَعْنَى مُنْبِىءٍ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ أَوْ هُوَ نَبِىءٌ بِمَعْنَى مُنْبَأٌ أَىْ مُخْبَرٌ عَنِ اللَّهِ أَىْ يُخْبِرُهُ الْمَلَكُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.
ويَجِبُ لِلأَنْبِيَاءِ الصِّدْقُ أَىْ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ نَبِىٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ صَادِقًا وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ فَلَمْ يَصْدُرْ مِنْ نَبِىٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ كَذْبَةٌ قَطُّ لا صَغِيرَةٌ وَلا كَبِيرَةٌ وَتَجِبُ لَهُمُ الْفَطَانَةُ أَىِ الذَّكَاءُ وَإِلَّا لَعَجَزُوا عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَعَنْ إِرْشَادِ النَّاسِ إِلَى مَصَالِحِ ءَاخِرَتِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَلِذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ أَىْ لا يَلِيقُ بِأَىٍّ مِنْهُمُ الْبَلادَةُ فِى الذِّهْنِ وَالْغَبَاوَةُ أَىْ ضَعْفُ الْفَهْمِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ وَتَجِبُ لَهُمْ أَىْ لِكُلِّ نَبِىٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ الأَمَانَةُ فَلا تَصْدُرُ مِنْ أَىٍّ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ فِى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ حَالٍ وَقَدْ رَفَعَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعْلَى مَقَامَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ عَلَى الْبَشَرِ وَاخْتَارَهُمْ لِرِسَالاتِهِ وَلِذَلِكَ حَفِظَهُمْ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِى لا تَلِيقُ بِمَقَامِهِمُ الْعَالِى هَذَا فَالأَنْبِيَاءُ سَالِمُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَذَلِكَ بِالإِجْمَاعِ وَهُمْ سَالِمُونَ مِنَ الْوُقُوعِ فِى صَغَائِرِ الْخِسَّةِ أَىِ الَّتِى تَدُلُّ عَلَى دَنَاءَةٍ فِى نَفْسِ فَاعِلِهَا كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا أَيْضًا وَبِالإِجْمَاعِ كَذَلِكَ وَهَذِهِ أَىِ السَّلامَةُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ هِىَ الْعِصْمَةُ الْوَاجِبَةُ لَهُمْ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ.
وَيَجِبُ لَهُمُ الصِّيَانَةُ فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الرَّذَالَةُ وَهِىَ صِفَاتُ الدُّونِ مِنَ النَّاسِ كَاخْتِلاسِ النَّظَرِ إِلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِشَهْوَةٍ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ السَّفَاهَةُ أَىِ التَّصَرُّفُ بِخِلافِ الْحِكْمَةِ كَالَّذِى يَشْتِمُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْجُبْنُ فَكُلُّهُمْ ثَابِتُو الْقَلْبِ شُجْعَانٌ وَكَذَا كُلُّ مَا يُنَفِّرُ عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ مِنْهُمْ فَكُلُّهُمْ لا يُقَصِّرُونَ فِى التَّبْلِيغِ فُصَحَاءُ يُحْسِنُونَ التَّعْبِيرَ عَمَّا يُرِيدُونَ وَلَيْسَ فِى أَلْسِنَتِهِمْ عِلَّةٌ تَجْعَلُ كَلامَهُمْ غَيْرَ مَفْهُومٍ لِلسَّامِعِينَ وَلا يَحْصُلُ مِنْهُمْ سَبْقُ لِسَانٍ لا فِى الشَّرْعِيَّاتِ وَلا فِى الْعَادِيَّاتِ وَكُلُّهُمْ ثَابِتُو الْعُقُولِ لا يُصِيبُهُمْ جُنُونٌ وَلا تَغْلِبُهُمْ سَوْدَاءُ وَلا يَصْرَعُهُمُ الْجِنُّ وَلا يُؤَثِّرُ السِّحْرُ فِى عُقُولِهِمْ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الإِغْمَاءُ وَالنِّسْيَانُ الَّذِى لا يَخْدِشُ مَرْتَبَتَهُمْ وَكَذَلِكَ كَانُوا جَمِيعًا ذَوِى خِلْقَةٍ سَوِيَّةٍ وَوُجُوهٍ حَسَنَةٍ وَأَصْوَاتٍ حَسَنَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَعْرَجُ وَلا كَسِيحٌ وَلا أَعْمَى خِلْقَةً بَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَرَضٍ مُنَفِّرٍ لِلنَّاسِ مِنْهُمْ كَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَخُرُوجِ الدُّودِ مِنَ الْوَجْهِ وَالْبَدَنِ. فَمَنْ نَسَبَ إِلَيْهِمُ الْكَذِبَ أَوِ الْخِيَانَةَ أَوِ الرَّذَالَةَ أَوِ السَّفَاهَةَ أَوِ الْجُبْنَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَحُطُّ مِنْ مَرْتَبَتِهِمْ كَمَنْ زَعَمَ بِأَنَّ أَصْلَ سَيِّدِنَا ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِرْدٌ فَقَدْ كَذب الدين.
وليعلم أَنَّ السَّبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّبِىِّ الْمُعْجِزَةُ وَلِذَلِكَ أَعْطَاهَا اللَّهُ لِكُلِّ نَبِىٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَهِىَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ أَىْ مُخَالِفٌ لَهَا كَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ فَلْقَتَيْنِ بِإِشَارَةِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِى عَلَى وَفْقِ دَعْوَى مَنِ ادَّعَوِا النُّبُوَّةَ أَىْ مُوَافِقًا لِدَعْوَاهُمْ لا يُنَاقِضُهَا وَهُوَ سَالِمٌ مِنَ الْمُعَارَضَةِ بِالْمِثْلِ أَىْ لا يَسْتَطِيعُ مُعَارِضٌ لَهُمْ أَنْ يَأْتِىَ بِمِثْلِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ فَمَا كَانَ مِنَ الأُمُورِ عَجِيبًا وَلَمْ يَكُنْ خَارِقًا لِلْعَادَةِ كَحِفْظِ أَبْيَاتِ شِعْرٍ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِهَا مِنَ الْمَرَّةِ الأُولَى وَكَسُرْعَةِ حِسَابِ نَتِيجَةِ الضَّرْبِ أَوِ الْجَمْعِ أَوِ الطَّرْحِ أَوِ الْقِسْمَةِ فِى الْحِسَابِ مِنْ غَيْرِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكِتَابَةِ فِى ذَلِكَ وَكَحِفْظِ كِتَابٍ مِنْ عِدَّةِ مُجَلَّدَاتٍ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ وَكَالْغَوْصِ تَحْتَ الْمَاءِ لِمُدَّةِ خَمْسِ دَقَائِقَ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ.
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ خَارِقًا لَكِنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ أَىْ لَمْ يَدَّعِ الشَّخْصُ الَّذِى حَصَلَ هَذَا الْخَارِقُ عَلَى يَدِهِ أَنَّهُ نَبِىٌّ كَالْخَوَارِقِ الَّتِى تَظْهَرُ عَلَى أَيْدِى الأَوْلِيَاءِ أَتْبَاعِ الأَنْبِيَاءِ كَتَنَاوُلِهِمُ السُّمَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَضَرَّرُوا وَدُخُولِهِمُ النَّارَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَرِقُوا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ لِلْوَلِىِّ الَّذِى يَحْصُلُ لَهُ بَلْ يُسَمَّى كَرَامَةً وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنَ الْخَوَارِقِ غَيْرَ مُوَافِقٍ لِلدَّعْوَى كَالَّذِى حَصَلَ لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ فَإِنَّهُ مَسَحَ عَلَى وَجْهِ رَجُلٍ أَعْوَرَ لِيُشْفَى فَعَمِيَتْ عَيْنُهُ الأُخْرَى فَلَيْسَ مُعْجِزَةً.
وَكَذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُعْجِزَةِ مَا يُسْتَطَاعُ مُعَارَضَتُهُ بِالْمِثْلِ بِأَنْ يَعْتَرِضَ شَخْصٌ عَلَى فَاعِلِهِ قَائِلًا لَهُ أَنْتَ لَسْتَ نَبِيًّا وَهَا أَنَا ذَا أَفْعَلُ كَمِثْلِ فِعْلِكَ ثُمَّ يَأْتِىَ بِخَارِقٍ يُشْبِهُ الْخَارِقَ الَّذِى فَعَلَهُ الآخَرُ وَذَلِكَ كَالسِّحْرِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ مِنْهُ خَوَارِقُ أَحْيَانًا لَكِنَّهُ يُعَارَضُ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ وَكَمْ مِنْ سَاحِرٍ قَلَّدَ سَاحِرًا ءَاخَرَ وَأَتَى بِمِثْلِ مَا فَعَلَ وَأَمَّا مُعْجِزَاتُ الأَنْبِيَاءِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مُنْذُ حَصَلَتْ لَهُمْ إِلَى يَوْمِنَا أَنْ يُعَارِضَهَا بِالْمِثْلِ.
وَالْمُعْجِزَاتُ الَّتِي حَصَلَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، قِيلَ إِنَّ عَدَدَهَا بَيْنَ أَلْفٍ وَثَلاثَةِ ءَالافٍ.
قال العلماء: ما أتى نبي من المعجزات ولا فضيلة إلا ونبينا ﷺ أوتي نظيرها وأعظم منها، قال الإمام الشافعي رضي الله عنه فيما رواه البيهقي وابن أبي حاتم رضي الله عنهما: ما أعطى الله ما أعطى محمدا ﷺ.
ولفظ البيهقي رضي الله عنه: ما أعطى الله نبيا قط شيئا إلا وقد أعطى محمدا ﷺ أكثر. فقال له بعض جلّاسه: قد أعطى الله عيسى عليه الصلاة والسلام إحياء الموتى، قال: أعطى محمدا ﷺ الجذع الذي كان يقف على جنبه، وهي له كالمنبر، فلما هيئ له المنبر حنّ الجذع حتى سمع الناس صوته، فهذا أكثر من ذلك، وقال الحافظ جمال الدين المزني رضي الله عنه وأول من تكلم في هذا الباب أبو عبد الله محمد ابن إدريس الشافعي رضي الله عنه. قال أبو سعد رحمه الله: ما من شرف خص الله به نبيا من أنبيائه إلّا وأعطى رسوله محمّدا ﷺ من جنسه أفضل منه.وقال أيضا: خص النبي ﷺ بستين خصلة فارق فيها جميع النبيين عليهم السّلام. وعقد أبو عبيد في كتابه «الدلائل» فصلا في ذلك، وكذا أبو محمد وأبو عبد الله بن حامد الفقيه، وكذلك شيخ الإسلام كمال الدين بن الزملكاني في آخر مولده وكذلك السيوطي والبيهقي والأصبهاني والصالحي والصرصري الشاعر يورد في بعض قصائده شيئا من ذلك رحمهم الله تعالى.
وَالْمُرَادُ مِنْ إيراد ما نذكره هنا، مقارنة مَا أَعْطَى اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَالْخَوَارِقِ الْقَاطِعَاتِ، وَالْحُجَجِ الْوَاضِحَاتِ، مع ما أعطى الله محمدا ﷺ، وَأَنَّ الله جَمَعَ لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمِهِمْ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَحَاسِنِ وَالْآيَاتِ مَعَ مَا اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِمَّا لَمَّ يُؤْتِ أَحَدًا قَبْلَهُ، وقال ابن عباس فيما رواه البيهقي: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَضَّلَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ.
وروى البيهقي عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ الضَّبِّيِّ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: إِنَّ أَعْظَمَ أَيَّامِ الدُّنْيَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَإِنَّ أَكْرَمَ خَلِيقَةِ اللهِ عَلَى اللهِ: أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ، قال، قُلْتُ: رَحِمَكَ اللهُ فَأَيْنَ الْمَلَائِكَةُ؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ وَضَحِكَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! وَهَلْ تَدْرِي مَا الْمَلَائِكَةُ؟ إِنَّمَا الْمَلَائِكَةُ خَلْقٌ من خَلْقِ الله، وَإِنَّ أَكْرَمَ الْخَلَائِقِ عَلَى اللهِ: أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ، وَإِنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ – أي فوقها – وَإِنَّ النَّارَ فِي الْأَرْضِ – أي تحتها-، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ الْخَلَائِقَ أُمَّةً أُمَّةً، وَنَبِيًّا نَبِيًّا، حَتَّى يَكُونَ أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ أعلى الْأُمَمِ مَرْكَزًا، ثُمَّ يُوضَعُ جِسْرٌ عَلَى جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ؟ فَيَقُومُ وَتَتْبَعُهُ أُمَّتُهُ بَرُّهَا وَفَاجِرُهَا فَيَأْخُذُونَ الْجِسْرَ فَيَطْمِسُ اللهُ أَبْصَارَ أَعْدَائِهِ فَيَتَهَافَتُونَ فِيهَا مِنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، وَيَنْجُو النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّالِحُونَ مَعَهُ، وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ يُرُونَهُمْ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَى يَمِينِكَ، عَلَى يَسَارِكَ.اهـ
وروى البيهقي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 107]. قَالَ: “مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ تَمَّتْ لَهُ الرَّحْمَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ -فالرحمة في الآخرة لا تنال إلا من آمن بالله ورسوله، إلا لمن وحَّد الله عز وجل اعتقد اعتقادا جازما أن الله تعالى موجود لا يشبه الموجودات موجود بلا كيف ولا مكان ولا جهة، لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ليس جسما ولا حجما ولا يوصف بصفات الأجسام ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، هذا هو الإيمان الذي من مات عليه تناله رحمة الله تعالى في الآخرة أما من لم يكن مؤمنا فلا تناله شيء من الرحمة بعد الموت، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 156] أي يتّقون الشرك – وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ عُوفِيَ مِمَّا كَانَ يُصِيبُ الْأُمَمَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا مِنَ الْعَذَابِ مِنَ الْخَسْفِ وَالْمَسْخِ وَالْقَذْفِ فَذَلِكَ الرَّحْمَةُ فِي الدُّنْيَا” – أي أن رحمة الله قد تنال الكافر في الدنيا، فشربة الماء البارد رحمة للكافر في الدنيا أما في الآخرة فهي للمؤمنين فقط -.
وممّا يدلّ على أفضليته ﷺ على الأنبياء حديث الشفاعة الطويل ولكن ينبغي توضيح بعض معانيه وبيانه، وهو في البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((أُتِيَ رسول الله ﷺ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ – بمعنى أخذ بأطراف أسنانه – مِنْهَا، نَهْسَةً، فَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ – وهذا يدل على أفضليته على بني آدم أجمعين، ويدل على جواز قول سيد للنبيﷺ وليس كما يحرمه بعض الجفاة في زماننا -، وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ – قال القرطبي: المعنى أنهم يجمعون في مكان واحد بحيث لا يخفى منهم أحد لو دعاهم داع لسمعوه ولو نظر إليهم ناظر لأدركهم، قال: ويحتمل أن يكون المراد بالداعي هنا من يدعوهم إلى العرض والحساب – وتدنو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ، أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ. فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ! أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ – أي بعنايته، فالله تعالى منزه عن الجوارح ليس كمثله شيء -، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ – أي من الروح المشرف عنده، فحياة الله ليست بروح ولحم ودم وجثة وأعضاء – وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ – كان هذا السجود سجود تحية وليس سجود عبادة بالإجماع كما قال الرازي في تفسيره – اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ – أي ما يظهره الله تعالى من انتقامه فيمن عصاه وما يشاهده أهل الجمع من أهوال القيامة، ولا ريب أنه لم يتقدم قبل ذلك اليوم مثله ولا يكون بعده مثله. الغضب بالنسبة للخلق تغير يحصل عند غليان الدم في القلب، وهو انفعال نفساني. أما الغضب إذا وصف الله به فيكون بمعنى إرادة الانتقام. والرضا إرادة إنعامه على عباده، أي إرادة الرحمة والإكرام -، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ – أي معصية صغيرة ليس فيها خسة ولا دناءة نفس وكانت من آدم قبل أن يوحى إليه وتاب منها وتاب الله عليه – نَفْسِي، نَفْسِي – لا يجوز أن يعتقد ما في بعض الكتب مما ينسبونه للأنبياء أنهم يقولون إنا نخاف أن يطرحنا الله في النار فهذا كذب لا يجوز اعتقاده -، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ! أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الْأَرْضِ – أي بعد ظهور الكفر بين البشر، وإلا فإن أول الرسل هو آدم عليه السلام ونبوته ثابتة في النصوص الشرعية والإجماع -، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا. اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ولن يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ كِذْبَاتِهِ – لا يجوز الكذب على الأنبياء، ومعنى هذا المنسوب إلى إبراهيم عليه السلام: أي تكلم بكلام يظنه بعض الناس كذبا وهو صدق من حيث الظاهر والباطن، فمن العلماء مَنْ أوّل هذه الكلمة ومنهم من أنكرها. أما الذين أولوها فقد حملوها كما حملت غيرها من النصوص كقول إبراهيم في زوجته لما سأله النمرود: «إنها أختي» وهي ليست أخته في النسب إنما أخته في الدين ومراده من هذه التورية صيانتها من أذى الجبار فهو ليس كذبًا في الباطن والحقيقة بل هو صدق -. نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى. فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى! أَنْتَ رَسُولُ اللهِ فضّلك الله برسالته وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ – الله تعالى أزال الحجاب عن سمع موسى عليه السلام فسمع كلام الله الذي ليس حرفا ولا صوتا ولا بداية له ولا نهاية ففهم منه أن افعل كذا ولا تفعل كذا – اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا، فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مثله، ولن يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قتلت نفسا لم أأمر بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى. فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ منه – أي روح عيسى من عند الله خلقا وتكوينا فإضافة الروح هنا إلى الله على معنى التشريف لروح عيسى عليه السلام وليس على معنى الجزئية. وَكَلِمَتُهُ: أي بشارته لمريم التي بشرتها بها الملائكة – فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قد غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَن يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ له ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ. فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي بَابَ الْعَرْشِ – العرش هو أكبر المخلوقات حجما والله تعالى خلقه وكان موجودا قبله ولمّا خلقه لم يحتج إليه فهو سبحانه لا يوصف بالجلوس ولا بالقعود ليس جسما لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان غني عن العرش وعن خلقه سبحانه – فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ. سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى)).اهـ
وقال رسول الله ﷺ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كُنْتُ إِمَامَ النَّاسِ وَخَطِيبَهُمْ وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ وَلَا فَخْرَ)) رواه أحمد في مسنده.وفي رواية البزار: ((أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأنا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأنا خَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَتُوا، وَأنا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَبْلَسُوا لِوَاءُ الْكَرَمِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَمَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ بِيَدِي، وَأنا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى اللَّهِ، ولَا فَخْرَ يَطُوفُ عَلَيَّ أَلْفُ خَادِمٍ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ))، وَفِي رِوَايَةِ البغوي في شرح السنة: ((الْكَرَامَةُ وَالْمَفَاتِيحُ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي وَلِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَقَالَ: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ، أَوْ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورٌ)).
والآن نذكر ما ورد في تفضيله ﷺ على الأنبياء ووجه التفضيل ومعنى كلام الشافعي أن الله لم يعطِ نبيًّا من أنبيائه شيئًا ولا معجزةً إلا أعطى محمدًا ﷺ مثلها أو أفضل منها:
فالمقصود هنا أن نذكر الذي أعطاه الله لأنبيائه وفي المقابل نذكر ماذا أعطى الله محمدا ﷺ، وبعد ذلك نذكر ما فُضِّلَ به على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأصل هذا الباب قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة البقرة/ الآية 253]، أما معنى قوله ﷺ: ((لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ الله)) رواه البخاري، وفي رواية أخرى عند البخاري: ((لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ))، هذه الأحاديث كانت قبل أن ينزل الوحي بتفضيل بعض الأنبياء على بعضهم، ما كان مأذونا للصحابة أن يفاضلوا بين الأنبياء بآرائهم، لكن بعد أن نزل القرءان بذلك أو بيّن الرسول ﷺ ذلك صار تفضيل بعض الأنبياء على بعض بالدليل حقًّا، وقال بعضهم لا نُفَضِّلُ بين الأنبياء بآرائنا بل بما جاء به الشرع؛ فالشرع هو الذي نصّ على أن محمدا ﷺ هو أفضل الأنبياء والمرسلين.
في إعطائه ﷺ أعظم مما أوتي سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام
قال تعالى في حق آدم عليه السلام: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 31]، فقد عُلِّمَ سيدنا محمد ﷺ الأسماء التي عُلِّمَهَا آدمُ عليه السلام، فإن نبينا محمدا ﷺ روي عنه ما يدل على أنه أعطي ذلك فقد روى الديلمي في مسند الفردوس عن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((مُثِّلَتْ لي أُمَّتِي فِي الْماء وَالطِّين، وَعُلِّمْتُ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا كَمَا عُلِّمَ آدمُ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا)). وهذا يدلّ على أنّ الله تعالى أعطاه كما أعطى آدمَ عليه السلام.
ومن ناحية أخرى في تفضيل نبينا ﷺ على آدم عليه السلام ما روى البيهقي في الدلائل: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((فُضِّلْتُ عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِخَصْلَتَيْنِ كَانَ شَيْطَانِي كَافِرًا فَأَعَانَنِي اللهُ حَتَّى أَسْلَمَ وَكُنَّ أَزْوَاجِي عَوْنًا لِي، وَكَانَ شَيْطَانُ – أي قرين – آدَمَ كَافِرًا، وَزَوْجَتُهُ كَانَتْ عَوْنًا لَهُ عَلَى خَطِيئَتِهِ – وهي أكله من الشجرة وهي معصية صغيرة لا خسة ولا دناءة فيها وتاب منها وتاب الله عليه)).
وروى البيهقي والحاكم وغيرهما وصححه الحاكم في المستدرك عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الْخَطِيئَةَ، قَالَ: يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي – وهذا يدل على جواز التوسل بالنبيﷺ حتى قبل ولادته وبيان أنّ له جاهًا ومنزلة عظيمة عند الله عز وجل، واستدل بهذا الحديث السبكي وغيره في الرد على من أنكر التوسل بذات النبي ﷺ، والتوسل بالنبي ﷺ مجمع على جوازه قبل ولادته وفي حياته وبعد وفاته ﷺ لم يختلف المسلمون في جوازه على معنى السبب، فنحن نتوسل بالنبي ﷺ بمعنى أننا نجعله سببا لإجابة الدعاء، فكم من الأسباب جعلها الله عز وجل تقوي إجابة الدعاء كالدعاء في آخر الليل أو في السجود أو في عرفة يوم عرفة، وكذلك من جملة الأسباب التي جعلها الله عز وجل لإجابة الدعاء التوسل بالنبي ﷺ فقد ثبت وصح في الأحاديث أن النبي علم أصحابة أن يتوسلوا به عند نزول البلاء، فالتوسل بالنبي ﷺ بهذا المعنى لا خلاف في جوازه وهذا الحديث دليل على ذلك -، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا آدَمُ، وَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟ – سأله وهو أعلم بالإجابة لكن لإظهار السبب للناس، فربنا عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء- قَالَ: لِأَنَّكَ يَا رَبِّ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ – أي بعنايتك – وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكِ – أي من الروح المشرّف عندك- رَفَعَتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ إِنَّهُ لَأُحِبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ وَإِذْ سَأَلْتَنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ)).اهـ
وروى البيهقي عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَهْلُ الْجَنَّةِ لَيْسَتْ لَهُمْ كُنًى إِلَّا آدَمُ فَإِنَّهُ يُكَنَّى بِأَبِي محمد توقيرا وتعظيما)). فبهذا وغيره فُضِّل على آدم عليهما الصلاة والسلام.
وقال النيسابوري في كتابه شرف المصطفى: قالوا: آدم عليه السّلام حين خُلق عُلّم الأسماء كلها ولم يُعَلِّمِ الملائكة، وجُعِلَ ذلك آية لسجود الملائكة. قلنا: وكذلك محمّد ﷺ كان أميّا وأمته كاتبون، وكانت هذه آيةً له، وقد آتاه الله كتابا جمع له فيه خبر الأولين والآخرين، وفصل الخطاب وهو القضاء بين الناس، ثم أبقى آيته وهو القرآن تقرأ إلى يوم القيامة.
إعطاؤه ﷺ أعظم مما أوتيه إدريس عليه الصلاة والسلام
قال تعالى في حق إدريس عليه السلام: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [سورة مريم/ الآية 57]، فنقول: لئن رفع إدريس عليه السّلام إلى السماء، فقد رفع محمّد ﷺ إلى أعلى من سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، فشاهد ما لم يعاينه أحد، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [سورة الإسراء/ الآية 60]، وقال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [سورة النجم/ الآية 8-9]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [سورة الإسراء/ الآية 1]، وكان المقصود من المعراج تشريفَ النبي ﷺ بإطلاعه على عجائب العالم العلوي، وليس المقصود من المعراج وصولَ النبي لمكان ينتهي فيه وجود الله، لا، فالله عز وجل لا يحويه مكان ولا زمان،وبهذا أعطي ﷺ أعظم مما أوتي إدريس عليه الصلاة والسلام.
فإن قيل: أُنزل على إدريس عليه السلام ثلاثون صحيفة، فنقول أنزل على محمدﷺ كتابا فيه من العلوم ما فاق الذي في الكتب السماوية السابقة فكان مهيمنا ومسيطرا عليها، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقّ﴾ [سورة المائدة/ الآية 48]، وكذلك: إن كان إدريس عليه السلام قرأ في الكتب الكثيرة التي أنزلت عليه وعرف منها ما عرف، فإن محمدا ﷺ كان أميا ومع ذلك أعجز بلغاء العرب وفصحاءهم.
إعطاؤه ﷺ أكثر مما أوتي يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام
قال أبو نعيم رحمه الله: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ يَحْيَى أُوتِيَ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَكَانَ يَبْكِي مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ وَكَانَ يُوَاصِلُ الصَّوْمَ. قُلْنَا: قَدْ أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّ يَحْيَى لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَالْجَاهِلِيَّةِ وَمُحَمَّدٌ ﷺ كَانَ فِي عَصْرِ أَوْثَانٍ وَجَاهِلِيَّةٍ فَأُوتِيَ الْفَهْمَ وَالْحُكْمَ صَبِيًّا بَيْنَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَحِزْبِ الشَّيْطَانِ فَمَا رَغِبَ لَهُمْ فِي صَنَمٍ قَطُّ وَلَا شَهِدَ مَعَهُمْ عِيدًا، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ قَطُّ كَذِبٌ وَكَانُوا يَعُدّونَهُ صَدُوقًا أَمِينًا حَلِيمًا رَءُوفًا رَحِيمًا وَكَانَ يُوَاصِلُ الْأُسْبُوعَ صَوْمًا فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي وَكَانَ ﷺ يَبْكِي حَتَّى يُسْمَعَ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى يَحْيَى فَقَالَ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [سورة آل عمران/ الآية 39]وَالْحَصُورُ: الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ. قُلْنَا: إِنَّ يَحْيَى كَانَ نَبِيًّا إِلَى قَوْمِهِ وَكَانَ نَبِيُّنَا ﷺ رَسُولًا إِلَى كَافَّةِ النَّاسِ لِيَقُودَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلًا وَفِعْلًا فَأَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْأَحْوَالَ الْمُخْتَلِفَةَ وَالْمَقَامَاتِ الْعَالِيَةَ الْمُتَفَاوِتَةَ فِي متَصَرَّفَاتِهِ لِيَقْتَدِيَ كُلُّ الْخَلْقِ بِأَفْعَالِهِ وَأَوْصَافِهِ، فَاقْتَدَى بِهِ الصِّدِّيقُونَ فِي جَلَالَتِهِمْ وَالشُّهَدَاءُ فِي مَرَاتِبِهِمْ وَالصَّالِحُونَ فِي اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ؛ لِيَأْخُذَ الْعَالِي وَالدَّانِي وَالْمُتَوَسِّطُ وَالْمَكِينُ مِنْ فِعَالِهِ قِسْطًا وَحَظًّا؛ إِذِ النِّكَاحُ مِنْ أَعْظَمِ حُظُوظِ النَّفْسِ وَأَبْلَغِ الشَّهَوَاتِ فَأَمَرَ بِالنِّكَاحِ، وَحَثَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا جَبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ النُّفُوسَ وَأَبَاحَ ذَلِكَ لَهُمْ؛لِيَتَحَصَّنُوا بِهِ مِنَ السِّفَاحِ فَشَارَكُوهُ ﷺ فِي ظَاهِرِهِ وَشَمَلَهُمُ الِاسْمُ مَعَهُ وَانْفَرَدَ عَنْ مُسَاوَاتِهِ مَعَهُمْ فَقَالَ ﷺ: ((تَزَوَّجُوا؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ)). فَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَلْبِهِ مَا أَفْرَدَهُ الْحَقُّ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ)) تَلَطَّفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَرْضَاتِهِ فَقَالَ لِعَائِشَةَ: ائْذَنِي لِي؛ أَتَعَبَّدُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَقَالَتْ: إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وَأُحِبُّ هَوَاكَ، فَقَامَ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَى الصَّبَّاحِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا وَبَاكِيًا، وَرُبَّمَا خَرَجَ إِلَى الْبَقِيعِ فَتَعَبَّدَ فِيهَا، وَيَزُورُ أَهْلَهَا، وَرُبَّمَا قَامَ لَيْلَةً بِآيَةٍ إِلَى الصَّبَاحِ يُرَدِّدُهَا كَالْمُنَاجِي كقوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [سورة المائدة/ الآية 118]فَكَانَتْ نِسْبَتُهُ عَنْ أَحْكَامِ الْبَشَرِيَّةِ وَدَاعِي النَّفْسِ مَمْحُوَّةً عِنْدَ انْشِقَاقِ صَدْرِهِ لَمَّا حَشَوْهُ بِالْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ الَّذِي وَزَنَ بِهِ أُمَّتَهُ فَرَجَحَ بِهِمْ هَذَا مَعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّكِينَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى قَلْبِهِ ﷺ.
وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين