جمال النبي ﷺ وأوصافه الخَلْقية

جمال النبي ﷺ وأوصافه الخلقية

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

الحَمدُ للهِ الَّذِي أَكرَمَنَا بِخَيرِ خَلقِهِ، وَأَعظَمِ رُسُلِهِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي جَمَعَ اللهُ لَهُ بَينَ كَمَالِ الخَلقِ وَالخُلُقِ، فَكَانَ جَمَالُ صُورَتِهِ مُوَافِقًا لِجَلَالِ قَدرِهِ، وَكَمَالُ نَفسِهِ مُشَاهَدًا فِي مُحَيَّاهُ الشَّرِيفُ.

وَقَد تَضَافَرَت رِوَايَاتُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم فِي وَصفِ جَمَالِهِ ﷺ، إِذ كَانُوا يَرَونَهُ بِأَعيُنٍ مِلؤُهَا المَحَبَّةُ وَالإِجلَالُ، فَعَبَّرَ كُلٌّ مِنهُم بِمَا أَجرَى اللهُ عَلَى لِسَانِهِ مِن عِبَارَاتٍ بَلِيغَةٍ، وَأَوصَافٍ دَقِيقَةٍ، حَتَّى اجتَمَعَتِ الشَّهَادَاتُ لِتُؤَكِّدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَجمَلَ النَّاسِ وَأَكمَلَهُم هَيئَةً.

أوصافه ﷺ

ذَكَرَ العُلَمَاءُ أَنَّ النُّفُوسَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي صَفَائِهَا وَكَمَالِهَا، وَكَانَ نَبِيُّنَا ﷺ أَصفَى النَّاسِ رُوحًا، وَأَكمَلَهُم بَدَنًا، وَأَحسَنَهُم خَلقًا وَصُورَةً.

فَعَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَم أَرَ شَيئًا أَحسَنَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ»، رَوَاهُ الشَّيخَانِ.

وَقَالَت أُمُّ مَعبَدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجمَلَ النَّاسِ مِن بَعِيدٍ، وَأَحلَاهُ وَأَحسَنَهُ مِن قَرِيبٍ»، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ.

وَقَالَ جَابِرُ بنُ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي لَيلَةٍ مُقمِرَةٍ وَعَلَيهِ حُلَّةٌ حَمرَاءُ، فَجَعَلتُ أَنظُرُ إِلَيهِ وَإِلَى القَمَرِ، فَلَهُوَ أَحسَنُ فِي عَينِي مِنَ القَمَرِ»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.

وَقَالَ طَارِقُ بنُ عُبَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَا رَأَيتُ وَجهًا أَشبَهَ بِالقَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ مِن وَجهِهِ ﷺ»، رَوَاهُ ابنُ عَسَاكِرَ.

وَقَالَتِ الرُّبَيِّعُ بِنتُ مُعَوِّذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «لَو رَأَيتَهُ لَقُلتَ الشَّمسُ طَالِعَةٌ»، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.

وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَا رَأَيتُ شَيئًا قَطُّ أَحسَنَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَأَنَّ الشَّمسَ تَجرِي مِن وَجهِهِ»، رَوَاهُ أَحمَدُ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ حِبَّانَ.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «لَم يَقُم رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ شَمسٍ قَطُّ إِلَّا غَلَبَ ضَوؤُهُ ضَوءَ الشَّمسِ، وَلَا مَعَ سِرَاجٍ قَطُّ إِلَّا غَلَبَ ضَوؤُهُ ضَوءَ السِّرَاجِ»، رَوَاهُ ابنُ الجَوزِيِّ.

وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «كُلُّ شَيءٍ حَسَنٍ قَد رَأَيتُ، فَمَا رَأَيتُ شَيئًا قَطُّ أَحسَنَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ»، رَوَاهُ ابنُ عَسَاكِرَ.

وَكَانَت هَذِهِ الأَوصَافُ مُجتَمِعَةً تُشِيرُ إِلَى أَنَّ جَمَالَهُ ﷺ لَم يَكُن جَمَالًا حِسِّيًّا فَحَسب، بَل انضَافَ لَهُ أَيضًا الجَمَالُ المَعنَوِيُّ، حَتَّى غَلَبَ ضَوؤُهُ ضَوءَ الشَّمسِ وَالقَمَرِ.

وَقَد عَبَّرَ بَعضُ الشُّعَرَاءِ عَن ذَلِكَ فَقَالَ:

لِمَ لَا يُضِيءُ بِكَ الوُجُودُ وَلَيلُهُ *** فِيهِ صَبَاحٌ مِن جَمَالِكَ مُسفِر

فَبِشَمسِ حُسنِكَ كُلُّ يَومٍ مُشرِقٍ *** وَبِبَدرِ وَجهِكَ كُلُّ لَيلٍ مُقمِر

طِيبُ ريحه وَنَقَاءُ جَسَدِه

عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: «مَا شَمَمتُ عَنبَرًا قَطُّ وَلَا مِسكًا وَلَا شَيئًا أَطيَبَ مِن رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ خَدَّهُ، قَالَ: «فَوَجَدتُ لِيَدِهِ بَردًا وَرِيحًا كَأَنَّمَا أَخرَجَهَا مِن جُؤنَةِ عَطَّارٍ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَالجُؤنَةُ ظَرفٌ لِطِيبِ العَطَّارِ.

وَكَانَ ﷺ إِذَا صَافَحَ المُصَافِحَ يَظَلُّ يَومَهُ يَجِدُ رِيحَهَا، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأسِ الصَّبِيِّ فَيُعرَفُ مِن بَينِ الصِّبيَانِ بِرِيحِهِ الطَّيِّبَةِ.

وَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: «كَأَنَّ رِيحَ عَرَقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رِيحُ المِسكِ، بِأَبِي وَأُمِّي، لَم أَرَ قَبلَهُ وَلَا بَعدَهُ مِثلَهُ.اهـ رَوَاهُ ابنُ عَسَاكِرَ.

وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأتِي أُمَّ سُلَيمٍ فَتَبسُطُ لَهُ نِطعًا فَيَقِيلُ عَلَيهِ (يَنَامُ عَلَيهِ) وَكَانَ يَعرَقُ، فَكَانَت تَجمَعُ عَرَقَهُ ﷺ فَتَجعَلُهُ فِي الطِّيبِ وَالقَوَارِيرِ، فَيَستَيقِظُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَقُولُ: «مَا هَذَا الَّذِي تَضَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيمٍ؟»، فَتَقُولُ: هَذَا عَرَقُكَ، نَجعَلُهُ لِطِيبِنَا وَهُوَ أَطيَبُ الطِّيبِ، وَنَرجُو بَرَكَتَهُ لِصِبيَانِنَا، فَيَقُولُ لَهَا: «أَصَبتِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَقَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا: كَانَ عَرَقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي وَجهِهِ مِثلَ اللُّؤلُؤِ، أَطيَبَ رِيحًا مِنَ المِسكِ الأَذفَرِ، وَكَأَنَّ كَفَّهُ كَفُّ عَطَّارٍ مَسَّهَا طِيبٌ أَو لَم يَمَسَّهَا بِهِ، يُصَافِحُهُ المُصَافِحُ فَيَظَلُّ يَومَهَا يَجِدُ رِيحَهَا، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأسِ الصَّبِيِّ فَيُعرَفُ مِن بَينِ الصِّبيَانِ مِن رِيحِهَا عَلَى رَأسِهِ، رَوَاهُ أَبُو بَكرِ بنُ أَبِي خَيثَمَةَ وَأَبُو نُعَيمٍ مُختَصَرًا.

وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ فِي طَرِيقٍ مِن طُرُقِ المَدِينَةِ وَجَدُوا مِنهُ رَائِحَةَ الطِّيبِ، فَيُقَالُ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الطَّرِيقِ»، رَوَاهُ أَبُو يَعلَى وَالبَزَّارُ.

وَيَرحَمُ اللَّهُ تَعَالَى القَائِلَ حَيثُ قَالَ:

وَلَو أَنَّ رَكبًا يَمَّمُوكَ لَقَادَهُمُ *** نَسِيمُكَ حَتَّى يَستَدِلَّ بِهِ الرَّكبُ

وَقَالَ:

يَرُوحُ عَلَى تِلكَ الطَّرِيقِ الَّتِي غَدَا *** عَلَيهَا فَلَا يَنهَى عُلَاهُ نُهَاتُهُ

تَنَفَّسُهُ فِي الوَقتِ أَنفَاسُ عِطرِهِ *** فَمِن طِيبِهِ طَابَت لَهُ طُرُقَاتُهُ

تَرُوحُ لَهُ الأَروَاحُ حَيثُ تَنَسَّمَت *** لَهَا سَحَرًا مِن حُبِّهِ نَسَمَاتُهُ

طَهَارَتُهُ ﷺ

حُكِيَ أَنَّهُ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَن يَتَغَوَّطَ انشَقَّتِ الأَرضُ فَابتَلَعَت غَائِطَهُ وَبَولَهُ، وَفَاحَت رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ.

وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا قَالَت: إِنَّكَ تَأتِي الخَلَاءَ فَلَا نَرَى مِنكَ شَيئًا مِنَ الأَذَى، فَقَالَ ﷺ: «أَوَمَا عَلِمتِ أَنَّ الأَرضَ تَبتَلِعُ مَا يَخرُجُ مِنَ الأَنبِيَاءِ فَلَا يُرَى مِنهُ شَيءٌ؟»، رَوَاهُ القَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَا.

وَعَن عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: «غَسَّلتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَهَبتُ أَنظُرُ مَا يَكُونُ مِنَ المَيِّتِ فَلَم أَجَد شَيئًا، فَقُلتُ طِبتَ حَيًّا وَمَيِّتًا»، قَالَ: «وَسَطَعَت مِنهُ (أي ظَهَرَت) رِيحٌ طَيِّبَةٌ لَم نَجِد مِثلَهَا قَطُّ».

وَرُوِيَ أَنَّ مَالِكَ بنَ سِنَانٍ شَرِبَ دَمَهُ ﷺ يَومَ أُحُدٍ وَمَصَّهُ، وَمِثلُهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيرِ، وَلَم يُنكِر عَلَيهِم ﷺ، وَرُويَ أَنَّ امرَأَةً شَرِبَت بَولَهُ ﷺ فَقَالَ لَهَا: «لَن تَشتَكِي وَجَعَ بَطنِكِ أَبَدًا»، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبرَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي المُعجَمِ الكَبِيرِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَمَهُ طَاهِرٌ، وَكُلُّ مَا يَخرُجُ مِنهُ ﷺ طَاهِرٌ.

الخاتمة

لَقَد كَانَ جَمَالُ النَّبِيِّ ﷺ آيَةً مِن آيَاتِ اللهِ، وَعَلَامَةً عَلَى اصطِفَائِهِ، إِذِ اجتَمَعَ فِيهِ كَمَالُ الصُّورَةِ وَكَمَالُ السِّيرَةِ، فَكَانَ أَعظَمَ الخَلقِ وَأَجمَلَهُم وَأَكمَلَهُم ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

وَإِنَّ تَأَمُّلَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ يَزِيدُ المُؤمِنَ مَحَبَّةً وَتَوقِيرًا لَهُ ﷺ، وَيَملَأُ القَلبَ شَوقًا لِرُؤيَتِهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.

نَسأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَن يَرزُقَنَا النَّظَرَ إِلَى وَجهِهِ الكَرِيمِ، وَأَن يَحشُرَنَا فِي زُمرَةِ نَبِيِّهِ المُصطَفَى، وَأَن يَملَأَ قُلُوبَنَا بِمَحَبَّةِ رَسُولِهِ وَآلِهِ وَأَصحَابِهِ الطَّاهِرِينَ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
  6. سُنَنِ النَّسَائِيِّ.
  7. صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ.
  8. مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
  9. المُعجَمِ الكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ.
  10. السُّنَنُ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
  11. الشِّفَا بِتَعرِيفِ حُقُوقِ المُصطَفَى لِلقَاضِي عِيَاضٍ.