بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة
إِنَّ مَقَامَ النُّبُوَّةِ مَقَامٌ عَالٍ رَفِيعٌ، فَقَد شَرَّفَ اللهُ الأَنبِيَاءَ عَلَى كُلِّ البَشَرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ شَرَفِهِم وَفَضلِهِم: ﴿وَكُلًّا فَضَّلنَا عَلَى العَالَمِينَ﴾، [سُورَةُ الأَنعَامِ:86]، بَل إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَد فَضَّلَ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا وَشَرَّفَهُ عَلَى كُلِّ مَخلُوقَاتِهِ مِن إِنسٍ وَجِنٍّ وَغَيرِهِم، بَل وَفَضَّلَهُ عَلَى مَلَائِكَتِهِ، وَفِي هَذَا المَقَالِ سَنُبَيِّنُ أَوجُهًا يَسِيرَةً مِن وُجُوهِ تَفضِيلِهِ عَلَى الخَلقِ، وَمَا هِيَ إِلَّا شَيءٌ قَلِيلٌ مِن فَضلِهِ ﷺ.
سيدنا محمد ﷺ قدوةٌ للناس
إِنَّ مِن فَضلِ النَّبِيِّ ﷺ أَن جَعَلَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قُدوَةً حَسَنَةً لِلنَّاسِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرجُوا اللهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾، [سُورَةُ الأَحزَابِ:21]، وَأَوجَبَ اللهُ عَلَينَا طَاعَتَهُ، فَاتِّبَاعُهُ ﷺ لَيسَ خِيَارًا ثَانَوِيًّا، بَل هُوَ شَرطٌ لِلفَوزِ بِمَحَبَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَغفِرَتِهِ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللَّهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:31].
تبشير كل الأنبياء به ﷺ
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيتُكُم مِن كِتَابٍ وَحِكمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُم رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُم لَتُؤمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقرَرتُم وَأَخَذتُم عَلَىٰ ذَلِكُم إِصرِي قَالُوا أَقرَرنَا قَالَ فَاشهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾، [سورة آل عمران:٨١].
فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ خَصَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ بِفَضلٍ لَم يُؤتِهِ غَيرَهَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَم يَبعَثِ نَبِيًّا إِلا ذَكَرَ لَهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَنَعَتَهُ، وَأَخَذَ عَلَيهِ مِيثَاقَهُ إِن أَدرَكَهُ لَيُؤمِنَنَّ بِهِ، ويُبَيِّنَهُ لِقَومِهِ وَيَأخُذَ مِيثَاقَهُم أَن يُبَيِّنُوهُ لِمَن بَعدَهُم.
قَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: «لَم يَبعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِن آدَمَ فَمَن بَعدَهُ إِلا أَخَذَ عَلَيهِ العَهدَ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ: لَئِن بُعِثَ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنصُرَنَّهُ وَيَأخُذَنَّ العَهدَ بِذَلِكَ عَلَى قَومِهِ»، رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ.
رجحان عقله وذكاؤه
وَأَمَّا وُفُورُ عَقلِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَاءُ لُبِّهِ وَقُوَّةُ حَوَاسِّهِ فَلَا مِريَةَ أَنَّهُ كَانَ أَعقَلَ النَّاسِ وَأَذكَاهُم، فَقَد تَجَلَّى ذَلِكَ فِي تَدبِيرِهِ لِشُؤُونِ النَّاسِ، وَفِي إِحكَامِ سِيَاسَتِهِ لِلعَامَّةِ وَالخَاصَّةِ، مَعَ عَجِيبِ سِيرَتِهِ وَبَدِيعِ أَفعَالِهِ.
وَقَد قَالَ وَهبُ بنُ مُنَبِّهٍ -وَهُوَ مِن كِبَارِ التَّابِعِينَ-: «قَرَأتُ فِي إِحدَى وَسَبعِينَ كِتَابًا، فَوَجَدتُ فِي جَمِيعِهَا أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَم يُعطِ جَمِيعَ النَّاسِ مِن بَدءِ الدُّنيَا إِلَى انقِضَائِهَا مِنَ العَقلِ فِي جَنبِ عَقلِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا حَبَّةَ رَملٍ مِن بَينِ جَمِيعِ رِمَالِ الدُّنيَا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَرجَحُ النَّاسِ عَقلًا وَأَفضَلُهُم رَأيًا»، رَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ.
فَمَن تَأَمَّلَ تَدبِيرَهُ ﷺ أَمرَ بَوَاطِنِ الخَلقِ وَظَوَاهِرِهِم، وَسِيَاسَةِ الخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ، مَعَ عَجِيبِ شَمَائِلِهِ وَبَدِيعِ سِيَرِهِ، فَضلًا عَمَّا أَفَاضَهُ مِنَ العِلمِ وَقَرَّرَهُ مِنَ الشَّرعِ، دُونَ تَعَلُّمٍ سَبَقَ، وَلَا مُمَارَسَةٍ تَقَدَّمَت، وَلَا مُطَالَعَةٍ لِلكُتُبِ، لَم يَمتَرِ فِي رُجحَانِ عَقلِهِ، وَثُقُوبِ فَهمِهِ لِأَوَّلِ وَهلَةٍ.
وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَنِ العَقلِ ثُقُوبُ الرَّأيِ، وَجُودَةُ الفِطنَةِ وَالإِصَابَةِ، وَصِدقُ الظَّنِّ وَالنَّظَرِ لِلعَوَاقِبِ وَمَصَالِحِ النَّفسِ، وَمُجَاهَدَةُ الشَّهوَةِ، وَحُسنُ السِّيَاسَةِ وَالتَّدبِيرِ، وَاقتِفَاءُ الفَضَائِلِ، وَاجتِنَابُ الرَّذَائِلِ، وَقَد بَلَغَ ﷺ مِن ذَلِكَ الغَايَةَ الَّتِي لَم يَبلُغهَا بَشَرٌ سِوَاهُ ﷺ.
وَمَن تَأَمَّلَ حُسنَ تَدبِيرِهِ لِلعَرَبِ الَّذِينَ كَالوَحشِ الشَّارِدِ، وَالطَّبعِ المُتَنَافِرِ المُتَبَاعِدِ، كَيفَ سَاسَهُم؟ وَاحتَمَلَ جَفَاءَهُم، وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُم، إِلَى أَنِ انقَادُوا إِلَيهِ، وَاجتَمَعُوا عَلَيهِ، وَقَاتَلُوا دُونَهُ أَهلِيهِم: آبَاءَهُم، وَأَبنَاءَهُم، وَاختَارُوهُ عَلَى أَنفُسِهِم، وَهَجَرُوا فِي رِضَاهُ أَوطَانَهُم وَأَحبَابَهُم، مِن غَيرِ مُمَارَسَةٍ سَبَقَت لَهُ، وَلَا مُطَالَعَةِ كُتُبٍ يَتَعَلَّمُ مِنهَا سُنَنَ المَاضِينَ، فَتَحَقَّقَ أَنَّهُ ﷺ أَعقَلُ النَّاسِ، وَلَمَّا كَانَ عَقلُهُ ﷺ أَوسَعَ العُقُولِ لَا جَرَمَ اتَّسَعَت أَخلَاقُ نَفسِهِ الكَرِيمَةِ اتِّسَاعًا لَا يَضِيقُ عَن شَيءٍ.
خير النسب
مِنَ الفَضَائِلِ الَّتِي خَصَّ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ ﷺ أَنَّهُ جَعَلَهُ مِن خَيرِ نَسَبٍ، فَإِنَّ شَرَفَ نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَرَمَ بَلَدِهِ وَمَنشَئِهِ أَمرٌ ظَاهِرٌ لَا يَحتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ دَلِيلٍ، فَقَدِ اختَارَهُ اللهُ تَعَالَى مِن أَطهَرِ الأَصلَابِ، وَأَكرَمِ الأَرحَامِ، وَاصطَفَاهُ مِن خَيرِ البُيُوتِ وَالقَبَائِلِ، فَكَانَ ﷺ أَشرَفَ العَرَبِ وَأَعَزَّهُم نَسَبًا وَمَكَانَةً، حتى قال ﷺ: «إِنَّ اللهَ اصطَفَى كِنَانَةَ مِن وَلَدِ إِسمَاعِيلَ، وَاصطَفَى قُرَيشًا مِن كِنَانَةَ، وَاصطَفَى مِن قُرَيشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصطَفَانِي مِن بَنِي هَاشِمٍ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
شرف النسب وكرم المنشأ
وَأَمَّا شَرَفُ نَسَبِهِ وَكَرَمُ بَلَدِهِ وَمَنشَئِهِ فَمَا لَا يَحتَاجُ إِلَى تَكَلُّفٍ فِي العِبَارَاتِ وَلَا بَيَانِ مُشكِلٍ وَلَا خَفِيٍّ مِنهُ، فَإِنَّهُ نُخبَةُ بَنِي هَاشِمٍ وَسُلَالَةُ قُرَيشٍ وَصَمِيمُهَا، وَأَشرَفُ العَرَبِ وَأَعَزُّهُم نَفَرًا مِن قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَمِن أَهلِ مَكَّةَ مِن أَكرَمِ بِلَادِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى عِبَادِهِ.
فَحَتَّى أَعدَاؤُهُ ﷺ كَانُوا يَشهَدُونَ لَهُ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا شَهِدَ لَهُ بِهِ أَبُو سُفيَانَ بنُ حَربٍ بَينَ يَدَي مَلِكِ الرُّومِ قَبلَ أَن يُسلِمَ، فَأَشرَفُ القَومِ قَومُهُ، وَأَشرَفُ القَبَائِلِ قَبِيلَتُهُ، وَأَشرَفُ الأَفخَاذِ فَخِذُهُ ﷺ، قَالَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿اللَّهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسالَتَهُ﴾، [سُورَةُ الأَنعَامِ:124].
الخاتمة
إِنَّ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ تَفِيضُ بِالدَّلَائِلِ عَلَى كَمَالِ شَخصِ سَيِّدِ البَشَرِ ﷺ، فَجَمَعَ اللهُ لَهُ صَفَاءَ العَقلِ وَحِدَّةَ الذِّهنِ وَقُوَّةَ الإِدرَاكِ وَنُورَ البَصِيرَةِ مَعَ بَلَاغَةِ البَيَانِ وَجَمَالِ المَنطِقِ وَحُسنِ الخَلْقِ وَالخُلُقِ، فَكَانَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَرجَحَ النَّاسِ عَقلًا، وَأَبلَغَهُم لِسَانًا، وَأَفصَحَهُم قَولًا، وَأَجمَلَهُم مَنطِقًا.
فَالمُتَأَمِّلُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَسِيرَتِهِ العَطِرَةِ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَم يَبعَثهُ إِلَّا لِيَكُونَ النُّورَ الهَادِيَ وَالقُدوَةَ الرَّاشِدَةَ لِلبَشَرِيَّةِ جَمعَاءَ، فَكُلُّ خُلُقٍ كَرِيمٍ فِيهِ تَعظِيمٌ لِرِسَالَةِ الإِسلَامِ، وَكُلُّ فِعلٍ مِن أَفعَالِهِ دَعوَةٌ إِلَى الحَقِّ وَالرَّحمَةِ وَالعَدلِ.
وَإِنَّ الِاقتِدَاءَ بِهِ لَيسَ مُجَرَّدَ شِعَارَاتٍ تُقَالُ، بَلِ التِزَامٌ عَمَلِيٌّ يَنعَكِسُ فِي حَيَاتِنَا، لِيَكُونَ هُوَ ﷺ قُدوَتَنَا فِي العَلَنِ وَالسِّرِّ، فِي السِّلمِ وَالحَربِ، فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، حَتَّى نَلقَى اللهَ تَعَالَى وَهُوَ رَاضٍ عَنَّا.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر والمراجع
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- تَفسِيرِ الطَّبَرِيِّ.
- حِليَةِ الأَولِيَاءِ لِأَبِي نُعَيمٍ الأَصبَهَانِيِّ.
- الشِّفَا بِتَعرِيفِ حُقُوقِ المُصطَفَى لِلقَاضِي عِيَاضٍ.