الخطبة الأولى
إنَّ الحَمدَ لِلهِ نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ وَنَستَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن يَهدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَا هَادِىَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ. اللهم صلِّ وسلم على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه الطيبين الطاهرين.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنظُر نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ” (الحشر:18) .
إخوة الإيمانِ والإسلام: يقولُ الله تعالى في القرءانِ الكريم: في حقِّ سيدِنا محمدٍ ﷺ “وَرَفَعنَا لَكَ ذِكرَكَ” (الشرح:4)، فاللهُ تبارك وتعالى رفعَ ذكرَ النبيِّ ﷺ في الدنيا والآخرة، فكلُّ الأنبياءِ عليهمُ السلام بشّروا أقوامَهم بالنبيّ ﷺ، فهو ﷺ أوّل شافعٍ ومشفّع، وهو ﷺ صاحبُ الشفاعةِ العظمى؛ لأنها لا تختصُّ بأمّتِهِ فقط؛ بل ينتفعُ بهذهِ الشفاعةِ غيرُ أمّتِهِ من المؤمنين، يومَها من الناسِ من يقولُ بعضُهم لبعض: تعالَوا لنذهبَ إلى أبينا ءادمَ ليشفعَ لنا إلى ربِّنا، فيأتون إلى ءادمَ يقولون: يا ءادمُ أنت أبو البشر خلقك الله بيده – أي بعنايتِهِ – وأَسجَدَ لك ملائكتَهُ فاشفع لنا إلى ربِّنا، فيقولُ لهم: لستُ فلانًا – أي أنا لستُ صاحبَ هذه الشفاعة – اذهبوا إلى نوح، فيأتون سيّدَنا نوحًا عليه السلام فيطلبون منه ثمّ يقول لهم: اذهبوا إلى إبراهيمَ فيأتون سيِّدَنا إبراهيم عليه السلام، ثمّ إبراهيم يقول لهم لستُ فلانًا – أي لستُ صاحبَ هذه الشفاعة – فيأتون سيّدَنا موسى عليه السلام فيقول لهم لستُ فلانًا، فيقولُ لهم اذهبوا إلى عيسى، فيقولُ لهم سيّدُنا عيسى عليه السلام: لستُ فلانًا ولكن اذهبوا إلى محمّد، فيأتونَ النبيَّ ﷺ فيسجدُ النبيُّ ﷺ لربِّه فيُقال له: ارفع رأسَكَ واشفع تشفَّع وسَل تُعطَ.
إخوةَ الإسلام: وقد كان ﷺ أحسنَ الناسِ خلُقا، فمِنَ أَخلَاقِهِ ﷺ: ما أخبرت به السيدُ عائشةَ رضي الله عنها حيث قالت: “كَانَ خُلُقُهُ القُرءانَ يَغضَبُ لِغَضَبِهِ وَيَرضَى لِرِضَاهُ”. وَقد كَانَ ﷺ أَشجَعَ النَّاسَ وَأَسخَاهُم وَأَجوَدَهُم، مَا سُئِلَ شَيئًا فَقَالَ: “لا”، وَلَا كان يَبِيتُ فِي بَيتِهِ دِينَارٌ وَلَا دِرهَمٌ، فَإِن فَضَلَ وَلَم يَجِد مَن يَأخُذُهُ وَفَجَأَهُ اللَّيلُ لَم يَرجِع إِلى مَنزِلِهِ حَتَّى يَبرَأَ مِنهُ إِلَى مَن يَحتَاجُ إِلَيهِ. وَكَانَ ﷺ أَصدَقَ النَّاسِ لَهجَةً، وَأَوفَاهُم ذِمَّة، وَأَكرَمَهُم عِشرَةً، وَأَحلَمَ النَّاسِ، وَأَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذرَاءِ فِي خِدرِهَا، خَافِضَ الطَّرفِ، نَظَرُهُ من تواضعهِ ﷺ إِلَى الأَرضِ أَطوَلُ مِن نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فكَانَ ﷺ أَكثَرَ النَّاسِ تَوَاضُعًا، يُجِيببُ مَن دَعَاهُ مِن غَنِيٍّ أَو فَقِيرٍ أَو حُرٍّ أَو عَبدٍ. وَأَرحَمَ النَّاسِ يُميلُ الإنَاءَ لِلهِرَّةِ فَمَايَرفَعُهُ حَتَّى تَروَى؛ رَحمَةً لَهَا. يَبدَأُ مَن لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ، وَيَتَفَقَّدُ أصحابَه وَيَسأَلُ عَنهُم، فَمَن مَرِضَ عَادَهُ، وَمَن غَابَ تفقَّدَهُ، وَمَن مَاتَ دعا له، وَيَقبَلُ مَعذِرَةَ المُعتَذِرِ إِلَيهِ، وَالقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ عِندَهُ في الحَقِّ سَوَاءٌ.وَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمشِي خَلفَهُ، وَيَقُول: “خَلُّوا ظَهرِي لِلمَلَائِكَة”، رواهُ أحمدُ، وَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمشِي مَعَهُ وَهُوَ رَاكِبٌ حَتَّى يَحمِلَهُ، يَخدُمُ مَن خَدَمَهُ، وَلَهُ عَبِيدٌ وَإِمَاءٌ لَا يَتَرَفَّعُ عَلَيهِم فِي مَأكَلٍ وَلَا مَلبَسٍ. وقد روى الإمام مسلمٌ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: “خَدَمتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشرَ سِنِينَ وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ وَلَا قَالَ لِي لِشَيءٍ لِمَ فَعَلتَ كَذَا وَهَلَّا فَعَلتَ كَذَا“.
وَكَانَ ﷺ يَعُودُ المَرضَى، وَيُحِبُّ المَسَاكِينَ وَيُجَالِسُهُم، وَيَشهَدُ جَنَائِزَهُم، وَلَا يَحقِرُ فَقِيرًا لِفَقرِهِ، يُعَظِّمُ النِّعمَةَ وَإِن قَلَّت، لا يَذُمُّ مِنهَا شَيئًا، مَا عَابَ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِلَّا تَرَكَهُ. وَكَانَ أَكثَرَ النَّاسِ تَبَسُّمًا، وَأَحسَنَهُم بِشرًا، لَا يَمضِي لَهُ وَقتٌ فِي غَيرِ عَمَلٍ للَّهِ، وَمَا خُيِّرَ بَينَ أَمرَينِ إِلَّا اختَارَ أَيسَرَهُمَا، إِلَّا أَن يَكُونَفيه قَطِيعَةُ رَحِمٍ فَيَكُونُ أَبعَدَ النَّاسِ مِنهَ. يَخصِفُ نَعلَهُ، وَيَرقَعُ ثَوبَهُ، وَيَركَبُ الفَرَسَ وَالبَغلَ وَالحِمَارَ، وَيُردِفُ خَلفَهُ عَبدَهُ أَو غَيرَهُ، وَيَمسَحُ وَجهَ فَرَسِهِ بِطَرَفِ كُمِّهِ أَو بِطَرَفِ رِدَائِهِ. نسأل الله تعالى أن يرزقَنا اتباعَ النبيِّ ﷺ الاتباعَ الكاملَ، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:
إن محبةَ النبيِ ﷺ والدفاعَ عنه تكونُ باتباعِهِ ﷺ والسيرِ على نهجهِ عليه الصلاةُ والسلام، وليس بمجرّدِ شعاراتٍ مع مخالفةِ هديِهِ ﷺ، وبأن نُكثِرَ من الصلاةِ على رسولِ اللهِ ﷺ، فأكثروا إخوةَ الإسلام من الصلاةِ على النبي ﷺ؛ فإنللمصلِّينَ على سيِّدِ المرسلينَ عشرَ كراماتٍ: إحداهنَّ: صلاةُ الملكِ الغفار، والثانيةُ: شفاعةُ النبيِّ المختار، والثالثةُ: الاقتداءُ بالملائكةِ الأبرار، والرابعةُ: مخالفةُ المنافقين الكفار، والخامسةُ: محوُ الخطايا والأوزار، والسادسةُ: قضاءُ الحوائجِ والأوطار، والسابعةُ: تنويرُ الظواهرِ والأسرار، والثامنةُ: النجاةُ منَ النار، والتاسعةُ: دخولُ دارِ القَرار، والعاشرةُ: سلامُ العزيزِ الجبار(). نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا كراماتِ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ أَمَرَكُم بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَربَ عَنِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّت المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين، اللهم اجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّق مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُم لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.