الخطبة الأولى
إنَّ الحَمدَ لِلهِ نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ وَنَستَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن يَهدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلا هَادِىَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ. اللهم صلِّ وسلم على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه الطيبين الطاهرين. عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنظُر نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ” (الحشر:18) .
إخوة الإيمان والإسلام: نسمعُ كثيرًا قولَ اللهِ تباركَ وتعالى: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا” (الأحزاب:56) ولكن ما معنى ذلك؟ اعلم أخي المسلم أن الصلاةَ من اللهِ تعالى على النبيِّ ﷺ هي الرحمةُ المقرونةُ بالتعظيم، وإلا فإن اللهَ تعالى رحمَ جميعَ خلقِه في الدنيا، فكانت الرحمةُ مقرونةً بالتعظيمِ تشريفًا للنبيِّ ﷺ، وأما الصلاةُ من الملائكةِ على رسولِ اللهِ ﷺ فالمرادُ منها الدعاءُ، وأما نحنُ إخوةَ الإسلامِ فعندما نقولُ اللهم صلِّ على رسولِ الله فمعناهُ يا ربُّ زد سيدَنا محمدًا شرفًا وتعظيما، ومعنى قولنا: السلامُ عليك يا رسولَ الله أي: يا ربُّ سلّم أمةَ سيِّدِنا محمّدٍ ﷺ مما يخافُهُ سيدُنا محمدٌ ﷺ عليهم.
يا أحبابَ رسولِ اللهِ ﷺ: روى أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ(1) في سننِهِ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “مَا مِن أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ رُوحِي(2) حَتَّى أَرُدَّ عَلَيهِ السَّلَامَ” وعن الصحابي الجليلِ أبي بكرٍ الصّدّيقِ رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: “أكثروا الصلاةَ عليَّ فإن اللهَ وكَّلَ بي ملكًا عند قبرى فإذا صلى عليَّ رجلٌ من أمتى قال لى ذلك الملكُ: يا رسولَ الله إن فلانَ بنَ فلانٍ صلى عليكَ السَّاعَةَ”(3)
هذا النبيُّ محمَّدٌ خيرُ الورى ونبيُّهم وبهِ تشرّفَ ءادمُ
هوَ في المدينةِ ثاوِيًا بضريحِهِ حقًّا ويسمَعُ من عليهِ يُسلِّمُ
صلى عليهِ اللهُ جلَّ جلالُهُ ما راحَ حادٍ باسمِهِ يَتَرنَّمُ
إخوةَ الإسلام: رُوِيَ عن سفيانَ الثوريِّ رضِيَ الله عنهُ أنه قال “رأيتُ رجلا في الباديةِ لا يَرفَعُ قَدَمًا ولا يَضَعُ أخرى إلا وَهُوَ يُصَلّي على النَّبِيّ ﷺ. فَقُلتُ يا هَذا قَد تَرَكتَ التَّسبيحَ والتَّهليلَ وأقبَلتَ بالصَّلاةِ على النبيّ ﷺ فهَل عِندَكَ مِن هذا شىءٌ؟ قالَ: مَن أنتَ؟ قلتُ: أنا سفيانُ الثورِيُّ، فقالَ: لولا أنتَ غريبٌ في أهلِ زمانِكَ ما كَشَفتُ عَن حالي ولا أَطلَعتُكَ على سرّي، ثُمَّ قالَ خَرَجتُ أنا ووالدي حاجَّينِ إلى بيتِ الله الحرامِ حتى إذا كنَّا في بعضِ المنازلِ مَرِضَ والدي فقُمتُ لأُعالِجَهُ فبينما أنا عندَ رَأسِهِ ماتَ واسوَدَّ وَجهُهُ، فَجَررتُ الإزارَ على وجهِهِ، فَغَلَبَتني عينايَ فَنِمتُ فإذا أنا بِرَجُلٍ لم أرَ أجملَ مِنهُ وَجهًا ولا أنظَفَ مِنهُ ثَوبًا ولا أطيَبَ مِنهُ ريحًا يَرفَعُ قَدَمًا ويَضَعُ قَدَمًا أُخرى، حتّى دنا مِن والدي فَكَشَفَ الثّوبَ عَن وَجهِهِ وأمَرَّ بِيَدِهِ على وَجهِهِ فعادَ وَجهُهُ أَبيَضَ ثُمَّ ولَّى راجِعًا، فَتَعَلَّقتُ بِثَوبِهِ فقلتُ لَهُ مَن أَنتَ يَرحَمُك الله لقد منَّ الله بِكَ على والدي في دارِ الغُربَةِ؟ فَقَالَ أوَما تَعرِفُني؟ أنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله، أنا صاحبُ القرءانِ، أمَا إنَّ والدَكَ كانَ مُسرِفًا على نَفسِهِ -أي يَقَعُ في المعاصي- لكن كانَ يُكثِرُ من الصَّلاةِ والسلامِ عليَّ، فَلَمّا نَزَلَ بِهِ ما نَزَلَ استَغاثَ بي فأنا غِياثُ مَن أَكثَرَ الصَّلاةَ عليَّ، قالَ فانتَبَهتُ مِن نومي فَكَشَفتُ عَن وَجهِ أبي فإِذا وَجهُهُ أَبيَضُ”(4) وقد قال النبيُّ ﷺ:” حَيَاتِي خَيرٌ لَكُم تُحدِثُونَ وَيُحدثُ لَكُم، وَوَفَاتِي خَيرٌ لَكُم تُعرَضُ عَلَيَّ أَعمَالُكُم ، فَمَا رَأَيتُ مِنَ خَيرٍ حَمِدتُ اللَّهَ عَلَيهِ، وَمَا رَأَيتُ مِنَ شَرٍّ استَغفَرتُ اللَّهَ لَكُم”(5)فيا ربِّ صلِّ وسلِّم على سيِّدنا محمّدٍ الذي بلغَ أسنى المطالِبِ والمآرِب، وصلِّ وسلِّم على سيِّدِنا ومولانا محمّدٍ الذي فَضَّلتَهُ على أهلِ المشارِقِ والمغارِب، هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. إخوة الإسلام: روى الترمذيُّ في سننِهِ وصححه عن الصحابيِّ الجليلِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ قال: قُلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيكَ فَكَم أَجعَلُ لَكَ مِن صَلَاتِي؟ فَقَالَ: “مَا شِئتَ” قَالَ: قُلتُ الرُّبُعَ؟ قَالَ: “مَا شِئتَ فَإِن زِدتَ فَهُوَ خَيرٌ لَكَ” قُلتُ: النِّصفَ؟ قَالَ: “مَا شِئتَ فَإِن زِدتَ فَهُوَ خَيرٌ لَكَ” قَالَ: قُلتُ فَالثُّلُثَينِ؟ قَالَ: “مَا شِئتَ فَإِن زِدتَ فَهُوَ خَيرٌ لَكَ” قُلتُ: أَجعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ: “إِذًا تُكفَى هَمَّكَ وَيُغفَرُ لَكَ ذَنبُكَ”، نسألُ اللهَ تعالى أن يكفيَنا همومَنا، وأن يجمعَنا برسولِ اللهِ ﷺ إنه على كلِّ شيءٍ قدير وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ أَمَرَكُم بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَربَ عَنِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّت المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين، اللهم اجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّق مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُم لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.