بركات المولد النبوي الشريف وآثاره في حياة المسلمين

بركات المولد النبوي الشريف

الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنعَمَ عَلَينَا بِإِظهَارِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ البَشَرِ، وَقَدَّرَ وِلَادَتَهُ فِي هَذَا الشَّهرِ الشَّرِيفِ الأَزهَرِ، وَأَرسَلَهُ كَافَّةً لِلعَالَمِينَ فَكَانَ خَيرَ مَن بَشَّرَ وَأَنذَرَ، أَحمَدُهُ تَعَالَى حَمدَ مَن أَمَرَ بِالمَعرُوفِ وَنَهَى عَنِ المُنكَرِ، اللهم صَلِّ وَسَلِّم وَأَنعِم وَأَكرِم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فَخرِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، مَنِ انشَقَّ لَهُ القَمَرُ، وَكَلَّمَهُ الضَّبُّ وَالشَّجَرُ، وَارتَجَّ لَيلَةَ وِلَادَتِهِ إِيوَانُ كِسرَى فَمَالَ وَانكَسَرَ، أَمَّا بَعدُ:

المُقَدِّمَةُ

قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَد مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولًا مِن أَنفُسِهِم﴾، فَمِن أَعظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أَنعَمَ اللهُ بِهَا عَلَينَا إِظهَارُهُ ﷺ وَبِعثَتُهُ وَإِرسَالُهُ إِلَينَا.

لِذَلِكَ كَانَ مِنَ السُّنَنِ الحَسَنَةِ الَّتِي يُثَابُ فَاعِلُهَا عَلَيهَا احتِفَالُ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ عَامٍ بِمَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، احتِفَالُهُم بِأَصنَافِ الطَّاعَاتِ مِن قِرَاءَةِ قُرءَانٍ وَذِكرٍ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِطعَامِ طَعَامٍ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَذِكرِ سِيرَتِهِ العَطِرَةِ وَغَيرِ ذَلِكَ، شُكرًا للهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نِعمَةِ بُرُوزِ نَبِيِّ الرَّحمَةِ، وَقَد سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَن سَبَبِ صِيَامِهِ لِيومِ الاثنَينِ فَقَالَ: «ذَاكَ يَومٌ وُلِدتُ فِيهِ، وَفِيهِ أُنزِلَ عَلَيَّ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، فَأَشَارَ الحَبِيبُ المُصطَفَى ﷺ بِهَذَا إِلَى أَنَّهُ يُستَحَبُّ فِعلُ الطَّاعَاتِ فِي الأَيَّامِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ فِيهَا نِعَمُ اللهِ تعالَى عَلَى عِبَادِهِ، أَشَارَ لَنَا بِيَومِ وِلَادَتِهِ، وَذَكَّرَنَا بِأَن نَزدَادَ لَهُ ذِكرًا فِي مِثلِ هَذِهِ الأَيَّامِ بِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ذَاكَ يَومٌ وُلِدتُ فِيهِ، وَفِيهِ أُنزِلَ عَلَيَّ»، وَلَا رَيبَ فِي أَنَّ يَومَ مَولِدِهِ لَم يَكُن كَأَيِّ يَومٍ غَيرِهِ، فَإِنَّ الدُّنيَا بَعدَ وِلَادَتِهِ ﷺ لَم تَكُن كَالدُّنيَا قَبلَ وِلَادَتِهِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ.

وَلِهَذَا وَغَيرِهِ اعتَنَى عُلَمَاءُ الإِسلَامِ عَلَى مَرِّ العُصُورِ بِالتَّألِيفِ عَن مَولِدِهِ المُبَارَكِ المَيمُونِ، فَقَد جَمَعَ الحَافِظُ مُحَمَّد عَبد الحَيِّ الكَتَّانِيُّ فِي ذَلِكَ مُؤَلَّفًا سَمَّاهُ “التَّآلِيفَ المَولِدِيَّةَ”، حَشَدَ فِيهِ وَذَكَرَ خَمسَةً وَعِشرِينَ وَمِائَةَ مُؤَلَّفٍ، مَعَ عَدَمِ ادِّعَائِهِ أَنَّهُ أَحَاطَ بِكُلِّ المَوَالِدِ حَصرًا وَجَمعًا.

وَمُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ فُقَهَاءُ الإِسلَامِ هُوَ مَا سَأَتَنَاوَلُهُ تَبَرُّكًا وَتَعَرُّضًا لِهَذِهِ البَرَكَاتِ الجَلِيلَةِ العَظِيمَةِ، وَسَأَسرُدُ شَيئًا مِن عَجَائِبَ ذَكَرَهَا فُقَهَاءُ الإِسلَامِ وَحُفَّاظُهُ فِي دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي المَولِدِ الشَّرِيفِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِتَثبِيتِ الفُؤَادِ بِعَظَمَةِ هَذَا الدِّينِ وَهَذَا النَّبِيِّ المَكِينِ الأَمِينِ، وَحَتَّى نُذَكِّرَ الأَجيَالَ بِهَذِهِ الخَيرَاتِ الَّتِي سَطَعَت وَظَهَرَت وَسطَ الظُّلُمَاتِ، فَأَنَارَت وَأَشرَقَت شَمسُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَرجَاءَ الدُّنيَا، وَلَمَعَ نَجمُهُ الشَّرِيفُ وَذِكرُهُ المُنِيفُ عَلَى أَلسُنِ المُوَحِّدِينَ وَالمَادِحِينَ يَتَغَنَّونَ وَيَمدَحُونَ وَيَذكُرُونَ وَيَتَبَرَّكُونَ بِأَعظَمِ رِجَالِ التَّارِيخِ.

هَذَا هُوَ نَبِيُّنَا، وَهَذِهِ ذِكرَاهُ، فَإِذَا كَانَتِ الأُمَمُ تَذكُرُ مَا يُسَمُّونَهُم عُظَمَاءَهُم وَيَتَغَنَّونَ بِهِم، فَنَحنُ نَذكُرُ أَعظَمَ الخَلقِ وَأَكرَمَ المُصلِحِينَ، مَن قَلَبَ مَسَارَ التَّارِيخِ، وَأَصلَحَ مِنَ الفَسَادِ مَا لَو أَنفَقتَ مِثلَ الجِبَالِ مَا استَطَعتَ أَن تُصلِحَهُ إِلَّا بِتَوفِيقٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأيِيدٍ مِنهُ.

فَإِن ذَكَرنَاهُ فَمِن حُبِّنَا لَهُ، وَإِن ذَكَرنَا سِيرَتَهُ فَاستِنزَالًا لِلخَيرِ وَالبَرَكَاتِ وَاستِكثَارًا مِنهَا، وَإِن ذَكَرنَا أَخلَاقَهُ فَلِنَتَعَلَّمَ مِنهَا وَنُعَلِّمَ النَّاسَ.

هَذَا مُحَمَّدٌ الَّذِي نُحِبُّهُ، هَذَا مُحَمَّدٌ الَّذِي نَتَّبِعُهُ، هَذَا مُحَمَّدٌ الَّذِي نَعشَقُهُ، هَذَا مُحَمَّدٌ الَّذِي نَسأَلُ اللهَ شَفَاعَتَهُ، هَذَا قَائِدُنَا مُحَمَّدٌ، هَذَا عَظِيمُنَا مُحَمَّدٌ، هَذَا قُرَّةُ أَعيُنِنَا مُحَمَّدٌ، هَذَا شَفِيعُنَا بِإِذنِ اللهِ، مُحَمَّدٌ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، هُوَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ، مُحَمَّدٌ ﷺ رَسُولُ اللهِ صَادِقُ الوَعدِ الأَمِينُ.

قَالَ حُفَّاظُ الإِسلَامِ مِمَّن ذَكَرَ المَولِدَ الشَّرِيفَ

وُلِدَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيهِ وَسَلَامُهُ يَومَ الِاثنَينِ، لِمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَعرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي صَومِ يَومِ الِاثنَينِ؟ فَقَالَ: «ذَاكَ يَومٌ وُلِدتُ فِيهِ، وَأُنزِلَ عَلَيَّ فِيهِ». وَرَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَن عَفَّانَ عَن سَعِيدِ بنِ مِينَا عَن جَابِرٍ وَابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الفِيلِ يَومَ الِاثنَينِ الثَّانِي عَشَرَ مِن شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَفِيهِ بُعِثُ، وَفِيهِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفِيهِ هَاجَرَ، وَفِيهِ مَاتَ. وَهَذَا هُوَ المَشهُورُ عِندَ الجُمهُورِ. 

قَالَ ابنُ إِسحَاقَ: وَكَانَ مَولِدُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَامَ الفِيلِ. وَهَذَا هُوَ المَشهُورُ عَنِ الجُمهُورِ.

قَالَ إِبرَاهِيمُ بنُ المُنذِرِ الحِزَامِيُّ: وَهُوَ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ مِن عُلَمَائِنَا، أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وُلِدَ عَامَ الفِيلِ، وَبُعِثَ عَلَى رَأسِ أَربَعِينَ سَنَةً مِنَ الفِيلِ.اهـ

وَكَانَ الخَلِيفَةُ عَبدُ المَلِكِ بنُ مَروَانَ يَقُولُ لِقُبَاثِ بنِ أُشيَمٍ الكِنَانِيِّ ثُمَّ اللَّيثِيِّ: يَا قُبَاثُ، أَنتَ أَكبَرُ أَم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكبَرُ مِنِّي، وَأَنَا أَسَنُّ، وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الفِيلِ، وَوَقَفَت بِي أُمِّي عَلَى رَوثِ الفِيلِ أَعقِلُهُ. وَتُنُبِّئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَأسِ أَربَعِينَ سَنَةً.

بداية أمره عليه الصلاة والسلام وزواج أبيه وأمه وبشائر حملها به

رُوِيَ أَنَّ عَبدَ المُطَّلِبِ لَمَّا ذَبَحَ تِلكَ الإِبِلَ المِائَةَ عَن وَلَدِهِ عَبدِ اللَّهِ -حِينَ كَانَ نَذَرَ ذَبحَهُ فَسَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَا كَانَ قُدِّرَ فِي الأَزَلِ مِن ظُهُورِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ﷺ خَاتَمِ الرُّسُلِ وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ مِن صُلبِهِ- ذَهَبَ فَزَوَّجَهُ أَشرَفَ عَقِيلَةٍ فِي قُرَيشٍ، آمِنَةَ بِنتَ وَهبِ بنِ عَبدِ مَنَافِ بنِ زُهرَةِ الزُّهرِيَّةَ، فَحِينَ دَخَلَ بِهَا وَأَفضَى إِلَيهَا حَمَلَت بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

وَقَد كَانَت أُمُّ قَنَّالٍ رُقَيقَةُ بِنتُ نَوفَلٍ أُختُ وَرَقَةَ بنِ نَوفَلٍ تَوَسَّمَت مَا كَانَ بَينَ عَينَي عَبدِ اللَّهِ -قَبلَ أَن يُجَامِعَ آمِنَةَ- مِنَ النُّورِ، فَوَدَّت أَن يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِهَا، لِمَا كَانَت تَسمَعُ مِن أَخِيهَا وَرَقَةَ مِنَ البِشَارَاتِ بِوُجُودِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَنَّهُ قَد أَزِفَ زَمَانُهُ، فَعَرَضَت نَفسَهَا عَلَيهِ لِيَتَزَوَّجَهَا فَامتَنَعَ عَلَيهَا.

فَلَمَّا انتَقَلَ ذَلِكَ النُّورُ البَاهِرُ إِلَى آمِنَةَ بِمُوَاقَعَتِهِ إِيَّاهَا كَأَنَّهُ تَنَدَّمَ عَلَى مَا كَانَت عَرَضَت عَلَيهِ، فَتَعَرَّضَ لَهَا لِتُعَاوِدَهُ، فَقَالَت: لَا حَاجَةَ لِي فِيكَ، وَتَأَسَّفَت عَلَى مَا فَاتَهَا مِن ذَلِكَ.

وَرُوِيَ أَنَّ أُمَّهُ حِينَ حَمَلَت بِهِ تُوُفِّيَ أَبُوهُ عَبدُ اللَّهِ وَهُوَ حَملٌ فِي بَطنِ أُمِّهِ، عَلَى المَشهُورِ، وَقَد خَرَجَ عَبدُ اللَّهِ ابنُ عَبدِ المُطَّلِبِ وَالِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى الشَّامِ إِلَى غَزَّةَ فِي عِيرٍ مِن عِيرَاتِ قُرَيشٍ يُحَمِّلُونَهُ تِجَارَاتٍ، فَفَرَغُوا مِن تِجَارَتِهِم ثُمَّ انصَرَفُوا فَمَرُّوا بِالمَدِينَةِ، وَعَبدُ اللَّهِ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ يَومَئِذٍ مَرِيضٌ، فَقَالَ: أَتَخَلَّفُ عِندَ أَخوَالِي بَنِي عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ، فَأَقَامَ عِندَهُم مَرِيضًا شَهرًا، وَمَضَى أَصحَابُهُ فَقَدِمُوا مَكَّةَ، فَسَأَلَهُم عَبدُ المُطَّلِبِ عَنِ ابنِهِ عَبدِ اللَّهِ فَقَالُوا: خَلَّفنَاهُ عِندَ أَخوَالِهِ بَنِي عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَبَعَثَ إِلَيهِ عَبدُ المُطَّلِبِ أَكبَرَ وَلَدِهِ الحَارِثَ فَوَجَدَهُ قَد تُوُفِّيَ وَدُفِنَ فِي دَارِ النَّابِغَةِ، فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ فَأَخبَرَهُ، فَوَجَدَ عَلَيهِ عَبدُ المُطَّلِبِ وَإِخوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ وَجدًا شَدِيدًا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَئِذٍ حَملٌ، وَلِعَبدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ يَومَ تُوُفِّيَ خَمسٌ وَعِشرُونَ سَنَةً. وَقَد قَالَ الحَافِظُ مُحَمَّدُ بنُ سَعدٍ أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَهُوَ جَنِينٌ فِي بَطنِ أُمِّهِ. وَهَذَا أَبلَغُ اليُتمِ وَأَعلَى مَرَاتِبِهِ. 

قَالَ القَسطَلَّانِيُّ فِي المَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ بِالمِنَحِ المُحَمَّدِيَّةِ: فَذَكَرُوا أَنَّهُ لَمَّا استَقَرَّت نُطفَتُهُ الزَّكِيَّةُ، وَدُرَّتُهُ المُحَمَّدِيَّةُ، فِي صَدَفَةِ آمِنَةَ القُرَشِيَّةِ، نُودِيَ فِي المَلَكُوتِ، وَمَعَالِمِ الجَبَرُوتِ: أَن عَطِّرُوا جَوَامِعَ القُدُسِ الأَسنَى، وَبَخِّرُوا جِهَاتِ الشَّرَفِ الأَعلَى، وَافرُشُوا سَجَّادَاتِ العِبَادَاتِ فِي صُفَفِ الصَّفَاءِ، لِصُوفِيَّةِ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ أَهلِ الصِّدقِ وَالوَفَاءِ، فَقَدِ انتَقَلَ النُّورُ المَكنُونُ، إِلَى بَطنِ آمِنَةَ ذَاتِ العَقلِ البَاهِرِ وَالفَخرِ المَصُونِ، قَد خَصَّهَا اللهُ تَعَالَى القَرِيبُ المُجِيبُ، بِهَذَا السَّيِّدِ المُصطَفَى الحَبِيبِ، لِأَنَّهَا أَفضَلُ قَومِهَا حَسَبًا وَأَنجَبُ، وَأَزكَاهُم أَخلَاقًا وَفَرعًا وَأَطيَبُ.

وَقَالَ سَهلُ بنُ عَبدِ اللهِ التُّستُرِيُّ فِيمَا رَوَاهُ الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ الحَافِظُ: لَمَّا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى خَلقَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي بَطنِ آمِنَةَ، لَيلَةَ رَجَبٍ، وَكَانَت لَيلَةَ جُمُعَةٍ، أَمَرَ اللهُ تَعَالَى فِي تِلكَ اللَّيلَةِ رِضوَانَ خَازِنَ الجِنَانِ أَن يَفتَحَ الفِردَوسَ، وَنَادَى مُنَادٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ: أَلَا إِنَّ النُّورَ المَخزُونَ المَكنُونَ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ النَّبِيُّ الهَادِي فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ يَستَقِرُّ فِي بَطنِ آمِنَةَ الَّذِي يَتِمُّ فِيهِ خَلقُهُ وَيَخرُجُ إِلَى النَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا.

وَفِي رِوَايَةِ كَعبِ الأَحبَارِ: أَنَّهُ نُودِيَ تِلكَ اللَّيلَةَ فِي السَّمَاءِ وَصِفَاحِهَا، وَالأَرضِ وَبِقَاعِهَا: أَنَّ النُّورَ المَكنُونَ الَّذِي مِنهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَطنِ آمِنَةَ، فَيَا طُوبَى لَهَا ثُمَّ يَا طُوبَى، وَأَصبَحَت يَومَئِذٍ أَصنَامُ الدُّنيَا مَنكُوسَةً، وَكَانَت قُرَيشٌ فِي جَدبٍ شَدِيدٍ، وَضِيقٍ عَظِيمٍ، فَاخضَرَّتِ الأَرضُ، وَحَمَلَتِ الأَشجَارُ، وَأَتَاهُمُ الرِّفدُ مِن كُلِّ جَانِبٍ، فَسُمِّيَت تِلكَ السَّنَةُ الَّتِي حُمِلَ فِيهَا بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ الفَتحِ وَالِابتِهَاجِ.

وَرَوَى أَبُو نُعَيمٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: كَانَ مِن دَلَالَةِ حَملِ آمِنَةَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ كُلَّ دَابَّةٍ لِقُرَيشٍ نَطَقَت تِلكَ اللَّيلَةَ وَقَالَت: حُمِلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَبِّ الكَعبَةِ، وَهُوَ إِمَامُ الدُّنيَا وَسِرَاجُ أَهلِهَا، وَلَم يَبقَ سَرِيرٌ لِمَلِكٍ مِن مُلُوكِ الدُّنيَا إِلَّا أَصبَحَ مَنكُوسًا، وَفَرَّت وُحُوشُ المَشرِقِ إِلَى وُحُوشِ المَغرِبِ بِالبِشَارَاتِ، وَكَذَلِكَ أَهلُ البِحَارِ، يُبَشِّرُ بَعضُهُم بَعضًا، وَلَهُ فِي كُلِّ شَهرٍ مِن شُهُورِ حَملِهِ نِدَاءٌ فِي الأَرضِ وَنِدَاءٌ فِي السَّمَاءِ: أَن أَبشِرُوا فَقَد آنَ أَن يَظهَرَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ مَيمُونًا مُبَارَكًا.

وَعَن غَيرِهِ: لَم يَبقَ فِي تِلكَ اللَّيلَةِ دَارٌ إِلَّا أَشرَقَت، وَلَا مَكَانٌ إِلَّا دَخَلَهُ النُّورُ، وَلَا دَابَّةٌ إِلَّا نَطَقَت.

وَعَن أَبِي زَكَرِيَّا يَحيَى بنِ عَائِذٍ: بَقِيَ ﷺ فِي بَطنِ أُمِّهِ تِسعَةَ أَشهُرٍ كُمَّلًا، لَا تَشكُو وَجَعًا وَلَا مَغصًا وَلَا رِيحًا وَلَا مَا يَعرِضُ لِذَوَاتِ الحَملِ مِنَ النِّسَاءِ، وَكَانَت تَقُولُ: وَاللهِ مَا رَأَيتُ مِن حَملٍ هُوَ أَخَفُّ مِنهُ وَلَا أَعظَمُ بَرَكَةً.

وَلَمَّا تَمَّ لَهَا مِن حَملِهَا شَهرَانِ تُوُفِّيَ عَبدُ اللهِ. قَالَ القَسطَلَّانِيُّ: وَيُذكَرُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ عَبدُ اللهِ قَالَتِ المَلَائِكَةُ: إِلَهَنَا وَسَيِّدَنَا، بَقِيَ نَبِيُّكَ يَتِيمًا، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا لَهُ حَافِظٌ وَنَصِيرٌ.

وَقِيلَ لِجَعفَرٍ الصَّادِقِ: لِمَ يَتِمَ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: لِئَلَّا يَكُونَ عَلَيهِ حَقٌّ لِمَخلُوقٍ. نَقَلَهُ عَنهُ أَبُو حَيَّانَ فِي البَحرِ.

وَرَوَى أَبُو نُعَيمٍ عَن عَمرِو بنِ قُتَيبَةَ قَالَ: سَمِعتُ أَبِي -وَكَانَ مِن أَوعِيَةِ العِلمِ- قَالَ: لَمَّا حَضَرَت آمِنَةَ الوِلَادَةُ قَالَ لِلمَلَائِكَةِ: افتَحُوا أَبوَابَ السَّمَاءِ كُلَّهَا، وَأَبوَابَ الجِنَانِ، وَأُلبِسَتِ الشَّمسُ يَومَئِذٍ نُورًا عَظِيمًا، وَكَانَ قَد أَذِنَ اللهُ تَعَالَى تِلكَ السَّنَةَ لِنِسَاءِ الدُّنيَا أَن يَحمِلنَ ذُكُورًا، كَرَامَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ إِسحَاقَ: فَكَانَت آمِنَةُ بِنتُ وَهبٍ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُحَدِّثُ أَنَّهَا أُتِيَت حِينَ حَمَلَت بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهَا: إِنَّكِ قَد حَمَلتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإِذَا وَقَعَ إِلَى الأَرضِ فَقُولِي: أُعِيذُهُ بِالوَاحِد، مِن شَرِّ كُلِّ حَاسِد، فِي كُلِّ بَرٍّ عَامِدٍ، وَكُلِّ عَبدٍ رَائِدٍ، نُزُولَ غَيرِ ذَائِدٍ، فَإِنَّهُ عَبدُ الحَمِيدِ المَاجِدِ، حَتَّى أَرَاهُ قَد أَتَى المَشَاهِدَ. وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَخرُجُ مَعَهُ نُورٌ يَملَأُ قُصُورَ بُصرَى مِن أَرضِ الشَّامِ، فَإِذَا وَقَعَ فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا، فَإِنَّ اسمَهُ فِي التَّورَاةِ أَحمَدُ يَحمَدُهُ أَهلُ السَّمَاءِ وَأَهلُ الأَرضِ، وَاسمَهُ فِي الإِنجِيلِ أَحمَدُ يَحمَدُهُ أَهلُ السَّمَاءِ وَأَهلُ الأَرضِ، وَاسمَهُ فِي القُرآنِ مُحَمَّدٌ.

وَهَذَا وَذَاكَ يَقتَضِي أَنَّهَا رَأَت حِينَ حَمَلَت بِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنهَا نُورٌ أَضَاءَت لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، ثُمَّ لَمَّا وَضَعَتهُ رَأَت عِيَانًا تَأوِيلَ ذَلِكَ كَمَا رَأَتهُ قَبلَ ذَلِكَ هَاهُنَا.

وَعِندَ البَيهَقِيِّ وَغَيرِهِ أَنَّ آمِنَةَ بِنتَ وَهبٍ قَالَت: لَقَد عَلِقتُ بِهِ -تَعنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- فَمَا وَجَدتُ لَهُ مَشَقَّةً حَتَّى وَضَعتُهُ، فَلَمَّا فَصَلَ مِنِّي خَرَجَ مَعَهُ نُورٌ أَضَاءَ لَهُ مَا بَينَ المَشرِقِ إِلَى المَغرِبِ، ثُمَّ وَقَعَ إِلَى الأَرضِ مُعتَمِدًا عَلَى يَدَيهِ، ثُمَّ أَخَذَ قَبضَةً مِنَ التُّرَابِ فَقَبَضَهَا، وَرَفَعَ رَأَسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ بَعضُهُم: وَقَعَ جَاثِيًا عَلَى رُكبَتَيهِ، وَخَرَجَ مَعَهُ نُورٌ أَضَاءَت لَهُ قُصُورُ الشَّامِ وَأَسوَاقُهَا، حَتَّى رَأَيتُ أَعنَاقَ الإِبِلِ بِبُصرَى، رَافِعًا رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ.

وَرَوَى ابنُ سَعدٍ وَالبَيهَقِيُّ عَن عُثمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ: حَدَّثَتنِي أُمِّي أَنَّهَا شَهِدَت وِلَادَةَ آمِنَةَ بِنتِ وَهبٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيلَةَ وَلَدَتهُ، قَالَت: فَمَا شَيءٌ أَنظُرُ إِلَيهِ فِي البَيتِ إِلَّا نُورٌ، وَإِنِّي أَنظُرُ إِلَى النُّجُومِ تَدنُو حَتَّى إِنِّي لِأَقُولُ: لَيَقَعنَ عَلَيَّ.

وَذَكَرَ القَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الشِّفَاءِ أُمِّ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ أَنَّهَا كَانَت قَابِلَتَهُ، وَأَنَّهَا أَخبَرَت بِهِ حِينَ سَقَطَ عَلَى يَدَيهَا وَاستَهَلَّ سَمِعَت قَائِلًا -أَي تَسمَعُ صَوتًا وَلَا تَرَى أَحَدًا- يَقُولُ: يَرحَمُكَ اللَّهُ. وَإِنَّهُ سَطَعَ مِنهُ نُورٌ رُئِيَت مِنهُ قُصُورُ الرُّومِ.

رَوَى أَبُو نُعَيمٍ عَن عُثمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ قَالَ: أَخبَرَتنِي أُمِّي، أَنَّهَا حَضَرَت آمِنَةَ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ضَرَبَهَا المَخَاضُ، قَالَت: فَجَعَلتُ أَنظُرُ إِلَى النُّجُومِ تَدَلَّى حَتَّى قُلتُ: لَتَقَعَنَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا وَضَعَت خَرَجَ مِنهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهُ البَيتُ وَالدَّارُ، حَتَّى جَعَلتُ لَا أَرَى إِلَّا نُورًا.

قَالَ مُحَمَّدُ بنُ إِسحَاقَ: فَلَمَّا، وَضَعَتهُ بَعَثَت إِلَى عَبدِ المُطَّلِبِ جَارِيَتَهَا – وَقَد مَاتَ أَبُوهُ وَهِيَ حُبلَى- فَقَالَت: قَد وُلِدَ لَكَ اللَّيلَةَ غُلَامٌ فَانظُر إِلَيهِ، فَلَمَّا جَاءَهَا أَخبَرَتهُ وَحَدَّثَتهُ بِمَا كَانَت رَأَت حِينَ حَمَلَت بِهِ وَمَا قِيلَ لَهَا فِيهِ وَمَا أُمِرَت أَن تُسَمِّيَهُ، فَأَخَذَهُ عَبدُ المُطَّلِبِ فَأَدخَلَهُ فِي جَوفِ الكَعبَةِ، فَقَامَ عَبدُ المُطَّلِبِ يَدعُو وَيَشكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَقُولُ:

الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعطَانِي … هَذَا الغُلَامَ الطَّيِّبَ الأَردَانِ

قَد سَادَ فِي المَهدِ عَلَى الغِلمَانِ … أُعِيذُهُ بِاللَّهِ ذِي الأَركَانِ

حَتَّى يَكُونَ بُلغَةَ الفِتيَانِ … حَتَّى أَرَاهُ بَالِغَ البُنيَانِ

أُعِيذُهُ مِن كُلِّ ذِي شَنَآنِ … مِن حَاسِدٍ مُضطَرِبِ العِنَانِ

وَفِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِأَبِي نُعَيمٍ: عَنِ ابنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ بُرَيدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُستَرضَعًا فِي بَنِي سَعدِ بنِ بَكرٍ، فَقَالَت أُمُّهُ آمِنَةُ لِمُرضِعَتِهِ: انظُرِي ابنِي هَذَا فَسَلِي عَنهُ، فَإِنِّي رَأَيتُ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي شِهَابٌ أَضَاءَت لَهُ الأَرضُ كُلُّهَا حَتَّى رَأَيتُ قُصُورَ الشَّامِ، فَسَلِي عَنهُ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَومٍ مَرَّت بِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي المَجَازِ إِذَا كَاهِنٌ مِن تِلكَ الكُهَّانِ، وَالنَّاسُ يَسأَلُونَهُ، فَقَالَت: لَأَسأَلَنَّ عَنِ ابنِي هَذَا مَا أَمَرَتنِي بِهِ أُمُّهُ آمِنَةُ، قَالَ: فَجَاءَت بِهِ، فَلَمَّا رَآهُ الكَاهِنُ أَخَذَ بِذِرَاعَيهِ وَقَالَ: أَي قَومُ، اقتُلُوهُ، اقتُلُوهُ، أَي قَومُ، اقتُلُوهُ، اقتُلُوهُ، قَالَت: فَوَثَبَت عَلَيهِ، فَأَخَذَت بِعَضُدَيهِ وَاستَغَثتُ، فَجَاءَ أُنَاسٌ كَانُوا مَعَنَا، فَلَم يَزَالُوا حَتَّى انتَزَعُوهُ مِنهُ وَذَهَبُوا بِهِ.

وَحدَّثَ دَاوُدُ بنُ أَبِي هِندٍ قَالَ: تُوُفِّيَ أَبُو النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُّهُ حُبلَى بِهِ، فَلَمَّا وَضَعَتهُ نَارَتِ الظِّرَابُ لِوَضعِهِ، وَاتَّقَى الأَرضَ بِكَفَّيهِ حِينَ وَقَعَ، وَأَصبَحَ يَتَأَمَّلُ السَّمَاءَ بِعَينَيهِ، وَكَفَؤُوا عَلَيهِ بُرمَةً ضَخمَةً فَانفَلَقَت عَنهُ فِلقَتَينِ.

وَرُوِيَ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ أَبَا طَالِبٍ يُحَدِّثُ أَنَّ آمِنَةَ بِنتَ وَهبٍ لَمَّا وَلَدَتِ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ عَبدُ المُطَّلِبِ، فَأَخَذَهُ وَقَبَّلَهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: هُوَ وَدِيعَتِي عِندَكَ، لَيَكُونَنَّ لِابنِي هَذَا شَأنٌ، ثُمَّ أَمَرَ فَنُحِرَتِ الجَزَائِرُ، وَذُبِحَتِ الشَّاءُ، وَأُطعِمَ أَهلُ مَكَّةَ ثَلَاثًا، ثُمَّ نُحِرَ فِي كُلِّ شِعبٍ مِن شِعَابِ مَكَّةَ جَزُورٌ لَا يُمنَعُ مِنهُ إِنسَانٌ وَلَا سَبُعٌ وَلَا طَائِرٌ.

وَفِي الدَّلَائِلِ لِلبَيهقِيِّ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَن أَبِيهِ العَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَختُونًا مَسرُورًا، قَالَ: فَأَعجَبَ جَدَّهُ عَبدَ المُطَّلِبِ وَحَظِيَ عِندَهُ، وَقَالَ: لَيَكُونَنَّ لِابنِي هَذَا شَأنٌ، فَكَانَ لَهُ شَأنٌ.اهـ

وَمَعنًى مَختُونًا أَي: مَقطُوعَ الخِتَانِ، وَمَسرُورًا أَي: مَقطُوعَ السُّرَّةِ مِن بَطنِ أُمِّهِ.

وَفِي الدَّلَائِلِ لِلبَيهَقِيِّ أَيضًا عَن أَبِي الحَكَمِ التَّنُوخِيِّ قَالَ: كَانَ المَولُودُ إِذَا وُلِدَ فِي قُرَيشٍ دَفَعُوهُ إِلَى نِسوَةٍ مِن قُرَيشٍ إِلَى الصُّبحِ يَكفَأنَ عَلَيهِ بُرمَةً، فَلَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَفَعَهُ عَبدُ المُطَّلِبِ إِلَى نِسوَةٍ فَكَفَأنَ عَلَيهِ بُرمَةً، فَلَمَّا أَصبَحنَ أَتَينَ فَوَجَدنَ البُرمَةَ قَدِ انفَلَقَت عَنهُ بِاثنَتَينِ، وَوَجَدنَهُ مَفتُوحَ العَينَينِ شَاخِصًا بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَتَاهُنَّ عَبدُ المُطَّلِبِ فَقُلنَ لَهُ: مَا رَأَينَا مَولُودًا مِثلَهُ، وَجَدنَاهُ قَدِ انفَلَقَت عَنهُ البُرمَةُ، وَوَجَدنَاهُ مَفتُوحًا عَينَاهُ شَاخِصًا بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: احفَظنَهُ، فَإِنِّي أَرجُو أَن يَكُونَ لَهُ شَأنٌ أَو أَن يُصِيبَ خَيرًا، فَلَمَّا كَانَ اليَومُ السَّابِعُ ذَبَحَ عَنهُ وَدَعَا لَهُ قُرَيشًا، فَلَمَّا أَكَلُوا قَالُوا: يَا عَبدَ المُطَّلِبِ، أَرَأَيتَ ابنَكَ هَذَا الَّذِي أَكرَمتَنَا عَلَى وَجهِهِ، مَا سَمَّيتَهُ؟ قَالَ: سَمَّيتُهُ مُحَمَّدًا. قَالُوا: فَلِمَ رَغِبتَ بِهِ عَن أَسمَاءِ أَهلِ بَيتِهِ؟ قَالَ: أَرَدتُ أَن يَحمَدَهُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَخَلقُهُ فِي الأَرضِ.

قَالَ أَهلُ اللُّغَةِ: كُلُّ جَامِعٍ لِصِفَاتِ الخَيرِ يُسَمَّى مُحَمَّدًا كَمَا قَالَ بَعضُهُم. وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: أَلهَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَن سَمَّوهُ مُحَمَّدًا لِمَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ، لِيَلتَقِيَ الِاسمُ وَالفِعلُ، وَيَتَطَابَقَ الِاسمُ وَالمُسَمَّى فِي الصُّورَةِ وَالمَعنَى، كَمَا قَالَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَيُروَى لِحَسَّانَ:

وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو العَرشِ مَحمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ

وَذَكَرَ السُّهَيلِيُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى أَنَّ عَبدَ المُطَّلِبِ إِنَّمَا سَمَّاهُ مُحَمَّدًا لِرُؤيَا رَآهَا. زَعَمُوا أَنَّهُ رَأَى مَنَامًا كَأَنَّ سِلسِلَةً مِن فِضَّةٍ خَرَجَت مِن ظَهرِهِ وَلَهَا طَرَفٌ فِي السَّمَاءِ وَطَرَفٌ فِي الأَرضِ وَطَرَفٌ فِي المَشرِقِ وَطَرَفٌ فِي المَغرِبِ، ثُمَّ عَادَت كَأَنَّهَا شَجَرَةٌ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنهَا نُورٌ، وَإِذَا أَهلُ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ يَتَعَلَّقُونَ بِهَا. فَقَصَّهَا فَعُبِّرَت لَهُ بِمَولُودٍ يَكُونُ مِن صُلبِهِ يَتبَعُهُ أَهلُ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ وَيَحمَدُهُ أَهلُ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ مُحَمَّدًا، مَعَ مَا حَدَّثَتهُ بِهِ أُمُّهُ ﷺ.

وَرَوَى ابنُ الجَوزِيِّ عَن أَبِي الحُسَينِ بنِ البَرَاءِ مُرسَلًا رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَن آمِنَةَ أَنَّهَا قَالَت: وَضَعتُ عَلَيهِ إِنَاءً فَوَجَدتُهُ قَدِ انفَلَقَ الإِنَاءُ عَنهُ وَهُوَ يَمَصُّ إِبهَامَهُ يَشخَبُ لَبَنًا، (يَشخَبُ بِشِينٍ فَخَاءٍ مُعجَمَتَينِ، أَي يَسِيلُ).

وَقَالَ بَعضُ أَهلِ الإِشَارَاتِ: فِي انفِلَاقِ البُرمَةِ عَنهُ ﷺ إِشَارَةٌ إِلَى ظُهُورِ أَمرِهِ وَانتِشَارِهِ وَأَنَّهُ يَفلَقُ ظُلمَةَ الجَهلِ وَيُزِيلُهَا.

قَالَ الخَيضَرِيُّ: فَإِن قِيلَ: إِنَّ فِيهِ أَي فِي وِلَادَتِهِ ﷺ مَختُونًا بَعضُ نَقصٍ فِي حَقِّ مَن يُوجَدُ كَذَلِكَ. فَيُقَالُ: هَذَا فِي حَقِّهِ ﷺ غَايَةُ الكَمَالِ، لِأَنَّ القُلفَةَ رُبَّمَا تَمنَعُ مِن تَكمِيلِ النَّظَافَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَتَمنَعُ كَمَالَ لَذَّةِ الجِمَاعِ، فَأَوجَدَ اللهُ تَعَالَى عَبدَهُ وَرَسُولَهُ ﷺ مَختُونًا مَسرُورًا مُكَمَّلًا سَالِمًا مِن سَائِرِ النَّقَائِصِ وَالمَعَايِبِ، فَإِن قِيلَ: إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِمَ شُقَّ صَدرُهُ ﷺ وَاستُخرِجَ مِنهُ العَلَقَةُ السَّودَاءُ الَّتِي هِيَ حَظُّ الشَّيطَانِ، وَلَو كَانَ كَمَا ذَكَرتَ لَخَلَقَهُ سَالِمًا مِنهَا؟ قَالَ الصَّالِحِيُّ: قُلتُ: لَا سَوَاءَ، لِأَنَّ الخِتَانَ وَالإِسرَارَ مِنَ الأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَحتَاجُ إِلَى فِعلِ الآدَمِيِّ، فَخَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى سَلِيمًا مِنهَا لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ عَلَيهِ مِنَّةٌ، كَمَا فِي كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا إِخرَاجُ العَلَقَةِ الَّتِي هِيَ حَظُّ الشَّيطَانِ فَمَحَلُّهَا القَلبُ، وَلَا اطِّلَاعَ لِلآدَمِيِّ عَلَيهَا، وَلَو خَلَقَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ سَلِيمًا مِنهَا لَم يَكُن لِلآدَمِيِّينَ اطِّلَاعٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَأَظهَرَهُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ عَلَى يَدِ جِبرِيلَ لِيَتَحَقَّقُوا كَمَالَ بَاطِنِهِ كَمَا بَرَزَ لَهُم مُكَمَّلَ الظَّاهِرِ، انتَهَى. وَهُوَ مَأخُوذٌ مِن كَلَامِ السُّبكِيِّ.

وَرَوَى ابنُ سَعدٍ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَن إِسحَاقَ بنِ أَبِي طَلحَةَ مُرسَلًا رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ آمِنَةَ قَالَت: وَضَعتُهُ نَظِيفًا، مَا وَلَدتُهُ كَمَا يُولَدُ السَّخلُ، مَا بِهِ قَذَرٌ، وَوَقَعَ إِلَى الأَرضِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الأَرضِ بِيَدَيهِ.

وَرَوَى البَيهَقِيُّ وَغَيرُهُ عَنِ العَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعَانِي إِلَى الدُّخُولِ فِي دِينِكَ أَمَارَةٌ لِنُبُوَّتِكَ، رَأَيتُكَ فِي المَهدِ تُنَاغِي القَمَرَ، وَتُشِيرُ إِلَيهِ بِأُصبُعِكَ، فَحَيثُ أَشَرتَ إِلَيهِ مَالَ. قَالَ: «إِنِّي كُنتُ أُحَدِّثُهُ وَيُحَدِّثُنِي، وَيُلهِينِي عَنِ البُكَاءِ، وَأَسمَعُ وَجبَتَهُ حِينَ يَسجُدُ تَحتَ العَرشِ».

المُنَاغَاةُ: المُحَادَثَةُ. وَنَاغَتِ الأُمُّ صَبِيَّهَا لَاطَفَتهُ وَشَاغَلَتهُ بِالمُحَادَثَةِ وَالمُلَاعَبَةِ.

وَذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ عَبدُ المَلِكِ النَّيسَابُورِيُّ فِي كِتَابِهِ المُعجَمِ الكَبِيرِ كَمَا نَقَلَهُ عَنهُ صَاحِبُ كِتَابِ السَّعَادَةِ وَالبُشرَى عَن كَعبٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَت آمِنَةُ تُحَدِّثُ وَتَقُولُ: أَتَانِي آتٍ حِينَ مَرَّ بِي مِن حَملِي سِتَّةُ أَشهُرٍ فِي المَنَامِ وَقَالَ لِي: يَا آمِنَةُ، إِنَّكِ حَمَلتِ بِخَيرِ العَالَمِينَ، فَإِذَا وَلَدتِهِ فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا، وَاكتُمِي شَأنَكِ، قَالَت: ثُمَّ أَخَذَنِي مَا يَأخُذُ النِّسَاءَ، وَلَم يَعلَم بِي أَحَدٌ لَا ذَكَرٌ وَلَا أُنثَى، وَإِنِّي لَوَحِيدَةٌ فِي المَنزِلِ، وَعَبدُ المُطَّلِبِ فِي طَوَافِهِ، فَسَمِعتُ وَجبَةً عَظِيمَةً وَأَمرًا عَظِيمًا هَالَنِي، ثُمَّ رَأَيتُ كَأَنَّ جَنَاحَ طَائِرٍ أَبيَضَ قَد مَسَحَ عَلَى فُؤَادِي فَذَهَبَ عَنِّي الرُّعبُ وَكُلُّ وَجَعٍ أَجِدُهُ، ثُمَّ التَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِشَربَةٍ بَيضَاءَ، فَتَنَاوَلتُهَا فَأَصَابَنِي نُورٌ عَالٍ، ثُمَّ رَأَيتُ نِسوَةً كَالنَّخلِ طِوَالًا، كَأَنَّهُنَّ مِن بَنَاتِ عَبدِ مَنَافٍ، يُحَدِّقنَ بِي، فَبَينَمَا أَتَعَجَّبُ وَأَنَا أَقُولُ: وَاغَوثَاهُ، مِن أَينَ عَلِمنَ بِي؟

قَالَ فِي غَيرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقُلنَ لِي: نَحنُ آسِيَةُ امرَأَةُ فِرعَونَ، وَمَريَمُ ابنَةُ عِمرَانَ، وَاشتَدَّ بِيَ الأَمرُ، وَإِنِّي أَسمَعُ الوَجبَةَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ أَعظَمَ وَأَهوَلَ مِمَّا تَقَدَّمَ، فَبَينَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذ بِدِيبَاجٍ أَبيَضَ قَد مُدَّ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، وَإِذ بِقَائِلٍ يَقُولُ: خُذَاهُ عَن أَعيُنِ النَّاسِ، قَالَت: وَرَأَيتُ رِجَالًا قَد وَقَفُوا فِي الهَوَاءِ بِأَيدِيهِم أَبَارِيقُ مِن فِضَّةٍ، ثُمَّ نَظَرتُ فَإِذَا أَنَا بِقِطعَةٍ مِنَ الطَّيرِ قَد أَقبَلَت حَتَّى غَطَّت حُجرَتِي، مَنَاقِيرُهَا مِنَ الزُّمُرِّدِ، وَأَجنِحَتُهَا مِنَ اليَاقُوتِ، فَكَشَفَ اللهُ عَن بَصَرِي فَرَأَيتُ مَشَارِقَ الأَرضِ وَمَغَارِبَهَا، وَرَأَيتُ ثَلَاثَةَ أَعلَامٍ مَضرُوبَاتٍ، عَلَمًا بِالمَشرِقِ وَعَلَمًا بِالمَغرِبِ، وَعَلَمًا عَلَى ظَهرِ الكَعبَةِ، فَأَخَذَنِي المَخَاضُ، فَوَضَعتُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَنَظَرتُ إِلَيهِ فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ قَد رَفَعَ أُصبُعَيهِ إِلَى السَّمَاءِ كَالمُتَضَرِّعِ المُبتَهِلِ، ثُمَّ رَأَيتُ سَحَابَةً بَيضَاءَ قَد أَقبَلَت مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى غَشِيَتهُ فَغَيَّبَتهُ عَنِّي، ثُمَّ سَمِعتُ مُنَادِيًا يُنَادِي: طُوفُوا بِهِ مَشَارِقَ الأَرضِ وَمَغَارِبَهَا، وَأَدخِلُوهُ البِحَارَ لِيَعرِفُوهُ بِاسمِهِ وَنَعتِهِ وَصُورَتِهِ، وَيَعلَمُونَ أَنَّهُ سُمِّيَ فِيهَا المَاحِيَ، ثُمَّ انجَلَت عَنهُ فِي أَسرَعِ وَقتٍ.

وَرَوَى الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ بِسَنَدِهِ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ كِتَابِ السَّعَادَةِ وَالبُشرَى أَيضًا أَنَّ آمِنَةَ قَالَت: لَمَّا وَضَعتُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَأَيتُ سَحَابَةً عَظِيمَةً لَهَا نُورٌ أَسمَعُ فِيهَا صَهِيلَ الخَيلِ وَخَفَقَانَ الأَجنِحَةِ وَكَلَامَ الرِّجَالِ، حَتَّى غَشِيَتهُ وَغُيِّبَ عَنِّي، فَسَمِعتُ مُنَادِيًا: طُوفُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا، وَأَدخِلُوهُ البِحَارَ لِيَعرِفُوهُ بِاسمِهِ وَنَعتِهِ وَصُورَتِهِ فِي جَمِيعِ الأَرضِ، وَاعرِضُوهُ عَلَى كُلِّ رُوحَانِيٍّ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالمَلَائِكَةِ وَالطُّيُورِ وَالوُحُوشِ، وَأَعطُوهُ خَلقَ آدَمَ، وَمَعرِفَةَ شِيثٍ، وَشَجَاعَةَ نُوحٍ، وَخُلَّةَ إِبرَاهِيمَ، وَلِسَانَ إِسمَاعِيلَ، وَرِضَا إِسحَاقَ، وَفَصَاحَةَ صَالِحٍ، وَحِكمَةَ لُوطٍ، وَبُشرَى يَعقُوبَ، وَشِدَّةَ مُوسَى، وَصَبرَ أَيُّوبَ، وَطَاعَةَ يُونُسَ، وَجِهَادَ يُوشَعَ، وَصَوتَ دَاوُدَ، وَحُبَّ دَانِيَالَ، وَوَقَارَ إِليَاسَ، وَعِصمَةَ يَحيَى، وَزُهدَ عِيسَى، وَاغمِسُوهُ فِي أَخلَاقِ النَّبِيِّينَ، قَالَت: ثُمَّ انجَلَى عَنِّي فَإِذَا بِهِ قَد قَبَضَ عَلَى حَرِيرَةٍ خَضرَاءَ مَطوِيَّةٍ طَيًّا شَدِيدًا، يَنبُعُ مِن تِلكَ الحَرِيرَةِ مَاءٌ، وَإِذَا قَائِلٌ يَقُولُ: بَخٍ بَخٍ، قَبَضَ مُحَمَّدٌ عَلَى الدُّنيَا كُلِّهَا، لَم يَبقَ خَلقٌ مِن أَهلِهَا إِلَّا دَخَلَ طَائِعًا فِي قَبضَتِهِ، قَالَت: ثُمَّ نَظَرتُ إِلَيهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ كَالقَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، وَرِيحُهُ يَسطَعُ كَالمِسكِ الأَذفَرِ، وَإِذَا بِثَلَاثَةِ نَفَرٍ فِي يَدِ أَحَدِهِم إِبرِيقٌ مِن فِضَّةٍ، وَفِي يَدِ الآخَرِ طَستٌ مِن زُمُرُّدٍ أَخضَرَ، وَفِي يَدِ الثَّالِثِ حَرِيرَةٌ بَيضَاءُ، فَنَشَرَهَا فَأَخرَجَ مِنهَا خَاتَمًا تَحَارُ أَبصَارُ النَّاظِرِينَ دُونَهُ، فَغَسَلَهُ مِن ذَلِكَ الإِبرِيقِ سَبعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ خَتَمَ بَينَ كَتِفَيهِ بِالخَاتَمِ وَلَفَّهُ فِي الحَرِيرَةِ، ثُمَّ احتَمَلَهُ فَأَدخَلَهُ بَينَ أَجنِحَتِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَيَّ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ.

وَرَوَى الحَافِظُ أَبُو بَكرِ بنُ عَائِذٍ فِي كِتَابِهِ المَولِدِ -كَمَا نَقَلَهُ عَنهُ الشَّيخُ بَدرُ الدِّينِ الزَّركَشِيُّ فِي شَرحِ بُردَةِ المَدِيحِ- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا وُلِدَ ﷺ قَالَ فِي أُذُنِهِ رِضوَانُ خَازِنُ الجِنَانِ: أَبشِر يَا مُحَمَّدُ، فَمَا بَقِيَ لِنَبِيٍّ عِلمٌ إِلَّا وَقَد أُعطِيتَهُ، فَأَنتَ أَكثَرُهُم عِلمًا، وَأَشجَعُهُم قَلبًا.

وَرَوَى مُحَمَّدُ بنُ سَعدٍ مِن حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنهُم عَطَاءٌ وَابنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ آمِنَةَ بِنتَ وَهبٍ قَالَت: لَمَّا فَصَلَ مِنِّي -تَعنِي النَّبِيَّ ﷺ- خَرَجَ مَعَهُ نُورٌ أَضَاءَ لَهُ مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، ثُمَّ وَقَعَ إِلَى الأَرضِ مُعتَمِدًا عَلَى يَدَيهِ، ثُمَّ أَخَذَ قَبضَةً مِنَ التُّرَابِ فَقَبَضَهَا وَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ.

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ: أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ إِلَى الأَرضِ وَقَعَ مَقبُوضَةً أَصَابِعُ يَدَيهِ، مُشِيرًا بِالسَّبَّابَةِ كَالمُسَبِّحِ بِهَا.

عجائب أخرى مروية في الولادة الشريفة 

ذُكِرَ كثيرٌ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالعَجَائِبِ فِي وَقتِ وِلَادَةِ نَبِيِّنَا الأَكرَمِ ﷺ، مِن خُرُورِ كَثِيرٍ مِنَ الأَصنَامِ لَيلَتَئِذٍ لِوُجُوهِهَا، وَسُقُوطِهَا عَن أَمَاكِنِهَا، وَمَا رَآهُ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الحَبَشَةِ، وَظُهُورِ النُّورِ مَعَهُ حَتَّى أَضَاءَت لَهُ قُصُورُ الشَّامِ حِينَ وُلِدَ، وَمَا كَانَ مِن سُقُوطِهِ جَاثِيًا رَافِعًا رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَانفِلَاقِ تِلكَ البُرمَةِ عَن وَجهِهِ الكَرِيمِ، وَمَا شُوهِدَ مِنَ النُّورِ فِي المَنزِلِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ، وَدُنُوِّ النُّجُومِ مِنهُم، وَغَيرِ ذَلِكَ.

رَوَى البَيهَقِيُّ عَنِ العِربَاضِ بنِ سَارِيَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنِّي عَبدُ اللهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخبِرُكُم عَن ذَلِكَ: دَعوَةُ أَبِي إِبرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي، وَرُؤيَا أُمِّي الَّتِي رَأَت، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ يَرَينَ»، وَإِنَّ أُمَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَأَت حِينَ وَضَعَتهُ نُورًا أَضَاءَت لَهُ قُصُورُ الشَّامِ.

قَالَ البَيهَقِيُّ: وَقَولُهُ ﷺ: «إِنِّي عَبدُ اللهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ» يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فِي قَضَاءِ اللهِ وَتَقدِيرِهِ قَبلَ أَن يَكُونَ أَبُو البَشَرِ وَأَوَّلُ الأَنبِيَاءِ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِم.

وَقَولُهُ: «وَسَأُخبِرُكُم عَن ذَلِكَ: دَعوَةُ أَبِي إِبرَاهِيمَ» عَلَيهِ السَّلَامُ، يُرِيدُ بِهِ أَنَّ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ لَمَّا أَخَذَ فِي بِنَاءِ البَيتِ دَعَا اللهَ، تَعَالَى جَدُّهُ، أَن يَجعَلَ ذَلِكَ البَلَدَ آمِنًا، وَيَجعَلَ أَفئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهوِي إِلَيهِم، وَيَرزُقَهُم مِنَ الثَّمَرَاتِ وَالطَّيِّبَاتِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَابعَث فِيهِم رَسُولًا مِنهُم يَتلُوا عَلَيهِم آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكمَةَ وَيُزَكِّيهِم إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، فَاستَجَابَ اللهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ فِي نَبِيِّنَا ﷺ، وَجَعَلَهُ الرَّسُولَ الَّذِي سَأَلَهُ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَدَعَاهُ أَن يَبعَثَهُ إِلَى أَهلِ مَكَّةَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا دَعوَةُ أَبِي إِبرَاهِيمَ»، وَمَعنَاهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا قَضَى أَن يَجعَلَ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَأَثبَتَ ذَلِكَ فِي أُمِّ الكِتَابِ أَنجَزَ هَذَا القَضَاءَ بِأَن قَيَّضَ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ لِلدُّعَاءِ الَّذِي ذَكَرنَا، لِيَكُونَ إِرسَالُهُ إِيَّاهُ بِدُعَائِهِ كَمَا يَكُونُ تَقَلُّبُهُ مِن صُلبِهِ إِلَى أَصلَابِ أَولَادِهِ.

وَأَمَّا قَولُهُ: «وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي» فَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فَبَشَّرَ بِهِ قَومَهُ، فَعَرَفَهُ بَنُو إِسرَائِيلَ قَبلَ أَن يُخلَقَ.

وَأَمَّا قَولُهُ: «وَرُؤيَا أُمِّي الَّتِي رَأَت» فَإِنَّمَا عَنَى بِهِ وَاللهُ أَعلَمُ: كَانَت آمِنَةُ بِنتُ وَهبٍ أُمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ تُحَدِّثُ أَنَّهَا أُتِيَت حِينَ حَمَلَت بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقِيلَ لَهَا: إِنَّكِ قَد حَمَلتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإِذَا وَقَعَ إِلَى الأَرضِ فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا، قَالَ: آيَةُ ذَلِكَ أَن يَخرُجَ مَعَهُ نُورٌ يَملَأُ قُصُورَ بُصرَى مِن أَرضِ الشَّامِ، فَإِذَا وَقَعَ فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا، فَإِنَّ اسمَهُ فِي التَّورَاةِ: أَحمَدُ يَحمَدُهُ أَهلُ السَّمَاءِ وَأَهلُ الأَرضِ، وَاسمَهُ فِي الإِنجِيلِ: أَحمَدُ يَحمَدُهُ أَهلُ السَّمَاءِ وَأَهلُ الأرض، وَاسمَهُ فِي الفُرقَانِ: مُحَمَّدٌ. فَسَمَّيتُهُ بِذَلِكَ.

وَرَوَى البَيهَقِيُّ عَن خَالِدِ بنِ مَعدَانَ عَن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُم قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخبِرنَا عَن نَفسِكَ. فَقَالَ: «دَعوَةُ أَبِي إِبرَاهِيمَ، وَبُشرَى عِيسَى، وَرَأَت أُمِّي حِينَ حَمَلَت كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنهَا نُورٌ أَضَاءَت لَهُ بُصرَى مِن أَرضِ الشَّامِ».

وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَ بَدءُ أَمرِكَ؟ قَالَ: «دَعوَةُ أَبِي إِبرَاهِيمَ، وَبُشرَى عِيسَى ابنِ مَريَمَ، وَرَأَت أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنهَا نُورٌ أَضَاءَت مِنهُ قُصُورُ الشَّامِ».

قَالَ الفُقَهَاءُ: وَالمُرَادُ بِبُصرَى هُنَا بَلَدٌ بِالشَّامِ مِن أَعمَالِ دِمَشقَ. قَالَ فِي المِسكَةِ الفَائِحَةِ: وَفِي تَخصِيصِ بُصرَى لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّهَا أَوَّلُ مَوضِعٍ مِن بِلَادِ الشَّامِ دَخَلَهَا ذَلِكَ النُّورُ المُحَمَّدِيُّ، وَكَذَلِكَ هِيَ أَوَّلُ مَا افتُتِحَ مِن بِلَادِ الشَّامِ. وَإِنَّمَا أَضَاءَت قُصُورُ بُصرَى بِالنُّورِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ إِشَارَةً إِلَى مَا خُصَّ الشَّامُ مِن نُبُوَّتِهِ ﷺ، فَإِنَّهَا دَارُ مَجدِهِ وَمُلكِهِ كَمَا ذَكَرَهُ كَعبٌ أَنَّ فِي الكُتُبِ السَّابِقَةِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، مَولِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرَهُ بِيَثرِبَ، وَمُلكُهُ بِالشَّامِ. وَقَالَ بَعضُهُم: أَضَاءَت قُصُورُ بُصرَى إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ ﷺ يُنَوِّرُ البَصَائِرَ وَيُحيِي القُلُوبَ المَيتَةَ. وَفِي خُرُوجِ هَذَا النُّورِ مَعَهُ ﷺ حِينَ وَضَعَتهُ إِشَارَةً إِلَى مَا يَجِيءُ بِهِ مِنَ النُّورِ الَّذِي اهتَدَى بِهِ أَهلُ الأَرضِ وَزَالَ بِهِ ظُلمَةُ الشِّركِ مِنهَا. كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَد جاءَكُم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذنِهِ وَيَهدِيهِم إِلى صِراطٍ مُستَقِيمٍ﴾. قَالَ الإِمَامُ أَبُو شَامَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَقَد كَانَ هَذَا النُّورُ الَّذِي ظَهَرَ وَقتَ وِلَادَتِهِ ﷺ قَدِ اشتَهَرَ فِي قُرَيشٍ وَكَثُرَ ذِكرُهُ فِيهِم، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ عَمُّهُ العَبَّاسُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ فِي أَبيَاتِهِ السَّابِقَةِ حَيثُ قَالَ فِي حَقِّهِ ﷺ وَزَادَهُ شَرَفًا وَفَضلًا:

وَأَنتَ لَمَّا وُلِدتَ أَشرَقَتِ الأَر … ضُ وَضَاءَت بِنُورِكَ الأُفُقُ

فَنَحنُ فِي ذَلِكَ الضِّيَاءِ وَفِي النُّو … رِ وَسُبُلِ الرَّشَادِ نَختَرِقُ

وَيَرحَمُ اللهُ تَعَالَى القَائِلَ:

لَمَّا استَهَلَّ المُصطَفَى طَالِعًا … أَضَاءَ الفَضَا مِن نُورِهِ السَّاطِعْ

وَعَطَّرَ الكَونَ شَذَا عِطرِهِ الطَّ … يِّبِ مِن دَانٍ وَمِن شَاسِعْ

وَنَادَتِ الأَكوَانُ مِن فَرحَةٍ … يَا مَرحَبًا بِالقَمَرِ الطَّالِعْ

وَرَوَى ابنُ سَعدٍ عَن مُوسَى بنِ عُبَيدَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَن أَخِيهِ قَالَ: لَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَوَقَعَ عَلَى الأَرضِ وَقَعَ عَلَى يَدَيهِ رَافِعًا رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَبَضَ قَبضَةً مِن تُرَابٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَجُلًا مِن لَهَبٍ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: انجُه، لَئِن صَدَقَ الفَألُ لَيَغلِبَنَّ هَذَا المَولُودُ أَهلَ الأَرضِ.

وَعَن عُثمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ: حَدَّثَتنِي أُمِّي أَنَّهَا شَهِدَت وِلَادَةَ آمِنَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيلَةَ وَلَدَتهُ قَالَت: فَمَا شَيءٌ أَنظُرُ إِلَيهِ مِنَ البَيتِ إِلَّا نُورًا، وَإِنِّي لَأَنظُرُ إِلَى النُّجُومِ تَدنُو حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: لَيَقَعنَ عَلَيَّ، فَلَمَّا وَضَعتُهُ خَرَجَ مِنهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهُ الدَّارُ وَالبَيتُ حَتَّى جَعَلتُ لَا أَرَى إِلَّا نُورًا.

قَالَ الشَّيخُ الإِمَامُ العَلَّامَةُ شَمسُ الدِّينِ الجَوجَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَفِي رَفعِ بَصَرِهِ ﷺ فِي تِلكَ الحَالِ إِشَارَةٌ وَإِيمَاءٌ إِلَى ارتِفَاعِ شَأنِهِ وَعُلُوِّ قَدرِهِ وَأَنَّهُ يَسُودُ الخَلقَ أَجمَعِينَ، وَكَانَ هَذَا مِن آيَاتِهِ ﷺ، وَهُوَ أَنَّهُ أَوَّلُ فِعلٍ وُجِدَ مِنهُ فِي أَوَّلِ وِلَادَتِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ وَإِيمَاءٌ لِمَن لَهُ تَأَمُّلٌ إِلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا يَقَعُ لَهُ مِن حِينِ يُولَدُ إِلَى حِينِ يُقبَضُ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَيهِ العَقلُ، فَإِنَّهُ ﷺ لَا يَزَالُ مُتَزَايِدَ الرِّفعَةِ فِي كُلِّ وَقتٍ وَحِينٍ، عَلِيَّ الشَّأنِ عَلَى المَخلُوقَاتِ. وَفِي رَفعِهِ ﷺ رَأسَهَ إِشَارَةٌ وَإِيمَاءٌ إِلَى كُلِّ سُؤدَدٍ، وَأَنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ قَصدُهُ إِلَّا إِلَى جِهَاتِ العُلُوِّ دُونَ غَيرِهَا مِمَّا لَا يُنَاسِبُ قَصدَهُ.

وَرَوَى ابنُ الجَوزِيِّ فِي «الوَفَا» عَن أَبِي الحُسَينِ بنِ البَرَاءِ مُرسَلًا رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ: قَالَت آمِنَةُ: وَجَدتُهُ جَاثِيًا عَلَى رُكبَتَيهِ يَنظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبضَةً مِنَ الأَرضِ وَأَهوَى سَاجِدًا.

قَالَ بَعضُ أَهلِ الإِشَارَاتِ: لَمَّا وُلِدَ عِيسَى ﷺ قَالَ: ﴿إِنِّي عَبدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ فَأَخبَرَ عَن نَفسِهِ بِالعُبُودِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَنَبِيُّنَا ﷺ وُضِعَ سَاجِدًا، وَخَرَجَ مَعَهُ نُورٌ أَضَاءَ لَهُ مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، وَقَبَضَ قَبضَةً مِن تُرَابٍ، وَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَكَانَت عُبُودِيَّةُ عِيسَى المَقَالَ، وَعُبُودِيَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الفِعَالَ، وَرِسَالَةُ عِيسَى بِالإِخبَارِ، وَرِسَالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِظُهُورِ الأَنوَارِ.

وَفِي سُجُودِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عِندَ وَضعِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَبدَأَ أَمرِهِ عَلَى القُربِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاسجُد وَاقتَرِب﴾. وَقَالَ ﷺ: «أَقرَبُ مَا يَكُونُ العَبدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»، فَحَالُ عِيسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُشِيرُ إِلَى مَقَامِ العُبُودِيَّةِ، وَحَالُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُشِيرُ إِلَى مَقَامِ القُربِ مِنَ اللهِ تَعَالَى. وَلِبَعضِهِم:

لَكَ القُربُ مِن مَولَاكَ يَا أَشرَفَ الوَرَى … وَأَنتَ لِكُلِّ المُرسَلِينَ خِتَامُ

وَأَنتَ لَنَا يَومَ القِيَامَةِ شَافِعٌ … وَأَنتَ لِكُلِّ الأَنبِيَاءِ إِمَامُ

عَلَيكَ مِنَ اللهِ الكَرِيمِ تَحِيَّةٌ … مُبَارَكَةٌ مَقبُولَةٌ وَسَلَامُ

وَرَوَى أَبُو نُعَيمٍ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ عَن أُمِّهِ الشِّفَّاءِ بِنتِ عَمرِو بنِ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا قَالَت: لَمَّا وَلَدَت آمِنَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَعَ عَلَى يَدِيهِ، فَاستَهَلَّ، فَسَمِعتُ قَائِلًا يَقُولُ: رَحِمَكَ اللهُ، أَو رَحِمَكَ رَبُّكَ، فَأَضَاءَ مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، حَتَّى إِنِّي نَظَرتُ إِلَى بَعضِ قُصُورِ الرُّومِ. قَالَت: ثُمَّ أَلبَستُهُ وَأَضجَعتُهُ، فَلَم أَنشَب أَن غَشِيَتنِي ظُلمَةٌ وَرُعبٌ وَقُشَعرِيرَةٌ عَن يَمِينِي، فَسَمِعتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَينَ ذَهَبتَ بِهِ؟ قَالَ: إِلَى المَغرِبِ، وَأَسفَرَ عَنِّي ذَلِكَ. ثُمَّ عَاوَدَنِي ذَلِكَ الرُّعبُ وَالقُشَعرِيرَةُ عَن يَسَارِي، فَسَمِعتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَينَ ذَهَبتَ بِهِ؟ قَالَ: إِلَى المَشرِقِ. قَالَت: فَلَم يَزَلِ الحَدِيثُ مِنِّي عَلَى بَالٍ حَتَّى بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى.

ومن البشائر التي ذُكرت قبل ولادته عليه الصلاة والسلام

قَالَ عَبدُ المُطَّلِبِ: قَدِمتُ اليَمَنَ فِي رِحلَةِ الشِّتَاءِ، فَنَزَلتُ عَلَى حَبرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ مِن أَهلِ الزَّبُورِ: يَا عَبدَ المُطَّلِبِ: أَتَأذَنُ لِي أَن أَنظُرَ إِلَى بَدَنِكَ؟ فَقُلتُ: انظُر مَا لَم يَكُن عَورَةٌ. قَالَ: فَفَتَحَ إِحدَى مِنخَرَيَّ فَنَظَرَ فِيهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي الآخَرِ، فَقَالَ: أَشهَدُ أَنَّ فِيَ إِحدَى يَدَيكَ مُلكًا وَفِي الأُخرَى نُبُوَّةً، وَأَرَى ذَلِكَ فِي بَنِي زُهرَةَ، فَكَيفَ ذَلِكَ؟ فَقُلتُ: لَا أَدرِي. قَالَ: هَل لَكَ مِن شَاعَةٍ (أَي زَوجَةٍ، سُمِّيَت بِذَلِكَ لِمُتَابَعَتِهَا الزَّوجَ، وَشِيعَةُ الرَّجُلِ أَتبَاعُهُ وَأَنصَارُهُ)؟ قَالَ: قُلتُ: وَمَا الشَّاعَةُ؟ قَالَ: زَوجَةٌ. قُلتُ: أَمَّا اليَومَ فَلَا. قَالَ: إِذَا قَدِمتَ فَتَزَوَّج فِيهِنَّ، فَرَجَعَ عَبدُ المُطَّلِبِ إِلَى مَكَّةَ، فَتَزَوَّجَ هَالَةَ بِنتَ وَهبِ بنِ عَبدِ مَنَافٍ، فَوَلَدَت لَهُ: حَمزَةَ، وَصَفِيَّةَ، وَتَزَوَّجَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ آمِنَةَ بِنتَ وَهبٍ، فَوَلَدَت رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَت قُرَيشٌ حِينَ تَزَوَّجَ عَبدُ اللهِ آمِنَةَ: فَلَجَ (ظَفِرَ بِمَا طَلَبَ) عَبدُ اللهِ عَلَى أَبِيهِ.

أما حديث الجان والإخبار بولادته الشريف ﷺ فهو كثير مشتَهِرٌ وَمِن ذلك

مَا رَوَى الخَرَائِطِيُّ وَابنُ كَثِيرٍ وَغَيرُهُم أَنَّ نَفَرًا مِن قُرَيشٍ مِنهُم وَرَقَةُ بنُ نَوفَلِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ، وَزَيدُ بنُ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ، وَعُبَيدُ اللَّهِ بنُ جَحشِ بنِ رِئَابٍ، وَعُثمَانُ بنُ الحُوَيرِثِ، كَانُوا عِندَ صَنَمٍ لَهُم يَجتَمِعُونَ إِلَيهِ، قَدِ اتَّخَذُوا ذَلِكَ اليَومَ مِن كُلِّ سَنَةٍ عِيدًا، كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ، وَيَنحَرُونَ لَهُ الجَزُورَ، ثُمَّ يَأكُلُونَ، وَيَشرَبُونَ الخَمرَ، وَيَعكُفُونَ عَلَيهِ، فَدَخَلُوا عَلَيهِ فِي اللَّيلِ فَرَأَوهُ مَكبُوبًا عَلَى وَجهِهِ، فَأَنكَرُوا ذَلِكَ فَأَخَذُوهُ فَرَدُّوهُ إِلَى حَالِهِ، فَلَم يَلبَث أَنِ انقَلَبَ انقِلَابًا عَنِيفًا، فَأَخَذُوهُ فَرَدُّوهُ إِلَى حَالِهِ، فَانقَلَبَ الثَّالِثَةَ، فَلَمَّا رَأَوا ذَلِكَ اغتَمُّوا لَهُ وَأَعظَمُوا ذَلِكَ، فَقَالَ عُثمَانُ بنُ الحُوَيرِثِ: مَا لَهُ قَد أَكثَرَ التَّنَكُّسَ، إِنَّ هَذَا لَأَمرٌ قَد حَدَثَ، وَذَلِكَ فِي اللَّيلَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذُوا الصَّنَمَ فَرَدُّوهُ إِلَى حَالِهِ، فَلَمَّا استَوَى هَتَفَ بِهِم هَاتِفٌ مِنَ الصَّنَمِ بِصَوتٍ جَهِيرٍ وَهُوَ يَقُولُ:

تَرَدَّى لِمَولُودٍ أَنَارَت بِنُورِهِ … جَمِيعُ فِجَاجِ الأَرضِ فِي الشَّرقِ وَالغَربِ

وَخرَّت لَهُ الأَوثَانُ طُرًّا وَأُرعِدَت … قُلُوبُ مُلُوكِ الأَرضِ طُرًّا مِنَ الرُّعبِ

وَنَارُ جَمِيعِ الفُرسِ بَاخَت وَأَظلَمَت … وَقَد بَاتَ شَاهُ الفُرسِ فِي أَعظَمِ الكَربِ

وَصُدَّت عَنِ الكُهَّانِ بِالغَيبِ جِنُّهَا … فَلَا مُخبِرٌ عَنهُم بِحَقٍّ وَلَا كَذِبَ

فَيَالَ قُصَيٍّ إِرجِعُوا عَن ضَلَالِكُم … وَهُبُّوا إِلَى الإِسلَامِ وَالمَنزِلِ الرَّحبِ

قَالَ: فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ خَلَصُوا نَجِيًّا، فَقَالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: تَصَادَقُوا، وَليَكتُم بَعضُكُم عَلَى بَعضٍ، فَقَالُوا: أَجَل، فَقَالَ لَهُم وَرَقَةُ بنُ نَوفَلٍ: تَعلَمُونَ -وَاللَّهِ- مَا قَومُكُم عَلَى دِينٍ، وَلَقَد أَخطَئُوا الحُجَّةَ، وَتَرَكُوا دِينَ إِبرَاهِيمَ، مَا حَجَرٌ تُطِيفُونَ بِهِ لَا يَسمَعُ وَلَا يُبصِرُ وَلَا يَنفَعُ وَلَا يَضُرُّ؟ يَا قَومِ، التَمِسُوا لِأَنفُسِكُمُ الدِّينَ. قَالَ: فَخَرَجُوا عِندَ ذَلِكَ يَضرِبُونَ فِي الأَرضِ، وَيَسأَلُونَ عَنِ الحَنِيفِيَّةِ دِينِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَأَمَّا وَرَقَةُ بنُ نَوفَلٍ فَتَنَصَّرَ وَقَرَأَ الكُتُبَ حَتَّى عَلِمَ عِلمًا، وَأَمَّا عُثمَانُ بنُ الحُوَيرِثِ فَسَارَ إِلَى قَيصَرَ فَتَنَصَّرَ وَحَسُنَت مَنزِلَتُهُ عِندَهُ، وَأَمَّا زَيدُ بنُ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ فَأَرَادَ الخُرُوجَ فَحُبِسَ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ بَعدَ ذَلِكَ فَضَرَبَ فِي الأَرضِ حَتَّى بَلَغَ الرِّقَّةَ مِن أَرضِ الجَزِيرَةِ، فَلَقِيَ بِهَا رَاهِبًا عَالِمًا فَأَخبَرَهُ بِالَّذِي يَطلُبُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: إِنَّكَ لَتَطلُبُ دِينًا مَا تَجِدُ مَن يَحمِلُكَ عَلَيهِ، وَلَكِن قَد أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ يَخرُجُ مِن بَلَدِكَ يُبعَثُ بِدِينِ الحَنِيفِيَّةِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ رَجَعَ يُرِيدُ مَكَّةَ، فَغَارَت عَلَيهِ لَخمٌ فَقَتَلُوهُ، وَأَمَّا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ جَحشٍ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ مَن خَرَجَ إِلَى أَرضِ الحَبَشَةِ، فَلَمَّا صَارَ بِهَا تَنَصَّرَ وَفَارَقَ الإِسلَامَ، فَكَانَ بِهَا حَتَّى هَلَكَ هُنَالِكَ نَصرَانِيًّا.

وَرَوَى الخَرَائِطِيُّ عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ قَالَت: كَانَ زَيدُ بنُ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ وَوَرَقَةُ بنُ نَوفَلٍ يَذكُرَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّجَاشِيَّ بَعدَ رُجُوعِ أَبرَهَةَ مِن مَكَّةَ، قَالَا: فَلَمَّا دَخَلنَا عَلَيهِ قَالَ لَنَا: اصدُقَانِي أَيُّهَا القُرَشِيَّانِ، هَل وُلِدَ فِيكُم مَولُودٌ أَرَادَ أَبُوهُ ذَبحَهُ فَضَرَبَ عَلَيهِ بِالقِدَاحِ فَسَلِمَ وَنُحِرَت عَنهُ إِبِلٌ كَثِيرَةٌ؟ قُلنَا: نَعَم، قَالَ: فَهَل لَكُمَا عِلمٌ بِهِ مَا فَعَلَ؟ قُلنَا: تَزَوَّجَ امرَأَةً يُقَالَ لَهَا: آمِنَةُ بِنتُ وَهبٍ، تَرَكَهَا حَامِلًا وَخَرَجَ، قَالَ: فَهَل تَعلَمَانِ وُلِدَ أَم لَا؟ قَالَ وَرَقَةُ بنُ نَوفَلٍ: أُخبِرُكَ أَيُّهَا المَلِكُ أَنِّي لَيلَةً قَد بِتُّ عِندَ وَثَنٍ لَنَا كُنَّا نُطِيفُ بِهِ وَنَعبُدُهُ، إِذ سَمِعتُ مِن جَوفِهِ هَاتِفًا يَقُولُ:

وُلِدَ النَّبِيُّ فَذَلَّتِ الأَملَاكُ … وَنَأَى الضَّلَالُ وَأَدبَرَ الإِشرَاكُ

ثُمَّ انتَكَسَ الصَّنَمُ عَلَى وَجهِهِ. فَقَالَ زَيدُ بنُ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ: عِندِي كَخَبَرِهِ أَيُّهَا المَلِكُ. قَالَ: هَاتِ قَالَ: أَنَا فِي مِثلِ هَذِهِ اللَّيلَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا حَدِيثَهُ خَرَجتُ مِن عِندِ أَهلِي وَهُم يَذكُرُونَ حَملَ آمِنَةَ حَتَّى أَتَيتُ جَبَلَ أَبِي قُبَيسٍ أُرِيدُ الخُلُوَّ فِيهِ لِأَمرٍ رَابَنِي، إِذ رَأَيتُ رَجُلًا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ لَهُ جَنَاحَانِ أَخضَرَانِ، فَوَقَفَ عَلَى أَبِي قُبَيسٍ، ثُمَّ أَشرَفَ عَلَى مَكَّةَ فَقَالَ: ذَلَّ الشَّيطَان، وَبَطَلَتِ الأَوثَان، وَوُلِدَ الأَمِينُ، ثُمَّ نَشَرَ ثَوبًا مَعَهُ وَأَهوَى بِهِ نَحوَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، فَرَأَيتُهُ قَد جَلَّلَ مَا تَحتَ السَّمَاءِ، وَسَطَعَ نُورٌ كَادَ أَن يَختَطِفَ بَصَرِي، وَهَالَنِي مَا رَأَيتُ، وَخَفَقَ الهَاتِفُ بِجَنَاحَيهِ حَتَّى سَقَطَ عَلَى الكَعبَةِ، فَسَطَعَ لَهُ نُورٌ أَشرَقَت لَهُ تِهَامَةُ، وَقَالَ: ذَكَتِ الأَرضُ وَأَدَّت رَبِيعَهَا، وَأَومَأَ إِلَى الأَصنَامِ الَّتِي كَانَت عَلَى الكَعبَةِ فَسَقَطَت كُلُّهَا. قَالَ النَّجَاشِيُّ وَيحَكُمَا! أُخبِرُكُمَا عَمَّا أَصَابَنِي، إِنِّي لَنَائِمٌ فِي اللَّيلَةِ الَّتِي ذَكَرتُمَا فِي قُبَّةٍ وَقتَ خَلوَتِي، إِذ خَرَجَ عَلَيَّ مِنَ الأَرضِ عُنُقٌ وَرَأَسٌ وَهُوَ يَقُولُ: حَلَّ الوَيلُ بِأَصحَابِ الفِيلِ، رَمَتهُم طَيرٌ أَبَابِيلُ، بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ، هَلَكَ الأَشرَمُ، المُعتَدِي المُجرِمُ، وَوُلِدَ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ، المَكِّيُّ الحَرَمِيُّ، مَن أَجَابَهُ سَعِدَ، وَمَن أَبَاهُ عَنَدَ. ثُمَّ دَخَلَ الأَرضَ فَغَابَ، فَذَهَبتُ أَصِيحُ فَلَم أُطِقِ الكَلَامَ، وَرُمتُ القِيَامَ فَلَم أُطِقِ القِيَامَ، فَصَرَعتُ القُبَّةَ بِيَدِي فَسَمِعَ بِذَلِكَ أَهلِي فَجَاءُونِي، فَقُلتُ: احجُبُوا عَنِّي الحَبَشَةَ، فَحَجَبُوهُم عَنِّي، ثُمَّ أُطلِقَ عَن لِسَانِي وَرِجلِي.

حَكَى السُّهَيلِيُّ عَن تَفسِيرِ بَقِيِّ بنِ مَخلَدٍ الحَافِظِ أَنَّ إِبلِيسَ رَنَّ أَربَعَ رَنَّاتٍ، حِينَ لُعِنَ، وَحِينَ أُهبِطَ، وَحِينَ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَحِينَ أُنزِلَتِ الفَاتِحَةُ.

رَنَّ: صَوَّتَ بِحُزنٍ وَكَآبَةٍ.

وَرَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ عَن عِكرِمَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ: قَالَ إِبلِيسُ لَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَقَد وُلِدَ اللَّيلَةَ وَلَدٌ يُفسِدُ عَلَينَا أَمرَنَا، فَقَالَ لَهُ جُنُودُهُ: لَو ذَهَبتَ إِلَيهِ فَخَبَّلتَهُ. فَلَمَّا دَنَا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعَثَ اللهُ جِبرِيلَ فَرَكَضَهُ بِرِجلِهِ رَكضَةً فَوَقَعَ بِعَدَنَ.

قَالَ مُحَمَّدُ بنُ إِسحَاقَ: وَكَانَ هِشَامُ بنُ عُروَةَ يُحَدِّثُ عَن أَبِيهِ عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ يَهُودِيٌّ قَد سَكَنَ مَكَّةَ يَتَّجِرُ بِهَا، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيلَةَ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَجلِسٍ مِن قُرَيشٍ: يَا مَعشَرَ قُرَيشٍ، هَل وُلِدَ فِيكُمُ اللَّيلَةَ مَولُودٌ؟ فَقَالَ القَومُ: وَاللَّهِ مَا نَعلَمُهُ. فَقَالَ: اللَّهُ أَكبَرُ، أَمَا إِذَا أَخطَأَكُم فَلَا بَأسَ، انظُرُوا وَاحفَظُوا مَا أَقُولُ لَكُم: وُلِدَ هَذِهِ اللَّيلَةَ نَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ الأَخِيرَةِ، بَينَ كَتِفَيهِ عَلَامَةٌ فِيهَا شَعَرَاتٌ مُتَوَاتِرَاتٌ، كَأَنَّهُنَّ عُرفُ فَرَسٍ، لَا يَرضَعُ لَيلَتَينِ، وَذَلِكَ أَنَّ عِفرِيتًا مِنَ الجِنِّ أَدخَلَ أُصبُعَهُ فِي فَمِهِ فَمَنَعَهُ الرَّضَاعَ، فَتَصَدَّعَ القَومُ مِن مَجلِسِهِم، وَهُم يَتَعَجَّبُونَ مِن قَولِهِ وَحَدِيثِهِ، فَلَمَّا صَارُوا إِلَى مَنَازِلِهِم أَخبَرَ كُلُّ إِنسَانٍ مِنهُم أَهلَهُ، فَقَالُوا: قَد وَاللَّهِ وُلِدَ لِعَبدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ غُلَامٌ سَمَّوهُ مُحَمَّدًا، فَالتَقَى القَومُ فَقَالُوا: هَل سَمِعتُم حَدِيثَ اليَهُودِيِّ؟ وَهَل بَلَغَكُم مَولِدُ هَذَا الغُلَامِ؟ فَانطَلَقُوا حَتَّى جَاءُوا اليَهُودِيَّ فَأَخبَرُوهُ الخَبَرَ. قَالَ: فَاذهَبُوا مَعِيَ حَتَّى أَنظُرَ إِلَيهِ، فَخَرَجُوا بِهِ حَتَّى أَدخَلُوهُ عَلَى آمِنَةَ، فَقَالُوا: أَخرِجِي إِلَينَا ابنَكِ، فَأَخرَجَتهُ، وَكَشَفُوا لَهُ عَن ظَهرِهِ، فَرَأَى تِلكَ الشَّامَةَ، فَوَقَعَ اليَهُودِيُّ مَغشِيًّا عَلَيهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالُوا لَهُ: مَا لَكَ؟ وَيلَكَ! قَالَ: قَد ذَهَبَت وَاللَّهِ النُّبُوَّةُ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ، أَفَرِحتُم بِهَا يَا مَعشَرَ قُرَيشٍ؟ وَاللَّهِ لَيَسطُوَنَّ بِكُم سَطوَةً يَخرُجُ خَبَرُهَا مِنَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ.

وَرَوَى البَيهَقِيُّ وَأَبُو نُعَيمٍ عَن حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنِّي لَغُلَامٌ يَفَعَةٌ ابنُ سَبعِ سِنِينَ أَو ثَمَانِ سِنِينَ، أَعقِلُ مَا رَأَيتُ وَسَمِعتُ، إِذَا بِيَهُودِيٍّ فِي يَثرِبَ يَصرُخُ ذَاتَ غَدَاةٍ: يَا مَعشَرَ يَهُودَ. فَاجتَمَعُوا إِلَيهِ، وَأَنَا أَسمَعُ، فَقَالُوا: وَيلَكَ، مَا لَكَ؟ قَالَ: قَد طَلَعَ نَجمُ أَحمَدَ الَّذِي يُولَدُ بِهِ فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ.

وَرَوَى الحَافِظُ أَبُو نُعَيمٍ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ عَن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعتُ أَبِي مَالِكَ بنَ سِنَانٍ يَقُولُ: جِئتُ بَنِي عَبدِ الأَشهَلِ يَومًا لِأَتَحَدَّثَ فِيهِم، وَنَحنُ يَومئِذٌ فِي هُدنَةٍ مِنَ الحَربِ، فَسَمِعتُ يُوشَعَ اليَهُودِيَّ يَقُولُ: أَظَلَّ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُقَالَ لَهُ: أَحمَدُ، يَخرُجُ مِنَ الحَرَمِ. فَقَالَ لَهُ خَلِيفَةُ بنُ ثَعلَبَةَ الأَشهَلِيُّ كَالمُستَهزِئِ بِهِ: مَا صِفَتُهُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ لَيسَ بِالقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، فِي عَينَيهِ حُمرَةٌ، يَلبَسُ الشَّملَةَ، وَيَركَبُ الحِمَارِ، سَيفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَهَذَا البَلَدُ مُهَاجَرُهُ. قَالَ: فَرَجَعتُ إِلَى قَومِي بَنِي خُدرَةَ، وَأَنَا يَومَئِذٍ أَتَعَجَّبُ مِمَّا يَقُولُ يُوشَعُ، فَأَسمَعُ رَجُلًا مِنَّا يَقُولُ: وَيُوشَعُ يَقُولُ هَذَا وَحدَهُ؟! كُلُّ يَهُودَ يَثرِبَ يَقُولُونَ هَذَا، قَالَ أَبِي مَالِكُ بنُ سِنَانٍ: فَخَرَجتُ حَتَّى جِئتُ بَنِي قُرَيظَةَ، فَأَجِدُ جَمعًا، فَتَذَاكَرُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ الزُّبَيرُ بنُ بَاطَا: قَد طَلَعَ الكَوكَبُ الأَحمَرُ الَّذِي لَم يَطلُع إِلَّا لِخُرُوجِ نَبِيٍّ وَظُهُورِهِ، وَلَم يَبقَ أَحَدٌ إِلَّا أَحمَدُ، وَهَذَا مُهَاجَرُهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَخبَرَهُ أَبِي هَذَا الخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَو أَسلَمَ الزُّبَيرُ وَذَوُوهُ مِن رُؤَسَاءِ اليَهُودِ، إِنَّمَا هُم لَهُ تَبَعٌ».

وَرَوَى أَبُو نُعَيمٍ عَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ يَقُولُ: كَانَ أَحبَارُ يَهُودِ بَنِي قُرَيظَةَ وَالنَّضِيرِ يَذكُرُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا طَلَعَ الكَوكَبُ الأَحمَرُ أَخبَرُوا أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعدَهُ، وَاسمُهُ أَحمَدُ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى يَثرِبَ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أَنكَرُوا وَحَسَدُوا وَكَفَرُوا.

وَرَوَى أَبُو نُعَيمٍ عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قَالَ: قَالَ زَيدُ بنُ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ: قَالَ لِي حَبرٌ مِن أَحبَارِ الشَّامِ: قَد خَرَجَ فِي بَلَدِكَ نَبِيٌّ أَو هُوَ خَارِجٌ، قَد خَرَجَ نَجمُهُ، فَارجِع فَصَدِّقهُ وَاتَّبِعهُ.

ارتِجَاسُ إِيوَانِ كِسرَى وَسُقُوطُ الشُّرُفَاتِ وَخُمُودُ النِّيرَانِ وَرُؤيَا المُوبِذَانِ، وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ الدَّلَالَاتِ

رَوَى مَخزُومُ بنُ هَانِئٍ المَخزُومِيُّ عَن أَبِيهِ -وَأَتَت عَلَيهِ خَمسُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ- قَالَ: لَمَّا كَانَتِ اللَّيلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ارتَجَسَ (اضطَرَبَ وَتَحَرَّكَ حَرَكَةً سُمِعَ لَهَا صَوتٌ) إِيوَانُ كِسرَى، وَسَقَطَت مِنهُ أَربَعَ عَشرَةَ شُرفَةً، وَخَمَدَت نَارُ فَارِسَ، وَلَم تُخمَد قَبلَ ذَلِكَ بِأَلفِ عَامٍ، وَغَاضَت بُحَيرَةُ سَاوَةَ، وَرَأَى المُوبِذَانِ (قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: المُوبَذَانُ لِلمَجُوسِ كَقَاضِي القُضَاةِ لِلمُسلِمِينَ) إِبِلًا صِعَابًا تَقُودُ خَيلًا عِرَابًا، قَد قَطَعَت دِجلَةَ وَانتَشَرَت فِي بِلَادِهِم، فَلَمَّا أَصبَحَ كِسرَى أَفزَعَهُ ذَلِكَ، فَتَصَبَّرُ عَلَيهِ تَشَجُّعًا، ثُمَّ رَأَى أَنَّهُ لَا يَدَّخِرُ ذَلِكَ عَن مَرَازِبَتِهِ، فَجَمَعَهُم وَلَبِسَ تَاجَهُ وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيهِم، فَلَمَّا اجتَمَعُوا عِندَهُ قَالَ: أَتُدرُونَ فِيمَ بَعَثتُ إِلَيكُم؟ قَالُوا: لَا، إِلَّا أَن يُخبِرَنَا المَلِكُ، فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ إِذ وَرَدَ عَلَيهِم كِتَابٌ بِخُمُودِ النِّيرَانِ، فَازدَادَ غَمًّا إِلَى غَمِّهِ، ثُمَّ أَخبَرَهُم بِمَا رَأَى وَمَا هَالَهُ، فَقَالَ المُوبِذَانُ: وَأَنَا -أَصلَحَ اللَّهُ المَلِكَ- قَد رَأَيتُ فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ رُؤيَا، ثُمَّ قَصَّ عَلَيهِ رُؤيَاهُ فِي الإِبِلِ، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ يَكُونُ هَذَا يَا مُوبِذَانُ؟ قَالَ: حَدَثٌ يَكُونُ فِي نَاحِيَةِ العَرَبِ. وَكَانَ هَذَا وَقتَ وِلَادَتِهِ ﷺ.

أخلاق النبي ﷺ الحميدة | القدوة الكاملة في السيرة النبوية

أخلاق النبي ﷺ الحميدة: القدوة الكاملة في السيرة النبوية

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: مقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share