حنين الجذع لرسول الله ﷺ معجزة الحنانة

حادثة حنين الجذع - معجزة الحنانة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

سِيرَةُ النَّبِيِّ الأَعظَمِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَحوِي الكَثِيرَ مِنَ المَوَاقِفِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى حُبِّ أَصحَابِهِ لَهُ ﷺ وَاشتِيَاقِهِم إِلَيهِ إِذَا غَابُوا عَنهُ ﷺ، وَلَم يَقتَصِرِ الأَمرُ عَلَى ذَلِكَ، إِذ إِنَّهَا تَحوِي أَيضًا الكَثِيرَ مِنَ المَوَاقِفِ الَّتِي تُظهِرُ حَنِينَ وَاشتِيَاقَ الحَيَوَانَاتِ وَحَتَّى الجَمَادَاتِ إِلَى رَسُولِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَمِنَ هَذِهِ المَوَاقِفِ البَاهِرَةِ الَّتِي أَكرَمَ اللهُ تَعَالَى بِهَا سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ مُعجِزَةُ حَنِينِ الجِذعِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهِيَ مُعجِزَةٌ ثَابِتَةٌ خَبَرُهَا مُتَوَاتِرٌ يُفِيدُ العِلمَ القَطعِيَّ.

ذكر الحادثة

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جِذعٍ عِندَمَا كَانَ المَسجِدُ عَرِيشًا (أَي سَقفُهُ مِن جُذُوعِ النَّخلِ)، وَكَانَ يَخطُبُ إِلَى ذَلِكَ الجِذعِ.

فَقَالَ رَجُلٌ مِن أَصحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَل لَكَ أَن نَجعَلَ لَكَ مِنبَرًا تَقُومُ عَلَيهِ يَومَ الجُمُعَةِ وَتُسمِعُ النَّاسَ يَومَ الجُمُعَةِ خُطبَتَكَ؟
قَالَ: “نَعَم”. فَصَنَعَ لَهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ هِيَ اللَّاتِي عَلَى المِنبَرِ.

فَلَمَّا صُنِعَ المِنبَرُ وَوُضِعَ فِي مَوضِعِهِ كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَخَطَبَ عَلَى ذَلِكَ المِنبَرِ، خَارَ ذَلِكَ الجِذعَ الَّذِي كَانَ يَخطُبُ مُتَّكِئًا عَلَيهِ (صَدَرَ مِنهُ صَوتُ الخُوَارِ) وَحَنَّ حَتَّى تَصَدَّعَ وَانشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا سَمِعَ صَوتَ الجِذعِ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى المِنبَرِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “لَو لَم أَحتَضِنهُ لَحَنَّ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ”.

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في رواية عند السيوطي: “سُبحَانَ اللهِ أَلَا تَرَونَ إِلَى هَذِهِ الخَشَبَةِ؟” قَالَ ﷺ: “لَا تَلُومُوهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَا يُفَارِقُ شَيئًا إِلَّا وَجَدَ” (أَي أَصَابَهُ الوَجدُ وَالحَنِينُ).

وَفِي رِوَايَةٍ عند البيهقي: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ حَنِينِ هَذِهِ الْخَشَبَةِ”، فَأَقبَلَ النَّاسُ عَلَيهَا فَرَقُّوا مِن حَنِينِهَا حَتَّى كَثُرَ بُكَاؤُهُم.

وَفِي رِوَايَةٍ عند أبي نعيم قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “إِن شِئتَ دَعَوتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَأَدخَلَكَ الجَنَّةَ فَأَثمَرتَ فِيهَا فَأَكَلَ مِن ثِمَارِكَ أَولِيَاءُ اللهِ المُتَّقُونَ وَأَنبِيَاؤُهُ المُرسَلُونَ”، وَفِي رِوَايَةٍ عند أبي نعيم أيضا: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “اسكُن إِن تَشَأ أَغرِسكَ فِي الجَنَّةِ فَيَأكُلُ مِنكَ الصَّالِحُونَ وَإِن تَشَأ أَن أَغرِسَكَ رَطبًا كَمَا كُنتَ”، فَاخْتَارَ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهَا فَدُفِنَتْ تَحْتَ مِنْبَرِهِ أَوْ جُعِلَتْ فِي السَّقْفِ.

قَالَ أَنَسُ فيما رواه البيهقي: فَحَنَّت إِلَيهِ الخَشَبَةُ حَنِينَ الوَالِهِ (أَيِ المُحِبِّ) وَأَنَا فِي المَسجِدِ أَسمَعُ ذَلِكَ، فَوَاللهِ مَا زَالَت تَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المِنبَرِ فَمَشَى إِلَيهَا فَاحتَضَنَهَا فَسَكَنَت.

رَوَى هَذِهِ الحَادِثَةَ البُخَارِيُّ وَالبَيهَقِيُّ وَالإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَغَيرُهُم عَنِ الطُّفَيلِ بنِ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ عَن أَبِيهِ وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ وَعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَن أَبِيهِ وَغَيرِهِم، رَضِيَ اللهُ عَنهُم.

الخاتمة

لَمَّا حَدَّثَ الحَسَنُ البِصرِيُّ وهو من التابعين بِهَذَا الحَدِيثِ، بَكَى وَقَالَ: يَا مَعشَرَ المُسلِمِينَ، الخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَوقًا إِلَيهِ، أَفَلَيسَ الرِّجَالُ الَّذِينَ يَرجُونَ لِقَاءَهُ أَحَقَّ أَن يَشتَاقُوا إِلَيهِ.

فَهُوَ ﷺ الحَرِيُّ بِأَن تَنبَعِثَ مَحَبَّةُ القُلُوبِ وَمَيلُ النُّفُوسِ لَهُ ﷺ فِي كُلِّ لَحظَةٍ وَفِي كُلِّ تَقَلُّبَاتِ حَيَاتِنَا، فَهُوَ الَّذِي عَلَّمَنَا شَتَّى أَنوَاعِ العُلُومِ وَالمَعَارِفِ، فَنَحنُ نَقرَأُ حَدِيثَهُ فَنَهتَدِي بِهَديِهِ وَسُنَّتِهِ ﷺ وَنَتَعَلَّمُ مِنهُ حُسنَ الخُلُقِ وَحُسنَ التَّعَامُلِ مَعَ النَّاسِ، بَل إِنَّنَا نَتَعَلَّمُ مِنهُ الرِّفقَ بِالحَيَوَانَاتِ وَحَتَّى الجَمَادَاتِ كَمَا فِي هَذِهِ الحَادِثَةِ، فَقَد رَفَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الجِذعِ اليَابِسِ، فَكَيفَ بِالإِنسَانِ الَّذِي لَهُ مَشَاعِرٌ وَأَحَاسِيسُ، فَالنَّبِيُّ ﷺ أَرفَقُ بِنَا عَلَى أَنفُسِنَا مِنَّا، فَحَرِيٌّ بِنَا أَن تَزدَادَ مَحَبَّتُنَا لَهُ ﷺ بِسَمَاعِنَا مِثلَ هَذِهِ الحَوَادِثِ العَظِيمَةِ.

قَالَ البَيهَقِيُّ بَعدَ ذِكرِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ حَنِينِ الجِذعِ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرنَاهَا فِي أَمرِ الحَنَّانَةِ (أَيِ الجِذعِ الَّذِي حَنَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ) كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، وَأَمرُ الحَنَّانَةِ مِنَ الأُمُورِ الظَّاهِرَةِ وَالأَعلَامِ النَّيِّرَةِ الَّتِي أَخَذَهَا الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، وَالحَمدُ للهِ عَلَى الإِسلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَبِهِ العِيَاذُ وَالعِصمَةُ.

وَلَقَد أَحسَنَ مَن قَالَ:

وَأَلقَى لَهُ الرَّحمَنُ فِي الجُمدِ حُبَّهُ
فَكَانَت لِإِهدَاءِ السَّلَامِ لَهُ تُهدَا

وَفَارَقَ جِذعًا كَانَ يَخطُبُ عِندَهُ
فَأَنَّ أَنِينَ الأُمِّ إِذ تَجِدُ الفَقدَا

يَحِنُّ إِلَيهِ الجِذعُ يَا قَومُ هَكَذَا
وَنَحنُ أَولَى أَن نَحِنَّ لَهُ وَجدَا

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَعلُومَاتُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  2. مُسنَدِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ.
  3. دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلبَيهَقِيِّ.
  4. دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِأَبِيْ نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ.
  5. الْخَصَائِصُ الْكُبْرَىْ لِلسُّيُوْطِيِّ.
معاصي البطن - قال رسول الله ﷺ: ما ملأ ابن ءادم وعاء شرا من بطنه

معاصي البطن

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: مقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share