أخلاق النبي ﷺ الحميدة: القدوة الكاملة في السيرة النبوية

أخلاق النبي ﷺ الحميدة | القدوة الكاملة في السيرة النبوية

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

مقدمة

الأَخلَاقُ الحَمِيدَةُ هِيَ مِن أَعظَمِ مَا يُمَيِّزُ الإِنسَانَ، وَهِيَ غَالِبًا المِقيَاسُ الحَقِيقِيُّ لِلفَضِيلَةِ وَالكَمَالِ، فَالأَخلَاقُ الحَمِيدَةُ وَالآدَابُ الشَّرِيفَةُ خِصَالٌ اتَّفَقَ عَلَى فَضلِهَا العُقَلَاءُ غَالِبًا، وَتُعَدُّ مَصدَرًا عَظِيمًا لِلسَّعَادَةِ الدَّائِمَةِ لِمَن يَتَحَلَّى بِهَا.

وَقَد أَثنَى الشَّرعُ عَلَى كُلِّ هَذِهِ الفَضَائِلِ وَأَمَرَ بِهَا، وَوَعَدَ المُتَخَلِّقَ بِهَا بِالنَّجَاحِ وَالفَلَاحِ، وَاعتَبَرَهَا مِن صِفَاتِ الأَنبِيَاءِ، وَقَد أَظهَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَسمَى دَرَجَاتِ هَذِهِ الأَخلَاقِ مُنذُ صِغَرِهِ، فَهِيَ لَم تَكُن مُكتَسَبَةً فَقَط، بَل كَانَت فِي طَبعِهِ، خَلَقَهَا اللهُ تَعَالَى فِيهِ، مِمَّا جَعَلَهُ مِثَالًا يُحتَذَى بِهِ لِكُلِّ البَشَرِيَّةِ.

وَفِي هَذَا المَقَالِ، نَستَعرِضُ أَبرَزَ هَذِهِ الأَخلَاقِ وَكَيفَ تَجَلَّت فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي حَيَاةِ إِخوَانِهِ الأَنبِيَاءِ، لِنَستَفِيدَ مِنهَا فِي تَربِيَةِ أَنفُسِنَا وَأَجيَالِنَا عَلَى الفَضِيلَةِ وَالِاعتِدَالِ.

النبي ﷺ مثال الكمال في الأخلاق الحميدة

لَقَد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِثَالِيًّا فِي الصِّفَاتِ الكَرِيمَةِ، حَتَّى وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى فِي القُرآنِ الكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، [سُورَةُ القَلَمِ:4].

وَقَد قَالَ ﷺ عَن نَفسِهِ: «بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخلَاقِ»، رَوَاهُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ.

وَقَالَت السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي وَصفِ عَظِيمِ خُلُقِهِ ﷺ: «كَانَ خُلُقُهُ القُرآنَ، يَرضَى بِرِضَاهُ وَيَسخَطُ بِسَخَطِهِ»، رَوَاهُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ.

وَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ: «خَدَمتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشرَ سِنِينَ»، وَفِي لَفظٍ: «إِحدَى عَشرَةَ سَنَةً، وَأَنَا ابنُ ثَمَانِ سِنِينَ، فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، وَاللهِ مَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَلَا لِشَيءٍ صَنَعتُهُ: لِمَ صَنَعتَ هَذَا هَكَذَا، وَلَا لِشَيءٍ لَم أَصنَعهُ: لِمَ لَم تَصنَع هَذَا هَكَذَا، وَلَا لِشَيءٍ صَنَعتُهُ: أَسَأتَ صَنعَتَهُ أَو لَبِئسَ مَا صَنَعتَ، وَلَا عَابَ عَلَيَّ شَيئًا قَطُّ، وَلَا أَمَرَنِي بِأَمرٍ فَتَوَانَيتُ عَنهُ، أَو ضَيَّعتُهُ فَلَامَنِي، وَلَا لَامَنِي أَحَدٌ مِن أَهلِهِ إِلَّا قَالَ: «دَعُوهُ، فَلَو قُدِّرَ» أَو قَالَ: «قُضِيَ أَن يَكُونَ كَانَ»، وَأَرسَلَنِي فِي حَاجَةٍ يَومًا فَقُلتُ: وَاللهِ لَا أَذهَبُ، وَفِي نَفسِي أَن أَذهَبَ لَمَّا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَخَرَجتُ عَلَى صِبيَانٍ وَهُم يَلعَبُونَ فِي السُّوقِ، وَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَد قَبَضَ بِقَفَايَ (أَي عَلَى ظَهرِهِ مِنَ الخَلفِ) مِن وَرَائِي، فَنَظَرتُ إِلَيهِ وَهُوَ يَضحَكُ، فَقَالَ: «يَا أَنَسُ، اذهَب حَيثُ أَمَرتُكَ» فَقُلتُ لَهُ: أَنَا أَذهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ» رَوَاهُ الشَّيخَانِ.

لين جانب النبي ﷺ مع أصحابه

عَن عُثمَانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَنَّهُ كَانَ يَخطُبُ فَقَالَ: «أَمَا وَاللهِ قَد صَحِبنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، وَكَانَ يَعُودُ مَرضَانَا، وَيُشَيِّعُ جَنَائِزَنَا، وَيَغدُو مَعَنَا، وَيُوَاسِينَا بِالقَلِيلِ وَالكَثِيرِ» رَوَاهُ أَبُو يَعلَى.

وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا قَالَت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَينَ أَمرَينِ إِلَّا اختَارَ أَيسَرَهُمَا مَا لَم يَكُن إِثمًا، فَإِن كَانَ إِثمًا كَانَ أَبعَدَ النَّاسِ مِنهُ، وَمَا انتَقَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفسِهِ مِن شَيءٍ قَطُّ، إِلَّا أَن تُنتَهَكَ حُرمَةُ اللهِ تَعَالَى»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَت: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيئًا بِيَدِهِ، وَلَا ضَرَبَ مَولًى لَهُ، إِلَّا أَن يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، وَمَا نِيلَ مِنهُ شَيءٌ فَيَنتَقِمُ مِن صَاحِبِهِ، إِلَّا أَن يُنتَهَكَ شَيءٌ مِن مَحَارِمِ اللهِ فَيَنتَقِمَ للهِ تَعَالَى»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

قَالَ جَرِيرُ بنُ عَبدِ الله: «مَا حَجَبَنِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطُّ مُنذُ أَسلَمتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ، وَكَانَ يُمَازِحُ أَصحَابَهُ وَيُخَالِطُهُم وَيُحَادِثُهُم، وَيُدَاعِبُ صِبيَانَهُم وَيُجلِسُهُم فِي حِجرِهِ، وَيُجِيبُ دَعوَةَ الحُرِّ وَالعَبدِ وَالأَمَةِ وَالمِسكِينِ، وَيَعودُ المَرضَى فِي أَقصَى المَدِينَةِ، وَيَقبَلُ عُذرَ المُعتَذِرِ»، رَوَى بَعضَهُ التِّرمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ.

وَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ: «مَا التَقَمَ أَحَدٌ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أي مَا حَدَّثَهُ أَحَدٌ عندَ أُذُنِهِ) فَيُنَحِّي رَأسَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي ينحى رَأسَهُ، وَمَا أَخَذَ أحَدٌ بِيَدِهِ فَيُرسِلُ يَدَهُ حَتَّى يُرسِلَهَا الآخِذُ، وَلَم يُرَ مُقَدِّمًا رُكبَتَيهِ بَينَ يَدَي جَلِيسٍ لَهُ، وَكَانَ يَبدَأُ مَن لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ، وَيَبدَأُ أَصحَابَهُ بِالمُصَافَحَةِ، لَم يُرَ قَطُّ مَادًّا رِجلَيهِ بَينَ أَصحَابِهِ حَتَّى يُضَيِّقَ بِهِمَا عَلَى أَحَدٍ، يُكرِمُ مِن يَدخُلُ عَلَيهِ وَرُبَّمَا بَسَطَ لَهُ ثَوبَهُ، وَيُؤثِرُهُ بِالوِسَادَةِ الَّتِي تَحتَهُ وَيَعزِمُ عَلَيهِ فِي الجُلُوسِ عَلَيهَا إِن أَبَى، ويُكَنِّي أَصحَابَهُ وَيَدعُوهُم بِأَحَبِّ أَسمَائِهِم تَكرِمَةً لَهُم، وَلَا يَقطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَتَجَوَّزَ فَيَقطَعَهُ بِنَهيٍ أَو قِيَامٍ» وَيُروَى: «بِانتِهَاءٍ أَو قِيَامٍ»، رَوَاهُ القَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَا.

وَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَيضًا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: «يَا أَبَا عُمَيرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيرُ؟»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَالنُّغَيرُ طَائِرٌ كَانَ لِهَذَا الوَلَدِ الصَّغِيرِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ يُلَاطِفُهُ وَيَسأَلُ عَن طَائِرِهِ.

تواضعه ﷺ مع رفعة شأنه وقدره

عَلَى الرَّغمِ من رِفعَةِ مَنصِبِهِ وَسُمُوِّ مَكَانَتِهِ ﷺ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ أَبعَدَ النَّاسِ عَنِ الكِبرِ وَأَشَدَّهُم تَوَاضُعًا ﷺ، وَحَسبُكَ أَنَّهُ خُيِّرَ بَينَ أَن يَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا أَو نَبِيًّا عَبدًا (أَي عَبدًا للهِ) فَاختَارَ أَن يَكُونَ نَبِيًّا عَبدًا، فَقَالَ لَهُ إِسرَافِيلُ عِندَ ذَلِكَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَد أَعطَاكَ بِمَا تَوَاضَعتَ لَهُ أَنَّكَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَن تَنشَقُّ الأَرضُ عَنهُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ.

وعَن أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوكِّئًا عَلَى عَصًا فَقُمنَا لَهُ فَقَالَ: «لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعضُهُم بَعضًا»، وَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا عَبدٌ (أَي للهِ) آكُلُ كَمَا يَأكُلُ العَبدُ وَأَجلِسُ كَمَا يجلِسُ العَبدُ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. 

فَكَانَ ﷺ مِن تَوَاضُعِهِ يَركَبُ الحِمَارَ وَيُردِفُ خَلفَهُ، ويَعُودُ المَسَاكِينَ وَيُجَالِسُ الفُقَرَاءَ، ويُجِيبُ دَعوَةَ العَبدِ، وَيَجلِسُ بَينَ أَصحَابِهِ مُختَلِطًا بِهِم، حَيثُمَا انتَهَى بِهِ المَجِلِسُ جَلَسَ.

وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ عَنهُ ﷺ: «لَا تُطرُونِي كَمَا أطرَتِ النَّصَارَى ابنَ مَريَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبدٌ (أَي للهِ) فَقُولُوا عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وكَانَ يَخصِفُ نَعلَهُ، وَيَرقَعُ ثَوبَهُ، وَيَحلِبُ شَاتَهُ، وَيَخدِمُ أَهلَهُ وَنَفسَهُ، وَيَقُمُّ البَيتَ (أَي يَكنُسُهُ)، وَيَعقِلُ البَعِيِرَ (أَي يَربِطُهُ)، ويَعلِفُ نَاضِحَهُ (أَي يُطعِمُ دَابَّتَهُ بِنَفسِهِ)، وَيَأكُلُ مَعَ الخَادِمِ وَيَعجِنُ مَعَه، وَيَحمِلُ بَضَاعَتَهُ مِنَ السُّوقِ. 

وَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَيضًا قَالَ: «كَانَتِ الأَمَةُ» أَيِ البِنتُ الصَّغِيرَةُ، زَادَ البُخَارِيُّ: «وَالعَبدُ لَتَأخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَمَا يَنزِعُ يَدَهُ مِن يَدِهَا حَتَّى تَذهَبَ بِهِ حَيثُ شَاءَت، وَيُجِيبُ إِذَا دُعِيَ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

حسن تعليمه ﷺ لأصحابه 

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ خَيرَ مُعَلِّمٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَعَن مُعَاوِيَةَ بنِ الحَكَمِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ: بَينَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ إِذ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ، فَقُلتُ: يَرحَمُكَ اللهُ، فَحَدَّقَنِي القَومُ بِأَبصَارِهِم، قَالَ: فَقُلتُ: يَرحَمُكَ اللهُ، فَحَدَّقَنِي القَومُ بِأَبصَارِهِم، قَالَ: قُلتُ: وَاثُكلَ أُمَّاهُ، مَا لَهُم يَنظُرُونَ إِلَيَّ، قَالَ: فَضَرَبَ القَومُ بِأَيدِيهِم عَلَى أَفخَاذِهِم، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيتُهُم يُسَكِّتُونِي سَكَتُّ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن صَلَاتِهِ دَعَانِي، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبلَهُ وَلَا بَعدَهُ أَحسَنَ تَعلِيمًا مِنهُ، وَاللهِ مَا ضَرَبَنِي، وَلَا سَبَّنِي، وَلَا نَهَرَنِي، وَلَكِن قَالَ: «إِنَّ صَلَاتَكَ هَذِهِ لَا يَصلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِن كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسبِيحُ وَالتَّكبِيرُ وَتِلَاوَةُ القُرآنِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَنَّ أَعرَابِيًّا دَخَلَ المَسجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ، فَصَلَّى رَكعَتَينِ، ثُمَّ لَم يَلبَث أَن بَالَ فِي نَاحِيَةِ المَسجِدِ، فَأَسرَعَ النَّاسُ إِلَيهِ (أَي لِضَربِهِ)، فَنَهَاهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: «إِنَّمَا بُعِثتُم مُيَسِّرِينَ، وَلَم تُبعَثُوا مُعَسِّرِينَ، عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا»،  فَقَالَ الأَعرَابِيُّ بَعدَ أَن فَقِهَ: فَقَامَ إِلَيَّ بِأَبِي وَأُمِّي ﷺ فَلَم يُؤَنِّب فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا المَسجِدَ لَا يُبَالُ فِيهِ، إِنَّمَا بُنِيَ لِذِكرِ اللهِ تَعَالَى وَلِلصَّلَاةِ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

إغضاء النبي ﷺ عمن أساء إليه

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِن أَكرَمِ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ يَعفُو عِندَ المَقدِرَةِ، وَهَذَا مَشهُورٌ عَنهُ فِي فَتحِ مَكَّةَ وَغَيرِهَا مِنَ المَوَاقِفِ، فَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ: «كُنتُ أَمشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيهِ بُردٌ نَجرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدرَكَهُ أَعرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبذَةً شَدِيدَةً»، قَالَ أَنَسٌ: «حَتَّى نَظَرتُ إِلَى صَفحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَثَّرَت بِهَا حَاشِيَةُ الثَّوبِ مِن شِدَّةِ جَبذَتِهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُر لِي مِن مَالِ اللهِ الَّذِي عِندَكَ، فَالتَفَتَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَضَحِكَ وَأَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» رَوَاهُ الشَّيخَانِ.

رأفة النبي ﷺ ورحمته وشفقته

جَاءَت سِيرَةُ النَّبِيِّ ﷺ حَافِلَةً بِمَظَاهِرِ الشَّفَقَةِ وَالرَّأفَةِ وَالرَّحمَةِ، فَقَد جَعَلَهُ اللهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، وَزَيَّنَ خُلُقَهُ بِالرِّفقِ وَاللِّينِ، لِتَبقَى سِيرَتُهُ قُدوَةً لِلمُؤمِنِينَ فِي مُعَامَلَةِ النَّاسِ جَمِيعًا.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، [سُورَةُ التَّوبَةِ:128]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلَّا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ﴾، [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ:107]. وَقَالَ بَعضُهُم: مِن فَضلِهِ ﷺ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعطَاهُ اسمَينِ مِن أَسمَائِهِ فَقَالَ: ﴿بِالمُؤمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، [سُورَةُ التَّوبَةِ:128].

وَعَن أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ الطُّفَيلُ بنُ عَمرٍو الدَّوسِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعدَ أَن دَعَا قَومَهُ إِلَى الإِسلَامِ زَمَانًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ دَوسًا قَد عَصَت وَأَبَت، فَادعُ اللهَ تَعَالَى عَلَيهِم، فَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَلَكُوا اليَومَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهم اهدِ دَوسًا وَأتِ بِهِم جَمِيعًا»، ثَلَاثًا، فَهَدَاهُمُ اللهُ وَأَسلَمُوا، رَوَاهُ الشَّيخَانِ.

وَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا فَقَدَ رَجُلًا مِن أَصحَابِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ سَأَلَ عَنهُ، فَإِن كَانَ غَائِبًا دَعَا لَهُ، وَإِن كَانَ شَاهِدًا زَارَهُ، وَإِن كَانَ مَرِيضًا عَادَهُ».

وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا قَالَت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الرِّفقَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا» رَوَاهُ الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ فِي الرِّوَايَةِ.

وَعَن قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ: «طَهَّّرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ مِنَ الفَظَاظَةِ وَالغِلظَةِ، وَجَعَلَهُ قَرِيبًا، رَؤُوفًا بِالمُؤمِنِينَ رَحِيمًا»، نَقَلَهُ عَنهُ ابنُ المُنذِرِ فِي تَفسِيرِهِ.

رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجلِسُ إِلَيهِ أَحَدٌ وَهُوَ يُصَلِّي إِلَّا خَفَّفَ صَلَاتَهُ وَسَأَلَهُ عَن حَاجَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ عَادَ إِلَى صَلَاتِهِ، وَكَانَ أَكثَرَ النَّاسِ تَبَسُّمًا، وَأَطيَبَهم نَفسًا مَا لَم يَنزِل عَلَيهِ قُرآنٌ أَو يَعِظ أَو يَخطُب، وَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ الحَارِثِ: مَا رَأَيتُ أَحَدًا أَكثَرَ تَبَسُّمًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَن أَنَسٍ: كَانَ خَدَمُ المَدِينَةِ يَأتُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الغَدَاةَ بِآنِيَتِهِم فِيهَا المَاءُ، فَمَا يُؤتَى بِآنِيَةٍ إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الغَدَاةِ البَارِدَةِ، يُرِيدُونَ بِهِ التَّبَرُّكَ.

وَكَانَ ﷺ يَسمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِهِ رَحمَةً بِأُمِّهِ، ومِن شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ ﷺ تَخفِيفُهُ وَتَسهِيلُهُ عَلَيهِم كَرَاهَتُهُ أَشيَاءَ مَخَافَةَ أَن تُفَرَضَ عَلَيهِم، كَقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَولَا أَن أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرتُهُم بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَنَهيُهُم عَنِ الوِصَالِ، وَكَرَاهَتُهُ دُخُولَ الكَعبَةِ لِئَلَّا تَتَعَنَّتَ أُمَّتُهُ.

وَمِن شَفَقَتِهِ ﷺ أَن دَعَا رَبَّهُ وَعَاهَدَهُ فَقَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ سَبَبتُهُ أَو لعَنتُهُ (أَي بِحَقٍّ) فَاجعَل ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً وَرَحمَةً وَصَلَاةً وطَهُورًا وَقُربَةً تُقَرِّبَهُ بِهَا إِلَيكَ يَومَ القِيَامَةِ»، رَوَاهُ الشَّيخَانِ، فَلَم يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَسُبُّ أَو يَلعَنُ إِلَّا بِحَقٍّ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَرجُو مِنَ اللهِ أَن يَكُونَ ذَلِكَ تَطهِيرًا لَهُم.

وَلَمَّا كَذَّبَهُ قَومُهُ أَتَاهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَد سَمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيكَ، وَقَد أَمَرَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأمُرَهُ بِمَا شِئتَ فِيهِم، فَنَادَاهُ مَلَكُ الجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَقَالَ: مُرنِي بِمَا شِئتَ، إن شِئتَ أَن أُطبِقَ عَلَيهِمُ الأَخشَبَينِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَل أَرجُو أَن يُخرِجَ اللَّهُ مِن أَصلَابِهِم مَن يَعبُدُ اللَّهَ وَحدَهُ وَلَا يُشرِكُ بِهِ شَيئًا»، رَوَاهُ الشَّيخَانِ.

وقَالَ ابنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا (أَي يَتَعَهَّدُنَا) بِالمَوعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا»، رَوَاهُ الشَّيخَانِ، أَي كَانَ يُرَاعِي أَن لَا يَمَلُّو مِن مَوعِظَتِهِ فَلَا يُكثِرُ عَلَيهِم مِنهَا.

وَقَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَ أَمرَينَ إِلَّا اختَارَ أَيسَرَهُمَا»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

جود النبي ﷺ وكرمه

يُعَدُّ الجُودُ وَالكَرَمُ وَالسَّخَاءُ وَالسَّمَاحَةُ مِن أَبرَزِ أَخلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُبَارَى فِي الجُودِ وَالكَرَمِ، وَهِيَ مَعَانٍ مُتَقَارِبَةٌ تَتَدَاخَلُ فِي مَعَانِيهَا، وَفَرَّقَ بَعضُ العُلَمَاءِ بَينَهَا بِفُرُوقٍ دَقِيقَةٍ، وَقَد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَوصُوفًا بِهَا جَمِيعًا.

فَإِنَّهُ ﷺ مَا سُئِلَ عَن شَيءٍ إِلَّا أَعطَى، حَتَّى قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجوَدَ النَّاسِ بِالخَيرِ، وَأَجوَدُ مَا كَانَ فِي شَهرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ أَجوَدَ بِالخَيرِ مِنَ الرِّيحِ المُرسَلَةِ»، رَوَاهُ الشَّيخَانِ.

وَعَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن شَيءٍ فَقَالَ لَا»، رَوَاهُ الشَّيخَانِ.

وَقَالَ أَنَسٌ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيئًا لِلغَدِ» رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.

وَكَانَ كَرَمُهُ ﷺ سَبَبًا فِي تَألِيفِ قُلُوبِ النَّاسِ لِلإِسلَامِ، فَقَدرَوَى ابنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي غَزوَةِ حُنَينٍ أَعطَى صَفوَانَ بنَ أُمَيَّةَ مِائَةً مِنَ النَّعَمِ، ثُمَّ مِائَةً، ثُمَّ مِائَةً. فَقَالَ صَفوَانُ: «وَاللَّهِ لَقَد أَعطَانِي مَا أَعطَانِي وَإِنَّهُ لَأَبغَضُ الخَلقِ إِلَيَّ، فَمَا زَالَ يُعطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ الخَلقِ إِلَيَّ»، رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ، أَي عِندَمَا كَانَ عَلَى الكُفرِ كَانَ يُبغِضُ النَّبِيَّ ﷺ، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بِحُسنِ خُلُقِهِ وَبِكَرَمِهِ أَلَّفَ قَلبَهُ.

وَقَد رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ رَدَّ عَلَى قَبَائِلِ هَوَازِنَ سَبَايَاهَا بِسَخَاءٍ وَكَرَمٍ فَاقَ المَألُوفَ، وَقَد كَانَت هَذِهِ السَّبَايَا سِتَّةَ آلَافِ سَبِيَّةٍ.

وَعَن أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَأَعطَاهُ غَنَمًا بَينَ جَبَلَينِ، فَرَجَعَ إِلَى قَومِهِ وَقَالَ: أَسلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعطِي عَطَاءَ مَن لَا يَخشَى فَاقَةً، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَقَد أَعطَى النَّبِيُّ ﷺ أَكثَرَ مِن مَرَّةٍ أَكثَرَ مِن شَخصٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعطَى العَبَّاسَ مِنَ الذَّهَبِ مَا لَم يُطِق حَملَهُ، وَحُمِلَ إليه تِسعُونَ أَلفَ دِرهَمٍ فَوُضِعَت عَلَى حَصِيرٍ ثُمَّ قَامَ إِلَيهَا فَقَسَمَهَا وَمَا رَدَّ سَائِلًا حَتَّى فَرَغَ مِنهَا، ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «مَا عِندِي شَيءٌ، وَلَكِنِ ابتَع عَلَيَّ فَإِذَا جَاءَنَا شَيءٌ قَضَينَاهُ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مالا تَقدِرُ عَلَيهِ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنفِق وَلَا تخشَ مِن ذِي العَرشِ إِقلَالًا، فَتَبَسَّمَ ﷺ وَعُرِفَ البِشرُ فِي وَجهِهِ، وَقَالَ: «بِهَذَا أُمِرتُ»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ. 

وَقَد ذُكِرَ عَن مُعَوِّذِ بنِ عَفرَاءَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِشَيءٍ قَلِيلٍ مِنَ الطَّعَامِ، فَأَعطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِلءَ كَفِّهِ مِنَ الحُلِيِّ وَالذَّهَبِ.

وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَسأَلُ النَّبِيَّ ﷺ، فَاستَلَفَ لَهُ نِصفَ وَسقٍ، فَلَمَّا جَاءَ يَقضِيهِ أَعطَاهُ وَسقًا وَقَالَ: نِصفُهُ قَضَاءٌ وَنِصفُهُ نَائِلٌ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَرَمِهِ وَسَخَائِهِ، حَتَّى صَارَ قُدوَةً لِلأُمَّةِ فِي الجُودِ وَالعَطَاءِ.

حياؤه ﷺ 

إِنَّ خُلُقَ الحَيَاءِ وَالإِغضَاءِ مَلَكَ قُلُوبَ المُؤمِنِينَ حِينَ تَجَلَّى فِي شَخصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً، وَأَكثَرَهُم عَنِ عَورَاتِ النَّاسِ إِغضَاءً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ذَلِكُم كَانَ يُؤذِي النَّبِيَّ فَيَستَحيِي مِنكُم﴾، [سُورَةُ الأَحزَابِ:53].

قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذرَاءِ فِي خِدرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيئًا عَرَفنَاهُ فِي وَجهِهِ» رَوَاهُ الشَّيخَانِ.

وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا قَالَت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا بَلَغَهُ عَن أَحَدٍ ما يَكرَهُهُ لَم يَقُل مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ كَذَا، وَلَكِن يَقُولُ مَا بَالُ أَقوَامٍ يَصنَعُونَ أَو يَقُولُونَ كَذَا، يَنهَى عَنهُ وَلَا يُسَمِّي فَاعِلَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَكَانَ ﷺ لَا يُوَاجِهُ أَحَدًا بِمَا يَكرَهُهُ حَيَاءً وَكَرَمَ نَفسٍ.

وَقَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا: «لَم يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَحَّاشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا (أَي مَا كَانَ بِطَبعِهِ يَمِيلُ إِلَى الفُحشُ وَلَا كَانَ يَحمِلُ نَفسَهُ عَلَى التَّفَحُّشِ) وَلَا سَخَّابًا فِي الأَسوَاقِ (أَي وَلَا كَثِيرَ الكَلَامِ فِي الأَسوَاقِ) وَلَا يَجزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيّئَةَ، وَلَكِن يَعفُو وَيَصفَحُ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وكَانَ مِن حَيَائِهِ ﷺ لَا يُثبِتُ بَصَرَهُ فِي وَجهِ أَحَدٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يُكَنِّي عَمَّا اضطَرَّهُ الكَلَامُ إِلَيهِ مِمَّا يَكرَهُ. 

حسن عشرته ﷺ مع الناس

كَانَ مِمَّا جَمَعَ الصَّحَابَةَ حَولَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَرَّبَ لَهُ البَعِيدَ وَأَلَانَ لَهُ قُلُوبَ أَعدَائِهِ هُوَ حُسنُ عِشرَتِهِ ﷺ لِأَصحَابِهِ، فَقَد قِيلَ فِي وَصفِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَن رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَن خَالَطَهُ أَحَبَّهُ.

وقال الله تعالى في وصفه ﷺ: ﴿وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلبِ لَانفَضُّوا مِن حَولِكَ﴾، [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:159].

وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ فِي وَصفِ النَّبِيِّ ﷺ: «كَانَ أوسَعَ النَّاسِ صَدرًا، وَأَصدَقَ النَّاسِ لَهجَةً، وَأَليَنَهُم عَرِيكَةً (أي طَبِيعَةً)، وَأَكرَمَهُم عِشرَةً»، رَوَاهُ القَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَا. 

وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُؤَلِّفُ النَّاسَ وَلَا يُنَفِّرُهُم، وَيُكرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَومٍ، وَيُوَلِّيهِ عَلَيهِم، وَيَحذَرُ النَّاسَ وَيَحتَرِسُ مِنهُم مِن غَيرِ أن يَطوِيَ عَن أَحَدٍ مِنهُم بِشرَهُ وَلَا خُلُقَهُ، يَتَعَهَّدُ أَصحَابَهُ، وَيُعطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ نَصِيبَهُ، لَا يَحسَبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكرَمُ عَلَيهِ مِنهُ، مَن جَالَسَهُ أَو قَارَبَهُ لِحَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ المُنصَرِفَ عَنهُ، وَمَن سَأَلَهُ حَاجَةً لَم يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا أَو بِمَيسُورٍ مِنَ القَولِ، قَد وَسِعَ النَّاسَ بَسطُهُ وَخُلُقُهُ.

وَوَصَفَهُ ابنُ أَبِي هَالَةَ قَالَ: «كَانَ دَائِمَ البِشرِ، سَهلَ الخُلُقِ، لَيِّن الجَانِبِ، لَيسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ (لَا يُكثِرُ الكَلَامَ فِي الأَسوَاقِ) وَلَا فَحَّاشٍ (لَا يَتَكَلَّمُ بِالكَلَامِ الفَاحِشِ) وَلَا عَيَّابٍ (أَي لَا يَتَتَبَّعُ العُيُوبَ) وَلَا مَدَّاحٍ (لَا يُبَالِغُ فِي المَدحِ) يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يَشتَهِي وَلَا يُؤيَسُ مِنهُ».

وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: «خَدَمتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيءٍ صَنَعتُهُ: لِمَ صَنَعتَهُ، وَلَا لِشَيءٍ تَرَكتُهُ: لَم تَرَكتَهُ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ.

زهده ﷺ في الدنيا

إِنَّ سِيرَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّوَاضُعِ وَالزُّهدِ نَبرَاسٌ يُضِيءُ طَرِيقَ المُؤمِنِينَ، وَمِعيَارٌ لِمَن أَرَادَ القُربَ مِنَ اللَّهِ. فَبِتَوَاضُعِهِ عَلَى رِفعَةِ قَدرِهِ، وَزُهدِهِ عَلَى سَعَةِ مَا فُتِحَ عَلَيهِ، أَثبَتَ أَنَّ العِظَمَةَ الحَقِيقِيَّةَ فِي التَّجَرُّدِ لِلَّهِ وَالإِعرَاضِ عَن حُطَامِ الدُّنيَا.

فَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا قَالَت: «مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِن خُبزِ شَعِيرٍ يَومَينِ مُتَوَالِيَينِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ»، وَقَالَت: «وَلَو شَاءَ لَأَعطَاهُ اللَّهُ مَا لا يَخطُرُ بِبَالٍ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وكَانَ ﷺ يَبِيتُ أَيَّامًا عَلَى التَّمرِ وَالمَاءِ، فعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا قَالَت: «إِن كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَنَمكُثُ شَهرًا مَا نَستَوقِدُ نَارًا، إِن هُوَ إِلَّا التَّمرُ وَالمَاءُ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَلَيسَ هَذَا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَملِكُ كِفَايَتَهُ ﷺ، بَل إِنَّهُ كَانَ يَملِكُ كِفَايَتَهُ وَكِفَايَةَ أَزوَاجِهِ وَأَولَادِهِ، وَمَا رُوِيَ مِن أَنَّهُ كَانَ يُعطِي عَطَاءً كَثِيرًا كَمَا أَعطَى الرَّجُلَ غَنَمًا بَينَ جَبَلَينِ وَأَعطَى فُلَانًا كَذَا مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَأَعطَى فُلَانًا كَذَا مِنَ الإِبِلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَجِدُ كِفَايَتَهُ وَيُنفِقُ عَلَى أَهلِهِ، لَكِنَّهُ ﷺ كَانَ يُؤثِرُ عَلَى نَفسِهِ.

قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا: وَلَقَد مَاتَ وَمَا فِي بَيتِي شَيءٌ يَأكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطرَ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي، وَقَالَ لِي: «إِنَّي عُرِضَ عَلَيَّ أَن يُجعَلَ لِي بَطحَاءُ مَكَّةَ ذَهَبًا فَقُلتُ: لَا يَا رَبِّ، أَجُوعُ يَومًا وَأَشبَعُ يَومًا، فَأَمَّا اليَومَ الَّذِي أَجُوعُ فِيهِ فَأَتَضَرَّعُ إِلَيكَ وَأَدعُوكَ، وَأَمَّا اليَومَ الَّذِي أَشبَعُ فِيهِ فَأَحمَدُكَ وَأُثنِي عَلَيكَ»، رَوَاهُ ابنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي عُيُونِ الأَثَرِ.

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ جِبرِيلَ نَزَلَ عَلَيهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: أَتُحِبُّ أَن أَجعَلَ هَذِهِ الجِبَالَ ذَهَبًا وَتَكُونَ مَعَكَ حَيثُمَا كُنتَ؟ فَأَطرَقَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: «يَا جِبرِيلُ، إِنَّ الدُّنيَا دَارُ مَن لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَن لَا مَالَ لَهُ، قَد يَجمَعُهَا مَن لَا عَقلَ لَهُ»، فَقَالَ لَهُ جِبرِيلُ: ثَبَّتَكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ بِالقَولِ الثَّابِتِ، رَوَاهُ القَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَا.

وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهم اجعَل رِزقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا»، رَوَاهُ الشَّيخَانِ، أَي مَا يَكفِيهِم لِحَاجَتِهِم وَلَا يَفضُلُ عَلَيهَا.

وَعَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا قَالَت: نَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى وِسَادَةٍ حَشوُهَا لِيفٌ، فَقَامَ وَقَد أَثَّرَ بِجِلدِهِ، فَبَكَيتُ فَقَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، مَا يُبكِيكِ؟» قُلتُ: مَا أَرَى مِن أَثَرِ هَذِهِ، فَقَالَ: «لَا تَبكِي، لَو أَرَدتُ أَن تَسِيرَ مَعِي هَذِهِ الجِبَالُ لَسَارَت»، رَوَاهُ ابنُ حَجَرٍ فِي المَطَالِبِ العَالِيَةِ.

وَعَن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتَتنِي الدُّنيَا خَضِرَةً حُلوَةً، وَرُفِعتُ إِلَى رَأسِهَا، وَتَزَيَّنَت لِي، فَقُلتُ لَهَا: إِنِّي لَا أُرِيدُكِ، لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، فَقَالَت: إِنَّكَ إِن نِلتَ مِنِّي لَم يَنفَلِت مِنِّي غَيرُكَ»، رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ.

وَعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ قَد أَثَّرَ فِي جَنبِهِ، فَرَفَعتُ رَأسِي فِي البَيتِ، فَوَ اللهِ مَا رَأَيتُ فِيهِ شَيئًا يَرُدُّ البَصَرَ إِلَّا أُهُبًا ثَلَاثَةً مُعَلَّقَةً وَصُبرَةً مِن شَعِيرٍ، فَهَمَلَت عَينَا عُمَرَ فَقَالَ: «مَا لَكَ؟»، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنتَ صَفوَةُ اللهِ مِن خَلقِهِ، وَكِسرَى وَقَيصَرُ فِيمَا هُمَا فِيهِ؟ فَقَالَ: «أُولَئِكَ قَومٌ عُجِّلَت لَهُم طَيِّبَاتُهُم فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنيَا، أَمَا تَرضَى أَن تَكُونَ لَهُمُ الدُّنيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟»، قُلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَحمَدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَاهُ الشَّيخَانِ.

عدله ﷺ وأمانته وصدقه

وَأَمَّا عَدلُهُ ﷺ وَأَمَانَتُهُ وَعِفَّتُهُ وَصِدقُ لَهجَتِهِ، فَكَانَ ﷺ آمَنَ النَّاسِ وَأَعدَلَ النَّاسِ وَأَعَفَّ النَّاسِ وأَصدَقَهُم لَهجَةً. مُنذُ كَانَ اعتَرَفَ لَهُ بِذَلِكَ مُخَالِفُوهُ وَأَعدَاؤُهُ، وَكَانَ يُسَمَّى قَبلَ نُبُوَّتِهِ: الصَّادِقَ الأَمِينَ، بِمَا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الأَخلَاقِ الصَّالِحَةِ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾، [سُورَةُ التَّكوِيرِ:21]، وَأَكثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ. وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ.

وَقَالَ ﷺ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَمِينٌ فِي السَّمَاءَ أَمِينٌ فِي الأَرضِ»، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعجَمِ الكَبِيرِ.

وَلَمَّا اختَلَفَت قُرَيشٌ وَصَارَت أَحزَابًا عِندَ بِنَاءِ الكَعبَةِ فِيمَن يَضَعُ الحَجَرَ حَكَّمُوا أَوَّلَ دَاخِلٍ عَلَيهِم، فَإِذَا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَذَلِكَ قَبلَ نُبُوَّتِهِ، فَقَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ؟ هَذَا الأَمِينُ، قَد رَضِينَا بِهِ. 

وَعَنِ الرَّبِيعِ بنِ خُثَيمٍ: كَانَ يُتَحَاكَمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الجَاهِلِيَّةِ قَبلَ الإِسلَامِ.

وَقَالَ أَبُو جَهلٍ لَهُ: “إِنَّا لَا نُكَذِّبُكَ وَلَكِن نُكَذِّبُ بِمَا جِئتَ بِهِ”، فَأَنزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِنَّهُم لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾، [سُورَةُ الأَنعَامِ:33].

وَقِيلَ: إِنَّ الأَخنَسَ بنَ شَرِيقٍ لَقِي أَبَا جَهلٍ يَومَ بَدرٍ فَقَالَ: “يَا أَبَا الحَكَمِ، لَيسَ هُنَا غَيرِي وَغَيرُكَ يَسمَعُ كَلامَنَا، تُخبِرُنِي عَن مُحَمَّدٍ، صَادِقٌ هُوَ أَم كَاذِبٌ؟”، فَقَالَ أَبُو جَهلٍ: “وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ، وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ”.

وَسَأَلَ هِرَقلُ عَنهُ أَبَا سُفيَانَ فَقَالَ: هَل كُنتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبلَ أَن يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا. 

وَقَالَ النَضرُ بنُ الحَارِثِ لِقُرَيشٍ (وَقَد مَاتَ كَافِرًا): قَد كَانَ مُحَمَّدٌ فِيكُم غُلامًا حَدَثًا أَرضَاكُم فِيكُم وَأَصدَقُكُم حَدِيثًا وَأَعظَمُكُم أَمَانَةً، حَتَّى إِذَا رَأَيتُم فِي صِدغَيهِ الشَّيبَ وَجَاءَكُم بِمَا جَاءَكُم بِهِ قُلتُم سَاحِرٌ، لَا، وَاللَّهِ مَا هُوَ بِسَاحِرٍ.

فَهَذِهِ شَهَادَةُ خُصُومٍ، بَعضُهُم أَسلَمَ بَعدَ خُصُومَةٍ شَدِيدَةٍ، وَبَعضُهُم مَاتَ عَلَى كُفرِهِ، وَلَكِنَّ الجَمِيعَ -حَتَّى فِي أَشَدِّ حَالَاتِ الخُصُومَةِ- كَانُوا يَعرِفُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صَادِقٌ، فَمِن هَذِهِ النُّصُوصِ يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ الثِّقَةَ بِصِدقِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَت مُتَوَفِّرَةً، وَلَم يَكُن هَذَا المَوضُوعُ فِيهِ شَكٌّ أَبَدًا، وَهَذَا الَّذِي يُعَلِّلُ لَنَا كَيفَ أَنَّ مَن حَارَبُوهُ صَارُوا يُؤمِنُونَ بِهِ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، طَوعًا لَا إِكرَاهًا، أَمثَالُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ، وَعَمرِو بنِ العَاصِ، وَحَتَّى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فِي بَادِئِ الأَمرِ، ذَلِكَ لِأَنَّهُم مَا كَانُوا يَشُكُّونَ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ، وَلَكِن فَاجَأَهُم بِشَيءٍ لَم يَسمَعُوا بِهِ هُم وَلَا آبَاؤُهُم فَأَنكَرُوهُ، حَتَّى إِذَا ذَهَبَ هَولُ المُفَاجَأَةِ وَحَكَّمُوا عُقُولَهُمُ التَقَى صِدقُ الفِكرِ بِالثِّقَةِ الأَسَاسِيَّةِ بِشَخصِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَتَوَلَّدَ عَن ذَلِكَ إِيمَانٌ صَادِقٌ.

وقاره ﷺ وصمته وتؤدته

وَأَمَّا وَقَارُهُ ﷺ وَصَمتُهُ وَتُؤدَتُهُ وَمَرُؤتُهُ وَحُسنُ هَديِهِ، فَكَانَ أَوقَرَ النَّاسِ فِي مَجَالِسِهِ، لَا يُكادُ يُخرِجُ شَيئًا مِن أَطرَافِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ السُّكُوتِ لَا يَتَكَلَّمُ فِي غيرِ حَاجَةٍ، وَكَلَامُهُ فَصلًا لَا فَضُولَ وَلَا تَقصِيرَ (أَي لَيسَ كَثِيرَ الكَلَامِ فِي غَيرِ حَاجَةٍ وَلَا قَلِيلَ الكَلَامِ مَعَ وُجُودِ الحَاجَةِ لِلكَلَامِ، إِنَّمَا يَتَكَلَّمُ عَلَى قَدرِ الحَاجَةِ)، وقَالَت عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَو عَدَّهُ العَادُّ أَحصَاهُ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وَكَانَ ضَحِكُهُ تَبَسُّمًا، وَكَانَ ضَحِكُ أَصحَابِهِ عِندَهُ التَّبَسُّمَ تَوقِيرًا لَهُ وَاقتِدَاءً بِهِ، مَجلِسُهُ مَجلِسُ حِلمٍ وَحَيَاءٍ وَخَيرٍ وَأَمَانَةٍ، لَا تُرفَعُ فِيهِ الأَصواتُ، وَلَا تُنتَهَكُ فِيهِ الحُرُمُ، إِذَا تَكَلَّمَ أَطرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيرُ.

خاتمة

تَتَجَلَّى عَظَمَةُ الأَخلَاقِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن خِلَالِ صِفَاتِهِ المَعلُومَةِ لِلنَّاسِ، وَالَّتِي جَعَلَهَا اللهُ سَبَبًا لِلسَّعَادَةِ وَالنَّجَاحِ، وَهِيَ تَشمَلُ الجُودَ وَالكَرَمَ وَالصِّدقَ وَالسَّمَاحَةَ وَكُلَّ خُلُقٍ مَحمُودٍ يُحتَذَى بِهِ، فَقَد جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي شَخصِهِ أَسمَى صِفَاتِ العَدلِ وَالأَمَانَةِ وَالحِلمِ وَالصِّدقِ، فَكَانَ قُدوَةً فِي سُلُوكِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ، وَقَد شَهِدَت لَهُ بِذَلِكَ القُلُوبُ قَبلَ الأَلسِنَةِ. فَحُقَّ لِلأُمَّةِ أَن تَتَأسَّى بِهِ فِي جَمِيعِ شُؤُونِ حَيَاتِهَا، لِتَظَلَّ الأَخلَاقُ الفَاضِلَةُ حَاضِرَةً فِي المُجتَمَعِ كَمَا جَسَّدَهَا ﷺ في حَيَاتِهِ المُبَارَكَةِ. وَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعُودٍ: إِنَّ أَحسَنَ الهَديِ هَديُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.

وَمِن خِلَالِ دِرَاسَةِ سِيَرِ الأَنبِيَاءِ، نَجِدُ أَنَّ الأَخلَاقَ الحَمِيدَةَ كَانَت أَسَاسَ تَمَيُّزِهِم وَسَبِيلِهِم لِلِارتِقَاءِ الرُّوحِيِّ وَالمَعرِفِيِّ، وَهِيَ خَيرُ قُدوَةٍ لِكُلِّ مُسلِمٍ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر والمراجع

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
  6. سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
  7. صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ.
  8. مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
  9. المُستَدرَكِ عَلَى الصَّحِيحَينِ لِلحَاكِمِ.
  10. المُعجَمِ الكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ.
  11. الشِّفَا بِتَعرِيفِ حُقُوقِ المُصطَفَى لِلقَاضِي عِيَاضٍ.
  12. المُغنِي عَن حَملِ الأَسفَارِ فِي الأَسفَارِ لِلعِرَاقِيِّ.
  13. الشَّمَائِلِ المُحَمَّدِيَّةِ لِلتِّرمِذِيِّ.
  14. الرِّوَايَةِ لِلخَطِيبِ البَغدَادِيِّ.
  15. عُيُونِ الأَثَرِ لِابنِ سَيِّدِ النَّاسِ.