بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
سورة الأنبياء: 107
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
إِنَّمَا أَنَا رَحمَةٌ مُهدَاةٌ
رواه الحاكم والبيهقي
لَقَد مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولًا مِنهُم رَؤُوفًا رَحِيمًا يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ فَكَانَ أَحَبَّ إِلَيهِم مِن أَمْوَالِهم وَأَوْلَادِهِم وَآبَائِهِم وَأُمَّهَاتِهِم وَمِنَ المَاءِ البَارِدِ عَلَى الظَّمَأِ حَتَّى تَوَغَّلَ هَذَا الشَّوقُ وَالحَنِينُ إِلَى الجِذعِ اليَبِيسِ وَالحَجَرِ الأَصَمِّ وَإِلَى أَفئِدَةِ البَهَائِمِ، إِذ إِنَّ مِنَ المُعجِزَاتِ البَاهِرَاتِ الَّتِي حَصَلَت لِنَبِيِّنَا ﷺ حَنِينَ الجَمَلِ إِلَيهِ وَبُكَاءَهُ عِندَ قَدَمَيهِ ﷺ.
ذكر الحادثة
رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنَهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَغْلَتَهُ، وَأَرْدَفَنِي (أَي أَركَبَنِي) خَلْفَهُ، فَدَخَلَ حَائِطًا (أَي بُستَانًا) لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا فِيهِ نَاضِحٌ لَهُ (أَي إِبِلٌ يُحمَلُ عَلَيهِ المَاءُ)، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ (وَهُوَ المَوضِعُ الَّذِي يَعرَقُ مِنَ البَعِيرِ خَلفَ الأُذُنِ) فَسَكَنَ، فَقَالَ ﷺ: “مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟” (أَي مَن صَاحِبُ هَذَا الجَمَلِ)، فَجَاءَ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَنَا، فَقَالَ ﷺ: “أَلا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا، فَإِنَّهُ شَكَاكَ إِلَيَّ وَزَعَمَ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ“، أَي تُتعِبُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى: رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ وَالبَيهَقِيُّ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَن يَعلَى بنِ مُرَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ إِذ جَاءَ جَمَلٌ يَرغُو (أَي يُصدِرُ صَوتًا) حَتَّى ضَرَبَ بِجِرَانِهِ (أَي نَزَلَ بِبَاطِنِ عُنُقِهِ) بَينَ يَدَيهِ (أَي بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ﷺ) ثُمَّ ذَرَفَت عَينَاهُ (أَي انهَمَرَت دُمُوعُهُ) حَتَّى بَلَّ مَا حَولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “أَتَدرُونَ مَا يَقُولُ البَعِيرُ؟ إِنَّهُ يَزعُمُ أَنَّ صَاحِبَهُ يُرِيدُ نَحرَهُ“، ثُمَّ قَالَ ﷺ: “انظُر لِمَن هَذَا الجَمَلُ“، فَخَرَجتُ أَلتَمِسُ صَاحِبَهُ فَوَجَدتُهُ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ فَدَعَوتُهُ إِلَيهِ، فَقَالَ ﷺ: “مَا لِبَعِيرِكَ يَشكُوكَ؟ زَعَمَ أَنَّكَ أَفنَيتَ شَبَابَهُ حَتَّى إِذَا كَبِرَ تُرِيدُ أَن تَنحَرَهُ؟” قَالَ: صَدَقتَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَقَد هَمَمنَا البَارِحَةَ أَن نَنحَرَهُ وَنَقسِمَ لَحمَهُ، قَالَ: “فَلَا تَفعَل، هَبهُ لِي أَو بِعنِيهِ“، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، لَيسَ لِي مَالٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنهُ، فَقَالَ ﷺ: “فَاستَوصِ بِهِ خَيرًا“، فَقَالَ: لَا جَرَمَ (تَعبِيرٌ يُرَادُ مِنهُ التَّأكِيدُ)، لَا أُكرِمُ مَالًا لِي كَرَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ (أَي سَيُكرِمُهُ أَشَدَّ الإِكرَامِ امتِثَالًا لِأَمرِ رَسُولِ اللهِ)، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ وَهَبَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
تنبيه
لَيسَ المَعنَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ ذَبَحَ الإِبِلِ إِذَا هَرِمَت بَلِ الأَمرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَحِمَهَا وَرَأَفَ بِهَا.
الخاتمة
حَثَّنَا الإِسلَامُ وَالشَّرعُ الحَنِيفُ عَلَى الرَّحمَةِ وَالرَّأفَةِ وَالرِّفقِ بِالبَهَائِمِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ
رواه مسلم
وَقَد وَرَدَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ فَأَرْحَمُهَا، أَوْ قَالَ: إِنِّي لَأَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ“. رواه البخاري في الأدب المفرد.
وَهَكَذَا كانَ رَسُوْلُ الله ﷺ، وزَادَتْ رَأْفَتُهُ ﷺ بِالْبَهَائِمِ حَتَّى حَنَّتِ البَهَائِمُ لهُ ﷺ، وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- مُسنَدِ أَحمَدَ.
- السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقَيِّ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- الأَدَبِ المُفرَدِ لِلبُخَارِيِّ.