بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ مدبِّر الليالي والأيام، ومصرّف الشهور والأعوام، الملكِ القدُّوسِ السلام، المُتفرِّدِ بالعظمةِ والبقاءِ والدَّوام، المُنزَّهِ عن النقائصِ ومشابهَةِ الأنام، يَرَى ما في داخلِ العروقِ وبواطنِ العظام، ويسمع خَفِيَّ الصوتِ ولطيفَ الكلام، إِلهٌ رحيمٌ كثيرُ الإِنعَام، ورَبٌّ قديرٌ شديدُ الانتقام، قدَّر الأمورَ فأجْراها على أحسنِ نظام، وشَرَع الشرائعَ فأحْكمَها أيَّما إحْكام، بقدرته تهبُّ الرياحُ ويسير الْغمام، وبحكمته ورحمته تتعاقب الليالِي والأيَّام،
أحمدُهُ على جليلِ الصفاتِ وجميل الإِنعام، وأشكرُه شكرَ منْ طلب المزيدَ وَرَام، وأشهد أن لا إله إلَّا الله الَّذِي لا تحيطُ به العقولُ والأوهام، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه أفضَلُ الأنام، صلَّى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكرٍ السابق إلى الإِسلام، وعلى عمَرَ الَّذِي إذا رآه الشيطانُ هَام، وعلى عثمانَ الَّذِي جهَّزَ بمالِه جيشَ العُسْرةِ وأقام، وعلى عليٍّ الْبَحْرِ الخِضَمِّ والأسَدِ الضِّرْغَام، وعلى آلِهِ وأصحابِه والتابعين لهم بإِحسانٍ على الدوام، وسلَّم تسليمًا.
أما بعد:
إعطاؤه ﷺ أعظم مما أوتيه موسى عليه الصلاة والسلام
أوتي موسى آياتٍ كثيرةً، وَأَعْظَمُهُنَّ تِسْعُ آيَاتٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [سورة الإسراء/ الآية 101]، ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 132-133] والآيات البيّنات التّسع التي أرسلها الله تعالى على قوم فرعون وأتباعه القبط هي ما يلي:
- القحطُ والجدب: وهو الذي عَبَّر عنه القرءان بالسنين، وهي أعوام الجدب والقحط التي أصابتهم حيث كان لا يُستغل فيها زرع ولا يُنتفع بضرع.
- النقص من الثمرات: وهي قِلة الثمار من الأشجار بسبب الجوائح والعاهات التي كانت تصيبها.
- الطُّوفان: وهو كثرة الأمطار المتلفة للزروع والثمار، وقيل: المراد بالطوفان فيضان نهر النيل عليهم حيث فاض الماء على وجه الأرض ثم ركد فلا يقدرون أن يحرثوا أرضهم ولا أن يعملوا شيئًا حتى جهدوا جوعًا وأصابهم الضيق الشديد.
- الجراد: وهو معروف، وقد أرسله الله تبارك وتعالى على قوم فرعون بشكل غير معهود، فكان يُغطي الأرض ويحجب ضوء الشمس لكثرته، وكان لا يترك لهم زرعًا ولا ثمارًا ولا شجرًا، حتى قيل: إنه كان يأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورُهم ومساكنهم.
- 5. القمل: وهو السوسُ الذي يفسدُ الحبوب، وقيل: هو القمل المعروف، وقيل: هو البعوض الذي أقضّ مضاجعهم ولم يُمكنهم معه الغمض والنوم والقرار.
- الضفادع: وهي معروفة، وقد كثرت عندهم حتى نغَّصت عليهم عيشَهم، حيث كانت تسقط في أطعمتهم وأوانيهم وتقفزُ على فرشهم وملابسهم وملأت بيوتهم وأطعمتهم وءانيتهم.
- الدم: حيث صارت مياه ءال فرعون دمًا، فكانوا لا يستقون من إناء ولا من بئر ولا نهر إلا انقلب إلى دم في الحال بقدرة الله، وكذلك كانوا لا يستقون من نهر النيل شيئًا إلا وجدوه دمًا.
- العصا: حيث انقلبت عندما ألقاها عليه السلام حية حقيقية تسعى بقدرة الله تعالى.
- 9.اليد: كان عليه السلام يضع يده في جيبه ثم يخرجها بيضاء من غير سوء ومرض.
قال أبو نعيم: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ جَعَلَ اللَّهُ عَصَاهُ ثُعْبَانًا، قُلْنَا: فَقَدْ أُوتِيَ محمد ﷺ نَظِيرَهَا وَأَعْجَبُ مِنْهَا خُوَارُ الْجِذْعِ الْيَابِسِ وَحَنِينُهُ، هَذَا أَبْلَغُ فِي الْأُعْجُوبَةِ،
فقد روى البخاري والبيهقي والإمام الشافعي وغيرهم عَنْ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جِذْعٍ إِذْ كَانَ الْمَسْجِدُ عَرِيشًا، وَكَانَ يَخْطُبُ إِلَى ذَلِكَ الْجِذْعِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ لَكَ أَنْ نَجْعَلَ لَكَ مِنْبَرًا تَقُومُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتُسْمِعُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطْبَتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَنَعَ لَهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ هِيَ اللَّاتِي عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْبَرُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَمَرَّ إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَاوَزَ ذَلِكَ الْجِذْعَ الَّذِي كان يخطب إِلَيْهِ خَارَ حَتَّى تَصَدَّعَ وَانْشَقَّ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا سَمِعَ صَوْتَ الْجِذْعِ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ، وفي رواية: قَالَ أنس: فَحَنَّتْ إِلَيْهِ الْخَشَبَةُ حَنِينَ الْوَالِهِ. وفي رواية قَالَ جَابِرٌ: وَأَنَا شَاهِدٌ حِينَ حَنَّ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ لَحَنَّ إِلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. حَتَّى فَزِعَ النَّاسُ وَكَثُرَ الْبُكَاءُ بِمَا رَأَوْا بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى هَذِهِ الْخَشَبَةِ؟ وفي رواية قالﷺ: ((لا تلوموه فإن رسول الله ﷺ لا يفارق شيئا إلا وَجَدَ)) – أي أصابه الوجد والحنين-، قَالَ أَنَسٌ: وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ أَسْمَعُ ذَلِكَ، فوالله مَا زَالَتْ تَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ فَمَشَى إِلَيْهَا فَاحْتَضَنَهَا فَسَكَنَتْ، وفي رواية: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: هَذَا الْجِذْعُ حَنَّ إِلَيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْكُنْ إِنْ تَشَأْ أَغْرِسْكَ فِي الْجَنَّةِ فَيَأْكُلُ مِنْكَ الصَّالِحُونَ وَإِنْ تَشَأْ أَنْ أَغْرِسَكَ رَطْبًا كَمَا كُنْتَ، فَاخْتَارَ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا.
فلما حدث الحسن البصري بهذا الحديث بَكَى فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ شَوْقًا إِلَيْهِ، أَفَلَيْسَ الرِّجَالُ الَّذِينَ يَرْجُونَ لِقَاءَهُ أَحَقَّ أَنْ يَشْتَاقُوا إِلَيْهِ.
قال البيهقي بعد ذكر روايات حديث حنين الجذع: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَمْرِ الْحَنَّانَةِ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، وَأَمْرُ الْحَنَّانَةِ مِنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ وَالْأَعْلَامِ النَّيِّرَةِ الَّتِي أَخَذَهَا الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَبِهِ الْعِيَاذُ وَالْعِصْمَةُ. ولقد أحسن من قال:
| وَأَلْقَى لَـهُ الرَّحْمَنُ فِيْ الْجُمْدِ حُبَّهُ | فَكَانَـتْ لِإِهْدَاءِ السَّلَامِ لَـــهُ تُهْدَا |
| وَفَارَقَ جِذْعًا كَانَ يَخْطُبُ عِنْـــدَهُ | فَــــأَنَّ أَنِيْـــنَ الْأُمِّ إِذْ تَجِـدُ الْفَقْدَا |
| يَحِـــنُّ إِلَيْـــهِ الْجِذْعُ يَا قَــوْمُ هَكَذَا | أَمَـا نَحْنُ أَوْلَىْ أَنْ نَحِنَّ لَهُ وَجْدَا |
| إِذَا كَانَ جِذْعٌ لَمْ يُطِقْ بُعْــدَ سَاعَةٍ | فَلَيْـــسَ وَفَــاءً أَنْ نُطِيْقَ لَهُ بُعْدَا |
فإن كانت عصا موسى انقلبت ثعبانا وخلق الله فيها الحياة، فقد جعل الله الأنين والشّوق في الجذع اليابس الذي لا روح ولا قلب فيه.
أما موسى عليه السلام فقصته مع السحرة ومع فرعون أن فرعون استمر على كفره وأخذ يهدد نبي الله موسى عليه السلام ويتوعده بالسجن والتعذيب والأذى، ثم دعا وزيره هامان واستشاره في أمر موسى وما دعاه إليه وما رأى منه فقال له: إن اتبعته فيما دعاك له تصير تعبد بعد أن كنت تُعبد، وزيّن له باطله وما هو عليه من طغيان وتكبّر، فخرج فرعون إلى قومه وقال يصف موسى عليه السلام: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [سورة الشعراء/ الآية 34-35]، ثم دعا جماعته واستشارهم في أمر موسى عليه السلام وما رأى منه، فأشاروا عليه أن يجمع السحرة ليبطلوا على زعمهم ما جاء به موسى لأنهم ظنوا أن ما جاء به من الآيات هو من قبيل السحر، وقال الملأ من قوم فرعون: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ [سورة الأعراف: 111-112] ففعل فرعون ما طلبوا منه وذهب يجمع من كان ببلاده بمصر من السحرة وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سحرة متمكنين في سحرهم، حتى اجتمع له خلق كثير من السحرة وجم غفير منهم، فكانوا سبعين ساحرًا وقيل أكثر من هذا بكثير، ولما اجتمعوا عند فرعون طلب منهم أن يجمعوا قواهم ويوحدوا هدفهم وجهودهم ليبطلوا على زعمه سحر موسى، وأخذ فرعون يُغريهم بالمال والمنصب وأنه سيجعلهم من خاصته فيما إذا تمكنوا من موسى وغلبوه بسحرهم، قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [سورة الشعراء/ الآية 38-42] وقال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [سورة طه/ الآية 60-64] وكان موعد اللقاء يوم عيد فرعون يجتمع فيه الرعية في وضح النهار من الضحى.
وجاء موسى عليه السلام حاملا عصاه في يده ومعه أخوه هارون في الموعد المحدد، وكان فرعون جالسًا مُستشرفًا بأهبة في مجلسه مع أشراف قومه من الأمراء والوزراء ومعهم السحرة الذين جلبهم من كل أنحاء بلاد مصر التي كان يحكمها، فأقبل موسى عليه السلام نحو السحرة وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه وقال لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ أي يستأصلكم ويُهلككم بعذاب، وارتعد السحرة من مقالته هذه وفزعوا وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر، ولما اصطفّ السحرة ووقف موسى وهارون عليهما السلام تجاههم قالوا لموسى عليه السلام: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [سورة طه/ الآية 65-66] وكان هذا تهكّمًا بهم، عند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم وألقوا حبالهم وعصيهم التي كانت معهم وهم يقولون: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، وإذا بهذه الحبال والعصي يُخيل للناس الحاضرين أنها حيات وثعابين تتحرك وتسعى، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 116]، وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [سورة طه/ الآية 66] وأمام هذا الموقف المثير المستغرب نظر نبي الله موسى عليه السلام فإذا بهذه الحبال والعصي يخيل إليه أنها حيّات تسعى، فأوجس في داخل نفسه خيفة حيث خاف على الناس أن يفتنوا بسحر السحرة قبل أن يلقي ما في يده، ولكن الله سبحانه وتعالى ثبّته أمام هذا الجمع الزاخر من السحرة وأوحى إليه أن ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [سورة طه/ الآية 68] أي الغالب المنتصر عليهم، وأمره تعالى أن يلقي عصاه التي كانت في يده، فلمّا ألقاها عليه السلام إذا هي تنقلب إلى حية حقيقية عظيمة ذات قوائم وعنق عظيم وشكل هائل، بحيث إنّ النّاس الذين كانوا بالقرب منها انحازوا وهربوا سراعًا وتأخّروا عن مكانها، وأقبلت هذه الحية على ما ألقاه السحرة من الحبال والعصي والتي خُيّل للناس الحاضرين أنها حيات تسعى فجعلت تلقفه وتبتلعه واحدًا واحدًا وفي حركة سريعة والناس ينظرون إليها متعجبين لهول ما رأوا وشاهدوا أمامهم، وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم واطلعوا على أمر لم يكن في بالهم ولا يدخل تحت قدرتهم وتحققوا بما عندهم من العلم أنّ ما فعله موسى عليه السلام ليس بسحر ولا شعوذة وأنّ ما يدعو إليه ليس زورًا ولا بهتانًا، وكشف الله تعالى عن قلوبهم غشاوة الغفلة وقذف وخلق في قلوبهم الاهتداء والإيمان لذلك ءامنوا وخرّوا له ساجدين وأقرّوا بوحدانية الله تعالى، لأنهم أيقنوا أنّ ما جاء به موسى ليس من قبيل السحر وإنّما هو ءاية من ءايات الله تعالى الباهرة خلقها الله تعالى وأظهرها بقدرته على يد رسوله موسى عليه السلام لتكون برهانًا ساطعًا على صدقه فيما جاء به وبلّغه عن الله تعالى، ولو كان ما فعله موسى عليه السلام من قبيل سحرهم لاستطاعوا معارضته بمثله، لذلك أعلنوا إسلامهم وإيمانهم جهرة أمام الحاضرين وفيهم ملكهم فرعون وأهل دولته غير ءابهين بفرعون وسطوته وقالوا: ءامنا برب العالمين رب موسى وهارون. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 120-122]، وقال تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [سورة طه/ الآية 69].
وكما جعل الله الأنين والشّوق لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجذع اليابس الذي لا روح ولا قلب فيه، جعل أَيْضًا إِجَابَة الْأَشْجَارِ وَاجْتِمَاعهُنَّ لِدَعْوَتِهِ ﷺ بِمَا دَعَاهُنَّ وَرُجُوعهُنَّ إِلَى أَمْكِنَتِهِنَّ بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُنَّ، وَأَمَرَ عِذْقًا مِنْ نَخْلَةٍ أن ينزل فنزل يبقر فِي الْأَرْضِ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَشَهِدَ بِذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ.
فقد روى مسلم وأبو نعيم والبيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا نزلنا واديا أفيح فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فاتّبعته بإداوة من ماء – إناء صغير يحمل فيه الماء-، فنظر فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: ((انقادي علي بإذن الله))، فانقادت معه كالبعير المخشوش – جُعِلَ في أنفه خشاش، وهو عود يجعل في أنفه ويشتد به الزمام لينقاد بسهولة – الذي يصانع قائده حتى أتى إلى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها، وقال: ((انقادي عليّ بإذن الله تعالى))، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده كذلك، حتى إذا كان بالمنتصف مما بينهما لَأَم بينهما – يعني جمعهما – فقال: ((التئما عليّ بإذن الله))، فالتأمتا. قال جابر: فخرجت مخافة أن يحسّ رسول الله ﷺ بقربي فيبتعد فجلست أحدّث نفسي، فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلًا، وإذا الشجرتان قد افترقتا. فقامت كلّ واحدة منهما على ساق.
قصة أخرى: وروى أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر فأراد أن يتبرّز، فقال: ((يا عبد الله، انظر هل ترى شيئا))، فنظرت فإذا شجرة واحدة، فأخبرته، فقال: ((انظر هل ترى شيئا؟)) فنظرت شجرة أخرى متباعدة عن صاحبتها فأخبرته، فقال: ((قل لهما: رسول الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا))، فقلت لهما، فاجتمعتا ثم أتاهما فاستتر بهما، ثم قام فانطلقت كلّ واحدة منهما إلى مكانها.
قصة أخرى: وروى الإمام أحمد وابن سعد عن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فنزل منزلا فقال لي: ((ائت تلك النخلتين فقل لهما: أن رسول الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا))، فأتيتهما، فقلت لهما ذلك، فوثبت إحداهما إلى الأخرى، فاجتمعتا، فخرج رسول الله ﷺ فاستتر بهما فقضى حاجته ثم وثبت كل واحدة منهما إلى مكانها.
قصة أخرى: وروى أبو يعلى وأبو نعيم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال له في حجة الوداع: ((انظر هل ترى من نخل أو حجارة؟)) فقلت: رأيت شجرات متفرقات ورضخا من حجارة، قال: ((انطلق إلى النّخلات فقل لهنّ إن رسول الله ﷺ يأمركن أن تدانين لمخرج رسول الله ﷺ وقل للحجارة مثل ذلك))، فأتيتهن، فقلت لهن ذلك، فوالذي بعثه بالحق لقد جعلت أنظر إلى النخلات يخددن الأرض خدّا حتى اجتمعن وإلى الحجارة يتقافزن حتى صرن رضخا خلف النخلات، فلمّا قضى رسول الله ﷺ حاجته، وانصرف قال: ((عد للنخلات والحجارة، فقل لهن: أن رسول الله ﷺ يأمركنّ أن ترجعن إلى مواضعكنّ)).
قصة أخرى: وروى البخاري في التاريخ والترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: بم أعرف أنك رسول الله ﷺ؟ قال: ((أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله ﷺ)) قال: نعم، فدعا العذق، فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط على الأرض، فأقبل إليه، وهو يسجد ويرفع ويسجد ويرفع حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ ثم قال له: ((ارجع)) فرجع إلى مكانه، فقال: والله لا أكذبك بشيء تقوله بعد أبدا أشهد أنك رسول الله، وآمَن.
قصة أخرى: وروى الدّارميّ وابن حبان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا في سفر، فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال له رسول الله ﷺ: ((أين تريد؟)) قال: إلى أهلي، قال: ((هل لك في خير؟)) قال: وما هو؟ قال: ((تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله))، قال: هل لك من شاهد على ما تقول؟ قال: ((هذه الشجرة))، فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض خدّا فقامت بين يدي رسول الله ﷺ فاستشهدها ثلاثا، فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابي إلى قومه، وقال لرسول الله ﷺ: إن يتبعوني آتك بهم، وإلا رجعت إليك فكنت معك.
روى البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان على الحجون كئيبا لمّا آذاه المشركون، فقال: ((اللهم أرني اليوم آية لا أبالي من كذبني بعدها))، فأُمِرَ فنادى شجرة من قِبَلِ الوادي، فأقبلت تخد الأرض حتى انتهت إليه ثم أمرها فرجعت إلى موضعها، فقال: ((ما أبالي من كذبني بعد هذا من قومي)).
قصة أخرى: وروى الإمام أحمد والبيهقي وأبو نعيم عن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ فنزلنا منزلا، فنام رسول الله ﷺ فجاءت شجرة استأذنت تشقّ الأرض حتّى غطّته، ثم رجعت إلى مكانها، فلمّا استيقظ ذكرت له ذلك، فقال: ((هي شجرة استأذنت ربها عز وجل أن تسلم عليّ فأذن لها)).
ويرحم الله الشيخ شرف الدين البوصيري حيث قال:
| جَاءَتْ لِدَعْوَتِهِ الْأَشْجَارُ سَاجِدَةً | تَمْشِيْ إِلَيْهِ عَلَىْ سَاقٍ بِلَا قَدَمِ |
قَالَ ابن الزملكاني: فَهَذِهِ جَمَادَاتٌ وَنَبَاتَاتٌ وَقَدْ حَنَّتْ وَتَكَلَّمَتْ، وَفِي ذَلِكَ مَا يُقَابِلُ انْقِلَابَ الْعَصَا حَيَّةً.
فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ مُوسَى كَانَ فِي التِّيهِ يَضْرِبُ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، قُلْنَا: كَانَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مِثْلَهُ وَأَعْجَبَ مِنْهُ فَإِنَّ نَبْعَ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ مَعْهُودٌ فِي الْمَعْلُومِ وَالْمُتَعَارَفِ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ نَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَالدَّمِ وَكَانَ يُفَجِّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فِي مِخْضَبٍ فَيَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ الْمَاءُ فَيَشْرَبُونَ وَيَسْتَقُونَ مَاءً جَارِيًا عَذْبًا، رَوَى الْعَدَدَ الْكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ وَالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ.
أمر الله تعالى نبيه موسى عليه السلام أن يتوجّه بالمؤمنين من بني إسرائيل إلى بيت المقدس في فلسطين، فخرج بهم موسى عليه السلام حتى إذا كانوا في الطريق عطشوا عطشًا شديدًا، فشكوا ذلك إلى نبيهم موسى عليه السلام مُتذمرين وطلبوا منه الماء والسقيا، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يضرب الحجر الذي كان معه بعصاه فلما ضربه بعصاه تفجَّرت منه بقدرة الله تعالى اثنتا عشرة عينًا()، لكل سبط من أسباطهم() عين تجري بالماء العذب الزُّلال يشربون منها.
أما ما أوتيه نبينا محمد ﷺ من نبع الماء من بين أصابعه الشريفة ﷺ وتكثيره للماء القليل وغير ذلك. والماء الذي نبع من بين أصابع النبي ﷺ أشرف المياه كما قال البلقيني في «التدريب» قال: قال أبو العباس القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه ﷺ تكررت منه في عدة مواطن في مشاهدَ عظيمةٍ ووردت عنه من طرق كثيرة يفيد عمومها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، قال: ولم يُسمع بمثل هذه المعجزة العظيمة من غير نبينا ﷺ حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه. ونقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى ﷺ بالعصا فتفجرت منه المياه؛ لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروجه من بين اللحم والدم.
قال قتادة وغيره عن أنس: كان رسول الله ﷺ بالزوراء – موضع بالمدينة قرب المسجد – وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوا ماء، فأُتِيَ رسول الله ﷺ بوَضوء، فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء فحين بسط يده فيه فضمّ أصابعه فأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي ﷺ فتوضأوا من عند آخرهم – أي جميعهم – قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: كنا زهاء ثلاثمائة. رواه الشيخان.
قصة أخرى: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ليس معنا ماء، فقال: اطلبوا من معه فضَل ماء، فأُتِيَ بماء فوضعه في إناء، فوضع يده فيه، فجعل الماء يجري، وفي لفظ يخرج من بين أصابعه، ثم قال: ((حيّ على الطّهور المبارك، البركة من الله)) فتوضأوا وشربوا.
قصة أخرى: روى الحسن البصري: عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم لبعض مخارجه، معه ناس من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة فلم يجد القوم ماء يتوضئون به، فقالوا: يا رسول الله، والله ما نجد ماء نتوضأ به. ورأى في وجوه أصحابه كراهية ذلك، فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح فيه ماء يسير، فأخذ رسول الله ﷺ فتوضأ منه ثم مدّ أصابعه الأربع في القدح ثم قال: ((هلموا فتوضأوا)) فتوضأ القوم حتى بلغوا ما يريدون، قال الحسن: سئل أنس كم بلغوا؟ قال: سبعين أو ثمانين. رواه الإمام أحمد والشيخان.
قصة أخرى: روى الشيخان من طريق سالم بن أبي الجعد ومن طريق الأعمش عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: عطش النّاس يوم الحديبية، وكان الذي بين يديه ركوة يتوضّأ منها وجهش الناس نحوه، قال: ((ما لكم؟)) قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا ماء نشربه إلا ما بين يديك، فوضع يده في الرّكوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قال سالم: قلت لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.
قصة أخرى: قال أبو قتادة: بينما نحن مع رسول الله ﷺ نسير في الجيش إذ لحقهم عطش كاد يقطع أعناق الرجال والخيل والركاب – أي الراحلة – عطشا فدعا بركوة فيها ماء فوضع أصابعه عليها، فنبع الماء من بين أصابعه، فاستقى النّاس، وفاض الماء حتى رووا خيلهم وركابهم، وكان من العسكر اثنا عشر ألف بعير، والناس ثلاثون ألفا، والخيل اثنا عشر ألف فرس. رواه أبو نعيم.
وروى البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ سكب من فضل وضوئه في بئر قباء فما نزحت بعد – أي لم تفنَ -.
وروى الحارث بن أبي أسامة وأبو نعيم عن زياد بن الحارث الصّدائيّ قال: قلت: يا رسول الله، أن بئرنا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان في الصيف قل ماؤها وتفرقنا عن مياه حولنا وقد أسلمنا وكل من حولنا لنا عدوّ، فادع الله لنا في بئرنا فيسقينا ماؤها فنجتمع عليها ولا نتفرق. فدعا بسبع حصيات فعركهن بيده ودعا فيهن، ثم قال: ((اذهبوا بهذه الحصيات، فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة واذكروا اسم الله عز وجل))، قال: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا أن ننظر إلى قعر البئر من كثرة الماء.
وروى أبو نعيم عن راشد بن عبد ربّه السّلميّ قال: كان الصنم الذي يقال له سواع بالمعلاة قال: فأرسلتني بنو ظفر بهدية إليه، فألفيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، وإذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب من خروج نبيّ من بني عبد المطلب يحرم الزنا والرّبا والذبح للأصنام وحرست السّماء ورمينا بالشّهب، ثم هتف هاتف من جوف صنم آخر: ترك الضماد وكان يعبد خرج أحمد نبي يصلي الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام والبر والصّلة للأرحام. ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف: إنّ الذي ورث النبوة والهدى بعد ابن مريم من قريش مهتدي نبي يخبر بما سبق، وما يكون في غد، قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر وثعلبان يلحسان ما حوله ويأكلان ما يهدى له ثم يعرجان عليه ببولهما فعند ذلك أقول في ذلك:
| أربّ يبـــــول الثَعلبــــانِ برأســـــه | لقـــد ذلّ من بالت عليه الثّعالب |
| فلـــو كــان ربـــا كان يمنع نفســه | فلا خير في رب نأته المطالب |
| برئت من الأصنام في الأرض كله | وآمنت باللـــــه الذي هو غالب |
وذلك عند مخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة، فخرج راشد حتى أتى إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فأسلم وبايعه، ثم طلب منه قطيعة – طائفة من أرض الخراج – برهاط – اسم موضع – فأقطعه إيّاها وأعطاه إداوة مملوءة من ماء، وتفل فيها، وقال له: ((أفرغها في أعلى القطيعة ولا تمنع الناس فضولها)) ففعل، فجاء الماء عينا جمة إلى اليوم فغرس عليها النّخل، ويقال: إن رهاط كلّها تشرب منه وسمّاه الناس ماء الرسول، وأهل رهاط يغتسلون منه ويستقون به.
وروى البخاري عن البراء ومسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ الحديبية ونحن أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فقعد رسول الله ﷺ على شفيرها، قال البراء: وأتي بدلو فيه ماء فبصق ودعا. ثم قال: ((دعوها ساعة)). وقال سلمة: فجاشت – أي ارتفعت – فأرووا أنفسهم وركابهم بالماء فسقينا واستقينا.
فائدة
وِرد لقضاء الحاجات
لو استطعت تقرأه قبل الفجر وأنت مستقبل القبلة وأنت على وضوء:
قراءة الآية 173 من سورة آل عمران وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 173]، ثم تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل 450 مرة وأنت مستحضر معناها، ثم تقرأ الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 174].
يقرأ هذا الورد على نية قضاء حاجة أو رفع بلاء أو تفريج كرب.
ونذكر خاصيةَ اسمِ اللهِ “الملكِ“: وهي أنَّ من واظبَه وقتَ الزوالِ كلَّ يومٍ مائةَ مرةٍ صَفَا قلبُه وزالَ كَدَرُهُ، ومن قرأَهُ بعد الفجرِ كلَّ يومٍ مائةً وعشرينَ مرةً أغناهُ اللهُ مِنْ فضلِه.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ