انشقاق القمر لرسول الله ﷺ

حادثة انشقاق القمر لرسول الله ﷺ

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

مقدمة

أَعطَى اللهُ تَعَالَى بَعضَ رُسُلِهِ مَزَايَا خَاصَّةً، فَنَبِيُّ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ كَلِيمُ اللهِ، فَقَد اصطَفَاهُ اللهُ بِتَكلِيمِهِ لَهُ بِلَا كَيْفٍ وَلَا حَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ، وَنَبِيُّ اللهِ عِيسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَعطَاهُ اللهُ أَنَّهُ يُبرِئَ الأَكمَهَ وَالأَبرَصَ وَيَقُومَ بِإِحيَاءِ المَوتَى بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى، وَغَيرِ ذَلِكَ.

أَمَّا نَبِيُّ اللهِ مُحَمَّدٌ ﷺ فَقَد جَمَعَ اللهُ تَعَالَى لَهُ مَزَايَا عَدِيدَةً فَاقَت بَعضَ مَزَايَا إِخوَانِهِ الأَنبِيَاءِ، فَقَد كَلَّمَهُ اللهُ بِلَا كَيْفٍ وَلَا حَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ وَاصطَفَاهُ عِندَمَا عُرِجَ بِهِ إِلَى سِدرَةِ المُنتَهَى، وَأَجرَى عَلَى يَدَيهِ بِإِذنِهِ عِلَاجَ الأَكمَهِ وَالأَبرَصِ، بَل وَزَادَتْ مُعجِزَاتُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى مُعجِزَةِ نَبِيِّ اللهِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ بِأَن أَحيَا اللهُ لَهُ مَن لَا رُوحَ فِيهِ أَصلًا فَسَلَّمَ عَلَيهِ وَحَاوَرَهُ، كَالحَجَرِ الَّذِي كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيهِ ﷺ فِي مَكَّةَ، وَبُكَاءِ جِذعِ الشَّجَرَةِ حَنِينًا إِلَيهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِندَمَا فَارَقَهُ، وَمُعجِزَةِ القُرآنِ الكَرِيمِ البَاقِيَةِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، وَغَيرِهَا الكَثِيرِ مِنَ المُعجِزَاتِ الَّتِي أَيَّدَ اللهُ بِهَا نَبِيَّهُ ﷺ، وَإِنَّ مِن هَذِهِ المُعجِزَاتِ البَاهِرَةِ انشِقَاقَ القَمَرِ فِرْقَتَينِ، فِرْقَةً مِنْ وَرَاءِ جَبَلِ حِرَاءٍ وَأُخْرَى أَمَامَهُ بِإِشَارَةٍ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ

سورة القمر:1

مكان ووقت وقوع الحادثة

الظَّاهِرُ مِن بعضِ الرِّوَايَاتِ الوَارِدَةِ أَنَّ انشِقَاقَ القَمَرِ كَانَ بِمِنًى، فَقَد جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَن ابنِ مَسعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: (فَلَقَد رَأَيتُ أَحَدَ شِقَّيهِ عَلَى الجَبَلِ الَّذِي بِمِنًى وَنَحنُ ‌بِمَكَّةَ)، لَكِن جَاءَ أَيضًا فِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ ‌بِمَكَّةَ.

وَمِن وَجهٍ ءَاخَرَ عَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: انشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَحنُ بِمَكَّةَ أَي قَبلَ أَن نُهَاجِرَ إِلَى المَدِينَةِ. وَقِيلَ غيرُ ذلك.

ذكر الحادثة

اجتَمَعَ المُشرِكُونَ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمِنهُمُ الوَلِيدُ بنُ المُغِيرَةِ، وَأَبُو جَهلٍ، وَالعَاصُ بنُ وَائِلٍ، وَالأَسوَدُ بنُ عَبدِ يَغُوثَ، وَالأَسوَدُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ، وَالنَّضرُ بنُ الحَارِثِ وَنُظَرَاؤُهُم، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَن يُرِيَهُم آيَةً تَدُلُّ عَلَى صِدقِ دَعوَتِهِ وَنُبَوَّتِهِ، وَقَالُوا: إِن كُنتَ صَادِقًا فَشُقَّ لَنَا القَمَرَ فِرقَتَينِ نِصفًا عَلَى أَبِي قُبَيسٍ وَنِصفًا عَلَى قُعَيقِعَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “اشهَدُوا“، فَنَظَرَ الكُفَّارُ إِلَى القَمَرِ فَإِذَا هُوَ مُنشَقٌّ حَتَّى رَأَوا جَبَلَ حِرَاءَ بَينَ الفِرقَتَينِ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى صَارَت فِرقَةٌ مِنهُ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيسٍ وَفِرقَةٌ مِنهُ عَلَى جَبَلِ قُعَيقِعَانَ، فَمَالَ المُشرِكُونَ بِأَبصَارِهِم فَمَحَوهَا مِنَ الدَّهشَةِ، ثُمَّ أَعَادُوا النَّظَرَ فَنَظَرُوا ثُمَّ مَسَحُوا أَعيُنَهُم ثُمَّ نَظَرُوا، وَكَأَنَّهُم لَا يُصَدِّقُونَ أَعيُنَهُم.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، [سورة القمر:1].

وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ أَهلَ مَكَّةَ ‌سَأَلُوا ‌رَسُولَ ‌اللهِ ﷺ ‌أَن ‌يُرِيَهُم آيَةً فَأَرَاهُمُ انشِقَاقَ القَمَرِ)، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ المُعجِزَةَ العَظِيمَةَ هِيَ مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ الصُغرَى، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى عِندَ ذِكرِهَا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، قَالَ ابنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: (يَقُولُ كَمَا رَأَيتُمُ القَمَرَ مُنْشَقًّا فَإِنَّ الَّذِي أَخبَرتُكُم عَنِ اقتِرَابِ السَّاعَةِ حَقٌّ).

موقف المشركين من هذه الحادثة

كَانَ مَوقِفُ المُشرِكِينَ مِن هَذِهِ الحَادِثَةِ كَمَا هُوَ المَعهُودُ مِنهُم أَن كَذَّبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ رَغمَ هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي أَرَاهُم إِيَّاهَا الَّتِي لَا يُمكِنُ لِأَيِّ أَحَدٍ أَن يَأتِيَ بِمِثلِهَا، فَقَالُوا: سَحَرَ مُحَمَّدٌ أَعيُنَنَا.

فَكَذَّبَ المُشرِكُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ رَأَوا هَذِهِ الآيَةَ البَاهِرَةَ، وَعَانَدُوا رَغمَ وُضُوحِ دِلَالَتِهَا عَلَى صِدقِهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: لَئِن كَانَ سَحَرَنَا فَإِنَّهُ لَا يَستَطِيعُ أَن يَسحَرَ النَّاسَ كُلَّهُم، فَانظُرُوا إِلَى السُّفَّارِ فَإِن أَخبَرُوكُم أَنَّهُم رَأَوا مِثلَ مَا رَأَيتُم فَقَد صَدَقَ، فَكَانُوا يَتَلَقُّونَ الرَّكبَ فَيُخبِرُونَهُم أَنَّهُم رَأَوا مِثلَ مَا رَأَوا، فَيُكَذِّبُونَهُم مَعَ ذَلِكَ مِن شِدَّةِ العِنَادِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.

فَإِن قِيلَ: فَلِمَ لَم يُعرَف هَذَا فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَنفِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ تَطَاوَلَ الْعَهْدُ وَالْكَفَرَةُ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَلَعَلَّهُمْ لَمَّا أُخْبِرُوا أَنَّ هَذَا كَانَ آيَةً لِهَذَا النَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ ﷺ تَدَاعَتْ آرَاؤُهُم الفَاسِدَةُ عَلَى كِتمَانِهِ وَتَنَاسِيهِ.

ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا كَانَ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ لَيْلًا قَدْ يَخْفَى أَمْرُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ لِأُمُورٍ مَانِعَةٍ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، مِنْ غُيُومٍ مُتَرَاكِمَةٍ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي بُلْدَانِهِمْ، أَوْ لَعَلَّهُ كَانَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ حَيْثُ يَنَامُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

خاتمة

حَادِثَةُ انشِقَاقِ القَمَرِ حَادِثَةٌ ثَابِتَةٌ دِينِيًّا حَيثُ وَرَدَتِ الآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ الكَثِيرَةُ فِي ذِكرِهَا وَتَوثِيقِهَا وَشَاهَدَهَا عَدَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ تَارِيخِيًّا حَيثُ تَمَّ تَوثِيقُهَا فِي التَّارِيخِ حَتَّى مِن غَيرِ المُسلِمِينَ، فَقَد ذُكِرَ أَنَّ هُنَاكَ بِنَاءً فِي الهِندِ كُتِبَ عَلَى بَابِهِ (بُنِيَ لَيلَةَ انشِقَاقِ القَمَرِ)، وَذَكَرَتِ المَخطُوطَاتُ التَّارِيخِيَّةُ أَنَّ مَلِكًا مِن مُلُوكِ الهِندِ شَاهَدَ حَادِثَةَ انشِقَاقِ القَمَرِ، وَلَم يَنشَقَّ القَمَرُ لِأَحَدٍ غَيرِ نَبِيِّنَا ﷺ.

وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ الْقُصَّاصِ مِنْ أَنَّ الْقَمَرَ دَخَلَ فِي جَيْبِ النَّبِيِّ ﷺ وَخَرَجَ مِنَ كُمِّهِ، وَنَحْوُ هَذَا الْكَلَامِ فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَالْقَمَرُ فِي حَالِ انْشِقَاقِهِ لَمْ يُزَايِلِ السَّمَاءَ بَلِ انْفَرَقَ بِاثْنَتَيْنِ وَسَارَتْ إِحْدَاهُمَا حَتَّى صَارَتْ وَرَاءَ جَبَلِ حِرَاءَ، وَالْأُخْرَى مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، وَصَارَ الْجَبَلُ بَيْنَهُمَا، وَكِلْتَا الْفِرْقَتَيْنِ فِي السَّمَاءِ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَنْظُرُونَ إِلَى ذَلِكَ.

المصادر

هَذِهِ المَعلُومَاتُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  3. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  4. فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِابنِ حَجَرٍ.
  5. دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِأَبِي نُعَيمٍ.
  6. دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلبَيهَقِيِّ.
  7. سُبُلُ الْهُدَى وَالرَّشَادِ فِيْ سِيْرَةِ خَيْرِ الْعِبَادِ للصَّالِحِيِّ