خطبة الجمعة| خير أيام الدنيا – العشر من ذي الحجة

خطبة الجمعة| خير أيام الدنيا - العشر من ذي الحجة

الحَمْدُ للَّهِ الْعَالِمِ بِعَدَدِ الرَّمْلِ وَالنَّمْلِ وَالْقَطْرِ، الْقَدِيرِ عَلَى مَا يَشَاءُ بِالْعِزِّ وَالْقَهْرِ، الْقَدِيمِ فَلا إِلَهَ سِوَاهُ، الْقَاهِرِ لِمَنْ خَالَفَهُ وَعَصَاهُ، لا كَيْفَ لَهُ وَلا شَبِيهَ وَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّشْبِيهُ، مُتَنَزِّهٌ عَنْ تَصَوُّرِ الْفِكْرِ. أَقْسَمَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِمَا يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ فَتَأَمَّلْ مَا يَحْوِي الْقَسَمُ مِنْ فَائِدَةٍ: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. أَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ فَكَمْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةٌ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الَّذِي مَا رُدَّتْ لَهُ رَايَةٌ، صَلَاةً تَصِلُ إِلَيْهِ فِي الْقَبْرِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَضَّلَ بَعْضَ الأَوْقَاتِ عَلَى بَعْضٍ رَحْمَةً بِعِبَادِهِ وَإِتَاحَةً لَهُمْ فُرَصَ التَّزَوُّدِ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَيَوْمُ الجُمُعَةِ خَيْرُ أَيَّامِ الأُسْبُوعِ، وَرَمَضَانُ خَيْرُ الشُّهُورِ، وَأَمَّا أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ عَلَى الإِطْلَاقِ فَهِيَ أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ. فَقَدْ أَقْسَمَ اللهِ تَعَالَى بِهَا فِي القُرآنِ الكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وَالمُرَادُ بِالعَشْرِ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ.

عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ جَاءَ فِي فَضْلِ العَشرِ مِن ذِي الحِجَّةِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ مَا يَشْرَحُ الصُّدُورَ وَيَرفَعُ الهِمَمَ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ العَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: «وَلا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». وَبَيَّنَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ سِرَّ هَذِهِ المَكَانَةِ فَقَالَ: إِنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ لِاجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ العِبَادَةِ فِيهِ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالحَجُّ، وَلا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ.

وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يُعَظِّمُونَ هَذَا المَوْسِمَ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ التَّابِعِينَ: كَانُوا يُعَظِّمُونَ ثَلَاثَ عَشَرَاتٍ: العَشْرَ الأُوَلَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، وَالعَشْرَ الأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالعَشْرَ الأُوَلَ مِنَ المُحَرَّمِ. فَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّ عَشْرَكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ كَأَيِّ عَشْرٍ، وَقَدْ رَغَّبَ الشَّرْعُ فِي الِازْدِيَادِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِيهَا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ حُجَّاجًا وَغَيْرَ حُجَّاجٍ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ مِمَّنْ كَتَبَ اللهُ لَهُمُ الحَجَّ تَجَهَّزُوا وَسَارُوا وَقَعَدْنَا، وَقَرُبُوا مِنَ البِقَاعِ المُقَدَّسَةِ وَبَعُدْنَا، فَإِنْ كَانَ لَنَا مَعَهُمْ نَصِيبٌ سَعِدْنَا. الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ بِانْتِهَازِ الفُرْصَةِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ العَظِيمَةِ فَمَا مِنْهَا عِوَضٌ وَلا خَلَفٌ، المُبَادَرَةَ المُبَادَرَةَ بِالعَمَلِ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الأَجَلُ بَيْنَ المُؤَمِّلِ وَبُلُوغِ الأَمَلِ، وَقَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ المُفَرِّطُ الرَّجْعَةَ لِيَعْمَلَ صَالِحًا فَلا يُجَابَ إِلَى مَا سَأَلَ.

وَمِمَّا يُشْرَعُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الصِّيَامُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الحِجَّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. وَفِي هَذِهِ الأَيَّامِ يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي قَالَ فِي صِيَامِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَمِمَّا يُشْرَعُ كَذَلِكَ الإِكْثَارُ مِنَ الذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، وَقَدْ فُسِّرَتِ الأَيَّامُ المَعْلُومَاتُ بِأَيَّامِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا، ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.

وَلا تَنْسَوا عِبَادَ اللهِ الصَّدَقَةَ وَبِرَّ الوَالِدَيْنِ وَصِلَةَ الأَرْحَامِ، فَإِنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ الحَجِّ يُمْكِنُهُ أَنْ يَنَالَ أَجْرًا عَظِيمًا بِطَاعَةِ اللهِ فِي شَأْنِ وَالِدَيْهِ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَشْتَهِي الجِهَادَ وَلا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ ﷺ: «هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ وَالِدَيْكَ؟» قَالَ: أُمِّي، فَحَثَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الإِحسَانِ لِأُمِّهِ. فَهَا هِيَ أَبْوَابُ الخَيْرِ مَفْتُوحَةٌ أَمَامَكُمْ، فَلا تَدَعُوا هَذِهِ الأَيَّامَ تَمُرُّ خَسَارَةً وَنَدَمًا.

هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.

الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ

  الحَمدُ للهِ لَهُ النِّعمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ البَشَرِ، عِبَادَ اللهِ اتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ. أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لا يَأْخُذَ مِنْ شَعَرِهِ وَلا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا مُنْذُ دُخُولِ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الذَّبْحِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «إِذَا دَخَلَتِ العَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا الحُكْمُ مَكْرُوهٌ لا مُحَرَّمٌ عِنْدَ السَّادَةِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأُضْحِيَتُهُ صَحِيحَةٌ وَإِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ شَيْئًا.

إِخوَةَ الإِيمَانِ: تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ طَاعَةِ مَوْلَاكُمْ فِي هَذِهِ العَشْرِ، فَإِنَّ للهِ فِيهَا نَفَحَاتٍ وَخَيرَاتٍ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَمَنْ أَصَابَتْهُ سَعِدَ بِهَا إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ. 

نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾، [سُورَةُ الزُّمَر: ١٧-١٨].

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سُورَةُ الأَحْزَاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

اللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا، فَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ. اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ. اللهم احْفَظْ بِلَادَنَا وَرِجَالَهَا وَنِسَاءَهَا وَأَطفَالَهَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم فرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللهم اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ. اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البِلَادِ لِمَا فِيهِ خَيرُ البِلَادِ وَالعِبَادِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. اذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يُثِبْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ يَزِدْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَاتَّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مَخْرَجًا. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.