الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ مدبرِ الليالي والأيامِ، ومصرِّفِ الشهورِ والأعوامِ، المنزه عن مشابهة الأنام، الملكِ القدوسِ السلامِ، تنزَّهَ ربِّي عنْ دَرَكِ الأفهامِ وتعالَى وتقدَّسَ عنْ إحاطَةِ الأوهامِ ليسَ بجسمٍ فلا يُشْبِهُ الأجسامَ، إلهٌ رحيمٌ عظيمُ الإنعامِ، وربٌّ قديرٌ شديدُ الانتقامِ، سبحانه وتعالى خلق جميعَ الأزمنةِ والأيامِ، وفضّل بعضّها على بعضٍ، فيومُ عرفةَ أفضلُ الأيام. وأشهدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنَا وحبيبَنَا وعظيمَنَا محمدًا عبدُه ورسولُه خيرُ الأنام، اللهم صلِّ وسلِّمْ وأنعِمْ وأكرِمْ علَى سيدِنَا محمدٍ مصباحِ الظلامِ، وعلَى آلِهِ وأصحابِهِ الأعلامِ.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، واعلموا أنكم عن قريبٍ ميّتون، وعن قريبٍ مبعوثونَ وموقوفونَ ومسؤولون، تزيّنوا بالتقوى واستمسِكوا بالعروةِ الوُثقى فأجسادُنا على النارِ لا تَقْوى، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ” (سورة التوبة:119).
إخوةَ الإيمانِ والإسلامِ: روى ابنُ حبانَ في صحيحِه من حديثِ جابرٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: “أفضلُ الأيامِ يومُ عرفة” وسنعيشُ غدا السبت يومًا هو أفضلُ أيامِ السَّنةِ، يومٌ هو يومُ عيدٍ للمسلمين، وهو يوم اكتملت فيه قواعد الدين وأتم الله تعالى فيه النعمة، فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ – واللفظُ للبخاريِّ - عن عمر بنِ الخطابِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: “يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قال: “اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا” (سورة المائدة:3) قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه:قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ” ، فإياك أخي المسلمَ أن تضيِّعَ الخيراتِ على نفسِك.
إخوةَ الإسلام: يومُ عرفةَ هو يومُ مغفرةِ الذنوبِ والعِتقِ من النارِ؛ فقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِه عن أمِّ المؤمنينَ السيدةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو –أي تدنو رحمةُ الله تعالى وكرامتُه– ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ –أي يُظهر اللهُ تعالى للملائكةِ فضلَ هؤلاء المعتَقين بأن يغفرَ لهم– فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ()“، وليس المعنى أن الله تعالى يدنو بالمسافة من خلقه لأن الله تعالى ليس جسما وهو سبحانه وتعالى لا يشبه المخلوقات وهو منزه عن المكان؛ بل يبيِّنُ ويوضِّحُ ما ذكرنا ما رواهُ الإمامُ مالكٌ في الموطَّأِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ() وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ” قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ()“ فمعنى النزولِ والدنوِّ هو نزولُ ودنوُّ الرحمةِ كما بيّنه هذا الحديث()، والخبرُ يُبيِّنُهُ الخبرُ كما قال الحافظُ العراقيُّ: “وخيرُ ما فسَّرتَهُ بالوارِدِ”().
إخوةَ الإيمانِ: من طَمِعَ في العتقِ من النارِ ومغفرةِ ذنوبِهِ في يومِ عرفةَ فليحافظْ على الأسبابِ التي يُرجى بها العِتقُ والمغفرةُ، والتي منها: صيامُ ذلك اليوم، ففي صحيحِ مسلمٍ عن أبي قَتادةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: “صيامُ يومِ عرفةَ أَحتسبُ على اللهِ أن يُكفِّرَ السنةَ التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه” أي يُكفِّرَ صغائرَ سنةٍ سابقةٍ وسنةٍ لاحقةٍ، فهنيئًا لمن هو صائمٌ، نسألُ اللهَ تعالى أن يتقبّلَ منَّا ذلك.
ومنها: حفظُ جوارحِه عن المحرماتِ في ذلك اليومِ ففي مسندِ الإمامِ أحمدَ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال عن يومِ عرفةَ: “إن هذا يومٌ من مَلَكَ فيهِ سمعَهُ وبصرَهُ ولسانَه غُفِرَ له” رواه الإمامُ أحمدُ في مسندِه.
ومنها: الإكثارُ من الدعاءِ وخصوصا بشهادةِ التوحيدِ بإخلاصٍ وصدقٍ فقد روى الترمذيُّ وغيرُه أن النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قال:“خيرُ الدُّعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ وخيرُ ما قلتُ أنا والنَّبيونَ من قبلي لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، له المُلكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير”. فأكثرْ أخي المسلم أولا من الدعاء لأهلِنا في غزّةَ ورفحٍ بأن يحفظَهمُ الله ُ تعالى ويثبتَهم ويتقبّل شهداءَهم، نسألُ اللهَ العظيمَ ذلك، ثم أكثرْ من الدعاءِ بالمغفرةِ والعتقِ في هذا اليومِ، قائلًا: اللهمَّ أعتقْ رقبتي من النارِ وأوسعْ لي من الرزقِ الحلالِ واصرفْ عني فسقةَ الجنِّ والإنس. فقد روي عن الفضيلِ بنِ عياضٍ رضي الله عنه أنه نَظرَ إلى بكاءِ الناسِ بعرفةَ فقال: “أرأيتم لو أنَّ هؤلاءِ صاروا إلى رجلٍ واحدٍ فسألوه دانقا() أكانَ يردُّهم ؟ قالوا: لا، قال: ” واللهِ للمغفرةُ عند اللهِ عز وجل أهونُ من إجابةِ رجلٍ لهم بدانِق “فمن كرُمت عليه نفسُه هانَ عليه كلُّ ما يَبذُلُ في افتكاكِها من النارِ.نسألُ اللهَ أن يغفرَ لنا وأن يعتقَ رقابَنا من النار، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسنَا ومِنْ سيئاتِ أعمالنَا عبادَ اللهِ أوصيكمْ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ وطاعتِهِ وأحذركم ونفسيَ مِنْ عصيانِهِ ومخالفةِ أمرِهِ وأصلي وأسلمُ على سيدِنَا محمدٍ وءالِهِ وصحبِهِ: أمَّا بعدُ: إخوةَ الإسلام: إن من شعائرِ الله تعالى فعلَ الأُضحيةِ فهي سنةٌ مؤكدةٌ ينبغي لمن قَدَر عليها أن يحافظَ عليها، فقد روى البيهقيُّ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: “ضَحُّوا وطَيِّبُوا أنفسَكُمْ فإنَّه مَا مِنْ مُسلِمٍ يستقبِلُ بِذَبيحَتِه القبلةَ إلَّا كانَ دَمُهَا وَفَرْثُها() وَصُوفُها حَسَناتٍ في ميزانهِ يومَ القيامة”، واحذرْ أخي أن تستهزِئَ بالأضحيةِ وغيرِها من شعائرِ الله تعالى فتهلِكَ وتخسرَ، واعلمْ أنه يجزئُ في الأضحيةِ الجَذَعُ مِنَ الضأنِ أو الثنيُ مِنَ المعزِ أو الإبلِ أو البقرِ، والجذعُ من الضأنِ ما له سنةٌ على الأصحِّ أو أسقطَ مُقَدَّمَ أسنانهِ وقيلَ ستةُ أشهُرٍ وقيلَ ثمانيةٌ، والثَّنِيُّ مِنَ المَعزِ مَا لهُ سَنَتانِ ودَخَلَ في الثالثةِ، وقيلَ سنة، ومِنَ البَقَرِ سنتَان، ومِنَ الإبلِ خمسُ سنينَ كاملةٍ ويجزئُ مَا فوقَ الجَذَعِ والثَّنِيِّ وهوَ أفضلُ ويجزئ الذكرُ والأنثى ولا يجزئُ فيهمَا مَعيبٌ بعيبٍ يؤثرُ في نقصِ اللحمِ تأثيرًا بيِّنًا أي ظاهرًا كالعرجاءِ البيِّنِ عَرَجُها أو العَوْرَاءِ، ويدخلُ وقتُ الأضحيةِ إذَا مَضَى قدرُ صلاةِ العيدِ وخطبتينِ مُعتدلتينِ بعدَ طلوعِ الشمسِ يومَ النَّحْرِ. ولا تغفُلْ أخي المسلم عن مراعاةِ ءادابِ الذبحِ عند التضحيةِ، فاحرصْ على إشرابِها الماءَ قبلَ ذبحِها، وأن تُحِدَّ السكّينَ قبلَ ذبحِها، وانتبهْ أخي إلى أن يكونَ ذلك قبل إضجاعِها للذبحِ وأن لا يكونَ أمامَها، فكثيرٌ من الناس لا يراعون ذلك اليوم؛ بل منهم من يسلخُ الخروف المذبوحَ أمامَ غيرِه من الأحياء ولا يراعي هذا الأدبَ الثابتَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ومن الآداب أيضا أن نبتعدَ عن رميِ بقايا الأضاحي في الطرقاتِ والأماكنِ العامةِ بحيث تؤذي الناس، وللأضحيةِ مزيدُ شروطٍ وأحكامٍ تُعْلَمُ مِنْ أهلِ العلمِ الثقاتِ، نسألُ اللهَ تعالى أن يعلمَنا ما ينفعُنا وأن يتقبَل طاعاتِنا، إنه على كلِّ شيءٍ قديرٌ وبعبادِهِ لطيفٌ خبير.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا اللهُ انصرِ الإسلامَ والمسلمين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّتْ المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهمْ عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادرْ منهم أحدا، يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ اشفِ جرحى المسلمين في غزة وفلسطين، وتقبّلْ شهداءهم، وأنزلِ الصبرَ والسكينةَ على قلوبِ أهلِهم، اللهم إنّا نستودعُكَ غزّةَ وأهلَها وأرضَها وسماءَها ورجالَها ونساءَها وأطفالَها ، فيا ربِّ احفظهم من كلِّ سوء. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.