الخطبة الاولى
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الذي مَدَحَ سيدَ الأولينَ والآخِرينَ؛ فقالَ:”وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ”(الأنبياء:107) وجعلَ الحِلْمَ وحُسْنَ الخُلُقِ شعارَ الصَّالحين، أَحْمَدُهُ تعالَى بأنْ خَصَّنَا بالنَّبيِّ المَكِينِ()، والرَّسولِ الأمِينِ، سيِّدِ المُرسَلِينَ، وخَاتَمِ النَّبيِّينَ، أرسَلَهُ بالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ إلى كافَّةِ المُكلَّفينَ مِنَ الخَلقِ فَخَتَمَ بهِ النَّبِيِّيْن، واصطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ واجتَبَاهُ لِبَيانِ شَرائعِ الدين، ورَفَعَ ذِكْرَهُ فِي الأولينَ والآخرين.وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له شهادة ننجو بها يومَ القيامةِ من العذابِ الأليمِ، وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبَنا محمدا عبدُه ورسولُه الهادي للنهجِ القويمِ، اللهم صلِّ وسلمْ وأنعمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه ومَنِ اقتَفَى أثَرَهُ وأحْيَا سنَّتَهُ إلَى يومِ الدِّين.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ”(الحشر:18) . وكن على ذكر أخي المسلم لقول الله تعالى:” وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ”(البقرة:235) .
إخوة الإيمانِ والإسلام: لا يصحُ لكافرٍ إسلامٌ، إلا بالإيمانِ برسولِ اللهِ ﷺ، فالإيمانُ به ﷺ سببٌ في بلوغِ الدرجاتِ الرفيعةِ، وذكرهُ ﷺ سببٌ لإجابةِ الدعاء، وتنزّلِ الرحمات. محمدٌ ﷺ الذي جعلَ اللهُ تعالى خلقَه القرآن، محمدٌ ﷺ أشجعُ الناسِ وأقواهم قلبا، محمد ﷺ الذي ما سئل عن شيء قطُّ – حاجةٌ من الدنيا يُباحُ إعطاؤُها – فقال: لا، إلا إذا كان لا يجدُه، محمدٌ ﷺ أصدقُ الناسِ لهجةً، وأوفاهُم ذمّةً، وأحسنُهم معاشرةً، محمدٌ ﷺ الذي كان يقولُ من تواضعه: “إنما أنا عبدٌ، ءاكُلُ كما يأكلُ العبدَ، وأجلِسُ كما يجلِسُ العبدَ”()، محمدٌ ﷺ الذي من شدّةِ رحمتِه قيل له: لو دعوتَ على من وطِئَ ظهرَك، وأدمى وجهَكَ وكسرَ ربَاعِيَتِكَ، ولو دعوتَ على دوسٍ() وغيرِهم من الكفارِ، فقال: “إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً”؛ بل ودعا لهم فقال: “اللهمَّ اهدِ دوسًا وأتِ بهم مسلمين”، فأصبحوا رؤساءَ في الإسلامِ، فكان قدرُه ﷺ رفيعًا عظيما، وذكرُه مرفوعًا، وهو عنوانُ خطبتِنا بإذنِ الله تعالى.
إخوة الإسلام: يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في حقِّ نبيِّنا ﷺ: “وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ”(الشرح:4)، فاللهُ تبارك وتعالى رفعَ ذكرَ النبيِّ ﷺ في الدنيا والآخرة، فكلُّ الأنبياءِ عليهمُ السلام بشّروا أقوامَهم بالنبيّ ﷺ، وهو ﷺ أوّل شافعٍ ومشفّع، وأوَّلُ من يدخلُ الجنةَ، وهو ﷺ أفضلُ خلقِ اللهِ تعالى على الاطلاق، فبركاتُ وأسرارُ رسولِ الله ﷺ لا يُحصيها إلا اللهُ تعالى؛ فلأجلِ هذا كلِّه أحبَّهُ أصحابُه وعظّموه، وهذا ما يرويه عروةُ بنُ مسعود رضي الله عنه قبل أن يسلمَ حين جاءَ رسولَ اللهِ ﷺ قبل صلحِ الحديبيةِ يفاوضُه، فلما عادَ إلى قومِهِ قال لهم:”أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا….. إِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ”.
إخوةَ الإسلام: هرقلُ ملكُ الرومِ الذي أبى الإسلامَ قال لأبي سفيان حين سألَه بعض الأسئلةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ:” وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ() وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ”. فهرقلُ كان يصدّقُ رسولَ اللهِ ﷺ تلك اللحظة، ولم يتكلّم عليه بما يشينُهُ، فعجبا ممن يقدحُ ويذُمُّ رسولَ اللهِ ﷺ، ويقدحُ بزوجتِه الشريفةِ الطاهرةِ العفيفةِ عائشةَ رضي الله عنها وأرضاها، ونقولُ لهم مهما حاولتم التكلمَ على رسولِ اللهِ ﷺ والنيلَ منه ومن مقامِ زوجاتِه الطاهرات، فلن ولم تقدرِوا، واللهُ تعالى حسيبُكم، وهو القائلُ عز وجلّ:”إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ”(الحجر:95) وهو القائلُ عزّ وجلّ: “ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ”(المائدة:67)، وقد حصلَ في الزمانِ الماضي أن بعضَ أمراءِ المغولِ حضر عنده جماعة من الكافرين المعادين لرسولِ اللهِ ﷺ فجعلَ واحدٌ منهم ينتقِصُ النبيَّ ﷺ وهناك كلبُ صيدٍ مربوطٌ فلما أكثر من ذلك وَثبَ عليه الكلبُ فخمشَهُ فخلّصوهُ منه وقال بعضُ من حضرَ: هذا بكلامِك في محمدٍ، فقال كلّا بل هذا الكلبُ عزيزُ النفسِ رآني أُشيرُ بيدي فظنَّ أني أريدُ أن أضربَهُ ثم عاد إلى ما كان فيه، فأطالَ فوثَبَ الكلبُ مرةً أخرى فقبَضَ على زَرْدَمَتِهِ فقلعَها فماتَ من حينِه فأسلَمَ بسبب ذلك نحوُ أربعينَ ألفًا من المغول. نسأل الله تعالى أن يرزقَنا اتباعَ النبيِّ ﷺ الاتباعَ الكاملَ، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:
إخوةَ الإسلام: إن محبةَ النبيِ ﷺ والدفاعَ عنه تكونُ باتباعِهِ ﷺ والسيرِ على نهجهِ عليه الصلاةُ والسلام، وليس بمجرّدِ شعاراتٍ مع مخالفةِ هديِهِ ﷺ، وبأن نُكثِرَ من الصلاةِ على رسولِ اللهِ ﷺ، فأكثروا إخوةَ الإسلام من الصلاةِ على النبي ﷺ؛ فإنللمصلِّينَ على سيِّدِ المرسلينَ عشرَ كراماتٍ: إحداهنَّ: صلاةُ الملكِ الغفار، والثانيةُ: شفاعةُ النبيِّ المختار، والثالثةُ: الاقتداءُ بالملائكةِ الأبرار، والرابعةُ: مخالفةُ المنافقين الكفار، والخامسةُ: محوُ الخطايا والأوزار، والسادسةُ: قضاءُ الحوائجِ والأوطار، والسابعةُ: تنويرُ الظواهرِ والأسرار، والثامنةُ: النجاةُ منَ النار، والتاسعةُ: دخولُ دارِ القَرار، والعاشرةُ: سلامُ العزيزِ الجبار. نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا كراماتِ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:“إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من أصحابِ الهممِ العاليةِ، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.