قصة الغرانيق: بين الرواية والتمحيص

قصة الغرانيق: بين الرواية والتمحيص

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

اللهُ تَعَالَى حَفِظَ كِتَابَهُ مِنَ التَّحرِيفِ، وَجَعَلَ أَنبِيَاءَهُ مَعصُومِينَ فِي تَبلِيغِ دِينِهِ لِلنَّاسِ، فَلَا يَحصُلُ مِنهُم كَذِبٌ أَو غَشٌّ أَو تَدلِيسٌ أَو خَطَأٌ فِي تَبلِيغِ الوَحيِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَحصُلُ أَن يَتَكَلَّمَ شَيطَانٌ أَو غَيرُهُ عَلَى لِسَانِهِم فَيُوهِمَ أَنَّهُ كَلَامُهُم، وَلَا يَحصُلُ مِنهُم تَعظِيمٌ لِرُمُوزِ الكُفرِ أَو لِمَا قَبَّحَهُ اللهُ تَعَالَى، ولَا يَحصُلُ مِن أَحَدٍ مِنَهُم أَن يَكتُمَ شَيئًا أُمِرَ بِتَبلِيغِهِ، وَلَا أَن يُبَلِّغَ شَيئًا بِخِلَافِ مَا يُوحَى إلَيهِ، وَلَا يُوحَى إِلَيهِ بِالكُفرِ وَمَدحِ الأَصنَامِ قَطعًا.

وَقَد كَانَ اعتِقَادُ أَنَّهُم مَعصُومُونَ مِنَ الكَذِبِ فِي التَّبلِيغِ عَنِ اللهِ تَعَالَى جُزءًا مِن مَعنَى الإِيمَانِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ. 

وَمِمَّا يُصَادِمُ مَعنَى الإِيمَانِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ القِصَّةُ المَكذُوبَةُ الَّتِي يَروِيهَا البَعضُ وَهِيَ قِصَةُ الغَرَانِيقِ، وَهَذِهِ القِصَّةُ – وَإِن رَاجَت فِي بَعضِ المَصَادِرِ – فَقَدِ اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ مِن أَهلِ العِلمِ عَلَى أَنَّهَا بَاطِلَةٌ مَوضُوعَةٌ لَا يَصِحُّ نَسبَتُها إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، إِذ هِيَ مُنَاقِضَةٌ لِأَصلٍ قَطعِيٍّ فِي العَقِيدَةِ، وَهُوَ عِصمَةُ الأَنبِياءِ عَنِ التَّلَبُّسِ بِالبَاطِلِ فِي التَّبلِيغِ.

تفصيل القصة المكذوبة كما رويت

قَالَ بَعضُ الكَذَّابِينَ المُدَلِّسِينَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقتَ هِجرَةِ أَصحَابِهِ لِلحَبَشَةِ كَانَ يَقرَأُ القُرآنَ فِي سُورَةِ النَّجمِ، فَقَرَأَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخرَى﴾، فَأَلقَى الشَّيطَانُ عَلَى لِسَانِ النَّبيِّ ﷺ كلَامًا فِيهِ مَدحٌ لِلأَصنَامِ وَالعِيَاذُ باللهِ، وهُوَ قولُهُ: وَتِلكَ الغَرَانِيقُ (يَقصِدُ بِزَعمِهِمُ الأَصنَامَ) العُلَا وإنَّ شفَاعَتَهُنَّ لتُرتَجَى، قَالَ: فَسَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَالمُؤمِنُونَ، وَسَجَدَ المُشرِكُونَ مَعَهُ فَرَحًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَدَحَ أَصنَامَهُم، وَقَالُوا: مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ءَالِهَتَنَا بِخَيرٍ قَبلَ اليَومِ، فَجَاءَ جِبرِيلُ وَقَالَ لَهُ: هَذَا لَيسَ مِنَ القُرءَانِ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللهِ، وَأَنزَلَ اللهُ الآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الحَجِّ تَسلِيَةً لَهُ: ﴿وَمَا أَرسَلنَا مِن قَبلِكَ مِن رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلقَى الشَّيطَانُ فِي أُمنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وَوَصَلَ الخَبَرُ لِلمُسلِمِينَ فِي الحَبَشَةِ أَنَّ قُرَيشًا أَسلَمُوا وَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لَأَنَّهُم سَجَدُوا لِسُجُودِهِ، فَرَجَعَ عَدَدٌ مِنهُم إِلَى مَكَّةَ.

وَهَذَا -أَيِ الجُزءُ الَّذِي فِيهِ أَنَّ الشَّيطَانَ أَلقَى عَلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ كَلَامًا فِيهِ مَدحٌ وَتَعظِيمٌ لِلأَصنَامِ فَفَرِحَ المُشرِكُونَ لِذَلِكَ- باطِلٌ مَردُودٌ لَيسَ لَهُ أَصلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَحصُلُ مِنهُم كَذِبٌ أَو غَشٌّ أَو تَدلِيسٌ أَو خَطَأٌ فِي تَبلِيغِ الوَحيِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَحصُلُ أَن يَتَكَلَّمَ شَيطَانٌ أَو غَيرُهُ عَلَى لِسَانِهِم فَيُوهِمَ أَنَّهُ كَلَامُهُم، وَلَا يَحصُلُ مِنهُم تَعظِيمٌ لِرُمُوزِ الكُفرِ أَو لِمَا قَبَّحَهُ اللهُ تَعَالَى، ولَا يَحصُلُ مِن أَحَدٍ مِنَهُم أَن يَكتُمَ شَيئًا أُمِرَ بِتَبلِيغِهِ، وَلَا أَن يُبَلِّغَ شَيئًا بِخِلَافِ مَا يُوحَى إلَيهِ، وَلَا يُوحَى إِلَيهِ بِالكُفرِ وَمَدحِ الأَصنَامِ قَطعًا، فَذَلِكَ مُستَحِيلٌ فِي حَقِّهِم، وَيَدخُلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَستَحِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَن يَتلُوَ عَلَى النَّاسِ شَيئًا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مِن كِتَابِ اللهِ وَهُوَ لَيسَ كَذَلِكَ فِي الحَقِيقَةِ.

القصة الصحيحة الثابتة

الصَّحِيحُ الثَّابِتُ عَنِ العلَمَاءِ وَمَرِوِيٌّ فِي البُخَارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقرَأُ سُورَةَ النَّجمِ، فَسَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَالمُؤمِنُونَ، وَسَجَدَ المُشرِكُونَ مَعَهُ مِن عَظَمَةِ القُرءَانِ وَفَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ، فَبِسَبَبِ سُجُودِ المُشرِكِينَ لِعَظَمَةِ القُرءَانِ وَفَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَصَلَ الخَبَرُ إِلَى مَن هَاجَرَ إلى الحَبَشَةِ أَنَّ أَهلَ مَكَّةَ أسلَمُوا وَانتَشَرَ الإِسلَامُ، فَرَجَعَ بَعضُهُم.

الاحتجاج على عدم صحتها بالقرءان والسنة والعقل

  • مِنَ القُرءَانِ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىٰ، إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يُوحَى﴾، فَلَو أَنَّهُ قَرَأَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ تِلكَ الغَرَانِيقُ العُلَى لَكَانَ قَد ظَهَرَ كَذِبُ اللهِ تَعَالَى وَالتَّعَارُضُ فِي كَلَامِهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ فِي الحَالِ، وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ مُسلِمٌ.
  • مِنَ السُنَّةِ: قَالَ الإِمَامُ أَبُو بَكرٍ أَحمَدُ بنُ الحَسَنِ البَيهَقِيُّ: «هَذِهِ القِصَّةُ غَيرُ ثَابِتَةٍ مِن جِهَةِ النَّقلِ»، ثُمَّ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي أَنَّ رُوَاةَ هَذِهِ القِصَّةِ مَطعُونٌ فِيهِم، «وَأَيضًا فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيهِ السَّلَامُ قَرَأَ سُورَةَ النَّجمِ وَلَيسَ فِيهِ حَدِيثُ الغَرَانِيقِ، وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَلَيسَ فِيهَا أَلبَتَّةَ حَدِيثُ الغَرَانِيقُ».

وَالرِّوَايَةُ فِي البُخَارِيِّ: عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ النَّجمَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَن مَعَهُ غَيرَ شَيخٍ أَخَذَ كَفًّا مِن حَصًى أَو تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى جَبهَتِهِ وَقَالَ: يَكفِينِي هَذَا، فَرَأَيتُهُ بَعدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا.اهـ

وَفِي رِوَايَةٍ فِي البُخَارِيِّ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ المُسلِمُونَ وَالمُشرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإِنسُ.اهـ

وَأَمَّا مِنَ العَقلِ فَمِن وُجُوهٍ:

مِنهَا: أَنّ مَن جَوَّزَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ تَعظِيمَ الأَوثَانِ فَقَد كَفَرَ.

وَمِنهَا: وَهُوَ أَقوَى الوُجُوهِ، أَنَّا لَو جَوَّزنَا ذَلِكَ لَارتَفَعَ الأَمَانَ عَن شَرعِهِ، وَلَجَوَّزنَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَحكَامِ وَالشَّرَائِعِ أَن يَكُونَ كَذَلِكَ، فََيُبطِلُ بِذَلِكَ قَولَه تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ، وَإِن لَّم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهدِي القَومَ الكَافِرِينَ﴾، هَذَا كَلَامُ الفَخرِ الرَّازِيِّ مُختَصَرًا.

موقف العلماء من القصة 

 رَدَّ العُلَمَاءُ المُحَقِّقُونَ مِنهُمُ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ فِي تَأوِيلَاتِهِ هَذِهِ القِصَّةَ مِن عِدَّةِ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ: لَو كَانَ مَا ذَكَرَ هَؤُلَاءِ مِن أَنَّ جِبرِيلَ كَانَ هُوَ الَّذِي نَبَّهَهُ فِي المَرَّة الثَّانِيَةِ، كَيفَ عَرَفَهُ فِي المَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ جِبرِيلُ وَأَنَّهُ لَيسَ بِشَيطَانٍ، وَلَا يُؤمَنُ أَنَّهُ يُلبَسُ عَلَيهِ فِي وَقتٍ ءَاخَرَ فِي أَمثَالِهِ.

وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: «كَانَ سَبَبُ سُجُودِهِم -فِيمَا قَالَ ابنُ مَسعُودٍ- إِنَّهَا أَوَّلُ سَجدَةٍ نَزَلَت، وأَمَّا مَا يَروِيهِ الإِخبَارِيُّونَ أنَّ سَبَبهُ مَا جَرَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى الأَصنَامِ بِقَولِهِ: تِلكَ الغَرَانِيقُ العُلَا، فبَاطِلٌ لَا يَصِحُّ لَا نَقلًا وَلَا عَقلًا، لأَنَّ هَذَا كُفرٌ، وَلَا يَصِحُّ نِسبَةُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا أَن يَقُولَهُ الشَّيطَانُ بِلِسَانِهِ، حَاشَاهُ مِنهُ».اهـ

وَقَالَ ابنُ عَاشُورٍ -وَهُوَ عَالِمُ الشَّمَالِ الإِفرِيقِيِّ مِن عُلَمَاءِ المَالِكيَةِ- بَعدَ أَن أَورَدَ القِصَّةَ المَكذُوبَةَ: «وَهِيَ قِصَّةٌ يَجِدُهَا السَّامِعُ ضِغثًا، وَلَا يُلقِي إِلَيهَا النِّحرِيرُ بَالَهُ، وَسَنَدُهَا إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ سَنَدٌ مَطعُونٌ، وَهِيَ أَخبَارٌ تُعَارِضُ أُصُولَ الدِّينِ لِأَنَّهَا تُخَالِفُ أَصلَ عِصمَةِ الرَّسُولِ ﷺ فِي أَنَّهُ لَا التِبَاسَ عَلَيهِ فِي تَلَقِّي الوَحيِ، وَيَكفِي تَكذِيبًا لَهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَما يَنطِقُ عَنِ الهَوى﴾، [سُورَةُ النَّجمِ:3]، وَكَيفَ يَرُوجُ عَلَى ذِي مُسكَةٍ مِن عَقلٍ أَن يَجتَمِعَ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ تَسفِيهُ المُشرِكِينَ فِي عِبَادَتِهِمُ الأَصنَامَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالعُزَّى﴾، [سُورَةُ النَّجمِ:19]، إِلَى قَولِهِ: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلطانٍ﴾، [سُورَةُ النَّجمِ:23]، فَيَقَعُ فِي خِلَالِ ذَلِكَ مَدحُهَا بِأَنَّهَا الغَرَانِيقُ العُلَى وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرتَجَى».اهـ

قَالَ الأَلُوسِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «وَلَيسَ لِأَحَدٍ أَن يَقُولَ: إِنَّ سُجُودَ المُشرِكِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي السُّورَةِ مَا ظَاهِرُهُ مَدحُ آلِهَتِهِم وَإِلَّا لَمَا سَجَدُوا، لِأَنَّا نَقُولُ: يَجُوزُ أَن يَكُونُوا سَجَدُوا لِدَهشَةٍ أَصَابَتهُم وَخَوفٍ اعتَرَاهُم عِندَ سَمَاعِ السُّورَةِ، لِمَا فِيهَا مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ أَهلَكَ عادًا الأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبقى * وَقَومَ نُوحٍ مِن قَبلُ إِنَّهُم كانُوا هُم أَظلَمَ وَأَطغى * وَالمُؤتَفِكَةَ أَهوى * فَغَشَّاها ما غَشَّى﴾ [سُورَةُ النَّجمِ:50-54] إِلَى آخِرِ الآيَاتِ، فَاستَشعَرُوا نُزُولَ مِثلِ ذَلِكَ بِهِم، وَلَعَلَّهُم لَم يَسمَعُوا قَبلَ ذَلِكَ مِثلَهَا مِنهُ ﷺ وَهُو قَائِمٌ بَينَ يَدِي رَبِّهِ سُبحَانَهُ فِي مَقَامٍ خَطِيرٍ وَجَمعٍ كَثِيرٍ، وَقَد ظَنُّوا مِن تَرتِيبِ الأَمرِ بِالسُّجُودِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ سُجُودَهُم وَلَو لَم يَكُن عَن إِيمَانٍ كَافٍ فِي دَفعِ مَا تَوَهَّمُوهُ، وَلَا تَستَبعِد خَوفَهُم مِن سَمَاعِ مِثلِ ذَلِكَ مِنهُ ﷺ».اهـ

وَقَالَ الأَلُوسِيُّ: «وَفِي البَحرِ أَنَّ هَذِهِ القِصَّةَ سُئِلَ عَنهَا الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ إِسحَاقَ جَامِعُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فَقَالَ: هَذَا مِن وَضعِ الزَّنَادِقَةِ، وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ كِتَابًا، وَذَكَرَ الشَّيخُ أَبُو مَنصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ فِي كِتَابِ حِصَصِ الأَتقِيَاءِ: الصَّوَابُ أَنَّ قَولَهُ: تِلكَ الغَرَانِيقُ العُلَا، مِن جُملَةِ إِيحَاءِ الشَّيطَانِ إِلَى أَولِيَائِهِ (أَي أَنصَارِ الشَّيطَانِ) مِنَ الزَّنَادِقَةِ حَتَّى يُلقُوا بَينَ الضُّعَفَاءِ وَأَرِقَّاءِ الدِّينِ لِيَرتَابُوا فِي صِحَّةِ الدِّينِ، وَحَضرَةُ الرِّسَالَةِ بَرِيئَةٌ مِن مِثلِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

وَذَكَرَ غَيرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَلزَمُ عَلَى القَولِ بِأَنَّ النَّاطِقَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبَبِ إِلقَاءِ الشَّيطَانِ المُلَبِّسَ بِالمَلَكِ أُمُورٌ:

مِنهَا تَسَلُّطُ الشَّيطَانِ عَلَيهِ ﷺ، وَهُوَ ﷺ بِالإِجمَاعِ مَعصُومٌ مِنَ الشَّيطَانِ، لَا سِيَّمَا فِي مِثلِ هَذَا مِن أُمُورِ الوَحيِ وَالتَّبلِيغِ وَالاعتِقَادِ، وَقَد قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ عِبادِيَ لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطانٌ﴾، [سُورَةُ الحِجرِ:42، سُورَةُ الإِسرَاءِ:65]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾، [سُورَةُ النَّحلِ:99] إِلَى غَيرِ ذَلِكَ.

وَمِنهَا زِيَادَتُهُ ﷺ فِي القُرآنِ مَا لَيسَ مِنهُ وَذَلِكَ مِمَّا يَستَحِيلُ عَلَيهِ ﷺ لِمَكَانِ العِصمَةِ.

وَمِنهَا اعتِقَادُ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَيسَ بِقُرآنٍ أَنَّهُ قُرآنٌ مَع كَونِهِ بَعِيدَ الالتِئَامِ مُتَنَاقِضًا مُمتَزِجَ المَدحِ بِالذَّمِ، وَهُوَ خَطَأٌ شَنِيعٌ لَا يَنبَغِي أَن يَتَسَاهَلَ فِي نِسبَتِهِ إِلَيهِ ﷺ.

وَمِنهَا أَنَّهُ إِمَّا أَن يَكُونَ ﷺ عِندَ نُطقِهِ بِذَلِكَ مُعتَقِدًا مَا اعتَقَدَهُ المُشرِكُونَ مِن مَدحِ آلِهَتِهِم بِتِلكَ الكَلِمَاتِ، وُهُوَ كُفرٌ مُحَالٌ فِي حَقِّهِ ﷺ، وَإِمَّا أَن يَكُونَ مُعتَقِدًا مَعنًى آخَرَ مُخَالِفًا لِمَا اعتَقَدُوهُ وَمُبَايِنًا لِظَاهِرِ العِبَارَةِ وَلَم يُبَيِّنهُ لَهُم مَع فَرَحِهِم وَادِّعَائِهِم أَنَّهُ مَدحُ آلِهَتِهِم فَيَكُونُ مُقِرًّا لَهُم عَلَى البَاطِلِ، وَحَاشَاهُ ﷺ أَن يُقِرَّ عَلَى ذَلِكَ.

وَمِنهَا كَونُهُ ﷺ اشتَبَهَ عَلَيهِ مَا يُلقِيهِ الشَّيطَانُ بِمَا يُلقِيهِ عَلَيهِ المَلَكُ، وَهُوَ يَقتَضِي أَنَّهُ ﷺ عَلَى غَيرِ بَصِيرَةٍ فِيمَا يُوحَى إِلَيهِ، وَيَقتَضِي أَيضًا جَوَازُ تَصَوُّرِ الشَّيطَانِ بِصُورَةِ المَلَكِ مُلَبِّسًا عَلَى النَّبِيِّ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ فِي الشِّفَاءِ، لَا فِي أَوَّلِ الرِّسَالَةِ وَلَا بَعدَهَا، وَالاعتِمَادُ فِي ذَلِكَ دَلِيلُ المُعجِزَةِ».اهـ

قَالَ مُفتِي بَيرُوتَ الأَسبَقُ عَبدُ البَاسِطِ فَاخُورِيُّ: «وَكَيفَ يَسكُتُ المُشرِكُونَ -وَهُم مِن صَنَادِيدِ الفَصَاحَةِ وَالبَلَاغَةِ وَمَعرِفَةِ مَحَط الكَلَامِ- كَيفَ يَذُمُّ آلِهَتَهُم بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِن هِيَ إِلَّا أَسمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنتُم وآبَاؤُكُم مَا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلطَانٍ ﴾، وَيَمدَحُهَا فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ وَمَجلِسٍ حَافِلٍ، فَيَا للهِ العَجَبُ مِنَ الكَذِبِ وَعَدَمِ التَّرَوِّي، وَهَذَا سِرُّ قَولِهِ ﷺ: «مَن كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقطُهُ».

إِذَا عَلِمتَ هَذَا وَتَحَقَّقتَهُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى مَا أَطَالَهُ بَعضُ المُفَسِّرِينَ وَإِن جَلُّوا مِنَ التَّأوِيلَاتِ الفَاسِدَةِ وَالأَقَاوِيلِ البَارِدَةِ فِي الأَجوَبِةِ عَن هَذِهِ القِصَّةِ، فَلَو تَحَقَّقُوا مَنصِبَ النُّبُوَّةِ وَالوَحيِ وَمَنصِبَ تَبلِيغِ المَنزِلِ عَلَيهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ لَصُمَّت آذَانُهُم عَن سَمَاعِ مِثلِ ذَلِكَ».اهـ

عصمة الأنبياء وحفظ الوحي

لَقَد أَجمَعَ أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ الأَنبِيَاءَ مَعصُومُونَ فِي التَّبلِيغِ، لَا يُمكِنُ أَن يُدخِلَ الشَّيطَانُ فِي وَحيِهِم شَيئًا، وَلَا أَن يَتَسَلَّطَ عَلَى أَلسِنَتِهِم بِكَلِمَةٍ تُبطِلُ رَسَالَتَهُم. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يُوحَى﴾، [سُورَةُ النَّجمِ:4]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، [سُورَةُ الأَعلَى:6-7]. فَالشَّيطَانُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الأَنبِيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ﴾، [سُورَةُ الحِجرِ:42].

وَأَمَّا الآيَةُ فِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿وَمَا أَرسَلنَا مِن قَبلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلقَى الشَّيطَانُ فِي أُمنِيَّتِهِ﴾، فَمَعنَى تَمَنَّى فِي هَذِهِ الآيَةِ دَعَا قَومَهُ، وَمَعنَى أَلقَى الشَّيطَانُ فِي أُمنِيَّتِهِ أَي يَزِيدُ الشَّيطَانُ عَلَى مَا قَالُوهُ مَا لَم يَقُولُوهُ لِيُوهِمُوا غَيرَهُم أَنَّ الأَنبِيَاءَ قَالُوا ذَلِكَ الكَلامَ الفَاسِدَ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ الشَّيطَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَد قَالَ الفَخرُ الرَّازِيُّ: يَكفُرُ مَن قَالَ إِنَّ الشَّيطَانَ أَجرَى كَلامًا عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ هُوَ مَدحُ الأَوثَانِ الثَّلاثَةِ اللَّاتِ وَالعُزَّى وَمَنَاةَ بِهَذِهِ العِبَارَةِ: تِلكَ الغَرَانِيقُ العُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرتَجَى، إِذ يَستَحِيلُ أَن يُمَكِّنَ اللَّهُ الشَّيطَانَ مِن أَن يُجرِيَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَدحَ الأَوثَانِ،فَالمَقصُودُ بِهَا أَنَّ الشَّيطَانَ قَد يُلقِي الوَسَاوِسَ فِي أَسمَاعِ الكُفَّارِ أَو فِي قُلُوبِهِم، فَيَظُنُّونَ البَاطِلَ حَقًّا، وَلَكِنَّ اللهَ يُبطِلُهُ وَيُحكِمُ آيَاتِهِ، فَلَا يَضِيعُ الحَقُّ وَلَا يَختَلِطُ بِالبَاطِلِ.

الخاتمة

إِنَّ مَا عُرِفَ بِـ قِصَّةِ الغَرَانِيقِ لَا أَصلَ لَهُ، بَل هُو بَاطِلٌ لَا يَلِيقُ بِمَقَامِ النُّبُوَّةِ، وَيَتَنَافَى مَع عِصمَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّبلِيغِ. وَقَد تَكَفَّلَ اللهُ بِحِفظِ كِتَابِهِ وَرِسَالَتِهِ، فَلَا يُمكِنُ لِلشَّيطَانِ أَن يُحرِّفَ الوَحيَ أَو يُدخِلَ فِيهِ مَا لَيسَ مِنهُ. فَالأَنبِياءُ مُصطَفَونَ مُؤيَّدُونَ بِالوَحيِ، مَحفُوظُونَ مِنَ الخَطَأِ فِي التَّبلِيغِ، لِتَبقَى الرَّسَالَةُ صَافِيَةً نَقِيَّةً كَمَا أَنزَلَهَا اللهُ عزَّ وجلَّ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر والمراجع

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  • القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  • السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  • صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  • الشِّفَا بِتَعرِيفِ حُقُوقِ المُصطَفَى لِلقَاضِي عِيَاضٍ.
  • تَفسِيرِ الأَلُوسِيِّ.
  • التَّحرِيرِ وَالتَّنوِيرِ لِابنِ عَاشُورٍ.
  • التَّفسِيرِ الكَبِيرِ لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ.
  • الِاعتِقَادِ لِلبَيهَقِيِّ.
المحكم والمتشابه وطريقة الجمع بينهما

المحكم والمتشابه وطريقة الجمع بينهما

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share