بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
شَرَعَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لِعِبَادِهِ أَبوَابًا لِلخَيرِ لَا نَقدِرُ عَلَى حَصرِهَا، فَمِنهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَبِرُّ الوَالِدَينِ وَالذِّكرُ وَقِرَاءَةُ القُرءَانِ وَطَلَبُ العِلمِ وَحُسنُ الخُلُقِ، حَتَّى إِنَّ بَعضَ النَّشَاطَاتِ المُجتَمَعِيَّةَ كَإِزَالَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَبَعضَ التَّعَامُلَاتِ الإِنسَانِيَّةِ كَالِابتِسَامَةِ وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَغَيرَ ذَلِكَ الكَثِيرَ الكَثِيرَ، كُلُّ ذَلِكَ فِيهِ ثَوَابٌ وَيَرجِعُ بِالنَّفعِ لِفَاعِلِهِ إِن كَانَ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ.
وَمِن رَحمَةِ اللهِ بِنَا أَنَّ جَعَلَ بَعضَ هَذِهِ الأَبوَابِ مَفتُوحًا حَتَّى بَعدَ مَوتِ الإِنسَانِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَربَعٌ تَجرِي عَلَيهِم أُجُورُهُم بَعدَ المَوتِ: رَجُلٌ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَجُلٌ عَلَّمَ عِلمًا فَأَجرُهُ يَجرِي عَلَيهِ مَا عَمِلَ بِهِ، وَرَجُلٌ أَجرَى صَدَقَةً فَأَجرُهَا يَجرِي عَلَيهِ مَا جَرَت عَلَيهِم، وَرَجُلٌ تَرَكَ وَلَدًا صَالِحًا يَدعُو لَهُ»، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ.
وَمِن هَذَا الحَدِيثِ وَمِن غَيرِهِ نَستَدِلُّ بِأَنَّ الأَجرَ قَد يَبقَى بَعدَ مَوتِ الإِنسَانِ بِأُمُورٍ مِنهَا الصَّدَقَةُ الجَارِيَةُ الَّتِي تَصَدَّقَ بِهَا فِي حَيَاتِهِ، وَالعِلمُ النَّافِعُ الَّذِي نَشَرَهُ الإِنسَانُ فِي حَيَاتِهِ، وَمِنهَا -مَا نَصَّ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ- الوَلَدُ الصَّالِحُ الَّذِي يَدعُو لِأَبَوَيهِ بَعدَ مَوتِهِمَا، وَقَاسَ العُلَمَاءُ عَلَيهِ غَيرَ الدُّعَاءِ مِن أَنوَاعِ البِرِّ، كَقِرَاءَةِ القُرءَانِ، وَأَخَذَ مِنهُ العُلَمَاءُ جَوَازَ قِرَاءَةِ القُرءَانِ عَلَى المَيِّتِ عِندَ قَبرِهِ أَو بَعِيدًا مِنهُ، وَفِي هَذَا المَقَالِ نُبَيِّنُ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الحُكمَ وَنُفَصِّلُهُ وَنَرُدُّ عَلَى مَن خَالَفَ فِيهِ وَأَنكَرَ وُصُولَ الثَّوَابِ إِلَى المَيِّتِ بِذَلِكَ، بَل قَد غَلَا بَعضُهُم وَحَرَّمَ عَلَى مَن يَفعَلُ ذَلِكَ أَو كَفَّرَهُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
الدليل على جواز قراءة القرءان على الميت
قَد دَلَّت أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ القُرءَانِ عَلَى المَيِّتِ المُسلِمِ، إِمَّا تَصرِيحًا وَإِمَّا بِالِاستِنبَاطِ، فَقَد رُوِيَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ غَيرَ مَرَّةٍ زِيَارَتُهُ لِأَهلِ البَقِيعِ وَدُعَاءُهُ لَهُم وَأَمرُهُ بَعضَ الصَّحَابَةِ بِقِرَاءَةِ بَعضِ القُرءَانِ عَلَى الأَموَاتِ مِنَ المُسلِمِينَ، وَهَاكَ جُملَةً مِنَ الأَحَادِيثِ وَالأَدِلَّةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ.
فَمِمَّا يَشهَدُ لِنَفعِ المَيِّتِ بِقِرَاءَةِ غَيرِهِ حَدِيثُ مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «اقرَءُوا ﴿يَس﴾ عَلَى مَوتَاكُم»، رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه وَابنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ، فَهَذَا دَلِيلٌ دَامِغٌ وَحُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ القُرءَانِ عَلَى المَيِّتِ، إِذ كَيفَ يَأمُرُ الحَبِيبُ المُصطَفَى ﷺ بِمَا هُوَ حَرَامٌ أَو شِركٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى؟ وَهُوَ دَلِيلٌ أَيضًا عَلَى انتِفَاعِهِ بِهَذِهِ القِرَاءَةِ، لِأَنَّ الحِكمَةَ مِن قِرَاءَةِ القُرءَانِ عِندَ قَبرِهِ بَعدَ مَوتِهِ مَا هِيَ إِلَّا أَن يَنتَفِعَ المَيِّتُ بِهَذِهِ القِرَاءَةِ أَو لِيَصِلَهُ الثَّوَابُ مِنَ القَارِئِ، وَهَذَا نَفعٌ عَظِيمٌ لِلمَيِّتِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ على ذَلِكَ أَيضًا صَلَاةُ الجِنَازَةِ، فَإِنَّهَا مَا شُرِعَت إِلَّا لِانتِفَاعِ المَيِّتِ وَالاستِشفَاعِ لَهُ بِمَا فِيهَا مِن قِرَاءَةٍ وَدُعَاءٍ وَاستِغفَارٍ، فَإِذَا كَانَ يَصِلُ إِلى المَيِّتِ مَا تَشمَلُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ مِن دُعَاءٍ وَاستِغفَارٍ، فَكَذَلِكَ يَصِلُ إِلَيهِ مَا تَشمَلُ عَلَيهِ مِنَ القُرءَانِ، وَلَا يُفَرَّقُ بَينَ ذَلِكَ، لِأَنَّ التَّفرِيقَ فِي العِبَادَةِ الوَاحِدَةِ بَينَ مَا تَشتَمِلُ عَلَيهِ تَحَكُّمٌ غَيرُ مَقبُولٍ، وَهَذَا نَصٌّ فِي المَوضُوعِ، وَيَدُلُّ عَلَيهِ عُمُومُ قولِهِ تَعَالى: ﴿وَافعَلُوا الخَيرَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ﴾، [سورة الحج:77].
هَذَا وَقَد ثَبَتَ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وُصُولُ الصَّدَقَةِ وَالصَّومِ وَالحَجِّ وَالعُمرَةِ إِلى المَيِّتِ، وَهَذِهِ عِبَادَاتٌ، وَقِرَاءَةُ القُرءَانِ عِبَادَةٌ أَيضًا، فَتَصِلُ إِلى المَيِّتِ لِأَنَّهُ لَا فَارِقَ بَينَهَا وَبَينَ تِلكَ العِبَادَاتِ المَذكُورَةِ، بَل قَالَ القُرطُبِيُّ فِي التَّذكِرَةِ: «أَصلُ هَذَا البَابِ الصَّدَقَةُ الَّتِي لَا اختِلَافَ فِيهَا، فَكَمَا يَصِلُ لِلمَيِّتِ ثَوَابُهَا فَكَذَلِكَ تَصِلُ قِرَاءَةُ القُرءَانِ وَالدُّعَاءِ وَالاستِغفَارِ».
وَمِن أَهَمِّ مَا يَستَدِلُّ بِهِ العُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ القُرءَانِ عَلَى قَبرِ المَيِّتِ المُسلِمِ وَانتَِفَاعِهِ بِالقِرَاءَةِ الحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَغَيرُهُمَا عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِحَائِطٍ (أَي بُستَانٍ) مِن حِيطَانِ المَدِينَةِ أَو مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوتَ إِنسَانَينِ يُعَذَّبَانِ فِي قَبرَيهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى(أَي أَنَّ مَا يُعَذَّبَانِ بِهِ كَبِيرٌ)، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَستَتِرُ مِن بَولِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمشِي بِالنَّمِيمَةِ» ثُمَّ دَعَا ﷺ بِجَرِيدَةٍ (أَي جَرِيدَةِ نَخلٍ رَطبٍ) فَكَسَرَهَا كِسرَتَينِ، فَوَضَعَ على كُلِّ قَبرٍ مِنهُمَا كِسرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلتَ هَذَا؟ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ أَن يُخَفَّفَ عَنهُمَا مَا لَم يَيبَسَا» لِأَنَّ هَذَا العَسِيبَ الرَّطبَ يَذكُرُ اللهَ تعالى، يُسَبِّحُ اللهَ تعالى مَا دَامَ رَطبًا.
فَإِن كَانَ المُسلِمُ المَيِّتُ يُنتَفَعُ بِتَسبِيحِ الجريدة الرَّطبَةِ، فَكَيفَ بِقِرَاءَةِ القُرءَانِ عِندَ قَبرِهِ مِنَ المُسلِمِ الحَيِّ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: «استَحَبَّ العُلَمَاءُ قِرَاءَةَ القُرءَانِ عِندَ القَبرِ لِهَذَا الحَدِيثِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يُرجَى التَّخفِيفُ بِتَسبِيحِ الجَرِيدِ فَتِلَاوَةُ القُرءَانِ أَولَى، وَاللهُ أَعلَمُ».اهـ أَي فَإِنَّ قِرَاءَةَ القُرءَانِ مِن إِنسَانٍ أَعظَمُ وَأَنفَعُ مِنَ التَّسبِيحِ مِن عُودٍ.
نصوص مذاهب الأئمة الأربعة على جواز قراءة القرءان على الميت
من المالكية:
قَالَ الإِمَامُ القَاضِي أَبُو الفَضلِ عِيَاضٌ اليَحصُبِيُّ المَالِكِيُّ فِي شَرحِهِ عَلى مُسلِمٍ فِي حَدِيثِ الجَرِيدَتَينِ عِندَ قولِهِ ﷺ: «لَعَلَّهُ أَن يُخَفَّفَ عَنهُمَا مَا لَم يَيبَسَا»: «أَخَذَ العُلَمَاءُ مِن هَذَا استِحبَابَ قِرَاءَةِ القُرآنِ على المَيِّتِ، لِأَنَّهُ إِذَا خُفِّفَ عَنهُ بِتَسبِيحِ الجَرِيدَتَينِ وَهُمَا جَمَادٌ فَقِرَاءَةُ القُرآنِ أَولَى، نَقَلَهُ الأبي فِي شَرحِ مُسلِمٍ».
وَقَالَ ابنُ الحَاجِّ المالكي فِي المَدخَلِ: «مَن أَرَادَ وُصُولَ قِرَاءَتِهِ بِلَا خِلَافٍ فَليَجعَل ذَلِكَ دُعَاءً، بِأَن يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَوصِل ثَوَابَ مَا أَقرَأُ إِلى فُلانٍ، وَمِثلَهُ قَالَ الإِمَامُ أَبُو زَكَرِيَّا الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الأَذكَارِ، وَقَد عَزَا الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ وُصُولَ ثَوَابِ القِرَاءَةِ لِلأَموَاتِ فِي كِتَابِهِ الإِتقَانِ فِي عُلُومِ القُرآنِ لِلأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ: مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ».
وَفِي آخِرِ كِتَابِ النَّوَازِلِ لِابنِ رُشدٍ عِندَ السُّؤَالِ عَن قَولهِ تَعَالى: ﴿وَأَن لَيسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، [سورة النجم:93]، قَالَ: «وَإِن قَرَأَ الرَّجُلُ وَأَهدَى ثَوَابَ قِرَاءَتِهِ لِلمَيِّتِ جَازَ ذَلِكَ وَحَصَلَ لِلمَيِّتِ أَجرُهُ».
وَقَالَ ابنُ هِلَالٍ فِي نَوَازِلِهِ: «الَّذِي أَفتَى بِهِ ابنُ رُشدٍ وَذَهَبَ إِلَيهِ غَيرُ وَاحِدٍ مِن أَئِمَّتِنَا بِالأَندَلُسِ أَنَّ المَيِّتَ يَنتَفِعُ بِقِرَاءَةِ القُرآنِ، وَيَصِلُ إِليهِ نَفعُهُ، وَيَحصُلُ لَهُ أَجرُهُ إِذَا وَهَبَ القَارِئُ ثَوَابَهُ لَهُ، وَبِهِ جَرَى عَمَلُ المُسلِمِينَ شَرقًا وَغَربًا، وَوَقَفُوا على ذَلِكَ أَوقَافًا، وَاستَمَرَّ عَليهِ الأَمرُ مُنذُ أَزمِنَةٍ سَالِفَةٍ».اهـ
من الحنابلة:
قَالَ الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ ابنُ قُدَامَةَ فِي كِتَابِهِ المُغنِي مَا نَصُّهُ: «فَصلٌ قَالَ: وَلَا بَأسَ بِالقِرَاءَةِ عِندَ القَبرِ، وَقَد رُوِيَ عَن أَحمَدَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا دَخَلتُم المَقَابِرَ اقرأُوا آيَةَ الكُرسِيِّ وَثَلاثَ مَرَّاتٍ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، [سُورَةُ الإِخلَاصِ:1] (أَيِ اقرَأُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سُورَةَ الإِخلَاصِ)، ثُمَّ قُل: اللَّهُمَّ إنَّ فَضلَه لِأَهلِ المَقَابِرِ». وَقَالَ الخَلَّالُ: حَدَّثنِي أَبُو عَلِىٍٍّ الحَسَنُ بنُ الهَيثَمِ البَزَّارُ -شَيخُنا الثِّقَةُ المَأمُونُ-، قَالَ: رَأَيتُ أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ يُصَلِّي خَلفَ ضَرِيرٍ يَقرأُ على القُبُورِ. وَقَد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَن دَخَلَ المَقَابِرَ فَقَرأَ سُورَةَ ﴿يَس﴾ خُفِّفَ عَنهُم يَومَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَن فِيهَا حَسَنَاتٌ»، وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ: «مَن زَارَ قَبرَ والِدَيهِ أو أحدِهما، فَقَرأَ عِندَهُ أو عِندَهُمَا يس غُفِرَ لَهُ».اهـ
ثُمَّ قَالَ: «فَصلٌ: وَأَيُّ قُربَةٍ فَعَلَهَا وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلمَيِّتِ المُسلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ إِن شَاءَ اللهُ، أَمَّا الدُّعَاءُ وَالاستِغفَارُ وَالصَّدَقَةُ وَأَدَاءُ الوَاجِبَاتِ فَلَا أَعلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إِذَا كَانَتِ الوَاجِبَاتُ مِمَّا يَدخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلِإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾، [سورة الحشر:10]، وَقَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَاستَغفِر لِذَنبِكَ وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ﴾، [سورة محمد:19]، وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ لِأبِي سَلَمَةَ حِينَ مَاتَ، وَلِلمَيِّتِ الَّذِي صَلَّى عَليهِ فِي حَدِيثِ عَوفِ بنِ مَالِكٍ، وَلِكُلِّ مَيِّتٍ صَلَّى عَلَيهِ، وَلِذِي البِجَادَينِ حَتَّى دَفَنَهُ. وَشَرَعَ اللهُ ذَلِكَ لِكُلِّ مَن صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ، وَسَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَت، فَيَنفَعُهَا إِن تَصَدَّقتُ عَنهَا؟ قَالَ: «نَعَم»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَن سَعدِ بنِ عُبادَةَ. وَجَاءَتِ امرَأَةٌ إِلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ فِي الحَجِِّ أَدرَكَت أَبِي شَيخًا كَبِيرًا، لَا يَستَطِيعُ أَن يَثبُتَ على الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنهُ؟ قَالَ: «أَرَأَيتِ لَو كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَينٌ، أَكُنتِ قَاضِيَتَهُ؟» قَالَت: نَعَم، قَالَ: «فَدَينُ اللهِ أَحَقُّ أَن يُقضَى»، وَقَالَ لِلَّذِي سَأَلَهُ: إِنَّ أُمِّي مَاتَت وَعَلَيهَا صَومُ شَهرٍ، أَفَأَصُومُ عَنهَا؟ قَالَ: «نَعَم»، وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، وَفِيهَا دَلالةٌ على انتِفَاعِِ المَيِّتِ بِسَائِرِ القُرَبِ؛ لِأَنَّ الصَّومَ وَالحَجَّ وَالدُّعَاءَ وَالاستِغفارَ عِبادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ، وَقَد أَوصَلَ اللَّهُ نَفعَهَا إِلى المَيِّتِ، فَكَذَلِكَ مَا سِوَاهَا، مَعَ مَا ذَكَرنَا مِنَ الحَدِيثِ فِي ثَوَابِ مَن قَرَأَ يس، وتَخفِيفِ اللَّهِ تَعَالَى عَن أَهلِ المَقَابِر بِقِرَاءَتِه. وَرَوَى عَمرُو بنُ شُعَيبٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِعَمرِو بنِ العَاصِ: «لَو كَانَ أَبُوكَ مُسلِمًا فَأعتَقتُم عَنهُ أو تَصَدَّقتُم عَنهُ أو حَجَجتُم عَنهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ» وَهَذَا عَامٌّ فِي حَجِِّ التَّطَوُّعِِ وَغَيرِهِ، وَلِأَنَّهُ عَمَلُ بِرٍّ وَطَاعَةٍ فَوَصَلَ نَفعُهُ وَثَوَابُهُ كَالصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالحَجِِّ الوَاجِبِ».اهـ
ثُمَّ قَالَ: «وَالدَّلِيلُ لَنَا مَا ذَكَرنَاهُ، وَأَنَّهُ إِجمَاعُ المُسلِمِينَ، فَإِنَّهُم فِي كُلِّ عَصرٍ وَمِصرٍ يَجتَمِعُونَ وَيَقرَؤُونَ القُرآنَ وَيُهدُونَ ثَوَابَهُ إِلى مَوتَاهُم مِن غَيرِ نَكِيرٍ». انتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ المُغنِي مُلَخَصًّا، وَمِثلُهُ فِي شَرحِ الكَبِيرِ على المقنع، وَابنُ قُدَامَةَ صَاحِبُ المُغنِي تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتِّمِائَةٍ وَعِشرِينَ.
من الشافعية:
قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ القُرآنِ، وَإنْ خَتَمُوا القُرآنَ عِنْدَهُ كَانَ حَسَنًا.اهـ
قَالَ الإِمَامُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «قاَلَ الزَّعفرَانِيُّ: سَأَلتُ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى عَنِ القِرَاءَةِ عِندَ القَبرِ فَقَالَ: لَا بَأسَ بِهِ».اهـ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ الله فِي شَرحِ المُهَذَّبِ: «يُستَحَبُّ لِزَائِرِ القُبُورِ أَن يَقرَأَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرآنِ وَيدعُو لَهُم عَقِبَهَا، نَصَّ عَليهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عليه الأَصحَابُ»، وَزَادَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ: «وَإِن خَتَمُوا القُرآنَ على القَبرِ كَانَ أَفضَلَ».اهـ
وَقَالَ الشَّيخُ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيُّ فِي أَسنَى المَطَالِبِ فِي كِتَابِ الإِجَارَةِ: «فَرعٌ الإِجَارَةُ لِلقِرَاءَةِ على الغَيرِ مُدَّةً مَعلُومَةً أَو قَدرًا مَعلُومًا جَائِزَةٌ، لِلانتِفَاعِ بِنُزُولِ الرَّحمَةِ حَيثُ يُقرَأُ القُرآنُ، كَالاستِئجَارِ لِلأَذَانِ وَتَعَلُّمِ القُرآنِ، وَيَكُونُ المَيِّتُ كَالحَيِّ الحَاضِرِ، سَوَاءً عَقَّبَ القِرَاءَةَ بِالدُّعَاءِ أَو جَعَلَ أَجرَ قِرَاءَتِهِ لَهُ أَم لَا، فَتَعُودُ مَنفَعَةُ القِرَاءَةِ إِلى المَيِّتِ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ يَلحَقُهُ، وَهُوَ بَعدَهَا أَقرَبُ إِجَابَةٍ وَأَكثَرُ بَرَكَةً، وَلِأَنَّهُ إِذَا جَعَلَ أَجرَهُ الحَاصِلَ بِقِرَاءَتِهِ لِلمَيِّتِ فَهُوَ دُعَاءٌ بِحُصُولِ الأَجرِ فَيَنتَفِعُ بِهِ، فَقَولُ الشَّافِعِيِّ إِنَّ القِرَاءَةَ لَا تَصِلُ إِليهِ مَحمُولٌ على غَيرِ ذَلِكَ، بَل قَالَ السُّبكِيُّ تَبعًا لِابنِ الرِّفعَةِ بَعدَ حَملِهِ كَلامَهُم على مَا إِذَا نَوَى القَارِئُ أَن يَكُونَ ثَوَابُ قِرَاءَتِهِ لِلمَيِّتِ بِغَيرِ دُعَاءٍ: على أَنَّ الَّذِي دَلَّ عليه الخَبَرُ بِالاستِنبَاطِ أَنَّ القُرآنَ إِذَا قُصِدَ بِهِ نَفعُ المَيِّتِ نَفَعَهُ، إِذ قَد ثَبَتَ أَنَّ القَارِئَ لَمَّا قَصَدَ بِقِرَاءَتِهِ نَفعَ المَلدُوغِ نَفَعَتهُ، وَأَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَولِهِ: «وَمَا يُدرِيكَ أَنَّهَا رُقيَةٌ»، وَإِذَا نَفَعَتِ الحَيَّ بِالقَصدِ كَانَ نَفعُ المَيِّتِ بِهَا أَولَى، لِأَنَّهُ يَقَعُ عَنهُ مِنَ العِبَادَاتِ بِغَيرِ إِذنِهِ مَا لَا يَقَعُ عَنِ الحَيِّ».اهـ
وَقَالَ الرَّملِيُّ فِي نِهَايَةِ المُحتَاجِ شَرحِ المِنهَاجِ فِي بَابِ الوَصَايَا: «إِنَّ الدُّعَاءَ بِوُصُولِ ثَوَابِ القِرَاءَةِ لِلمَيِّتِ مَقبُولٌ قَطعًا، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مَقبُولًا بِمَا لَا حَقَّ فِيهِ لِلدَّاعِي فَكَيفَ بِمَا فِيهِ حَقٌّ وَعَمَلٌ، فَهُوَ مَقبُولٌ مِن بَابِ أَولَى، قَالَ ابنُ الصَّلَاحِ: وَيَنبَغِي الجَزمُ بِنَفعِ: “اللَّهُمَّ أَوصِل ثَوَابَ مَا قَرَأنَاهُ”، أَي مِثلَهُ، فَهُوَ المُرَادُ وَإِن لَم يُصَرِّح بِهِ لِفُلَانٍ، لِأَنَّهُ إذَا نَفَعَهُ الدُّعَاءُ بِمَا لَيسَ لِلدَّاعِي فَمَا لَهُ أَولَى، وَيَجرِي هَذَا فِي سَائِرِ الأَعمَالِ».اهـ
وَقَالَ الرَّشِيدِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى نِهَايَةِ المُحتَاجِ لِلرَّملِيِّ: «إذَا نَوَى ثَوَابَ قِرَاءَتِهِ لَهُ أَو دَعَا لَهُ عَقِبَهَا بِحُصُولِ ثَوَابِهَا لَهُ أَو قَرَأَ عِندَ قَبرِهِ حَصَلَ مِثلُ ثَوَابِ قِرَاءَتِهِ، وَحَصَلَ لِلقَارِئِ أَيضًا الثَّوَابُ، فَلَو سَقَطَ ثَوَابُ القَارِئِ لِمُسقِطٍ كَأَن غَلَبَ البَاعِثُ الدُّنيَوِيُّ كَقِرَاءَتِهِ بِأُجرَةٍ فَيَنبَغِي أَن لَا يَسقُطَ مِثلُهُ بِالنِّسبَةِ لِلمَيِّتِ فِيمَا إِذَا كَانَتِ القِرَاءَةُ بِأُجرَةٍ، وَيَنبَغِي أَن تَكفِي نِيَّةُ القَارِئِ فِي وُصُولِ الثَّوَابِ لِلمَيِّتِ وَلَو لَم يَدعُ، وَاختَارَ السُّبكِيُّ وَابنُ حَجَرٍ وَالرَّملِيُّ وَغيرُهُم جَوَازَ إِهدَاءِ ثَوَابِ القِرَاءَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ قِيَاسًا على الصَّلَاةِ».اهـ
بيان كلام الشافعي في المسألة
مَا شُهِرَ مِن خِلَافِ الشَّافِعِيِّ في هذه المسألة مِن قَولِهِ: «إِنَّ القِرَاءَةَ لَا تَصِلُ إِلى المَيِّتِ»، فَهُوَ مَحمُولٌ على غَيرِ مَا إِذَا كَانَتِ القِرَاءَةُ مَعَ الدُّعَاءِ بِالإِيصَالِ، وَبِغَيرِ مَا إِذَا كَانَتِ القِرَاءَةُ عَلَى القَبرِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ الله عَنهُ أَقَرَّ استِحبَابَ القِرَاءَةِ على القَبرِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي المَجمُوعِ وَغَيرِهِ.
من الحنفية:
ذَكَرَ شُرَّاحُ الكُتُبِ فِي مَذهَبِ الحَنَفِيَّةِ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ يَصِلُ ثَوَابُهُ إِلى المَيِّتِ سَوَاءً كَانَ قِرَاءَةً أَو غَيرَهَا، وَرَجَّحَهُ المُتَأَخِّرُونَ مِن فُقَهَائِهِم، مِنهُم صَاحِبُ الفَتَاوَى المَهدِيَّةِ.
هَذَا خُلَاصَةُ مَذَاهِبِ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ نَقَلنَاهَا لَكُم، فَكَيفَ لِعَاقِلٍ أَو مَن عِندَهُ أَقَلُّ اطِّلَاعٍ أَن يُنكِرَ هَذَا الحُكمَ وَيَنفِيَهُ، بَل أَن يُحَرِّمَهُ أَو يُكَفِّرَ فَاعِلَهُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِهَوَاهُ وَمُصَادِمٌ لِمَسعَاهُ.
الترك لا يدل على المنع
مِنَ الشُّبَهِ الوَاهِيَةِ الَّتِي يَستَدِلُّ بِهَا مَن يُنكِرُ قِرَاءَةَ القُرءَانِ عَلَى المَيِّتِ قَولُهُم: إِنَّ السَّلَفَ لَم يَفعَلُوا ذَلِكَ، وَالجَوَابُ عَلَى هَذَا مِن أَكثَرَ مِن وَجهٍ:
أَوَّلًا: هَذِهِ الدَّعوَى غَيرُ صَحِيحَةٍ، لِأَنَّهَا كَانَت تُفعَلُ فِي زَمَانِ الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبلٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ عَلى رَأسِ العَقدِ الرَّابِعِ مِنَ المِائَةِ الثَّالِثَةِ، وَفِي نَفحٍِ الطَّيبِ فِي فَوَائِدِ المُقرِي الكَبِيرِ أَنَّهُ أَنشَدَ شَيخُهُ الأُبُلِّيُّ قَولَ ابنِ الرُّومِيِّ الشَّاعِرِ المَشهُورِ:
فَإِذَا مَرَرتَ رَأَيتَ مِن عُميَانِهِ *** أُمَمًا عَلَى أَموَاتِهِ قُرَّاءَ
فَاستُفِيدَ مِن هَذَينِ البَيتَينِ كَونُ القِرَاءَةِ على الأَموَاتِ قَدِيمَةَ العَهدِ.
ثَانِيًا: لَو سَلَّمنَا أَنَّهَا لَم تُفعَل فِي زَمَانِ السَّلَفِ فلَا يَلزَمُ مَنعُهَا، لِأَنَّ عَدَمَ فِعلِهِم لَهَا لَا يَلزَمُ مِنهُ المَنعُ الخَاصُّ، لِأَنَّ عَدَمَ الدَلِيلِ لَيسَ دَلِيلًا كَمَا لَا يَخفَى على مَن دَرَسَ شَيئًا مِنَ الأُصُولِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَن يُقَالَ: لَيسَ كُلُّ شَيءٍ مِن مَسَائِلِ الفُرُوعِ لَم يَفعَلهُ السَّلَفُ يَكُونُ حَرَامًا، وَمَن ادَّعَى ذَلِكَ فَعَلَيهِ بِالدَّلِيلِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيهِ.
ثَالِثًا: قَد ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَعذِيبُ الأَموَاتِ فِي قُبُورِهِم، وَحَدِيثُ وَضعِهِ ﷺ الجَرِيدَتَينِ على قَبرَينِ، وَأَخبَرَ ﷺ أَنَّهُ يُخَفَّفُ عَنهُمَا مَا دَامَتَا رَطبَتَينِ، أَخرَجَهُ الشَّيخَانِ، وَأَخرَجَ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ وَغَيرُهُ عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو وَلَدٍ يَدعُو لَهُ، أَو عِلمٍ يَنتَفِعُ بِهِ»، وَأَخرَجَ الشَّيخَانِ أَيضًا عَنهُ ﷺ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذتُم عَلَيهِ أَجرًا كِتَابُ اللهِ تَعَالَى»، وَبِالجُملَةِ أَخبَارُ كَونِ الأَموَاتِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِم وَيَتَأَلَّمُونَ مِن سُوءِ أَعمَالِهِم وَيَنتَفِعُونَ بِمَا يُسدِيهِ الأَحيَاءُ إِلَيهِم شَيءٌ كَثِيرٌ، وَلَا يَأتِي عَليهِ الحَصرُ مِنَ الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ عَنِ السَّلَفِ.
رَابِعًا: جَوَازُ القِرَاءَةِ على الأَموَاتِ نَصَّ عَلَيهِ الشَّارِعُ ﷺ وَأَمَرَ بِهِ، وَالدَّلِيلُ على ذَلِكَ مَا أَخرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه وَصَحَّحَهُ أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «اقرَؤُوا يس عَلَى مَوتَاكُم»، وَقَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي المُسنَدِ أَيضًا: حَدَّثَنَا أَبُو المُغِيرَةُ حَدَّثَنَا صَفوَانُ أَنَّ المَشيَخَةَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا قُرِئَت -يَعنِي يس- عَلَى مَيِّتٍ خُفِّفَ عَنهُ بِهَا، وَأَسنَدَهُ صَاحِبُ مُسنَدِ الفِردَوسِ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ المُرَادَ المَيِّتُ الَّذِي فَارَقَتهُ رُوحُهُ، وَحَملُهُ على المُحتَضَرِ قَولٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَلَا يُلتَفَتُ لِرَأيِ الرِّجَالِ بَعدَ مَا أَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِهَا، صَاحِبَهُ مَن كَانَ، وَلَو فَرَضنَا أَنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ يُعمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الأَعمَالِ، وَهَذِهِ المَسأَلَةُ مِنهَا، وَقَدِ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ على أَنَّ الحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الأَعمَالِ».
خَامِسًا: أَينَ وَرَدَ فِي كِتَابِ اللهِ أَو فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ تَحرِيمُ قِرَاءَةِ القُرآنِ عَلَى المَيِّتِ؟ فَإِذَا لَم يَرِد شَيءٌ فِي التَّحرِيمِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَوَارَدَتِ الأَدِلَّةُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ مِن فِعلِ الرَّسُولِ وَالصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَالخَلَفِ وَالأَئِمَّةِ مِنَ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ فَكَيفَ يُقَالُ إِنَّ هَذَا حَرَامٌ أَو شِركٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى؟
الخلاصة
اتَّفَقَ أَهلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الأَموَاتَ المُسلِمِينَ يَنتَفِعُونَ بِدُعَاءِ المُسلِمِينَ الأَحيَاءِ وَاستِغفَارِهِم لَهُم وَقِرَاءَتِهِمُ القُرءَانَ عِندَ قُبُورِهِم، كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَولُ الطَّحَاوِيِّ في عقيدته المشهورة: «وَفِي دُعَاءِ الأَحيَاءِ وَصَدَقَاتِهِم مَنفَعَةٌ لِلأَموَاتِ».اهـ
وَقَالَ أَحمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ المَرُّوذِيُّ سَمِعتُ أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: «إِذَا دَخَلتُمُ المَقَابِرَ فَاقرَؤُوا بِفَاتَحَةِ الكِتَابِ وَالمُعَوِّذَتَينِ وَقُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ (أي سورة الإخلاص)، وَاجعَلُوا ثَوَابَ ذَلِكَ لِأَهلِ المَقَابِرِ فَإِنَّهُ يَصِلُ إِلَيهِم».اهـ
وَأَخرَجَ الخَلَّالُ فِي الجَامِعِ عَنِ الشَّعبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَتِ الأَنصَارُ إِذَا مَاتَ لَهُم مَيِّتٌ اختَلَفُوا إِلى قَبرِهِ -أَي تَرَدَّدُوا إِليهِ- يَقرَؤُونَ لَهُ القُرءَانَ».اهـ
الخاتمة
الأَصلُ هُوَ الدَّلِيلُ، وَعَلَى مَن أَرَادَ اتِّبَاعَ الحَقِّ أَن يَبحَثَ عَنِ الدَّلِيلِ، وَلَا يُلقِيَ بِسَمعِهِ إِلَى كُلِّ مَن يَنعَقُ بِشُبهَةٍ أَو كَلَامٍ لَا طَائِلَ مِنهُ، وَحُجَجٍ مَا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلطَانٍ.
فَاقرَأ أَخِي المُسلِمَ القُرءَانَ عَلَى الأَموَاتِ مِن أَقَارِبِكَ، وَزُرهُم، وَلَا تَقطَعهُم لِمُجَرَّدِ قَولِ مَن يَلهَجُ بِمِثلِ هَذِهِ الفَتَاوَى البَاطِلَةِ، فَإِنَّ زِيَارَتَكَ لَهُم فِيهَا نَفعٌ عَظِيمٌ لَهُم، وَلَو كُنتَ مَكَانَهُم كُنتَ سَتَفرَحُ بِهَذِهِ الهَدَايَا وَتُسَرُّ لِأَجلِهَا.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
- سُنَنِ النَّسَائِيِّ.
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
- صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ.
- شَرحِ مُسلِمٍ لِلقَاضِي عِيَاضٍ.
- المَدخَلِ لِابنِ الحَاجِّ.
- المُغنِي لِابنِ قُدَامَةَ.
- الشَّرحِ الكَبِيرِ عَلَى المُقنِعِ.
- الإِتقَانِ لِلسُّيُوطِيِّ.
- نِهَايَةِ المُحتَاجِ شَرحِ المِنهَاجِ لِلرَّملِيِّ.
- حَاشِيَةِ الشَّبرَامَلِّسِيِّ وَالرَّشِيدِيِّ عَلَى نِهَايَةِ المُحتَاجِ.
- أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- الفَتَاوَى المَهدِيَّةِ.
- شَرحِ الصُّدُورِ لِلسُّيُوطِيِّ.
- نَفحِ الطِّيبِ مِن غُصنِ الأَندَلُسِ الرَّطِيبِ.
- الأَذكَارِ لِلنَّوَوِيِّ.