هل الاستماع إلى الموسيقى والمعازف والآلات المطربة حرام، وما الدليل؟
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
الإِطرَابُ مَعنَاهُ إِحدَاثُ خِفَّةٍ فِى الرُّوحِ، وَالآلَاتُ الَّتِى تُحدِثُ ذَلِكَ يَحرُمُ استِعمَالُهَا وَالِاستِمَاعُ إِلَيهَا، كَالعُودِ، وَالمِزمَارِ، وَالطُّنبُورِ وَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ ءَالَةٌ مَعرُوفَةٌ مِن ءَالاتِ اللَّهوِ المُطرِبَةِ بِمُفرَدِهَا وَهُوَ ءَالَةٌ تُشبِهُ العُودَ لَهَا أَوتَارٌ، واليَرَاعِ وَهُوَ الزَّمَّارَةُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الشَّبَّابَةُ، وَالكُوبَةِ وَهُوَ طَبلٌ طَوِيلٌ مُتَّسِعُ الطَّرَفَيْنِ ضَيِّقُ الوَسَطِ يُسَمَّى الدِّربَكَّةَ، وَالمِعزَفَةِ وَهُوَ نَوعٌ مِنَ الطَّنَابِيرِ يُستَعمَلُ فِي اليَمَنِ، والرَّبَابَةِ وَهِيَ ءَالَةٌ تُشبِهُ العُودَ أَيضًا، وَالبَربَطِ أَو القِنِّينِ وَهُوَ ءَالَةٌ تُشبِهُ العُودَ أَيضًا.
وَكُلُّ مَا يُشبِهُ ذَلِكَ مِن ءَالَاتِ الأَوتَارِ وَسَائِرِ الآلَاتِ المُطرِبَةِ بِمُفرَدِهَا يَحرُمُ استِعمَالُهَا وَالاستِمَاعُ إِلَيهَا.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
لَيَكُونَنَّ فِى أُمَّتِى أُنَاسٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ
رواه البخاري
وَفِي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حُرمَةِ الِاستِمَاعِ إِلَى ءَالاتِ اللَّهوِ المُطرِبَةِ.
وَالَّذِي يَحرُمُ مِن ذَلِكَ هُوَ الِاسْتِمَاعُ لا السَّمَاعُ بِلا قَصدٍ، وَالمَعْنَى فِى تَحْرِيمِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ أَنَّ اللَّذَّةَ الحَاصِلَةَ مِنهَا تَدْعُو إِلَى فَسَادٍ وَكَوْنُهَا شِعَارَ أَهْلِ الفِسْقِ أَي مِنْ عَادَاتِهِمْ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ عَنْهُمُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ، وَيُشْتَرَطُ فِى ارْتِفَاعِ الإِثْمِ فِى السَّمَاعِ إِذَا كَانَ بِلا قَصْدٍ أَنْ يَكْرَهَ ذَلِكَ، وَيُشْتَرَطُ لِلسَّلامَةِ مِنَ الإِثْمِ الإِنْكَارُ لِمَا يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ بِيَدِهِ أَوْ لِسَانِهِ إِنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الإِنْكَارُ بِقَلْبِهِ وَمُفَارَقَةُ المَجْلِسِ إِنْ كَانَ جَالِسًا فِيهِ.
من أقوال العلماء في تحريم اللآلات المطربة والموسيقى
ذَكَرَ الكَثِيرُ مِنَ العُلَمَاءِ وَالفُقَهَاءِ حُرمَةَ المُوسِيقَى، فَقَد وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثٌ وَاضِحٌ فِي تَحرِيمِهَا مِنهُ أَخَذَ العُلَمَاءُ هَذَا التَّحرِيمَ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
لَيَكُونَنَّ فِى أُمَّتِى أُنَاسٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ
رواه البخاري
وَنَذكُرُ فِيمَا يَلِي بَعضَ العُلَمَاءِ اللَّذِينَ حَرَّمُوا استِعمَالَ مِثلِ هَذِهِ الآلَاتِ:
- قَالَ النَّوَوِيُّ فِي رَوضَةِ الطَّالِبِينَ:
أَنْ يُغَنِّيَ بِبَعْضِ آلَاتِ الغِنَاءِ مِمَّا هُوَ مِنْ شِعَارِ شَارِبِي الخَمرِ وَهُوَ مُطْرِبٌ، كَالطُّنْبُورِ وَالعُودِ وَالصَّنْجِ وَسَائِرِ المَعَازِفِ وَالأَوْتَارِ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ وَاسْتِمَاعُهُ اهـ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ صَنَّفَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الدَّوْلَعِيُّ كِتَابًا فِي تَحْرِيمِ الْيَرَاعِ مُشْتَمِلًا عَلَى نَفَائِسَ وَأَطْنَبَ فِي دَلَائِلِ تَحْرِيمِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَحْرُمُ ضَرْبُ الطُّبُولِ إِلَّا الكُوبَةَ وَهُوَ طَبلٌ طَوِيلٌ مُتَّسِعُ الطَّرَفَيْنِ ضَيِّقُ الوَسَطِ وَهُوَ الَّذِي يَعْتَادُ ضَرْبَهُ الْمُخَنَّثُونَ اهـ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْحَلِيمِيُّ: لَكِنَّ الرَّقْصَ الَّذِي فِيهِ تَثَنٍّ وَتَكَسُّرٌ يُشْبِهُ أَفْعَالَ الْمُخَنَّثِينَ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ اهـ. - وَقَالَ المَاوَردِيُّ فِي الحَاوِي الكَبِيرِ:
فَأَمَّا الطُّنْبُورُ وَالمِزْمَارُ وَسَائِرُ المَلَاهِي فَاسْتِعْمَالُهَا مَحْظُورٌ، وَكَذَلِكَ اقتِنَاؤُهَا اهـ، وَقَالَ: فَأَمَّا الحَرَامُ: فَالعُودُ وَالطُّنْبُورُ وَالمِعْزَفَةُ وَالطَّبْلُ (أَيِ الطَّبلُ الضَّيِّقُ الوَسَطِ المُسَمَّى بِالدِّربَكَّةِ) وَالمِزْمَارُ وَمَا أَلْهَى بِصَوْتٍ مُطْرِبٍ إِذَا انْفَرَدَ، وَرَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِي الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْمِزْرَ وَالْكُوبَةَ وَالْمَزَامِيرَ وَالْقِنِّينَ“، فَالمَيْسِرُ القِمَارُ، والمِزْرُ نَبِيذُ الذُّرَةِ، وَالكُوبَةُ الطَّبلُ (أَيِ الطَّبلُ الضَّيِّقُ الوَسَطِ المُسَمَّى بِالدِّربَكَّةِ)، والقِنِّينُ البَربَطُ، وَلِأَنَّهَا تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَعَنِ الصَّلَاةِ كَالشَّرَابِ اهـ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا المُبَاحُ: فَمَا خَرَجَ عَنْ آلَةِ الإِطرَابِ إِمَّا إِلَى إِنذَارٍ كَالبُوقِ وَطَبْلِ الحَرْبِ أَوْ لِمَجْمَعٍ وَإِعْلَانٍ كَالدُّفِّ فِي النِّكَاحِ، كَمَا قَالَ ﷺ: “أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ” اهـ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي بَحرِ المَذهَبِ مِثلَهُ. - وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ فِي المُهَذَّبِ:
وَيَحرُمُ استِعمَالُ الآلَاتِ الَّتِي تُطرِبُ مِن غَيرِ غِنَاءٍ كَالعُودِ وَالطُّنبُورِ وَالمِعزَفَةِ وَالطَّبلِ (أَيِ الطَّبلِ الضَّيِّقِ الوَسَطِ المُسَمَّى بِالدِّربَكَّةِ) وَالمِزمَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، [سورة لقمان: 6]، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا المَلَاهِي، وَرَوَى عَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِي الخَمرَ وَالمَيسِرَ وَالمِزْرَ وَالكُوبَةَ وَالقِنِّينَ“، فَالكُوبَةُ الطَّبلُ (أَيِ الطَّبلُ الضَّيِّقُ الوَسَطِ المُسَمَّى بِالدِّربَكَّةِ) وَالقِنِّينُ البَربَطُ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “تُمسَخُ أُمَّةٌ مِن أُمَّتِي بِشُربِهِمُ الخَمرَ وَضَربِهِم بِالكُوبَةِ وَالمَعَازِفِ“، وَلِأَنَّهَا تُطرِبُ وَتَدعُو إِلَى الصَدِّ عَن ذِكرِ اللهِ تَعَالَى وَعَنِ الصَّلَاةِ وَإِلَى إِتلَافِ المَالِ فَحَرُمَ كَالخَمرِ اهـ. - وَقَالَ البَغَوِيُّ فِي التَّهذِيبِ:
وَأَمَّا الآلَاتُ المُطرِبَةُ كَالعُودِ وَالطُّنبُورِ وَالصَّنجِ وَالطَّبلِ (أَيِ الطَّبلِ الضَّيِّقِ الوَسَطِ المُسَمَّى بِالدِّربَكَّةِ) وَالمِزمَارِ، فَيَحرُمُ استِعمَالُهَا وَالاستِمَاعُ إِلَى أَصوَاتِهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، [سورة لقمان: 6]، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هِيَ المَلَاهِي اهـ. - وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي فَتحِ العَزِيزِ:
أَن يُغَنِّيَ بِبَعضِ آلَاتِ الغِنَاءِ مِمَّا هُوَ مِن شِعَارِ شَارِبِي الخَمرِ، وَهُوَ مُطرِبٌ كَالطُّنبُورِ وَالعُودِ وَالصَّنجِ وَسَائِرِ المَعَازِفِ وَالأَوتَارِ، فيَحْرُمُ استِعمَالُهُ وَالاستِمَاعُ إلَيْهِ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، [سورة لقمان: 6]، إِنَّهُ المَلَاهِي اهـ.
وَقَدْ مَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ إِلَى عَدَمِ حُرْمَةِ الصَّنجِ وَهُوَ الصَّحِيحُ خِلافًا لِبَعْضِ المُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ قَطَعُوا بِحُرْمَتِهَا، وَالصَّنْجُ: هِىَ قِطْعَتَانِ مِنْ نُحَاسٍ تُضْرَبُ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى فَلَيْسَتْ مِنْ ءَالَاتِ اللَّهْوِ المُطْرِبَةِ بِمُفْرَدِهَا.
بعض الأشياء التي يحرم الاستماع إليها غير الموسيقى
هُنَاكَ أُمُورٌ يَحرُمُ الاستِمَاعُ إِلَيهَا غَيرَ المُوسِيقَى نَذكُرُ مِنهَا لِلفَائِدَةِ مَا يَلِي:
- الِاسْتِمَاعُ إِلَى كَلامِ قَوْمٍ أَخْفَوْهُ عَنْهُ:
أَيِ الِاسْتِمَاعُ إِلَى كَلامِ قَوْمٍ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ اطِّلَاعَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ وَنَوْعٌ مِنَ التَّجَسُّسِ الْمُحَرَّمِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
رواه البخاري
وَالآنُكُ بِمَدِّ الأَلِفِ وَضَمِّ النُّونِ الرَّصَاصُ الْمُذَابُ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ سُؤَالُ جِيرَانِهِ أَو أَولَادِهِمُ الصِّغَارِ عَمَّا عِنْدَهُمْ لِيَعْلَمَ مَا يَجْرِى فِى دَارِ جَارِهِ مِمَّا يَتَأَذَّى مِنَ اطِّلاعِهِ عَلَيْهِ.
- الاستِمَاعُ إِلَى الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَنَحْوِهِمَا:
بِخِلافِ مَا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ السَّمَاعُ قَهْرًا وَكَرِهَهُ، وَلَزِمَهُ الإِنْكَارُ إِنْ قَدَرَ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
- رَوضَةِ الطَّالِبِينَ لِلنَّوَوَيِّ.
- الحَاوِي الكَبِيرِ لِلمَاوَردِيِّ.
- بَحرِ المَذهَبِ لِلرُّويَانِيِّ.
- المُهَذَّبِ لِلشِّيرَازِيِّ.
- التَّهذِيبِ لِلبَغَوِيِّ.
- العَزِيزِ لِلرَّافِعِيِّ.