المحكم والمتشابه وطريقة الجمع بينهما

المحكم والمتشابه وطريقة الجمع بينهما

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

أَنزَلَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى القُرءَانَ الكَرِيمَ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفَصِيحَةِ، وَهَذِهِ اللُّغَةُ مِن أَعظَمِ اللُّغَاتِ، وَمِن أَجمَلِ اللُّغَاتِ، يَدخُلُ فِيهَا مِن أَنوَاعِ العُلُومِ وَالفُنُونِ مَا لَا يَدخُلُ فِي كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَاتِ غَيرِهَا، وَيَرِدُ عَلَيهَا مِنَ التَّشبِيهِ وَالِاستِعَارَةِ وَالتَّمثِيلِ وَالتَّصوِيرِ وَالكِنَايَةِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يُجَمِّلُ الكَلَامَ وَيَجعَلُهُ أَكثَرَ وُضُوحًا وَيُلفِتُ السَّامِعَ وَيُنَبِّهُهُ لِمَعَانِيهِ أَكثَرَ، وَغَيرُ ذَلِكَ الكَثِيرُ الكَثِيرُ مِن خَصَائِصِ وَمَزَايَا هَذِهِ اللُّغَةِ العَظِيمَةِ.

وَنُزُولُ القُرءَانِ بِهَذِهِ اللُّغَةِ مَعنَاهُ أَن يَرِدَ عَلَى أَلفَاظِهِ مَا يَرِدُ عَلَى غَيرِهِ مِن أَلفَاظِ اللُّغَةِ مِن أَنوَاعِ هَذِهِ الِاستِعَارَاتِ وَالكِنَايَاتِ وَالتَّشبِيهَاتِ وَالتَّصوِيرَاتِ وَغَيرِ ذَلِكَ، إِلَى جَانِبِ كَونِهِ لَفظًا مُعجِزًا عَجَزَ أَهلُ تِلكَ اللُّغَةِ الَّذِينَ كَانُوا أَبرَعَ النَّاسِ فِيهَا عَن أَن يَأتُوا بِمِثلِ أَقصَرِ آيَةٍ مِنهُ، لِذَلِكَ خَصَّ العُلَمَاءُ دِرَاسَةَ أَلفَاظِ القُرءَانِ وَبَيَانَ مَعَانِيهِ بِاهتِمَامٍ كَبِيرٍ، فَصَارَ لَهُ فَنٌّ خَاصٌّ يُعرَفُ بِفَنِّ التَّفسِيرِ، وَلَيسَ لِأَيِّ أَحَدٍ الدُّخُولُ فِيهِ، بَل لَا بُدَّ لَهُ مِن شُرُوطٍ وَلَا بُدَّ لَهُ مِن إِتقَانِ فُنُونٍ غَيرِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ، وَفِي هَذَا المَقَالِ نُبَيِّنُ جَانِبًا مِن هَذَا الفَنِّ وَنُوَضِّحُهُ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالتَّأوِيلِ وَالآيَاتِ المُحكَمَةِ وَالمُتَشَابِهَةِ، لِأَنَّ بَعضَ الجُهَّالِ أَنكَرَ وُجُودَهُ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُنَافٍ لِقَوَاعِدِ الإِسلَامِ وَأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى هَدمِ الشَّرِيعَةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.

تقسيم آيات القرءان إلى محكمات ومتشابهات

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذى أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ مِنهُ ءَايَاتٌ مُحكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذينَ في قُلوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعونَ ما تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلِهِ وَما يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخونَ فِي العِلمِ يَقولونَ ءامَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الأَلبَابِ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:7]. 

فَبَيَّنَت هَذِهِ الآيَةُ أَنَّ مِنَ القُرءَانِ آيَاتٌ مُحكَمَاتٌ وَءَايَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ مَعنَاهُمَا:

معنى الآيات المحكمة

الآيَاتُ المُحكَمَةُ هِيَ مَا عُرِفَ المُرَادُ مِنهُ بِوُضُوحٍ، أَي كَانَت دِلَالَتُهُ عَلَى المُرَادِ وَاضِحَةً، أَو مَا لَا يَحتَمِلُ مِنَ التَّأوِيلِ بِحَسَبِ وَضعِ اللُّغَةِ إِلَّا وَجهًا وَاحِدًا، فَالمُحكَمُ هُوَ الَّذِي عُلِمَ مَعنَاهُ بِلَا لَبسٍ، وَذَلِكَ نَحوُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾، [سُورَةُ الفَتحِ:29]، ﴿حُرِّمَت عَلَيكُم أُمَّهَاتُكُم وَبَنَاتُكُم﴾، [سُورَةُ النِّسَاءِ:23]، ﴿وَلَا تَقرَبُوا الزِّنىَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾،[سُورَةُ الإِسرَاءِ:32]، ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، [سُورَةُ الشُّورَى:11]، ﴿وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، [سُورَةُ الإِخلَاصِ:4]، فَهَذِهِ كُلُّهَا آيَاتٌ مُحكَمَةٌ لَا تَحتَمِلُ إِلَّا مَعنًى وَاحِدًا.

معنى الآيات المتشابهة

الآيَاتُ المُتَشَابِهَةُ هِيَ مَا لَم تَتَّضِح دِلَالَتُهُ، أَو مَا يَحتَمِلُ أَوجُهًا عَدِيدَةً بِحَسَبِ وَضعِ اللُّغَةِ، أَي مَا احتَمَلَ وُجُوهًا مُختَلِفَةً وَاشتَرَكَ لَفظُهُ فِي مَعَانٍ مُختَلِفَةٍ فَيَحتَاجُ إِلى النَّظَرِ وَالاستِدلَالِ لِتَرجِيحِ بَعضِ المَعَانِي عَلَى بَعضٍ، وَاشتَرَكَت فِيهِ مَعَانٍ مُتَبَايِنَةٌ يَتَرَجَّحُ بَعضُهَا عَلَى بَعضٍ بِالنَّظَرِ وَالاستِدلَالِ، فَيَنظُرُ فِيهِ أَهلُ الفَهمِ وَالدِّرَايَةِ بِاللُّغَةِ وَبِمَعَانِي النُّصُوصِ لِحَملِهِ عَلَى الوَجهِ المُطَابِقِ الَّذِي لَا يَتَعَارَضُ مَعَ مَعَانِي المُحكَمِ.

وَذَلِكَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحمٰنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، [سُورَةُ طَهَ:5]، فَقَد دَلَّ الدَّلِيلُ العَقلِيُّ وَالنَّقلِيُّ عَلَى أنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيهِ الجُلُوسُ أَوِ الاستِقرَارُ أَوِ الكَونُ فِي جِهَةٍ أَو مَكَانٍ، فَوَجَبَ لِذَلِكَ إِخرَاجُ كَلِمَةِ استَوَى عَنِ المَعنَى الظَّاهِرِ، أَي المُتَبَادِرِ المُقتَضِي لِصِفَاتِ المَخلُوقَاتِ، لِأَنَّ كَلِمَةَ استَوَى إِذَا تَجَرَّدَت عَنِ السِّيَاقِ، يَكُونُ المَعنَى المُتَبَادِرُ مِنهَا الجُلُوسَ وَالاستِقرَارَ، وَبِالسِّيَاقِ يَختَلِفُ ذَلِكَ، فَوَجَبَ حَملُهَا عَلَى مَا يَقتَضِيهِ السِّيَاقُ، لِكَي لَا يَكُونَ تَعَارُضٌ بَينَ الأَدِلَّةِ، فَلَا بُدَّ مِن إِخرَاجِهَا إِلى المَعنَى الآخَرِ حَتَّى لَا تَتَعَارَضَ الأَدِلَّةُ.

النَّهيُ عَن تَتَبُّعِ المُتَشَابِهَاتِ دُونَ بَيَانٍ لِمَعنَاهَا

رَوَى مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ ‌سَمَّى ‌اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ».اهـ

أنواع الآيات المتشابهة

المُتَشَابِهُ نَوعَانِ:

نَوعٌ يَعلَمُ تَأوِيلَهُ أَهلُ الدِّرَايَةِ وَالعِلمِ: لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ﴾، [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:7]، أَخرَجَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: «الرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَعلَمُونَ تَأوِيلَهُ، وَلَو لَم يَعلَمُوا تَأوِيلَهُ لَم يَعلَمُوا نَاسِخَهُ مِن مَنسُوخِهِ، وَلَا حَلَالَهُ مِن حَرَامِِهِ، وَلَا مُحكَمَهُ مِن مُتَشَابِهِهِ»، وَاختَارَ النَّوَوِيُّ هَذَا القَولَ فَقَالَ فِي شَرحِ مُسلِمٍ: «إِنَّهُ الأَصَحُّ، لِأَنَّهُ يَبعُدُ أَن يُخَاطِبَ اللهُ عِبَاَدَهُ بِمَا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنَ الخَلقِ مِن مَعرِفَتِهِ».

وَنَوعٌ لَا سَبِيلَ لِلمَخلُوقِ لِلعِلمِ بِتَأوِيلِهِ: بَل استَأثَرَ اللهُ بِعِلمِِهِ، كوَجبَةِ القِيَامَةِ، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، لا يَعلَمُهُمَا عَلَى التَّحدِيدِ إِلَّا اللهُ، ولا يَعلَمُهُمَا أَحَدٌ مِنَ الخَلقِ، لا الرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ وَلا غَيرُهُم، بِدَلِيلِ قَولِ الرَّسُولِ ﷺ لِجِبرِيلَ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ السَّاعَةِ، أَىِ القِيَامَةِ: «مَا المَسئُولُ عَنهَا بِأَعلَمَ مِنَ السَّائِلِ»، رواه البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَابنُ حِبَّانَ، فَإِذَا كَانَ جِبرِيلُ وَسَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ لا يَعلَمَانِ ذَلِكَ فَغَيرُهُمَا أَولَى بِأَن لا يَعلَمَ.

طريقة الجمع بين المحكم والمتشابه

إِذَا عَلِمنَا تَقسِيمَ القُرءَانِ إِلَى المُحكَمِ وَالمُتَشَابِهِ وَالفَرقَ بَينَهُمَا وَأَنَّ عَدَمَ الجَمعِ بَينَهُمَا يُؤَدِّي إِلَى تَعَارُضِ الأَدِلَّةِ، فَلَا بُدَّ مِن طَرِيقَةٍ لِلجَمعِ بَينَ المُحكَمَاتِ وَالمُتَشَابِهَاتِ، وَقَد وَضَعَ العُلَمَاءُ مَا يُسَمَّى بِالتَّأوِيلِ لِهَذَا الأَمرِ، وَفِي مَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ:

معنى التأويل

أَورَدَ ابنُ مَنظُورٍ فِي لِسَانِ العَرَبِ فِي مَعنَى التَّأوِيلِ عِدَّةَ مَعَانٍ بَلَغَت تِسعَةً وَخَمسِينَ مَعنًى، مِنهَا قَولُهُ: «وَأَوَّلَ الكَلَامَ وَتَأَوَّلَهُ دَبَّرَهُ وَقَدَّرَهُ، وَأَوَّلَهُ وَتَأَوَّلَهُ فَسَّرَهُ»، وَقَولُهُ: «وَالمُرَادُ بِالتَّأوِيلِ نَقلُ ظَاهِرِ اللَّفظِ عَن وَضعِهِ الأَصلِيِّ إِلَى مَا يَحتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ لَولَاهُ مَا تُرِكَ ظَاهِرُ اللَّفظِ»، وَقَولُهُ: «التَّأوِيلُ وَالمَعنَى وَالتَّفسِيرُ وَاحِدٌ»، وَقَولُهُ: «التَّأوِيلُ جَمعُ مَعَانِي أَلفَاظٍ أَشكَلَت بِلَفظٍ وَاضِحٍ لَا إِشكَالَ فِيهِ»، وَقَولُهُ: «التَّأَوُّلُ وَالتَّأوِيلُ تَفسِيرُ الكَلَامِ الَّذِي تَختَلِفُ مَعَانِيهِ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِبَيَانِ غَيرِ لَفظِهِ»، وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ المَعَانِي، فَالتَّأوِيلُ مَعنًى لَا يَتَعَارَضُ مَعَ اللُّغَةِ، بَل هُوَ مَوجُودٌ عَرَفَهُ أَهلُ اللُّغَةِ فِي الزَّمَانِ المَاضِي، فَهُوَ مَا يُوَضِّحُ الكَلَامَ وَيُخرِجُهُ إِلَى المَعَانِي المُرَادَةِ مِنهُ بِوُضُوحٍ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي القُرءَانِ أَو فِي غَيرِهِ.

الدليل على جواز التأويل

ثَبَتَ جَوَازُ التَّأوِيلِ وَمَشرُوعِيَّتُهُ مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفِعلِ صَحَابَتِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم بَعدَهُ، وَفِعلِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالخَلَفِ وَعُلَمَاءِ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ، فَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ: »اللَّهُمَّ عَلِّمهُ الحِكمَةَ وَالتَّأوِيلَ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، أَي تَأوِيلَ القُرءَانِ وَالحَدِيثِ، فَكَيفَ يَدعُو رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَحَدٍ بِأَن يَتَعَلَّمَ مَا فِيهِ هَدمٌ لِلدِّينِ أَو مَا هُوَ مُحَرَّمٌ شَرعًا، لَا يَستَقِيمُ، بَل قَد ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَوَّلَ بَعضَ الآيَاتِ هُوَ بِنَفسِهِ وَثَبَتَت أَحَادِيثُهَا فِي الصِّحَاحِ، كَمَا أَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَعِيشَةَ الضَّنكَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيَامَةِ أَعمَى﴾، [سُورَةُ طَهَ:124]، فَقَالَ ﷺ: «هِيَ عَذَابُ الكَافِرِ فِي قَبرِهِ»، رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَكَيفَ يُحَرِّمُهُ جَاهِلٌ بَعدَ ذَلِكَ؟ أَم كَيفَ يُنكِرُ وُجُودَهُ مَن لَا حَظَّ لَهُ فِي العِلمِ؟

أنواع التأويل

التَّأوِيلُ نَوعَانِ:

النَّوعُ الأَوَّلُ: التَّأوِيلُ الإِجمَالِيُّ: وَيُسَمَّى التَّفوِيضَ، وهو مَسلَكُ السَّلَفِ أَي أَكثَرِهِم، وَهُم أَهلُ القُُرُونِ الثَّلَاثَةِ الأُولَى، فَكَانُوا يُؤَوِّلُونَ الآيَاتِ تَأوِيلًا إِجمَالِيًّا مِن غَيرِ تَفصِيلٍ، أَي يُمِرُّونَ الآيَاتِ كَمَا جَاءَت وَيَرُدُّونَ عِلمِهَا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يَضَعُونَ لَهَا مَعنًى تَفصِيلِيًّا، لَكِن مَعَ نَفيِ الظَّاهِرِ الَّذِي يُخَالِفُ قَوَاعِدَ الإِسلَامِ، كَالآيَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا نِسبَةُ الجِسمِ أَوِ الشَّكلِ أَوِ اللَّونِ أَوِ الحَدِّ أَوِ الجِهَةِ أَوِ المَكَانِ أَوِ الجُزئِيَّةِ أَو غَيرِ ذَلِكَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، بَل كَانُوا يَنفُونَ عَنِ اللهِ هَذَا بِدَلِيلِ أَقوَالٍ لَهُم ثَبَتَت عَنهُم فِي غَيرِ مَعرِضِ التَّأوِيلِ بَيَّنَت عَقِيدَتَهُم فِي ذَلِكَ.

وَلَيسَ هَذَا لأَنَّهُم كَانُوا ضِعَافًا فِي العِلمِ وَفِي الُّلغَةِ وَفِي العَقلِ، لَا بَل لِأَنَّهُ لَم يَكُن حَاجَةٌ فِي زَمَانِهِم إِلَى التَّأوِيلِ التَّفصِيلِيِّ، فَيَقُولُ الوَاحِدُ مِنهُم لِمَاذَا أُرَجِّحُ مَعنًى عَلَى مَعنًى مِن غَيرِ حَاجَةٍ، فَكَانُوا مِثلَ قَومٍ عِندَهُمُ السِّلَاحُ لَكِن مَا كَانَت حَاجَةٌ إِلى إِبرَازِهِ فَلَم يُبرِزُوهُ، عَلَى أَنَّهُ قَد ثَبَتَ عَن بَعضِهِمُ التَّأوِيلُ التَّفصِيلِيُّ فِي بَعضِ المَوَاضِعِ.

النَّوعُ الثَّانِي: التَّأوِيلُ التَّفصِيلِيُّ: وَهُوَ وَمَسلَكُ الخَلَفِ أَي أَكثَرِهِم، وَهُم مَن جَاؤُوا مِن بَعدِ القُرُونِ الثَّلَاثَةِ الأُولَى مِن عُلَمَاءِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، فَكَانُوا يُؤَوِّلُونَهَا تَأوِيلًا تَفصِيلِيًّا بِتَعيِينِ مَعَانٍ لَهَا مِمَّا تَقتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ وَتَحتَمِلُهُ الآيَةُ، فَمَا كانوا يَكتَفُونَ بِالتَّأوِيلِ الإِجمَالِىِِّ كَقَولِ إِنَّ لَهَا مَعنًى يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى لَا كَمَعَانِي المَخلُوقِينَ كَالسَّلَفِ، بَل يَحمِلُونَهَا عَلَى مَعنًى يُوَافِقُ الآيَاتِ المُحكَمَةَ وَيُوَافِقُ لُغَةَ العَرَبِ وَيُرَجِّحُونَهُ عَلَى غَيرِهِ مِنَ المَعَانِي بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ لَا القَطعِ، وَبِنَاءً عَلَى الدَّلِيلِ، وَهَذَا لِظُهُورِ الحَاجَةِ فِي زَمَانِهِم إِلَى مِثلِ هَذِهِ التَّأوِيلَاتِ بِسَبَبِ ظُهُورِ كَثِيرٍ مِنَ البِدَعِ الِاعتِقَادِيَّةِ، فَكَانَ هُنَاكَ حَاجَةٌ لِإِظهَارِ المَعنَى التَّفصِيلِيِّ المُرَادِ مِنَ الآيَةِ خَوفًا عَلَى العَوَامِّ وَحِرصًا مِنهُم عَلَى حِفظِ عَقِيدَةِ المُسلِمِينَ.

وَذَكَرَ المَعنَيَينِ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ وَابنُ حَجَرٍ فِي شَرحِهِ لِلبُخَارِيِّ وَغَيرُهُمَا.

أمثلة على التأويل الإجمالي

مِن أَكثَرِ أَمثِلَةِ التَّأوِيلِ الإِجمَالِيِّ وُضُوحًا هُوَ قَولُ أَبِي الحَسَنِ الأَشعَرِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ البَيهَقِيُّ فِي الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ فِي مَعنَى استِوَاءِ اللهِ عَلَى العَرشِ: «وَذَهَبَ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ إِسمَاعِيلَ الأَشعَرِيُّ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَعَلَ فِي العَرشِ فِعلًا سَمَّاهُ استِوَاءً، كَمَا فَعَلَ فِي غَيرِهِ فِعلًا سَمَّاهُ رِزقًا أَو نِعمَةً أَو غَيرَهُمَا مِن أَفعَالِهِ»، فَانظُر كَيفَ أَنَّهُ أَثبَتَ الِاستِوَاءَ مِن غَيرِ الدُّخُولِ فِي المَعنَى التَّفصِيلِيِّ لَهُ، بَل أَمَرَّهُ كَمَا جَاءَ مُؤمِنًا مُعتَقِدًا أَنَّهُ ثَابِتٌ لِوُرُودِهِ فِي القُرءَانِ، لَكِنَّهُ أَيضًا لَم يُشَبِّهِ اللهَ تَعَالَى بِخَلقِهِ، وَنَفَى أَن يَكُونَ مَعنَى الِاستِوَاءِ هُوَ الجُلُوسَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَولُهُ بَعدَ ذَلِكَ: «ثُمَّ لَم يُكَيِّفِ الِاستِوَاءَ (أَي لَم يَجعَلهُ كَصِفَاتِ البَشَرِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى) إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَهُ مِن صِفَاتِ الفِعلِ لِقَولِهِ: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، [سُورَةُ طَهَ:5]».اهـ

أمثلة على التأويل التفصيلي من كلام الصحابة

ثَبَتَ التَّأوِيلُ التَّفصِيلِيُّ عَن بَعضِ الصَّحَابَةِ مِنهُمُ الحَبرُ وَتَرجُمَانُ القُرءَانِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، فَقَد قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي «فَتحِ البَارِي شَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ» مَا نَصُّهُ: «وَأَمَّا السَّاقُ فَجَاءَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ﴾، قَالَ: عَن شِدَّةٍ مِنَ الأَمرِ»، وَقَالَ: «وَأَسنَدَ البَيهَقِيُّ الأَثَرَ المَذكُورَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدَينِ كُلٌّ مِنهُمَا حَسَنٌ».

أمثلة على التأويل التفصيلي من كلام علماء السلف

ثَبَتَ التَّأوِيلُ التَّفصِيلِيُّ عِندَ مَن جَاءَ بَعدَ الصَّحَابَةِ مِن أَهلِ السَّلَفِ، وَمِنهُم مُجَاهِدٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَد قَالَ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ فِي الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ: «وَأَخبَرَنَا أَبُو عَبدِ اللهِ الحَافِظُ وَأَبُو بَكرٍ القَاضِي قَالَا: ثَنَا أَبُو العَبَّاسِ مُحَمَّدُ بنُ يَعقُوبَ حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ عَفَّانَ ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ النَّضرِ عَن مُجَاهِدٍ: قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللهِ﴾ قَالَ: قِبلَةُ اللهِ، فَأَينَمَا كُنتَ فِي شَرقٍ أَو غَربٍ فَلَا تَوَجَّهَنَّ إِلَّا إِلَيهَا».

وَمِنهُمُ الإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَد نَقَلَ الزُّرقَانِيُّ فِي شَرحِ المُوَطَّأِ عَن أَبِي بَكرٍ ابنِ العَرَبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ: «يَنزِلُ رَبُّنَا»: «وَكَذَا حُكِيَ عَن مَالِكٍ أَنَّهُ أَوَّلَهُ بِنُزُولِ رَحمَتِهِ وَأَمرِهِ أَو مَلَائِكَتِهِ».

وَمِنهُمُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَد جَاءَ فِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ» عِندَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجهَهُ﴾ قَالَ البُخَارِيُّ: «إِلَّا مُلكَهُ، وَيُقَالُ: إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجهُ اللهِ».

المحكم هو المرجع في تأويل المتشابهات

الآيَاتُ المُحكَمَاتُ هُنَّ أَصلُ الكِتَابِ وَأَسَاسُهُ، وَيُرجَعُ إِلى الآيَاتِ المُحكَمَاتِ فِي فَهمِ المُتَشَابِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ آل عِمرَان: ﴿هُوَ الَّذى أَنزَلَ عَلَيكَ أَي يَا مُحمَّدُ ﴿الكِتَابَ أَي القُرءَانَ ﴿مِنهُ ءَايَاتٌ مُحكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتٰبِ﴾ أَي أَصلُ الكِتَابِ وَأَسَاسُهُ، وَإِلَيهِنَّ يُرجَعُ فِي فَهمِ المُتَشَابِهِ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:7]، وَهِيَ الَّتِي يَحتَاجُ إِلى رَدِّها إِلى الآيَاتِ المُحكَمَاتِ لِتَتَّضِحَ دِلَالَتُها، أَي لِأَنَّ الآيَاتِ المُتَشَابِهَاتِ فِيهَا وَجهٌ مِن وُجُوهِ الغُمُوضِ وَعَدَمِ الوُضُوحِ لَو نُظِرَ إِلَيهَا بِمُفرَدِهَا بِمَعزِلٍ عَنِ الآيَاتِ الأُخرَى وَالأَدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ، فَلَا يَتَّضِحُ المُرَادُ مِنهَا وَيَشتَبِهُ مَعنَاهَا عَلَى سَامِعِهَا أَو قَارِئِهَا مَا لَم يَرُدَّهَا وَيرجِعَ بِهَا إِلى غَيرِهَا مِنَ الأَدِلَّةِ، وَلِهٰذَا سُمِّيَت مُتَشَابِهَةً، وَطُلِبَ رَدُّهَا إِلى المُحكَمِ، وَأَمَّا الآيَاتُ المُحكَمَاتُ فَمَعنَاهَا ظَاهِرٌ وَاضِحٌ لَا يُحتَاجُ فِى فَهمِهِ إِلى رُجُوعٍ إِلى غَيرِهَا، وَلِذٰلِكَ صَلَحَت أَن تَكُونَ أَسَاسًا وَأَصلًا يُرجَعُ إِلَيهِ.

القاعدة في تأويل النصوص

التَّأوِيلُ عِلمٌ لَهُ شُرُوطٌ وَمَبَادِئُ وَقَوَاعِدُ لَا يُقبَلُ تَجَاهُلَهَا وَلَا يَسُوغُ تَخَطِّيهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ مُؤَدَّاهُ الوُقُوعُ بِالمَحظُورِ، لِذَلِكَ كَانَ لَا بُدَّ مِن تَقَصِّي الشُّرُوطِ الَّتِي تَجِبُ وَالمَبَادِئِ الَّتِي تَتَحَتَّمُ مُرَاعَاتُهَا، وَمِنهَا اتِّبَاعُ الدَّلِيلِ وَعَدَمُ تَأوِيلِ الآيَاتِ بِنَاءً عَلَى هَوَى النَّفسِ وَالتَّشَهِّي، فَقَد قَالَ الإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي «العَقِيدَةِ النَّسَفِيَّةِ»: «وَالنُّصُوصُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تُحمَلُ عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَالعُدُولُ عَنهَا إِلَى مَعَانٍ يَدَّعِيهَا أَهلُ البَاطِنِ إِلحَادٌ، وَرَدُّ النُّصُوصِ كُفرٌ»، يَعنِي أَنَّ النَّصَّ القُرآنِيَّ وَالنَّصَّ الحَدِيثِيَّ يُحمَلَانِ عَلَى الظَّاهِرِ مَا لَم يَدُلَّ دَلِيلٌ عَقلِيٌّ أَو سَمعِيٌّ عَلَى وُجُوبِ العُدُولِ عَن ذَلِكَ، فَعِندَئِذٍ يُحمَلُ عَلَى غَيرِ الظَّاهِرِ لِلضَّرُورَةِ، فَالتَّأوِيلُ لِغَيرِ الدَّلِيلِ عَبَثٌ.

وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي «فَتحِ البَارِي» مَا نَصُّهُ: «قَالَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ فِي «العَقِيدَةِ»: تَقُولُ فِي الصِّفَاتِ المُشكِلَةِ إِنَّهَا حَقٌّ وَصِدقٌ عَلَى المَعنَى الَّذِي أَرَادَهُ اللهُ، وَمَن تَأَوَّلَهَا نَظَرنَا: فَإِن كَانَ تَأوِيلُهُ قَرِيبًا عَلَى مُقتَضَى لِسَانِ العَرَبِ لَم نُنكِر عَلَيهِ، وَإِن كَانَ بَعِيدًا تَوَقَّفنَا عَنهُ وَرَجَعنَا إِلَى التَّصدِيقِ مَعَ التَّنزِيهِ، وَمَا كَانَ مِنهَا مَعنَاهُ ظَاهِرًا مَفهُومًا مِن تَخَاطُبِ العَرَبِ حَمَلنَاهُ عَلَيهِ».

فَإِذَن، لَا بُدَّ أَن يَدُلَّ دَلِيلٌ عَقلِيٌّ أَو سَمعِيٌّ عَلَى وُجُوبِ العُدُولِ عَن ظَاهِرِ اللَّفظِ إِلَى المَعنَى المُؤَوَّلِ، ثُمَّ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ المَعنَى قَرِيبًا عَلَى مُقتَضَى لِسَانِ العَرَبِ.

نتيجة حمل المتشابه على الظاهر

مِنَ النَّتَائِجِ الَّتِي تَتَحَصَّلُ بِسَبَبِ حَملِ المُتَشَابِهَاتِ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَتَركِ تَأوِيلِهَا هُوَ أَن تَتَعَارَضَ النُّصُوصُ، بَل قَد يُؤَدِّي إِلَى إِبطَالِ أَحكَامٍ وَهَدمِ قَوَاعِدَ كَامِلَةٍ مِن قَوَاعِدِ الدِّينِ، عَدَا عَنِ الفَهمِ السَّقِيمِ لَهَا، وَتَكذِيبِ بَعضِهَا بِنَاءً عَلَى بَعضٍ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي لَا تَسُوغُ وَلَا تَلِيقُ نِسبَتُهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى.

قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «وَاعلَم أَنَّ الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى نَفيِ كَونِهِ تَعَالَى جِسمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأَجزَاءِ وَالأَعضَاءِ قَد سَبَقَت، إِلَّا أَنَّا نَذكُرُ هاهنا نُكَتًا جَارِيَةً مَجرَى الإِلزَامَاتِ الظَّاهِرَةِ:

فَالأَوَّلُ: أَنَّ مَن قَالَ إِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الأَعضَاءِ وَالأَجزَاءِ، فَإِمَّا أَن يُثبِتَ الأَعضَاءَ الَّتِي وَرَدَ ذِكرُهَا فِي القُرآنِ وَلَا يَزِيدَ عَلَيهَا، وَإِمَّا أَن يَزِيدَ عَلَيهَا، فَإِن كَانَ الأَوَّلُ لَزِمَهُ إِثبَاتُ صُورَةٍ لَا يُمكِنُ أَن يُزَادَ عَلَيهَا فِي القُبحِ، لِأَنَّهُ يَلزَمُهُ إِثبَاتُ وَجهٍ بِحَيثُ لَا يُوجَدُ مِنهُ إِلَّا مُجَرَّدُ رُقعَةِ الوَجهِ لِقَولِهِ: ﴿كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجهَهُ﴾، [سُورَةُ القَصَصِ:88] وَيَلزَمُهُ أَن يُثبِتَ فِي تِلكَ الرُّقعَةِ عُيُونًا كَثِيرَةً لِقَولِهِ: ﴿تَجرِي بِأَعيُنِنا﴾، [سُورَةُ القَمَرِ:14]، وَأَن يُثبِتَ جَنبًا وَاحِدًا لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يا حَسرَتى عَلى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾، [سُورَةُ الزُّمَرِ:56]، وَأَن يُثبِتَ عَلَى ذَلِكَ الجَنبِ أَيدِيَ كَثِيرَةً لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّا عَمِلَت أَيدِينا﴾، [سُورَةُ يَس:71]، وَبِتَقدِيرِ أَن يَكُونَ لَهُ يَدَانِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَن يَكُونَ كِلَاهُمَا عَلَى جَانِبٍ وَاحِدٍ لِقَولِهِ ﷺ: «الحَجَرُ الأَسوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الأَرضِ»، وَأَن يُثبِتَ لَهُ سَاقًا وَاحِدًا لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَومَ يُكشَفُ عَن ساقٍ﴾، [سُورَةُ القَلَمِ:42]، فَيَكُونُ الحَاصِلُ مِن هَذِهِ الصُّورَةِ، مُجَرَّدَ رُقعَةِ الوَجهِ وَيَكُونُ عَلَيهَا عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، وَجَنبٌ وَاحِدٌ وَيَكُونُ عَلَيهِ أَيدٍ كَثِيرَةٌ وَسَاقٌ وَاحِدٌ، وَمَعلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَقبَحُ الصُّوَرِ، وَلَو كَانَ هَذَا عَبدًا لَم يَرغَب أَحَدٌ فِي شِرَائِهِ، فَكَيفَ يَقُولُ العَاقِلُ إِنَّ رَبَّ العَالَمِينَ مَوصُوفٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.

وَأَمَّا القِسمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَن لَا يَقتَصِرَ عَلَى الأَعضَاءِ المَذكُورَةِ فِي القُرآنِ، بَل يَزِيدُ وَيَنقُصُ عَلَى وَفقِ التَّأوِيلَاتِ، فَحِينَئِذٍ يَبطُلُ مَذهَبُهُ فِي الحَملِ عَلَى مُجَرَّدِ الظَّوَاهِرِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِن قَبُولِ دَلَائِلِ العَقلِ».

فَبِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ مِن نَتِيجَةِ حَملِ المُتَشَابِهِ عَلَى الظَّاهِرِ وَغَيرِ ذَلِكَ يُعلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الجَمعِ بَينَ النُّصُوصِ، حَتَّى لَا يَقَعَ التَّنَاقُضُ وَفَسَادُ القَولِ فِي النُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ، وَحَتَّى لَا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى تَعطِيلِ بَعضِ النُّصُوصِ.

التأويل ليس تحريفا

التَّأوِيلُ الصَّحِيحُ لَيسَ تَحرِيفًا لِمَعَانِي القُرءَانِ أَو أَلفَاظِهِ، بَلِ القَصدُ مِنهُ هُوَ ظُهُورُ مَعَانِي الأَلفَاظِ الَّتِي قَد تَشتَبِهُ عَلَى النَّاسِ وَتَختَلِطُ عَلَيهِم فَلَا يَعرِفُونَ المُرَادَ مِنهَا، وَفِي ذَلِكَ صَونٌ لِعَوَامِّ المُسلِمِينَ عَنِ الوُقُوعِِ فِي المَحظُورِ عِندَ قِرَاءَةِ بَعضِ النُصُوصِ الَّتِي ظَاهِرُهَا مُصَادِمٌ لِقَوَاعِدِ الدِّينِ، قَالَ البَغَوِيُّ: التَّأوِيلُ صَرفُ الآيَةِ إِلَى مَعنًى مُوَافِقٍ لِمَا قَبلَهَا وَبَعدَهَا تَحتَمِلُهُ الآيَةُ، غَيرِ مُخَالِفٍ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِن طَرِيقِ الِاستِنبَاطِ، غَيرِ مَحظُورٍ عَلَى العُلَمَاءِ بِالتَّفسِيرِ، قَالَ: وَأَمَّا التَّأوِيلُ المُخَالِفُ لِلآيَةِ وَالشَّرعِ فَمَحظُورٌ.اهـ

خاتمة

قَد أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ شَرِيعَةَ الإِسلَامِ السَّمحَةَ، وَعَلَّمَهُ عَقِيدَةَ التَّوحِيدِ الَّتِي هِيَ عَقِيدَةُ كُلِّ الأَنبِيَاءِ، وَالَّتِي بِهَا النَّجَاةُ يَومَ القِيَامَةِ، فَبَيَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الطَّرِيقَ لِلنَّاسِ، وَبَيَّنَ لَهُمُ النَّهجَ الصَّحِيحَ، فَيَنبَغِي عَلَى الإِنسَانِ أَن يَبقَى ثَابِتًا عَلَى الخَطِّ الَّذِي خَطَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وَالَّذِي يُوصِلُ إِلَى الجَنَّةِ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى، وَإِلَّا يَكُونُ هُوَ الخَاسِرَ الأَكبَرَ يَومَ القِيَامَةِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر والمراجع

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ.
  6. تَفسِيرِ البَغَوِيِّ.
  7. تَفسِيرِ ابنِ أَبِي حَاتِمٍ.
  8. التَّفسِيرِ الكَبِيرِ لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ.
  9. فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
  10. المِنهَاجِ شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  11. شَرحِ الزُّرقَانِيِّ عَلَى المُوَطَّأِ.
  12. الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلبَيهَقِيِّ.
  13. العَقِيدَةِ النَّسَفِيَّةِ.
  14. لِسَانِ العَرَبِ لِابنِ مَنظُورٍ.