تعريف المتشابه
المتشابهُ: هوَ ما لم تتضحُ دلالتهُ أي الذي دلالته على المراد غيرُ واضحة أو يحتملُ أوجهًا عديدةً واحتاجَ إلى النظرِ لحملهِ على الوجهِ المُطابقِ أي احتيجَ لمعرفة المعنى المرادِ منه لنظر أهل النظر والفهم الذين لهم دراية بالنصوص ومعانيها ولهم درايةٌ بلغة العرب فلا تخفى عليهم المعاني، إذ ليس لكل إنسان يقرأ القرءان أن يفسره.
فتفسير الآيات المتشابهة يجبُ أن يُردَّ إلى الآيات المحكمة، معناه أن من أراد أن يفسر المتشابه يجبُ أن يكون موافقًا للآيات المحكمات كتفسير الاستواء بالقهر فإنه موافق للمحكمات، كذلك تفسير: {إليهِ يصعدُ الكلمُ الطيب} بمحلّ كرامتهِ وهي السماء موافقٌ للمحكمات.
هذا في المتشابه الذي يجوز للعلماء أن يعلموه، وأما المتشابه الذي أُريدَ بقوله: {وما يعلمُ تأويلهُ إلا الله}[سورة ءال عمران/7] على قراءة الوَقفِ على لفظ الجلالة فهو ما كان مثل وجبةِ القيامة، وخروجِ الدجال على التحديد، فليسَ من قبيل ءاية الاستواء، ولا يعلمهما على التحديد إلا الله.
من الآيات المتشابه
قال الله تعالى
الرحمنُ على العرشِ استوى
سورة طه ءاية 5
التفسير
معنى الِاسْتِوَاءِ أن يُقَالُ اسْتَوَى اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِهِ، أَوْ يُقَالُ {الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} بِلا كَيْفٍ، أَمَّا مَنْ أَرَادَ التَّأْوِيلَ التَّفْصِيلِيَّ فَيَقُولُ قَهَرَ وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ اسْتَوْلَى، فيَجِبُ تَرْكُ الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَحْمِلٍ مُسْتَقِيمٍ فِي الْعُقُولِ، وليس المرادُ منه الجلوس والاستقرار فإنه لا يليق به سبحانه، وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ.
وَمَعْنَى قَهْرِ اللَّهِ لِلْعَرْشِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ أَنَّ الْعَرْشَ تَحْتَ تَصَرُّفِ اللَّهِ هُوَ خَلَقَهُ وَهُوَ يَحْفَظُهُ، يَحْفَظُ عَلَيْهِ وُجُودَهُ وَلَوْلا حِفْظُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ لَهَوَى إِلَى الأَسْفَلِ فَتَحَطَّمَ، فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ أَوْجَدَهُ ثُمَّ هُوَ حَفِظَهُ وَأَبْقَاهُ، هَذَا مَعْنَى قَهَرَ الْعَرْشَ، هُوَ سُبْحَانَهُ قَاهِرُ الْعَالَمِ كُلِّهِ، هَذِهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ لَوْلا أَنَّ اللَّهَ يَحْفَظُهَا عَلَى هَذَا النِّظَامِ الَّذِي هِيَ قَائِمَةٌ عَلَيْهِ لَكَانَتْ تَهَاوَتْ وَحَطَّمَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَاخْتَلَّ نِظَامُ الْعَالَمِ. وَالإِنْسَانُ قَهَرَهُ اللَّهُ بِالْمَوْتِ، أَيُّ مَلِكٍ وَأَيُّ إِنْسَانٍ رُزِقَ عُمْرًا طَوِيلًا لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ أَنْ يَحْمِيَ نَفْسَهُ مِنَ الْمَوْتِ فَلا بُدَّ أَنْ يَمُوتَ.
قال الله تعالى
إليهِ يَصعدُ الكلمُ الطيبُ والعملُ الصالحُ يرفعه
سورة فاطر ءاية 10
التفسير
أي أن الكلمَ الطيب كلا إله إلا الله يصعدُ إلى محل كرامتهِ أي المكان الذي هو مشرف عند الله وهو السماء فهي مسكن الملائكة، والعملُ الصالحُ وهو يشملُ كل عمل صالح يُتقربُ به إلى الله كنحو الصلاة والصدقة وصلة الرحم يرفعهُ أي الكلم الطيب يرفع العمل الصالح، فالمعنى أن كل ذلك يصعد إلى الله أي يتقبله، وهذا منطبقٌ ومنسجمٌ معَ الآية المحكمة: {ليس كمثله شىء}، فهذا من المتشابه الذي يعلمُ معناه الراسخون.
الحكمة من الآيات المتشابه
الحِكمةُ من الآيات المتشابهة أن يبتليَ عبادهُ حتى يكون للذي يحملها على محملها أجرٌ عظيمٌ، ويرجعُ المعنى إلى قوله تعالى: {يُضِلُّ اللهُ من يشاءُ ويهدي من يشاء} [سورة المدثر/31]، وقوله تعالى عن القرءان: {يُضلُّ بهِ كثيرًا ويهدي بهِ كثيرًا} [سورة البقرة/26]. فالقرءان ليس كلُّ الناس يهتدي به إنما يهتدي به من شاء الله له الهدى.
جزاكم الله خيرا